السعودية بين مضيقين: معضلة الرياض في مواجهة اليمن وإيران
تجد المملكة العربية السعودية نفسها اليوم في واحدة من أصعب اللحظات الاستراتيجية في تاريخها الحديث. فبعد سنوات من محاولة الخروج من المستنقع اليمني عبر الهدنة والتفاهمات، عادت الحرب لتطرق أبوابها من الجنوب، في وقت لم تتعافَ فيه بعد من تداعيات الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز في الشرق. وبين المضيقين، هرمز وباب المندب، تقف الرياض أمام معادلة معقدة لا تبدو فيها أي من الخيارات المتاحة خالية من الثمن.
لم تكن عودة المواجهة مفاجئة تمامًا. ففي حزيران الماضي أعلنت حركة أنصار الله في اليمن "مرحلة جديدة" في الصراع مع السعودية، محورها رفع الحصار عن موانئهم الجوية والبحرية. ثم تسارعت الأحداث: فرضن الحركة حصارًا بحريًا وجويًا على السعودية وشنّوا هجمات بالمسيّرات والصواريخ على أراضيها، هي الأولى منذ 2023، فيما ردّت الرياض بإطلاق تحالف بحري وغارات جوية هي الأولى منذ 2022.
وبلغ التصعيد ذروته هذا الشهر، إذ حذّر المبعوث الأممي هانس غروندبرغ من أن اليمن انزلق مجددًا إلى "حرب شاملة"، بينما أطلقت القوات الحكومية المدعومة سعوديًا في الرابع من تشرين الأول هجوم "فجر اليمن" لاستعادة مناطق يسيطر عليها مقاتلو حركة أنصار الله، من بينها مدينة المخا الساحلية وجزيرة ميون. وفي المقابل، قُتل ما لا يقل عن 12 شخصًا في هجوم على مطار الرياض الدولي، وتعهّدت المملكة بالرد "بحزم".
باب المندب: البديل الذي صار هدفًا
تكمن المعضلة السعودية الأعمق في أن البحر الأحمر لم يعد ممرًا ثانويًا، بل أصبح شريان الحياة للاقتصاد السعودي. فمع إغلاق هرمز، تحوّل خط الأنابيب "شرق - غرب" إلى الرئة التي تتنفس منها صادرات النفط. هذا الخط، الذي تبلغ طاقته 7 ملايين برميل يوميًا، يربط مناطق الإنتاج قرب الخليج بموانئ التصدير على البحر الأحمر.
لكن في حركة أنصار الله أدركوا نقطة الضعف هذه. فقد أعلنوا في تموز حظرًا بحريًا على السعودية سعيًا للسيطرة على حركة الناقلات عبر باب المندب، الذي شكّل بديلًا حاسمًا لمضيق هرمز. وزاد الوضع تعقيدًا أن مقاتلي الحركة استولوا على مناطق على الساحل الغربي لليمن، ما قد يمنحهم السيطرة على مضيق باب المندب ذي الأهمية الاستراتيجية.
والأخطر أن الخط نفسه لم يسلم من الاستهداف، إذ يظل النفط المحمّل في ينبع مضطرًا لمغادرة البحر الأحمر عبر قناة السويس أو باب المندب، كما أُغلق الخط بين 11 و22 أيلول بعد هجوم بطائرات مسيّرة انطلقت من العراق.
هرمز: الجبهة الإيرانية المفتوحة
في الشرق، لا تزال تداعيات الحرب على إيران تثقل كاهل المملكة. فمضيق هرمز مغلق إلى حد كبير منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أواخر شباط. وفي محاولة لتقليص الاعتماد على هذا الممر، أعلن وزير الطاقة الأمير عبد العزيز بن سلمان خطة لرفع طاقة خط شرق - غرب إلى 10 ملايين برميل يوميًا خلال عامين إلى ثلاثة. غير أن هذه الخطة، على أهميتها، تنقل الخطر من مضيق إلى آخر ولا تلغيه.
معضلات بلا حلول سهلة
أمام هذا المشهد، تواجه الرياض جملة من المعضلات المتشابكة:
أولًا، معضلة الحسم العسكري: التصعيد قد يعيد المملكة إلى مستنقع 2015 الذي أنفقت سنوات للخروج منه، بينما التراجع قد يُقرأ ضعفًا ويشجّع حركة أنصار الله على المزيد. ويرى مراقبون أن الحركة تسعى إلى إيصال رسالة مفادها أن السعودية ستتكبد تكاليف اقتصادية متصاعدة بسبب تدخلها في اليمن.
ثانيًا، معضلة الكلفة غير المتكافئة: فالحرب تُخاض بين طرف لديه الكثير ليخسره وآخر اعتاد العيش تحت الحصار. وكما لاحظ مراسلون من صنعاء، فإن السعودية "لديها الكثير لتخسره" من الهجمات المتبادلة على حركة الطيران، بينما مطار صنعاء مغلق منذ سنوات. وقد هددت حركة أنصار الله بضرب منشآت أرامكو ومطار الملك خالد إذا هاجمت السعودية صنعاء.
تابعوا الشمس على تلغرامأخبار عاجلة · تقارير حصرية · بث مباشرانضم للقناة
ثالثًا، معضلة التحالفات: تبحث الرياض عن مظلة دولية دون أن تصبح رهينة لها. ففي الخامس من تشرين الأول اتفقت تركيا وباكستان والسعودية على تفعيل "إجراءات ردع" ضمن اتفاقية دفاع مشترك ونشر قوات بسرعة في المملكة، فيما يدرس الرئيس ترامب الانضمام إلى المعركة. لكن دخول واشنطن قد يحوّل اليمن إلى ساحة مواجهة إقليمية أوسع تكون السعودية في قلبها.
رابعًا، معضلة الرؤية والاستقرار: فمشاريع رؤية 2030 تحتاج إلى بيئة آمنة وجاذبة للاستثمار والسياحة، وهو ما يصعب ضمانه حين تصبح المطارات والمنشآت النفطية أهدافًا للصواريخ.
خلاصة
تقف السعودية اليوم محاصرة بين مضيقين ملتهبين: هرمز الذي يرتبط بالصراع مع إيران، وباب المندب الذي تمسك حركة أنصار الله في اليمن بمفاتيحه. وأي حل للأزمة اليمنية بات مرتبطًا بالضرورة بالمسألة الإيرانية، والعكس صحيح. وفي ظل هذا الترابط، يبدو أن خيارات الرياض تتراوح بين تصعيد مكلف وتسوية صعبة، فيما يبقى السؤال الأكبر: هل تملك المملكة القدرة على فرض معادلة جديدة، أم أنها ستظل تدفع ثمن صراعات تتجاوز حدودها؟
يتم استخدام المواد المنشورة على موقع الشمس وفقًا لأحكام المادة 27أ من قانون حقوق التأليف والنشر لعام 2007.
في حال كنت تعتقد أن استخدام أي مادة منشورة على الموقع ينتهك حقوقك بصفتك صاحب حقوق الطبع والنشر، يمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: info@ashams.com، وطلب وقف استخدام المادة.
يرجى عند التواصل تزويدنا بالاسم الكامل، ورقم الهاتف، وإرفاق صورة عن الشاشة (Screenshot) ورابط الصفحة ذات الصلة على موقع الشمس.