تحليل | تصاعد الضغوط الأوروبية على إسرائيل مع اتساع حظر منتجات المستوطنات والمقاطعة
تتسع الضغوط الأوروبية على إسرائيل مع دخول إجراءات جديدة تستهدف منتجات المستوطنات حيز التنفيذ في عدد من الدول، بالتزامن مع تنامي دعوات المقاطعة في المجالات الثقافية والرياضية، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الأوروبية لسياسات الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
·مشهد لمستوطنة "نيلي" المقامة على أراضي الضفة الغربية
المصدر: ميخائيل يعقوبسون (Michael Jacobson) / ويكيميديا كومنز (CC BY-SA 3.0)
ترصد صحيفة "هآرتس" في تحليل نشرته في 28 أيلول/سبتمبر، مظاهر هذا التحول، بدءًا من قرار هولندا حظر استيراد وبيع منتجات المستوطنات، وصولًا إلى خطوات مماثلة تعتزم دول أوروبية أخرى اتخاذها، إلى جانب اتساع المقاطعة الثقافية والرياضية لإسرائيل.
هولندا تبدأ بحظر منتجات المستوطنات
دخل القرار الهولندي بحظر منتجات المستوطنات حيز التنفيذ في 22 أيلول/سبتمبر، ولم يقتصر على منع استيراد هذه المنتجات، بل شمل أيضًا بيعها وشراءها وتقديم خدمات تسهّل تجارتها أو الالتفاف على الحظر.
وبحسب "هآرتس"، يمتد القرار إلى أمتعة المسافرين الشخصية، إذ يحق لسلطات الجمارك الهولندية تفتيش السياح القادمين إلى البلاد ومصادرة منتجات المستوطنات التي بحوزتهم.
وانعكس القرار على المتاجر الإسرائيلية في هولندا، إذ أبلغ أحد المتاجر اليهودية في أمستردام زبائنه بأن عددًا من المنتجات القادمة من المستوطنات لن تكون متاحة على رفوفه، ومن بينها منتجات لشركة "أحفا" مثل الكعك والطحينة والحلاوة ودهون الشوكولاتة، إلى جانب منتجات من مخبز "عبادي" وأنواع من النبيذ تحمل أسماء "ياردن" و"حرمون" و"جمالا" و"القدس" و"صهيون".
وأوضح المتجر أنه يعمل على إيجاد بدائل لهذه المنتجات، مشيرًا إلى أن الرفوف الفارغة مرتبطة بالقرار الهولندي الجديد.
وكانت إسبانيا وإيرلندا وبلجيكا قد سبقت هولندا في اتخاذ إجراءات مماثلة داخل الاتحاد الأوروبي، فيما أعلنت 11 دولة أخرى، بينها بريطانيا وفرنسا، أنها تعتزم فرض قيود على التجارة مع المستوطنات أو تدرس اتخاذ إجراءات بهذا الاتجاه.
11 دولة تتحرك ضد منتجات المستوطنات
في بيان مشترك صدر في أيلول/سبتمبر، أعلنت كندا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وآيسلندا وإيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد وبريطانيا، نيتها اتخاذ إجراءات وطنية أو دعم قيود أوروبية على تجارة منتجات المستوطنات، أو أنها تدرس بالفعل هذه الإجراءات وفقًا للإجراءات الداخلية لكل دولة.
وربطت الدول هذه الخطوات بما وصفته بمستويات غير مسبوقة من عنف المستوطنين وتوسع المستوطنات، إضافة إلى قرار نشر مناقصات مشروع E1 الاستيطاني، الذي تقول هذه الدول إنه يهدد التواصل الجغرافي بين أجزاء الضفة الغربية.
وفي بريطانيا، أعلنت الحكومة أنها ستتخذ إجراءات تتجاوز حظر منتجات المستوطنات، لتشمل أفرادًا وشركات تقدم خدمات مرتبطة بتوسيع المستوطنات، بما في ذلك البناء والبنية التحتية والتمويل والعقارات. وقالت الحكومة البريطانية إن هذه الإجراءات تستهدف المستوطنات ونشاطها، وليس التجارة مع إسرائيل داخل حدود عام 1967.
وتشير "هآرتس" إلى أن الأثر الاقتصادي المباشر لهذه الإجراءات لا يزال غير واضح، خصوصًا أن حجم المنتجات المرتبطة بالمستوطنات من إجمالي التجارة الأوروبية-الإسرائيلية غير معروف بدقة، فيما يُعد الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لإسرائيل، إذ تجاوز حجم التجارة الثنائية 42 مليار يورو في عام 2024.
خلاف أوروبي-إسرائيلي حول المستوطنات
ولا تنظر إسرائيل إلى الإجراءات الأوروبية بالطريقة نفسها التي تقدمها الحكومات الأوروبية، إذ تعتبر أن هناك خلافًا جوهريًا حول الوضع القانوني للمستوطنات.
ونقلت "هآرتس" عن مسؤول إسرائيلي كبير قوله إن إسرائيل تختلف بصورة عميقة مع أوروبا بشأن قضية المستوطنات، مشيرًا إلى أن الدول الأوروبية تعتبر جميع المستوطنات غير قانونية، بينما يختلف الموقف الإسرائيلي عن ذلك.
وفي المقابل، تقول الحكومات الأوروبية التي أعلنت هذه الإجراءات إنها تهدف إلى مواءمة سياساتها التجارية مع القانون الدولي، وإن الإجراءات تستهدف النشاط الاستيطاني وليس إسرائيل ككل. وأكدت بريطانيا، على سبيل المثال، استمرارها في دعم التجارة مع إسرائيل داخل الخط الأخضر، مع رفضها النشاط الاقتصادي المرتبط بالمستوطنات.
وتأتي هذه الخطوات في سياق أوسع من الإجراءات الأوروبية المرتبطة بالاستيطان، إذ فرضت بريطانيا وشركاؤها في وقت سابق من العام عقوبات على أفراد وكيانات قالت إنهم يمولون أو يسهلون عنف المستوطنين في الضفة الغربية.
إسرائيل ترد بإجراءات ضد هولندا وبريطانيا
وتقود وزارة الخارجية الإسرائيلية الرد على الإجراءات الأوروبية، فيما قالت "هآرتس" إن الحكومة الإسرائيلية تحاول صياغة ردود مختلفة بحسب كل دولة بهدف الحد من انتقال هذه الإجراءات إلى دول أخرى.
وكان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر قد انتقد قرار هولندا، ووصفه بأنه معادٍ للسامية، كما أمر بإبعاد ممثلين هولنديين من مركز دعم غزة في كريات غات.
وبعد دخول الحظر الهولندي حيز التنفيذ، أعلنت إسرائيل أنها ستسحب الاعتمادات الدبلوماسية التي تمنحها للممثلين الهولنديين العاملين من رام الله، وهو إجراء يمكن أن يؤثر في قدرتهم على الحركة والعمل داخل الأراضي الفلسطينية، بحسب "هآرتس".
أما الرد على بريطانيا فجاء بإجراءات إضافية، بينها إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، وإنهاء مشاركة بريطانيا في تدريب قوات الأمن الفلسطينية، ومنع 12 مواطنًا بريطانيًا من دخول إسرائيل.
وقال ساعر، بحسب الصحيفة، إن رسالة إسرائيل هي أن من يتخذ إجراءات ضدها لن يكون له موطئ قدم في المنطقة.
المقاطعة تتجاوز الاقتصاد
ولا تقتصر الضغوط الأوروبية على المنتجات والتجارة، إذ تتوسع الدعوات إلى مقاطعة إسرائيل في المجالات الثقافية والرياضية.
وتشير "هآرتس" إلى أن قرار هولندا العودة إلى مسابقة "يوروفيجن" المقبلة يمثل جانبًا مختلفًا من الصورة، بعدما قاطعت البلاد النسخة السابقة، إذ أعلنت هيئة البث الهولندية مشاركتها في المسابقة المقرر تنظيمها في مدينة بورغاس البلغارية في أيار/مايو المقبل.
تابعوا الشمس على تلغرامأخبار عاجلة · تقارير حصرية · بث مباشرانضم للقناة
في المقابل، أعلنت هيئة البث الإيرلندية مقاطعة "يوروفيجن 2027" احتجاجًا على مشاركة إسرائيل، فيما امتدت الدعوات إلى المقاطعة إلى المنتخب الإيرلندي لكرة القدم.
وكان الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم قد قرر خوض مباراته أمام المنتخب الإسرائيلي في دوري الأمم في المجر كما هو مقرر، رغم دعوات أحزاب المعارضة إلى مقاطعة المباراة. وذكرت وسائل إعلام إيرلندية أن حارس المرمى الاحتياطي غافين بازونو أعلن رفضه المشاركة في المباراة وانسحابه من تشكيلة المنتخب.
وبحسب "هآرتس"، لا تعكس إقامة المباراة بالضرورة تراجعًا في الموقف الإيرلندي من إسرائيل، إذ يرتبط القرار أيضًا بالعقوبات الرياضية المحتملة التي كان يمكن أن تواجه المنتخب في حال رفضه خوض المباراة، بما في ذلك غرامات مالية أو الاستبعاد من دوري الأمم، فضلًا عن تداعيات محتملة على دور إيرلندا في استضافة بطولة أوروبا 2028.
من إجراءات محدودة إلى ضغط أوسع
وتطرح هذه التطورات سؤالًا يتجاوز حجم الخسائر المباشرة الناتجة عن حظر منتجات المستوطنات، يتعلق بمدى تحول هذه الإجراءات إلى مسار أوروبي أوسع يجمع بين الضغط الاقتصادي والدبلوماسي والثقافي والرياضي.
وتشير المعطيات التي تستعرضها "هآرتس" إلى أن الإجراءات لا تسير جميعها بالوتيرة نفسها، فبعض الدول تتجه إلى حظر منتجات المستوطنات، وأخرى تفرض عقوبات على أفراد وكيانات مرتبطة بالاستيطان أو عنف المستوطنين، بينما تتخذ دول أخرى خطوات في المجالات الثقافية والرياضية.
وفي الوقت نفسه، لا تتبنى جميع الدول الأوروبية الموقف نفسه تجاه إسرائيل، كما تظهر عودة هولندا إلى "يوروفيجن" مقابل استمرار إيرلندا في المقاطعة، ما يعكس اختلاف الأدوات والسياسات بين الحكومات الأوروبية.
وتخلص "هآرتس" إلى أن التطور الأبرز يتمثل في انتقال الانتقادات الأوروبية من المواقف السياسية والتصريحات إلى إجراءات عملية تمس التجارة والاستيطان والعلاقات الدبلوماسية، بالتزامن مع استمرار حملات المقاطعة في المجالات الثقافية والرياضية، في وقت تسعى فيه إسرائيل إلى مواجهة هذه الإجراءات ومنع توسعها إلى دول أوروبية أخرى.
يتم استخدام المواد المنشورة على موقع الشمس وفقًا لأحكام المادة 27أ من قانون حقوق التأليف والنشر لعام 2007.
في حال كنت تعتقد أن استخدام أي مادة منشورة على الموقع ينتهك حقوقك بصفتك صاحب حقوق الطبع والنشر، يمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: info@ashams.com، وطلب وقف استخدام المادة.
يرجى عند التواصل تزويدنا بالاسم الكامل، ورقم الهاتف، وإرفاق صورة عن الشاشة (Screenshot) ورابط الصفحة ذات الصلة على موقع الشمس.