الجيش الإسرائيلي يفتح تحقيقًا جنائيًا في مقتل الطفلة الفلسطينية هند رجب عام 2024

الجيش الإسرائيلي-تصوير الجيش

الجيش الإسرائيلي-تصوير الجيش

أعلن الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، فتح تحقيق جنائي داخلي في ملابسات مقتل الطفلة الفلسطينية هند رجب في قطاع غزة عام 2024، في خطوة تأتي بعد أكثر من عامين على الواقعة التي أثارت اهتمامًا دوليًا واسعًا، بسبب ظروف مقتل الطفلة وأفراد من عائلتها، إلى جانب مسعفين كانا قد توجها إلى المكان لمحاولة إنقاذها.

ويأتي القرار عقب مراجعة أجرتها آلية تقصي وتقييم تابعة للجيش الإسرائيلي لعدد من الحوادث التي أسفرت عن سقوط قتلى فلسطينيين، حيث خلصت المراجعة إلى ضرورة إحالة بعض الوقائع إلى تحقيقات جنائية، من بينها حادثة مقتل هند رجب، فيما قرر الجيش إجراء تحقيقات أخرى في وقائع منفصلة تتعلق بموظفي إغاثة ومسعفين في قطاع غزة.


واقعة هند رجب تعود إلى الواجهة


وقعت حادثة مقتل هند رجب في يناير/كانون الثاني 2024، عندما كانت الطفلة، التي كانت تبلغ من العمر خمس سنوات، داخل سيارة برفقة أفراد من عائلتها في مدينة غزة.


وبحسب التقارير التي تناولت الواقعة، تعرضت السيارة لإطلاق نار، ما أدى إلى مقتل أفراد من العائلة، بينما بقيت هند على قيد الحياة لفترة داخل السيارة، وتمكنت من التواصل هاتفيًا مع جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وطلبت المساعدة.


وأصبحت المكالمة التي أجرتها هند مع طواقم الإسعاف واحدة من أبرز عناصر القضية، إذ تحدثت خلالها عن وجودها داخل السيارة وخوفها من استمرار إطلاق النار، بينما عملت فرق الإسعاف على تنسيق الوصول إليها.


وبعد ذلك، توجه مسعفان من الهلال الأحمر الفلسطيني إلى المنطقة في محاولة للوصول إلى الطفلة، لكن الاتصال بهما انقطع لاحقًا، قبل العثور على جثتيهما إلى جانب السيارة التي كانت هند موجودة بداخلها.


تحقيق جنائي بعد مراجعة عسكرية


وقال الجيش الإسرائيلي إن القرار بفتح التحقيق الجنائي جاء بعد مراجعة عدد من الحوادث البارزة، إذ بحثت آلية تقصي الحقائق والتقييم التابعة له خمس وقائع منفصلة.


وأسفرت المراجعات عن اتخاذ قرارات مختلفة، شملت فتح تحقيقات جنائية في بعض الحالات، وإجراء تحقيقات تأديبية في حالات أخرى، بينما أُغلقت إحدى القضايا بعد أن خلصت المراجعة إلى عدم وجود اشتباه معقول بارتكاب مخالفة جنائية.


وأوضح الجيش أن التحقيقات تهدف إلى فحص ملابسات الوقائع وتحديد المسؤوليات وفق الإجراءات القانونية المعمول بها، مؤكدًا أن مراجعة الحوادث الاستثنائية تتم وفق القانون المحلي والقواعد التي يقول إنه يلتزم بها خلال العمليات العسكرية.


ويُعد فتح تحقيق جنائي في قضية هند رجب تطورًا لافتًا، خصوصًا أن القضية ظلت خلال السنوات الماضية موضع تحقيقات حقوقية وصحفية متعددة، وسط مطالبات بإجراء تحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين عن مقتل الطفلة وعائلتها والمسعفين.


أدلة وتحقيقات سابقة حول الحادثة


قبل إعلان الجيش الإسرائيلي قراره الجديد، أجرت جهات صحفية وحقوقية تحقيقات موسعة بشأن ظروف مقتل هند رجب.


وخلص تحقيق نشرته صحيفة "واشنطن بوست" في أبريل/نيسان 2024، واستند إلى تحليل صور أقمار صناعية ومواد متاحة من موقع الحادث، إلى وجود مركبات عسكرية إسرائيلية في محيط المكان الذي كانت توجد فيه سيارة عائلة هند، كما تناول التحقيق طبيعة الأضرار التي لحقت بسيارة الإسعاف التي أرسلت لإنقاذها.


كما أجرت مؤسسة "Forensic Architecture" تحليلًا للواقعة، اعتمد على تسجيلات صوتية ومواد بصرية وبيانات أخرى بهدف إعادة بناء التسلسل الزمني للأحداث ومواقع المركبات خلال الفترة التي سبقت مقتل الطفلة والمسعفين.


وفي يوليو/تموز 2024، قال خبراء مستقلون تابعون للأمم المتحدة إن مقتل هند رجب وأفراد من عائلتها والمسعفين قد يرقى إلى جريمة حرب، داعين إلى إجراء تحقيقات ومساءلة المسؤولين عن الواقعة.


الجيش كان قد نفى وجود قوات في الموقع


وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن في وقت سابق، عقب مقتل هند رجب، أن تحقيقًا أوليًا أظهر عدم وجود قوات تابعة له في المنطقة التي قُتلت فيها الطفلة، وهو ما أثار خلافًا مع نتائج تحقيقات مستقلة تناولت مواقع القوات والمركبات العسكرية في محيط الحادث.


وتعني الخطوة التي أعلن عنها الجيش حاليًا أن القضية ستنتقل إلى مستوى تحقيق جنائي داخلي، بعد أن كانت موضع فحص ضمن آلية تقصي وتقييم الحقائق التابعة للمؤسسة العسكرية.


ولا يعني فتح التحقيق الجنائي بحد ذاته ثبوت مسؤولية جنائية بحق أفراد محددين، إذ يفترض أن تحدد التحقيقات الوقائع والأفعال والمسؤوليات، قبل اتخاذ أي قرارات قضائية أو اتهامية في حال توافرت الأدلة اللازمة.


الهلال الأحمر يتمسك بملابسات القضية


كان الهلال الأحمر الفلسطيني قد وثق تواصل هند رجب مع غرفة العمليات التابعة له، ثم أرسل طاقمًا طبيًا إلى المكان لإنقاذها.


وتحولت القضية إلى واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل خلال الحرب في غزة، خصوصًا بسبب تسجيلات الاتصال بين الطفلة وطواقم الطوارئ، ثم العثور عليها مقتولة بعد أيام من فقدان الاتصال بها.


وأثار مقتل المسعفين الذين تحركوا لإنقاذ هند أيضًا تساؤلات حول ظروف استهداف سيارة الإسعاف، وهو ملف أصبح منفصلًا ضمن المراجعات التي أعلن عنها الجيش الإسرائيلي، إذ قرر فتح تحقيق جنائي في واقعة أخرى تتعلق بمقتل 15 من أفراد الطواقم الطبية والإغاثية في مارس/آذار 2025.


قضية أثارت اهتمامًا دوليًا واسعًا


منذ الإعلان عن مقتل هند رجب، حظيت قضيتها باهتمام كبير من منظمات حقوقية وهيئات دولية ووسائل إعلام حول العالم.


ويرجع جانب من هذا الاهتمام إلى تسجيلات الاتصال التي أجرتها الطفلة مع طواقم الهلال الأحمر، والتي سمحت بتوثيق جزء من اللحظات الأخيرة التي سبقت مقتلها، إضافة إلى الملابسات المتعلقة بالسيارة التي كانت تقلها وأفراد عائلتها.


كما دخلت القضية في مسار قانوني دولي، إذ قدمت جهات حقوقية ملفات وشكاوى إلى المحكمة الجنائية الدولية، مطالبة بالتحقيق في ظروف مقتل هند رجب والمسؤولين عن الواقعة.


وأصبحت هند رجب منذ ذلك الوقت رمزًا في الحملات التي تطالب بالتحقيق في مقتل المدنيين الفلسطينيين خلال الحرب، فيما واصلت منظمات حقوقية المطالبة بكشف ملابسات الحادث بشكل كامل.


تحقيقات أخرى في حوادث مقتل فلسطينيين


ولم يقتصر إعلان الجيش الإسرائيلي على قضية هند رجب، إذ قال إنه قرر أيضًا فتح تحقيق جنائي في واقعة مقتل 15 من أفراد الطواقم الطبية والإغاثية في مارس/آذار 2025.


وفي المقابل، خلصت المراجعة العسكرية المتعلقة بمقتل سبعة من العاملين في منظمة "المطبخ المركزي العالمي" في أبريل/نيسان 2024 إلى عدم وجود اشتباه معقول بارتكاب سلوك جنائي، وبالتالي لم يُقرر فتح تحقيق جنائي في هذه الواقعة، وفق ما أعلن الجيش.


ويشير اختلاف القرارات بين الملفات إلى أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تقول إنها تتعامل مع كل حادثة بصورة منفصلة، استنادًا إلى نتائج المراجعات التي تجريها والمواد المتاحة لديها.


خطوة جديدة في مسار القضية


يمثل فتح التحقيق الجنائي في مقتل هند رجب تحولًا جديدًا في مسار القضية التي ظلت محل نقاش دولي لأكثر من عامين.


ويضع القرار المسؤولين عن التحقيق أمام مهمة تحديد ما جرى خلال الساعات التي سبقت مقتل الطفلة، ومراجعة تحركات القوات في المنطقة، وظروف إطلاق النار على السيارة، إضافة إلى ملابسات مقتل المسعفين اللذين تحركا لإنقاذها.


ومن المنتظر أن تكشف نتائج التحقيق، في حال الإعلان عنها، ما إذا كانت هناك مخالفات جنائية تستوجب اتخاذ إجراءات إضافية بحق أفراد أو قادة عسكريين.


الجيش: التحقيقات تتم وفق القانون


وأكد الجيش الإسرائيلي، في بيانه بشأن نتائج مراجعة الحوادث، أنه يواصل فحص الوقائع الاستثنائية واتخاذ الإجراءات المناسبة عندما تتوافر مؤشرات تستدعي ذلك، مشيرًا إلى التزامه، وفق قوله، بالتحقيق في الحالات التي تستوجب الفحص وفق القانون الإسرائيلي والقانون الدولي.


في المقابل، ترى جهات حقوقية أن القضية لا تتعلق فقط بفتح تحقيق، وإنما بضرورة ضمان أن يكون التحقيق شاملًا ومستقلًا وشفافًا، وأن تترتب عليه محاسبة فعلية إذا أثبتت النتائج وجود مخالفات.


ماذا بعد فتح التحقيق؟


يبقى فتح التحقيق الجنائي خطوة أولى في مسار قد يستغرق وقتًا قبل الوصول إلى نتائج نهائية. وستتركز الأنظار خلال المرحلة المقبلة على طبيعة الأدلة التي سيجمعها المحققون، وما إذا كان التحقيق سيحدد مسؤوليات فردية عن مقتل هند رجب وأفراد عائلتها والمسعفين.


وتظل قضية الطفلة الفلسطينية واحدة من أبرز الوقائع التي ارتبطت بالحرب في غزة، ليس فقط بسبب عمرها الصغير، وإنما أيضًا بسبب الاتصال الذي أجرته طالبة النجدة، والجهود التي بذلها المسعفون للوصول إليها قبل أن يُعثر عليها مقتولة.


وفي ختام التطور الجديد، فإن قرار الجيش الإسرائيلي فتح تحقيق جنائي بعد أكثر من عامين من الواقعة يعيد القضية إلى الواجهة، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من البحث في ملابسات مقتل هند رجب. وبينما تؤكد المؤسسة العسكرية أن التحقيقات تهدف إلى فحص الوقائع وفق القانون، يبقى حسم المسؤولية مرهونًا بما ستتوصل إليه التحقيقات والأدلة التي ستجمعها، وسط استمرار المطالبات بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عنها.

يتم الاستخدام المواد وفقًا للمادة 27 أ من قانون حقوق التأليف والنشر 2007، وإن كنت تعتقد أنه تم انتهاك حقك، بصفتك مالكًا لهذه الحقوق في المواد التي تظهر على الموقع، فيمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني على العنوان التالي: info@ashams.com والطلب بالتوقف عن استخدام المواد، مع ذكر اسمك الكامل ورقم هاتفك وإرفاق تصوير للشاشة ورابط للصفحة ذات الصلة على موقع الشمس. وشكرًا!