من يدفع ثمن الجريمة؟ كيف تتحول "الخاوة" إلى ضريبة غير رسمية على الاقتصاد العربي؟

لا تتوقف كلفة الجريمة عند إطلاق النار أو الأموال التي تُنتزع من صاحب المصلحة، بل يمكن أن تمتد إلى التأمين، وأسعار المشاريع، والمناقصات والاستثمار وفرص العمل، لتتحول "الخاوة" من ابتزاز مباشر إلى تكلفة تتسرب عبر الاقتصاد، ويدفع جزءًا منها في النهاية أشخاص لم يكونوا هدفًا للجريمة أصلًا.

Crime,Scene,At,Night:,Crime,Scene,Investigation,Team,Working,On
Crime,Scene,At,Night:,Crime,Scene,Investigation,Team,Working,On
نُشر تحديث · قراءة 5 دقائق

عندما تدخل "الخاوة" إلى حسابات صاحب المصلحة

في الاقتصاد الطبيعي، يحسب صاحب المصلحة تكلفة المواد والعمال والإيجار والكهرباء والنقل والضرائب، ثم يحدد سعر خدماته أو منتجاته وفق هذه المعطيات.

لكن عندما تدخل الجريمة إلى المعادلة، يظهر بند جديد لا علاقة له بالإنتاج نفسه، وهو تكلفة الحماية من الجريمة.

قد يُطلب من صاحب محل أو ورشة أو شركة مقاولات دفع أموال تحت التهديد، وقد يضطر في الوقت نفسه إلى تركيب كاميرات وأنظمة حماية أو دفع تكاليف حراسة إضافية، وربما يتحمل خسائر نتيجة إغلاق المصلحة أو إصلاح أضرار لحقت بممتلكاته.

وهكذا لا تعود "الخاوة" مجرد مبلغ يدفعه صاحب العمل، بل تبدأ في التحول إلى تكلفة تشغيل مستمرة يمكن أن تؤثر في قدرة المصلحة على الاستمرار والمنافسة.

رقم جديد يكشف حجم الظاهرة

تقرير صدر عن مركز أبحاث ومعلومات الكنيست في يوليو 2026 قدّر التكلفة الاقتصادية لجباية أموال الحماية في إسرائيل بنحو 13.8 مليار شيكل سنويًا، منها نحو 6.5 مليارات شيكل كتكلفة مباشرة.

ويشير التقرير إلى أن الحساب لا يقتصر على الأموال التي يتم تحصيلها من أصحاب المصالح، بل يشمل أيضًا أضرار الممتلكات، وفقدان الإنتاج، وتراجع المبادرة الاقتصادية والاستثمار، إضافة إلى تكاليف الأمن والحماية. كما يحذر من أن الظاهرة تعاني من نقص في الإبلاغ، ما يجعل قياس حجمها الحقيقي أكثر صعوبة.

وهنا يجب التفريق بين هذا الرقم وبين التقديرات التي تناولت كلفة الجريمة في المجتمع العربي بصورة أوسع، لأن مبلغ 13.8 مليار شيكل يتعلق بالتكلفة الاقتصادية لجباية أموال الحماية على مستوى إسرائيل، وليس خسائر المجتمع العربي وحده.

المناقصات.. عندما تدخل الخاوة في السعر

أحد أكثر المؤشرات وضوحًا على انتقال تكلفة الجريمة من الضحية إلى الاقتصاد يظهر في المناقصات.

خلال جلسة للجنة الاقتصاد في الكنيست، قال ممثل اتحاد غرف التجارة إن أصحاب مصالح عربًا يشاركون في بعض المناقصات الحكومية بعروض أعلى بنحو 5%، لأنهم يضطرون إلى احتساب تكلفة "الخاوة" ضمن أسعارهم.

المعنى الاقتصادي لهذه المعلومة يتجاوز صاحب المصلحة نفسه، فإذا اضطر المقاول إلى إضافة تكلفة مرتبطة بالابتزاز إلى عرضه، فقد تنتقل هذه الزيادة إلى قيمة المشروع الذي تموله جهة عامة أو خاصة.

وهنا يصبح السؤال مختلفًا، فبدل أن تكون "الخاوة" مشكلة بين عصابة وصاحب مصلحة، يمكن أن تتحول إلى تكلفة تدخل في المنافسة الاقتصادية نفسها.

قطاع البناء.. مئات آلاف الشواكل فوق تكلفة المشروع

تقرير مراقب الدولة الصادر في أبريل 2026 يقدم صورة أكثر تفصيلًا عن هذه الآلية.

وبحسب التقرير، أظهر استطلاع أجراه اتحاد المقاولين والبنائين في فبراير 2025 وشمل نحو 450 مقاولًا ومطورًا، أن 87% من المشاركين قالوا إنهم طُلب منهم دفع أموال حماية.

كما قال 47% إنهم يتجنبون المشاركة في مناقصات للبناء والبنية التحتية عندما يعرفون أن أحد المتنافسين مرتبط بجهة إجرامية.

والأهم اقتصاديًا أن 50% من المشاركين قالوا إن دفع أموال الحماية يرفع تكلفة المشروع في المتوسط بين ربع مليون ونصف مليون شيكل، بينما أشار 32% إلى زيادة تصل إلى 250 ألف شيكل، وقال نحو 18% إن الزيادة تتراوح بين نصف مليون ومليون شيكل.

هذه الأرقام لا تعني أن كل مشروع بناء في البلدات العربية يرتفع سعره بهذه القيم، ولا أن كل زيادة في تكلفة البناء سببها الجريمة، لكنها تكشف حجم العبء الذي يمكن أن تضيفه أموال الحماية إلى المشاريع عندما تصبح جزءًا من بيئة العمل.

عندما يصبح الخوف عاملًا في قرار الاستثمار

هناك خسارة اقتصادية لا تظهر بسهولة في الإحصاءات، وهي الاستثمار الذي لم يحدث أصلًا.

قد يقرر صاحب مشروع عدم فتح مصلحة في منطقة معينة بسبب الخوف من الابتزاز، أو يتراجع مقاول عن دخول مناقصة، أو يؤجل مستثمر توسيع مشروعه بسبب المخاطر التي قد يواجهها.

في هذه الحالات، لا يظهر مشروع مغلق في السجلات، لأن المشروع لم يُفتح أصلًا.

ولا يظهر العامل الذي لم يحصل على وظيفة، ولا المورد الذي خسر زبونًا محتملًا، ولا السلطة المحلية التي فقدت نشاطًا اقتصاديًا كان يمكن أن يضيف إيرادات وفرص عمل.

ولهذا فإن قياس الكلفة من خلال الأموال التي جرى تحصيلها كـ"خاوة" أو الممتلكات التي تعرضت للضرر لا يكفي لفهم الأثر الاقتصادي الكامل.

التأمين.. تكلفة ثانية بعد الجريمة

طبقة أخرى من الكلفة تظهر عندما يصل الأمر إلى شركات التأمين.

في فبراير 2026، عرضت لجنة الاقتصاد في الكنيست شهادات من أصحاب مصالح تعرضوا لتهديدات وأضرار مرتبطة بالجريمة، بينهم صاحب شركة نقل من شفاعمرو قال إن 14 حافلة تابعة لشركته أُحرقت، وإن عائلته تعرضت للتهديد، كما أشار إلى إطلاق النار على حافلة صغيرة كانت تنقل أطفالًا من ذوي الاحتياجات الخاصة، وقال إن شركات التأمين رفضت دفع التعويضات.

هذه الحالة تكشف مشكلة تتجاوز قيمة الممتلكات المحروقة.

فإذا تعرضت المصلحة للخطر، ثم واجه صاحبها صعوبة في الحصول على تأمين أو تعويض، فإنه يصبح مضطرًا إلى تحمل جزء أكبر من المخاطر بنفسه، وقد يدفع مقابل حماية إضافية أو يرفع احتياطه المالي تحسبًا لخسارة جديدة.

وبذلك تصبح الجريمة سببًا في زيادة تكلفة إدارة المصلحة حتى في الفترات التي لا يقع فيها اعتداء فعلي.

75% لا يتوجهون إلى الشرطة

من أخطر جوانب الظاهرة أن جزءًا كبيرًا منها لا يصل إلى الإحصاءات الرسمية.

تقرير مراقب الدولة أظهر أن 75% من المقاولين والمطورين الذين شملهم الاستطلاع لم يتوجهوا إلى الشرطة لتقديم شكوى بشأن أموال الحماية.

ويشير التقرير إلى أن الخوف من الإبلاغ يمثل عقبة أساسية أمام مواجهة الظاهرة، وأن المقاولين لا يواجهون فقط الابتزاز، بل أيضًا سرقة المعدات والمواد من مواقع البناء والتهديدات، ما يزيد الأعباء المالية على القطاع.

وهذا يخلق حلقة يصعب كسرها: الخوف يؤدي إلى عدم الإبلاغ، وعدم الإبلاغ يجعل حجم المشكلة أقل وضوحًا، وغياب البيانات الكاملة يصعّب قياس الضرر ووضع سياسات تستهدفه بدقة.

حمّلوا تطبيق الشمس الأخبار والبث المباشر بين يديكم App Store Google Play
تابعوا الشمس على تلغرام أخبار عاجلة · تقارير حصرية · بث مباشر انضم للقناة

من يدفع في النهاية؟

عندما يدفع صاحب المصلحة "الخاوة"، فهو يخسر جزءًا من دخله.

وعندما يضيف تكلفة الحماية إلى حساباته، قد يحاول تعويضها من خلال سعر الخدمة أو المنتج.

وعندما يرفع المقاول سعر عرضه بسبب المخاطر، يمكن أن تصبح تكلفة المشروع أعلى.

وعندما ينسحب مقاول من مناقصة، تقل المنافسة.

وعندما يغلق صاحب المصلحة مشروعه، يخسر العمال وظائفهم، ويخسر الموردون زبونًا، وتخسر السلطة المحلية نشاطًا اقتصاديًا وإيرادات.

لا يعني ذلك أن كل زيادة في الأسعار أو كل خسارة اقتصادية سببها الجريمة، لكن المعطيات الرسمية تشير إلى أن الجريمة أصبحت عاملًا يمكن أن يدخل في حسابات التكلفة والمخاطر والاستثمار.

وهنا تحديدًا تتحول "الخاوة" إلى ما يشبه ضريبة غير رسمية، مع فارق جوهري: الضريبة الرسمية تفرضها الدولة بموجب القانون وتمول من خلالها خدمات عامة، أما أموال الحماية فتُنتزع تحت التهديد ولا تقدم مقابلها أي قيمة اقتصادية أو خدمة مشروعة.

الجريمة كمشكلة في السوق

خلال 2026، بدأت المؤسسات الرسمية تنظر إلى الظاهرة من زاوية تتجاوز الأمن الشخصي.

مركز أبحاث الكنيست تناول الكلفة الاقتصادية لجباية أموال الحماية، ومراقب الدولة بحث تأثيرها في قطاع المقاولات والمناقصات، فيما ناقشت لجنة الاقتصاد أوضاع المصالح التجارية والتأمين والتكاليف التي يتحملها أصحاب الأعمال.

هذا التحول مهم، لأن مواجهة الجريمة لا تتعلق فقط بعدد الاعتقالات أو الأسلحة المصادرة، بل أيضًا بقدرة أصحاب الأعمال على العمل والمنافسة والاستثمار دون إدخال الجريمة في حساباتهم.

فإذا أصبح المقاول يفكر في "الخاوة" قبل تقديم عرضه، وصاحب المصلحة يفكر في الخطر قبل شراء التأمين، والمستثمر يفكر في الابتزاز قبل فتح مشروع، فإن الجريمة تكون قد تجاوزت حدودها الأمنية ودخلت في طريقة عمل السوق.

السؤال الذي يبقى

السؤال لم يعد فقط: كم مليار شيكل يخسر الاقتصاد بسبب الجريمة؟

السؤال الأهم هو: كيف تتوزع هذه الخسارة، ومن يدفعها؟

جزء يدفعه صاحب المصلحة مباشرة، وجزء قد يظهر في تكلفة المشروع، وجزء قد تتحمله شركات التأمين، وجزء قد يصل إلى المال العام، فيما يظهر الجزء الأكبر والأصعب قياسًا في صورة استثمارات لم تتم، ومشاريع لم تبدأ، ومناقصات لم يدخلها أصحابها، ووظائف لم تُخلق.

لهذا فإن "الخاوة" ليست مجرد مبلغ يُطلب من صاحب متجر أو مقاول تحت التهديد، بل يمكن أن تتحول إلى تكلفة تنتقل من حلقة إلى أخرى داخل الاقتصاد.

وفي البلدات العربية، حيث تتقاطع الجريمة مع سوق العمل والاستثمار والمصالح الصغيرة والمناقصات المحلية، يصبح التعامل معها اقتصاديًا بقدر ما هو أمني، لأن حماية صاحب المصلحة لا تعني فقط حمايته من الرصاصة، بل حماية قدرته على العمل والمنافسة والاستثمار دون أن تصبح الجريمة شريكًا إجباريًا في كل مشروع.

اقرأ/ي أيضًاصورة واحدة تكفي.. ChatGPT يتحول إلى غرفة قياس
حقوق النشر وسياسة الاستخدام

يتم استخدام المواد المنشورة على موقع الشمس وفقًا لأحكام المادة 27أ من قانون حقوق التأليف والنشر لعام 2007.

في حال كنت تعتقد أن استخدام أي مادة منشورة على الموقع ينتهك حقوقك بصفتك صاحب حقوق الطبع والنشر، يمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: info@ashams.com، وطلب وقف استخدام المادة.

يرجى عند التواصل تزويدنا بالاسم الكامل، ورقم الهاتف، وإرفاق صورة عن الشاشة (Screenshot) ورابط الصفحة ذات الصلة على موقع الشمس.

شكرًا لتعاونكم.

اقرأ أيضًا عرض الكل ←