جيل العشرينات في المجتمع العربي.. لماذا يتأخر الزواج؟

لم يعد الزواج بالنسبة إلى كثير من أبناء جيل العشرينات في المجتمع العربي خطوة تأتي تلقائيًا بعد إنهاء الدراسة، بل أصبح قرارًا مرتبطًا بالعمل والسكن والدخل وتكاليف تأسيس البيت، بالتزامن مع ارتفاع مستوى التعليم لدى النساء وتغير توقعات الشباب من الحياة الزوجية، فهل تغيّرت شروط الزواج نفسها، أم أن الجيل الجديد أصبح أكثر حذرًا في الإقدام عليه؟

صورة توضيحية لحرم جامعة حيفا

المصدر: ويكيميديا كومنز
صورة توضيحية لحرم جامعة حيفا المصدر: ويكيميديا كومنز
نُشر تحديث · قراءة 5 دقائق

من "متى ستتزوج؟" إلى "كيف سأبني حياتي؟"

في السابق، كان السؤال الذي يرافق الشاب العربي في سنواته الأولى بعد المدرسة أو الجامعة بسيطًا ومباشرًا: متى ستتزوج؟ أما اليوم، فالسؤال نفسه أصبح أكثر تعقيدًا، لأن الزواج لم يعد قرارًا منفصلًا عن بقية تفاصيل الحياة، بل يرتبط بقدرة الشاب أو الشابة على تأمين عمل، ومسكن، ودخل ثابت، وتحمل تكاليف الزواج وتأسيس الأسرة.

ولا تعني هذه التحولات أن الزواج فقد أهميته في المجتمع العربي، بل إن البيانات تشير إلى أن الزواج ما زال واسع الانتشار، لكن الطريق إليه أصبح أكثر ارتباطًا بظروف اقتصادية وتعليمية واجتماعية تغيرت خلال السنوات الأخيرة.

وتظهر بيانات دائرة الإحصاء المركزية أن متوسط سن الزواج الأول لدى المسلمين في عام 2020 بلغ 22.8 عامًا للنساء و26.6 عامًا للرجال، مقابل 25.2 و26.8 عامًا لدى اليهود، فيما بلغ لدى الدروز 25.6 للنساء و29.2 للرجال، ولدى المسيحيين 26.8 و30.6 عامًا، ما يكشف أصلًا عن فارق واضح بين سن زواج الرجال والنساء داخل المجتمع العربي.

لكن الأرقام لا تروي القصة كاملة، لأن وراء كل سنة إضافية هناك أسباب مختلفة، بعضها اقتصادي وبعضها مرتبط بالتعليم والعمل وتغير النظرة إلى الاستقرار.

السكن.. العقبة التي تبدأ قبل الخطوبة

من أكثر الأسئلة حضورًا قبل الزواج: أين سيعيش الزوجان؟

أزمة السكن في البلدات العربية تجعل هذا السؤال أكثر صعوبة، خصوصًا لدى الشباب الذين يريدون الاستقلال عن منزل العائلة، في وقت ترتفع فيه أسعار الأراضي والبناء وتقل الخيارات السكنية المتاحة بأسعار تناسب دخل الشباب.

وفي يونيو 2026، كشفت قضية مشروع "شقة بالتخفيض" في كفر مندا عن حجم الطلب على السكن لدى المواطنين العرب، بعدما تقدم نحو 700 شخص من خارج البلدة للمنافسة على المشروع، مقابل 328 متقدمًا من أبناء البلدة، فيما طالب المجلس المحلي بمنح أبناء المكان فرصة أكبر للاستفادة من الوحدات السكنية.

هذه الأرقام لا تقيس تأخر الزواج بصورة مباشرة، لكنها تعكس مشكلة أوسع، فحتى الشاب الذي لديه رغبة في الزواج قد يجد نفسه أمام سؤال عملي: هل يستطيع توفير بيت في الوقت نفسه الذي يبدأ فيه حياته المهنية؟

وهنا يتحول السكن من مرحلة تأتي بعد الزواج إلى شرط يسبق الزواج نفسه.

سنوات الدراسة تغيّر الجدول الزمني

التعليم العالي أصبح جزءًا أساسيًا من حياة شريحة واسعة من الشباب العرب، وخصوصًا النساء، وهو ما يغير بالضرورة الجدول الزمني التقليدي للزواج.

دراسة لمركز طاوب حول سوق الزواج في المجتمع العربي تشير إلى ارتفاع الفجوة التعليمية بين النساء والرجال، إذ تبلغ نسبة الرجال العرب في الثلاثينات الحاصلين على شهادة أكاديمية نحو 18%، مقابل 35% لدى النساء العربيات، بحسب بيانات الدراسة، فيما تبلغ النسبة 47% لدى الرجال اليهود غير الحريديم.

هذه الفجوة لا تتعلق بالتعليم فقط، بل بما يأتي بعده، فسنوات الدراسة تعني دخول سوق العمل في وقت متأخر نسبيًا، ثم محاولة بناء مسار مهني وتحقيق دخل مستقر قبل الانتقال إلى الزواج.

وبالنسبة إلى الشابة التي تستثمر سنوات طويلة في التعليم والعمل، قد لا يكون الزواج في بداية العشرينات الخيار الوحيد أو الأول، خصوصًا عندما تصبح الاستقلالية الاقتصادية جزءًا من تصورها للمستقبل.

المرأة تغيّر معادلة الزواج

ربما يكون التغير الأكبر في سوق الزواج العربي مرتبطًا بالنساء أنفسهن.

فارتفاع التحصيل الأكاديمي لدى النساء لا يعني فقط زيادة عدد خريجات الجامعات، بل يعني أيضًا تغير موقع المرأة في الأسرة وسوق العمل، وبالتالي تغير قدرتها على اتخاذ قرارات تتعلق بموعد الزواج وشروطه.

وتشير دراسة مركز طاوب إلى أن ارتفاع مستوى التعليم لدى النساء العربيات وزيادة مشاركتهن المتوقعة في سوق العمل قد يمنحهن استقلالية مالية أكبر وحرية أوسع في تحديد ما إذا كن يرغبن في الزواج ومتى، كما تشير الدراسة إلى أن ارتفاع سن الزواج بدأ يظهر بالفعل ضمن التحولات الاجتماعية في المجتمع العربي.

وهذا لا يعني أن المرأة أصبحت ترفض الزواج، بل إن معنى الزواج نفسه يتغير، من خطوة اجتماعية يجب الوصول إليها في سن محددة، إلى قرار يجب أن يتناسب مع الدراسة والعمل والاستقلال الشخصي وشروط الحياة التي تريدها المرأة لنفسها.

وماذا عن الشباب؟

إذا كان ارتفاع التعليم والاستقلال الاقتصادي يفتح خيارات أوسع أمام النساء، فإن وضع الرجال يبدو أكثر تعقيدًا.

دراسة مركز طاوب تشير إلى أن معدلات تشغيل الرجال العرب الشباب تراجعت قبل جائحة كورونا، بسبب فجوة بين مهارات بعضهم واحتياجات سوق العمل، كما تشير إلى أن نسبة الرجال العرب في الثلاثينات الحاصلين على تعليم أكاديمي ما زالت أقل من نسبة النساء العربيات في الفئة نفسها.

وهذا يخلق معادلة صعبة، فالرجل الذي يُتوقع اجتماعيًا أن يكون قادرًا على تحمل الجزء الأكبر من تكاليف تأسيس الأسرة قد يواجه في الوقت نفسه صعوبة في الحصول على عمل مستقر أو دخل يسمح له بتحمل تكاليف السكن والزواج.

وهنا يصبح تأخر الزواج لدى الرجل نتيجة محتملة لتأخر الاستقرار الاقتصادي، وليس بالضرورة نتيجة لتراجع الرغبة في الزواج.

عامل ديموغرافي جديد يدخل على الخط

المفارقة أن المشكلة قد لا تكون اقتصادية فقط.

دراسة مركز طاوب تتوقع أنه ابتداءً من نحو عام 2026 سيصبح عدد الرجال العرب في السن التقليدية للزواج أكبر بنحو 5% إلى 10% من عدد النساء في الفئة العمرية المناسبة للزواج، بسبب اختلاف أحجام الأجيال والفارق المعتاد في السن بين الزوجين، والذي يبلغ في المتوسط نحو ست سنوات في المجتمع العربي.

وهذا يعني أن سوق الزواج نفسه قد يدخل مرحلة مختلفة، بحيث لا يكون تأخر الزواج مرتبطًا فقط بعدم قدرة الشاب على تحمل تكاليفه، وإنما أيضًا بالتغير الديموغرافي في حجم الفئات العمرية.

وتربط الدراسة بين هذا التحول وبين احتمال ارتفاع معدلات العزوبية مستقبلًا، خصوصًا لدى الرجال الذين يجدون أنفسهم في فئات عمرية أكبر من الفئات النسائية التي اعتاد المجتمع أن يربطها بهم في سوق الزواج.

الزواج ما زال حاضرًا.. لكن في وقت مختلف

مع ذلك، لا تشير البيانات إلى انهيار مؤسسة الزواج في المجتمع العربي.

أحدث بيانات دائرة الإحصاء المركزية عن السكان المسلمين تظهر أن نسبة النساء المسلمات بين 45 و49 عامًا اللواتي لم يتزوجن بلغت 9.7%، مقابل 5.4% لدى الرجال في الفئة العمرية نفسها، مع الإشارة إلى أن بيانات الحالة الاجتماعية المستخدمة تعود إلى نهاية عام 2023.

حمّلوا تطبيق الشمس الأخبار والبث المباشر بين يديكم App Store Google Play
تابعوا الشمس على تلغرام أخبار عاجلة · تقارير حصرية · بث مباشر انضم للقناة

وفي الوقت نفسه، بلغ عدد السكان المسلمين نحو 1.849 مليون نسمة في نهاية عام 2025، فيما تراجع معدل الخصوبة إلى 2.76 طفل لكل امرأة، مقارنة بـ3.08 لدى النساء اليهوديات، وهو تحول ديموغرافي مهم يعكس تغيرًا أوسع في حجم الأسرة وأنماط تكوينها.

كما تظهر بيانات حكومية عن الشباب العرب أن الزواج لا يزال واسع الانتشار، لكن أنماط اختيار الشريك تختلف بين المناطق والفئات العمرية، ففي عام 2020 كان 55.4% من الشباب العرب بين 18 و34 عامًا متزوجين حاليًا أو سبق لهم الزواج من شريك لا تربطهم به قرابة عائلية، مع فروق واضحة بين المناطق.

من الزواج المبكر إلى الزواج المستقر

المشهد الجديد لا يمكن اختصاره بالقول إن الشباب "لا يريدون الزواج".

الأدق أن كثيرًا من الشباب يريدون الزواج، لكنهم يريدونه في ظروف مختلفة، بعد إنهاء الدراسة أو إيجاد عمل، وبعد تأمين مكان للسكن، وربما بعد بناء قدر من الاستقلال المالي.

وهذا التحول يضع الأسرة والمجتمع أمام أسئلة جديدة أيضًا، لأن تأخر الزواج لا يعني فقط أن حفلات الزواج تأتي في سن أكبر، بل يعني تأخر تكوين الأسر، وتغير حجمها، وامتداد فترة العيش مع الأهل، وربما انتقال بعض الشباب إلى المدن بحثًا عن فرص عمل أو سكن أفضل.

وفي المقابل، فإن استمرار الفجوة بين التعليم وفرص العمل، خصوصًا لدى الرجال الشباب، قد يجعل الانتقال من الدراسة إلى الزواج أكثر صعوبة، بينما يمنح ارتفاع تعليم النساء وعملهن مساحة أكبر لاتخاذ القرار بعيدًا عن الضغط الزمني التقليدي.

جيل يريد الزواج.. لكن بشروط مختلفة

جيل العشرينات في المجتمع العربي لا يعيش بالضرورة أزمة "رغبة في الزواج"، بقدر ما يعيش أزمة شروط الوصول إليه.

فالشاب يريد عملًا يستطيع الاعتماد عليه، والشابة تريد أن لا يعني الزواج التخلي عن التعليم والعمل، وكلاهما يحتاج إلى سكن وتكاليف معيشة يمكن تحملها، بينما يتغير المجتمع نفسه من حولهما بسرعة أكبر مما تغيرت بعض التوقعات التقليدية المرتبطة بالزواج.

ولهذا، فإن السؤال لم يعد فقط: لماذا يتأخر الشباب في الزواج؟

السؤال الأهم هو: هل أصبح الزواج نفسه يحتاج إلى شروط أكثر مما كان يحتاج إليه سابقًا؟

البيانات المتاحة تشير إلى أن الإجابة تقترب من نعم، فالتعليم ارتفع، ودور المرأة تغير، وسوق العمل أصبح أكثر تعقيدًا، وأزمة السكن تضغط على الأزواج الشباب، فيما بدأت تظهر تحولات ديموغرافية يمكن أن تعيد تشكيل سوق الزواج خلال السنوات المقبلة.

وبذلك، فإن تأخر الزواج لا يبدو ظاهرة منفصلة عن المجتمع، بل نتيجة لتغير اقتصادي وتعليمي وديموغرافي أوسع، يجعل جيل العشرينات أمام معادلة جديدة: ليس فقط متى أتزوج، بل كيف أبني حياة أستطيع الاستمرار فيها بعد الزواج؟

اقرأ/ي أيضًا"أنا ابن المخيمات".. محمد عساف يلغي بقية جولته في أمريكا
حقوق النشر وسياسة الاستخدام

يتم استخدام المواد المنشورة على موقع الشمس وفقًا لأحكام المادة 27أ من قانون حقوق التأليف والنشر لعام 2007.

في حال كنت تعتقد أن استخدام أي مادة منشورة على الموقع ينتهك حقوقك بصفتك صاحب حقوق الطبع والنشر، يمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: info@ashams.com، وطلب وقف استخدام المادة.

يرجى عند التواصل تزويدنا بالاسم الكامل، ورقم الهاتف، وإرفاق صورة عن الشاشة (Screenshot) ورابط الصفحة ذات الصلة على موقع الشمس.

شكرًا لتعاونكم.

اقرأ أيضًا عرض الكل ←