اتفاق طهران - واشنطن: نهاية حرب أم بداية إعادة رسم للمنطقة؟

Shutterstock

Shutterstock

في الرابع عشر من حزيران 2026، أعلنت الولايات المتحدة وإيران التوصّل إلى اتفاق إطاري ينهي حرب الاثني عشر يومًا، ويعيد فتح مضيق هرمز، ويفتح نافذة ستين يومًا لمفاوضات تفصيلية حول البرنامج النووي الإيراني. اتفاقٌ على عجل، تتفاوت نصوصه بين الصياغات الأمريكية والإيرانية، لكنه يحمل في طيّاته أكثر بكثير من وقف لإطلاق النار.



إنه إعلان عن مرحلة جديدة، تتشابك فيها أربعة مستويات: الإقليمي، والدولي، والاقتصادي، والصيني - الأمريكي.



بنود الاتفاق


تكشف مذكرة التفاهم التي سرّبتها وسائل إعلام إيرانية أن الاتفاق يتضمّن إعادة تأكيد إيران التزامها بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ورفع جزء من العقوبات النفطية والمالية، وإطلاق نحو أربعة وعشرين مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمّدة، نصفها قبل بدء المفاوضات النهائية.


في المقابل، تتعهّد طهران بإبقاء برنامجها النووي في وضعه الحالي خلال نافذة الستين يومًا، ويرفع ترامب الحصار البحري الأمريكي عن مضيق هرمز.



لكن السطور الأهم هي ما لم يُكتب: مصير اليورانيوم المخصّب بنسب عالية، وقدرات إيران الصاروخية، والترتيبات الأمنية الإقليمية. هذه الملفات مؤجّلة إلى المفاوضات التفصيلية. هذا التأجيل قد يكون مفتاحًا لنجاح الاتفاق، أو سببًا لانهياره.



الانعكاس الإقليمي: من يربح، من يخسر؟


في الخليج الفارسي - الذي يُسمّى أيضًا الخليج العربي بحسب الجغرافيا التي تنظر منها - الاتفاق هزّة استراتيجية كبرى. السعودية والإمارات والكويت وقطر، التي بنت في السنوات الأخيرة قنوات تواصل مباشرة مع طهران، تجد نفسها أمام واقع جديد: لم تعد إيران "المعزولة" ولا الولايات المتحدة "الحاسمة". الجميع يدير علاقاته في مساحة رمادية.



الرياض تحديدًا تقف أمام معادلة مزدوجة. من جهة، انفتاح إيران اقتصاديًا يعني عودة نفطها إلى الأسواق، ما يضغط على الأسعار ويقلّص هامش المناورة السعودية في أوبك+.


ومن جهة أخرى، خفض التوتر يفتح الباب لمشاريع التكامل الاقتصادي الإقليمي، من ممرّ الهند - الخليج - أوروبا، إلى استثمارات الموانئ والطاقة.


أكبر الخاسرين في هذه المعادلة هي إسرائيل. حرب الاثني عشر يومًا انتهت دون تفكيك البرنامج النووي الإيراني، ودون إنهاء التهديد الصاروخي، ودون استعادة الردع. صحيفة فاينانشال تايمز خلصت بوضوح إلى أن "الاستراتيجية الكبرى لنتنياهو تتفكّك". ثلاثون عامًا من السعي لمواجهة إيران، وانتهت الحرب بإطلاق طهران لأموالها المجمّدة وحصولها على غطاء دولي.


الانعكاس الاقتصادي: النفط، التضخّم، الأسواق!


إعادة فتح مضيق هرمز خبر هائل للاقتصاد العالمي. عشرون بالمائة من النفط العالمي وكميات ضخمة من الغاز المسال تمرّ عبره يوميًا. خلال أيام الحرب، قفز برنت إلى ما فوق مائة وعشرين دولارًا، وأطلق موجة قلق من ركود تضخّمي عالمي.


اليوم، يُتوقّع تراجع تدريجي للأسعار إلى نطاق سبعين - خمسة وسبعين دولارًا مع عودة العرض الإيراني.



لكن الصورة ليست وردية بالكامل. عودة النفط الإيراني تعني ضغطًا على المنتجين الآخرين، خاصة النفط الصخري الأمريكي الذي يحتاج أسعارًا فوق خمسة وستين دولارًا ليبقى مربحًا. كما أن أربعة وعشرين مليار دولار تعود إلى طهران دفعة واحدة قد تترجم إلى موجة استيراد، وضغط على العملة المحلية، وتضخّم داخلي إذا لم تُدَر بحكمة.



الأسواق المالية استقبلت الخبر بارتياح: مؤشّر S&P 500 صعد، ومؤشّر الخوف VIX تراجع، وعائدات سندات الخزانة الأمريكية لعشر سنوات هبطت من النطاق الخطر الذي اقتربت منه قرب 4.75 بالمائة.



البُعد الصيني - الأمريكي: السيناريو الأذكى


هنا يكمن البُعد الأعمق للاتفاق. الصين، التي تستورد نحو نصف نفطها من الخليج، كانت الخاسر الأكبر من أي إغلاق طويل لهرمز. إعادة فتح الممر مكسب صيني صريح. لكن في الوقت نفسه، إعادة دمج إيران في النظام المالي العالمي - ولو جزئيًا - تقلّص اعتمادها الكامل على بكين، وتُعيد لواشنطن نفوذًا اقتصاديًا كانت قد تخلّت عنه طوعًا منذ انسحاب ترامب من اتفاق 2015.


بعبارة أخرى: ترامب يستخدم الاتفاق ليس لاحتواء إيران فحسب، بل لإعادة إدخال أمريكا إلى لعبة كانت الصين تربحها بهدوء.


سنوات من العقوبات دفعت طهران إلى أحضان بكين تمامًا، وأنشأت ممرًا إيرانيًا - صينيًا للطاقة والتجارة بعيدًا عن المنظومة الدولارية. الاتفاق الجديد، إن نجح، يُعيد إيران إلى الفضاء الدولاري، ويُضعف منظومة المقايضة بالعملات المحلية التي أنشأتها بكين بصبر.


من هنا، فإن الخاسر الاستراتيجي البعيد - وإن لم يظهر هذا في البيانات الرسمية - قد يكون الصين.

صحيح أنها تربح فتح هرمز قصير المدى، لكنها تخسر التفرّد بإيران اقتصاديًا. ولهذا، فإن ردّ الفعل الصيني الباهت تجاه الاتفاق - بيان دبلوماسي عام، دون احتفاء - يعكس قراءة عميقة لما يجري.



أسئلة معلّقة


يبقى الاتفاق هشًّا. النصوص متعدّدة، الزمن قصير، الملفات الجوهرية مؤجّلة، والثقة بين الطرفين تكاد تكون معدومة. ستون يومًا لم تكفِ في الماضي للاتفاق على بنود أبسط بكثير. إسرائيل من جهتها قد تحاول إفشال الاتفاق ميدانيًا، تمامًا كما حدث خلال الجولات السابقة.



لكن المؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة. الحرب التي كانت يُتوقّع أن تُعيد رسم الشرق الأوسط بالقوة العسكرية، انتهت برسم جديد بالقوة الدبلوماسية. وللمرة الأولى منذ سنوات، يبدو أن واشنطن - لا تل أبيب - هي التي تُحدّد قواعد اللعبة.



ربما كان الدرس الأهم في هذه اللحظة هو أن عصر الحروب التي تنتهي بانتصار واحد كامل قد ولّى. أمامنا اتفاقات ناقصة، توازنات هشّة، ولاعبون يبحثون عن مكاسب لا انتصارات. هكذا يُكتب التاريخ في عصرنا - لا بأقلام الفاتحين، بل بأقلام المفاوضين المنهَكين.



يتم الاستخدام المواد وفقًا للمادة 27 أ من قانون حقوق التأليف والنشر 2007، وإن كنت تعتقد أنه تم انتهاك حقك، بصفتك مالكًا لهذه الحقوق في المواد التي تظهر على الموقع، فيمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني على العنوان التالي: info@ashams.com والطلب بالتوقف عن استخدام المواد، مع ذكر اسمك الكامل ورقم هاتفك وإرفاق تصوير للشاشة ورابط للصفحة ذات الصلة على موقع الشمس. وشكرًا!