أكثر من 15 مليار شيكل عالقة في المصارف الفلسطينية.. كيف يهدد تكدّس النقد حركة التجارة؟
تتراكم أكثر من 15 مليار شيكل من النقد الفائض في المصارف الفلسطينية، وسط صعوبات في إعادته إلى إسرائيل ومخاوف من مستقبل العلاقات المصرفية المراسلة، في أزمة تتجاوز خزائن البنوك لتطال السيولة والمدفوعات وتمويل التجارة، فيما لا تزال الحلول المطروحة بحاجة إلى معالجة مستدامة.
تواجه المصارف الفلسطينية مشكلة غير اعتيادية، إذ تمتلك كميات كبيرة من النقد بالشيقل، لكنها لا تستطيع إعادة جزء منها إلى إسرائيل بالقدر الذي يتناسب مع احتياجات السوق، ما يضع ضغوطًا على إدارة السيولة ويحدّ من قدرة القطاع المصرفي على توظيف الأموال المتاحة في عملياته المعتادة.
وقال محافظ سلطة النقد الفلسطينية يحيى شنّار، في تصريحات أدلى بها خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي في بانكوك، إن حجم النقد الفائض الذي يتعذر إعادته إلى إسرائيل تجاوز 15 مليار شيكل، محذرًا من انعكاسات الأزمة على حركة التجارة والمدفوعات وقدرة الاقتصاد الفلسطيني على تلبية احتياجاته.
وبحسب بيان سلطة النقد الصادر في 12 أكتوبر، ترتبط هذه المشكلة أيضًا بالتهديدات التي تواجه العلاقات المصرفية المراسلة مع البنوك الإسرائيلية، إلى جانب احتجاز إيرادات المقاصة، ما يضع القطاع المالي أمام مجموعة من الضغوط المتزامنة.
لماذا تتراكم الأموال في المصارف؟
يعتمد الاقتصاد الفلسطيني بدرجة كبيرة على الشيقل في المعاملات اليومية، بما يشمل المشتريات التجارية ودفع الأجور وتسوية المعاملات بين الأفراد والشركات، لكن تدفق النقد إلى المصارف لا يقابله دائمًا مسار مماثل لإعادته إلى إسرائيل أو تحويله إلى أرصدة قابلة للاستخدام في التسويات المصرفية.
وتؤدي القيود المفروضة على إعادة النقد إلى تراكم الأوراق النقدية في خزائن المصارف، ما يفرض أعباء إضافية مرتبطة بالتخزين والتأمين والنقل، ويصعّب إدارة السيولة، خصوصًا عندما تحتاج البنوك إلى تسوية التزاماتها أو توفير الأموال اللازمة لعمليات تجارية.
ولا تعني وفرة الأوراق النقدية بالضرورة أن المصارف تمتلك سيولة قابلة للاستخدام بحرية، إذ إن الأموال العالقة نقدًا لا تؤدي الوظيفة نفسها التي تؤديها الأرصدة المتاحة للتحويل والتسوية لدى البنوك المراسلة.
وتزداد خطورة المشكلة مع استمرار الاعتماد على العلاقات المصرفية المراسلة بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية، التي تتيح تنفيذ التحويلات والمدفوعات والتسويات المرتبطة بالتجارة الخارجية.
وكانت الترتيبات القائمة قد مُددت حتى 31 ديسمبر 2026، لكن محافظ سلطة النقد حذّر من أن التمديد المؤقت لا يمثل حلًا دائمًا، داعيًا إلى ترتيبات مستقرة تضمن استمرار هذه العلاقات وتسمح بإعادة النقد بالشيقل بما يتناسب مع احتياجات النشاط الاقتصادي.
وتشير بيانات نقلتها وكالة رويترز عن سلطة النقد إلى أن بنكي "هبوعليم" و"ديسكونت" يعالجان معاملات مرتبطة بالسلطة الفلسطينية بقيمة تقارب 51 مليار شيكل سنويًا، فيما يعتمد نحو 90% من التجارة الفلسطينية على التعاملات التي تمر عبر إسرائيل.
كيف تنعكس الأزمة على التجار والمواطنين؟
تنعكس أزمة السيولة على الاقتصاد من خلال الصعوبات التي قد تواجه التجار والشركات في إيداع النقد أو إجراء التحويلات وتسوية المدفوعات، كما يمكن أن تزيد الأعباء التشغيلية على المصارف وتحدّ من مرونتها في إدارة الأموال.
ولا يعني ذلك أن تكدّس الشيقل يؤدي تلقائيًا إلى توقف المدفوعات أو نقص السلع، لكنه يخلق مخاطر إضافية إذا استمرت القيود على إعادة النقد بالتزامن مع تعثر العلاقات المصرفية المراسلة، خصوصًا أن التجارة الخارجية تعتمد على قنوات مالية قادرة على تنفيذ التسويات في الوقت المناسب.
تابعوا الشمس على تلغرامأخبار عاجلة · تقارير حصرية · بث مباشرانضم للقناة
وفي المقابل، أكد محافظ سلطة النقد أن نسبة كفاية رأس المال في القطاع المصرفي الفلسطيني تتجاوز 17%، مشيرًا إلى استمرار المصارف في أداء مهامها رغم الظروف الاستثنائية، وهو ما يوضح ضرورة التمييز بين تحديات السيولة وإدارة النقد وبين مؤشرات الملاءة المالية للمصارف.
هل تكفي الحلول الرقمية؟
يمكن أن تسهم المدفوعات الإلكترونية في تقليل الاعتماد على النقد الورقي والحد من تراكمه مستقبلًا، لكن رقمنة المعاملات وحدها لا تحل مشكلة الأموال المتراكمة بالفعل، ولا تعوّض الحاجة إلى قنوات مصرفية قادرة على تنفيذ التحويلات والتسويات عبر الحدود.
وتحتاج المعالجة إلى ترتيبات تسمح بإعادة النقد بالشيقل بصورة تتناسب مع حجم النشاط الاقتصادي، إلى جانب ضمان استمرارية العلاقات المصرفية المراسلة على أساس طويل الأمد، بما يقلل المخاطر التي تواجه المصارف والتجار.
وبينما تستمر التحذيرات من تداعيات الأزمة، يبقى السؤال الأساسي: هل تنجح الجهات المعنية في التوصل إلى حل دائم قبل انتهاء التمديد الحالي في نهاية ديسمبر، أم يستمر تراكم النقد بالتوازي مع حالة عدم اليقين التي تحيط بالتحويلات والتجارة؟
يتم استخدام المواد المنشورة على موقع الشمس وفقًا لأحكام المادة 27أ من قانون حقوق التأليف والنشر لعام 2007.
في حال كنت تعتقد أن استخدام أي مادة منشورة على الموقع ينتهك حقوقك بصفتك صاحب حقوق الطبع والنشر، يمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: info@ashams.com، وطلب وقف استخدام المادة.
يرجى عند التواصل تزويدنا بالاسم الكامل، ورقم الهاتف، وإرفاق صورة عن الشاشة (Screenshot) ورابط الصفحة ذات الصلة على موقع الشمس.