من خطاب الترانسفير إلى خطة المجزرة: لماذا الاستغراب؟

أثارت لائحة الاتهام ضد شاحر نيفو، المحاضر في جامعة بار إيلان، موجة من الاستهجان. وبحسب ما نُشر عن اللائحة، خطّط نيفو لهجمات متزامنة تقتل مئات العرب الفلسطينيين، بهدف ترهيب الباقين ودفعهم إلى الفرار والطرد الدائم. وقد سمّى خطته "الشعب ينفّذ الترانسفير". نحن، إذن، أمام اتهام بالتخطيط للقتل بوصفه أداة للاقتلاع.

المحاضر شاهار نيفو الذي كان يخطط لهجمات ضد العرب
المحاضر شاهار نيفو الذي كان يخطط لهجمات ضد العرب
نُشر تحديث · قراءة 3 دقائق

لكن لماذا يُقدَّم هذا الفكر كما لو أنه ظهر فجأة؟ ولماذا تبدأ الدهشة عند تحويله إلى خطة تنفيذية، بينما يحظى الخطاب الذي يغذّيه بمساحة واسعة في السياسة والحياة العامة؟

الاستهجان مفهوم، بل واجب. غير أن اختزال القضية في محاضر متطرف يسمح بإدانة الفرد وإعفاء البيئة التي جعلت وجود الفلسطينيين نفسه مسألة قابلة للنقاش: هل يبقون؟ أين يبقون؟ وبأي شروط؟ ومتى ينبغي دفعهم إلى الرحيل؟

الترانسفير ليس جديدًا

لم يولد "الترانسفير" في أوراق محاضر جامعة بار إيلان، ولم يبدأ مع رحبعام زئيفي وحزب "موليدت". جذوره أقدم من قيام إسرائيل نفسها؛ فقد أيّد دافيد بن غوريون فكرة نقل السكان العرب في سياق مشروع التقسيم الذي اقترحته لجنة بيل عام 1937، بما شمل النقل القسري.

وبعد عقود، طرح أفيغدور ليبرمان "تبادل الأراضي والسكان"، بحيث تُنقل بلدات المثلث ووادي عارة إلى سيادة دولة فلسطينية مستقبلية، مقابل ضم مستوطنات في الضفة الغربية إلى إسرائيل. لم يكن المقترح نقل السكان جسديًا من بيوتهم، بل نقل الحدود والسيادة من حولهم؛ أي إخراجهم من الإطار السياسي الإسرائيلي وهم باقون على أرضهم. هنا يُعاد رسم الحدود وفق الهوية القومية للسكان، وتُعامل مواطنة الفلسطينيين باعتبارها قابلة للمقايضة.

أما بتسلئيل سموتريتش، فقد قدّم في "خطة الحسم" عام 2017 تصورًا يقوم على إنهاء إمكان قيام دولة فلسطينية، وتخيير الفلسطينيين بين البقاء أفرادًا يتخلّون عن تطلعاتهم الوطنية، أو الهجرة بمساعدة مالية ولوجستية. وقد عرض تشجيع الهجرة باعتباره وسيلة لتحسين ما سمّاه الواقع الديموغرافي. ويمكن قراءة هذه المعادلة سياسيًا بوصفها جعلًا للبقاء مشروطًا بالتنازل عن الحقوق الوطنية، وللرحيل بديلًا ترعاه الدولة.

تختلف هذه المشاريع في سياقاتها ووسائلها والفلسطينيين الذين تستهدفهم. لكن ما يجمعها هو التعامل مع وجود الفلسطينيين وحقوقهم باعتبارهما عقبة ينبغي تجاوزها: بالترحيل، أو بنقل الحدود، أو بتشجيع الهجرة المشروطة بالتخلي عن المشروع الوطني. لذلك فإن مساءلة خطة المحاضر تستدعي أيضًا مساءلة التاريخ السياسي الذي جعل تقليص وجودنا أو دفعنا إلى الرحيل فكرةً قابلة للطرح والترويج.

حين يصبح الموت هتافًا

ثمّة أيضًا اللغة التي تتكرر في الشوارع ومدرجات الملاعب: "الموت للعرب" و"لتحترق قريتكم". هذه شعارات تستهدف جماعة كاملة بسبب هويتها، وتحوّل موت أفرادها وحرق قراها إلى أمنية جماعية قابلة للهتاف.

وقد حدثت ملاحقات وإدانات؛ ففي عام 2005 أُدين مشجع لبيتار القدس بتهمة التحريض بعدما هتف "الموت للعرب". لكن وجود الإدانة لا يغلق السؤال، بل يجعل استمرار الظاهرة أكثر إلحاحًا. وبعد عشرين عامًا، وثّق قرار تأديبي لاتحاد كرة القدم الإسرائيلي ترديد الهتاف نفسه خلال مباراة لبيتار القدس وأبناء الرينة. ما الذي تغيّر، إذن، في قدرة المؤسسات على ردع هذا الخطاب؟

هوية المتهم ومعايير الأمن

أما التعامل الأمني مع القضية فيستحق بدوره المساءلة. بحسب تقارير صحافية، وصلت المعلومات إلى الشاباك، لكنه أحال الملف إلى الشرطة خلال ساعات، قبل إجراء تفتيش في منزل المتهم. هذه الواقعة لا تثبت وحدها سبب القرار، لكنها تفتح سؤالًا مشروعًا عن المعايير التي تُحدَّد بموجبها خطورة التهديد: كيف يتم التعامل مع خطة ذات دافع قومي، تستهدف مئات الفلسطينيين، عندما يكون المتهم يهوديًا؟ وهل كان التعامل سيأخذ المسار نفسه لو انعكست هويتا المتهم والمستهدفين؟

قتلٌ يستنفر، وقتلٌ يُعتاد

ومن هنا أصل إلى السؤال الأكثر إيلامًا: ما الذي يستدعي الاستنفار لحماية حياة العرب؟ خطة قتل جماعي في يوم واحد، أم أيضًا واقع يفقدون فيه أمنهم، فردًا تلو الآخر، تحت وطأة الجريمة؟

حمّلوا تطبيق الشمس الأخبار والبث المباشر بين يديكم App Store Google Play
تابعوا الشمس على تلغرام أخبار عاجلة · تقارير حصرية · بث مباشر انضم للقناة

لا يعني ذلك أن الجريمة المنظمة وخطة المحاضر ظاهرة واحدة، أو أن وراء كل جريمة قتل غايةً سياسية مثبتة. لكن هذا الاختلاف لا يعفي الدولة من مسؤوليتها عن الحماية. فالخوف المتراكم، وفقدان الثقة بإمكان العيش الآمن، قد يدفعان الناس إلى مغادرة بلداتهم أو البلاد، والأرقام تشير إلى أنّهما يفعلان هذا، حتى حين لا توجد وثيقة تسمّي النتيجة "ترانسفير".

هنا تصبح فكرة احتكار الدولة للعنف مدخلًا للمساءلة: هل تُقاس خطورة العنف بما يفعله بالضحايا، أم أيضًا بمن يمارسه وبمدى خروجه عن سيطرة المؤسسات؟ وهل يتم التعامل مع حياة الفلسطيني باعتبارها جديرة بالحماية في كل يوم، أم فقط حين تصبح خطة قتله قضية استثنائية تتصدر الأخبار؟

إدانة الفرد لا تكفي

المطلوب محاسبة المتهم على ما تثبته الإجراءات القضائية، ومساءلة الخطاب والمؤسسات معًا. فإدانة مشروع المجزرة تبقى ناقصة إذا لم تمتد إلى السياسة التي تجعل رحيل الفلسطينيين مرغوبًا، وإلى التحريض الذي يجعل موتهم قابلًا للهتاف، وإلى الفشل الذي يجعل بقاءهم محفوفًا بالخوف.

السؤال ليس كيف استطاع محاضر أن يتخيّل هذا كله فحسب. السؤال أيضًا: كيف أصبح اقتلاعنا فكرةً تتكرر، بينما يُطلَب منا في كل مرة أن نصدّق أنها استثناء؟

حقوق النشر وسياسة الاستخدام

يتم استخدام المواد المنشورة على موقع الشمس وفقًا لأحكام المادة 27أ من قانون حقوق التأليف والنشر لعام 2007.

في حال كنت تعتقد أن استخدام أي مادة منشورة على الموقع ينتهك حقوقك بصفتك صاحب حقوق الطبع والنشر، يمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: info@ashams.com، وطلب وقف استخدام المادة.

يرجى عند التواصل تزويدنا بالاسم الكامل، ورقم الهاتف، وإرفاق صورة عن الشاشة (Screenshot) ورابط الصفحة ذات الصلة على موقع الشمس.

شكرًا لتعاونكم.

اقرأ أيضًا عرض الكل ←