من الزفّة إلى "الترند".. كيف تغيّرت أعراسنا؟

من الدبكة والسحجة والأغاني الشعبية إلى التصوير الاحترافي ومقاطع الفيديو على منصات التواصل، تغيّرت تفاصيل كثيرة في الأعراس الفلسطينية، لكن بقي السؤال: كيف نحافظ على طقوس الفرح والهوية، في وقت أصبحت فيه الصورة والتفاصيل المرئية جزءًا من تجربة الاحتفال؟

فرقة دبكة شعبية على جبل جرزيم في نابلس (صورة أرشيفية)
فرقة دبكة شعبية على جبل جرزيم في نابلس (صورة أرشيفية)
نُشر · قراءة 3 دقائق

لم يكن العرس الفلسطيني التقليدي مجرّد يوم واحد، بل سلسلة من الطقوس الاجتماعية التي تشارك فيها العائلة والجيران وأبناء البلدة، من التعاليل وليلة الحنّاء إلى الفاردة والزفّة، وكانت الأغاني الشعبية والدبكة والميجانا والعتابا والزغاريد جزءًا أساسيًا من هذه المناسبة، التي جمعت بين الفرح والتكافل والتعبير عن الهوية المحلية.

وتوثّق مواد التراث الفلسطيني عادات مثل زفّة العريس، التي كان يُحمل فيها على الأكتاف أو يُزفّ على ظهر حصان، بمرافقة الأغاني الشعبية والدبكة، إلى جانب ليلة الحنّاء التي تسبق الزفاف وتتخللها طقوس غنائية واجتماعية خاصة، مع اختلاف التفاصيل من منطقة إلى أخرى.

لكن شكل الاحتفال لم يبقَ ثابتًا، فمع تغيّر أنماط الحياة وتطور الخدمات المتاحة، ظهرت أشكال جديدة لتنظيم الأعراس وتصويرها، وانتقلت كثير من الاحتفالات إلى قاعات الأفراح، وأصبحت أنظمة الصوت والإضاءة والتصوير جزءًا من التحضيرات، فيما بقيت بعض العائلات متمسكة بطقوسها التقليدية، وأخرى تمزج بين التراث والأساليب الحديثة.

من الأغنية الشعبية إلى الكاميرا

في الماضي، كانت الزفّة تُعاش في الشارع أو ساحة البلدة، وسط مشاركة مباشرة من الأقارب والجيران، وكان صوت المغني الشعبي أو فرقة الدبكة يقود أجواء الاحتفال، أما اليوم، فترافق الكاميرات والهواتف الذكية كثيرًا من لحظات العرس، من دخول العروسين إلى القاعة وصولًا إلى الرقص والتقاط الصور مع الضيوف.

وأتاحت وسائل التواصل الاجتماعي للعائلات مشاركة فرحتها مع الأقارب والأصدقاء الذين لم يتمكنوا من الحضور، كما منحت المصورين وأصحاب الأفكار الإبداعية مساحة لتقديم مشاهد مختلفة، سواء عبر تصوير الزفّة من زوايا متعددة أو إعداد مقاطع قصيرة توثق أبرز اللحظات.

ومع انتشار الفيديوهات القصيرة، باتت بعض تفاصيل الأعراس قابلة للتداول على نطاق واسع، وقد يتحول مشهد غير مألوف أو رقصة مميزة إلى مقطع يحظى بتفاعل كبير، وهو ما يطرح تساؤلًا حول تأثير المنصات على اختيارات بعض أصحاب الأعراس، من دون أن يعني ذلك أن جميع العائلات تنظّم احتفالاتها بهدف الوصول إلى "الترند".

فالتصوير قد يكون وسيلة للاحتفاظ بالذكريات، لكنه قد يتحول أحيانًا إلى عنصر حاضر في التخطيط نفسه، عندما تُختار بعض التفاصيل لأنها تبدو جذابة أمام الكاميرا، لا لمجرد أنها تعبّر عن ذوق العروسين أو تقاليد عائلتيهما.

بين الفرح والتكاليف

تتطلب الأعراس تحضيرات متعددة، من الملابس والضيافة إلى القاعة والتصوير والموسيقى، وتختلف الكلفة بحسب المكان وعدد المدعوين والخدمات المختارة والقدرة المالية للعائلة، لذلك لا يمكن تعميم تجربة واحدة على جميع الأعراس الفلسطينية.

ومع ذلك، قد تفتح المقارنة بين الاحتفالات المنشورة على منصات التواصل بابًا للتساؤل عن حجم التوقعات الاجتماعية المرتبطة بالعرس، وهل يشعر بعض المقبلين على الزواج بضرورة تقديم احتفال مماثل لما يشاهدونه من ديكورات واسعة أو تصوير مكلف أو تفاصيل استثنائية؟

ولا تتوافر في هذا التقرير بيانات حديثة تقيس مدى تأثير منصات التواصل مباشرة على ميزانيات الأعراس الفلسطينية، لذلك تبقى هذه المسألة سؤالًا اجتماعيًا يحتاج إلى شهادات من العائلات ومنظمي الحفلات والمصورين، بدل التعامل معها كحقيقة تنطبق على الجميع.

حمّلوا تطبيق الشمس الأخبار والبث المباشر بين يديكم App Store Google Play
تابعوا الشمس على تلغرام أخبار عاجلة · تقارير حصرية · بث مباشر انضم للقناة

وفي المقابل، لا يعني التطور في شكل الاحتفال بالضرورة الابتعاد عن التراث، إذ يمكن أن تجتمع الدبكة والأغاني الشعبية مع التصوير الحديث، وأن تُقدّم ليلة الحنّاء بطرق متجددة مع الحفاظ على طقوسها، فالتقاليد ليست بالضرورة نقيضًا للتجديد، بل يمكن أن تتكيف مع تغير الأجيال ووسائل الاحتفال.

ماذا بقي من أعراسنا؟

رغم التغيّرات، ما زالت الدبكة والأغاني الشعبية والزغاريد حاضرة في كثير من الأعراس الفلسطينية، كما يستمر استخدام التطريز والملابس التراثية في مناسبات مختلفة، في تعبير عن ارتباط الفرح بالذاكرة العائلية والهوية الثقافية.

وتختلف الأعراس بين مناطق فلسطين، كما تختلف بين العائلات والأجيال، فلا توجد صورة واحدة يمكن أن تختصرها جميعًا، لكن ما يجمعها هو كونها مناسبة اجتماعية تتجاوز الاحتفال بالعروسين إلى لقاء العائلة والأصدقاء وتبادل التهاني.

وبين الزفّة التقليدية و"الترند"، يبقى التحدي في أن تظل الأعراس مساحة للفرح والاختيار الشخصي، لا سباقًا في المظاهر أو عبئًا ماليًا على المقبلين على الزواج، وأن تبقى الأغاني والطقوس التي ورثتها الأجيال حاضرة، حتى مع تغيّر طرق التصوير والتنظيم والمشاركة.

اقرأ/ي أيضًا
شهب الثوريات.. هل تظهر كرات نارية في السماء مطلع نوفمبر؟
حقوق النشر وسياسة الاستخدام

يتم استخدام المواد المنشورة على موقع الشمس وفقًا لأحكام المادة 27أ من قانون حقوق التأليف والنشر لعام 2007.

في حال كنت تعتقد أن استخدام أي مادة منشورة على الموقع ينتهك حقوقك بصفتك صاحب حقوق الطبع والنشر، يمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: info@ashams.com، وطلب وقف استخدام المادة.

يرجى عند التواصل تزويدنا بالاسم الكامل، ورقم الهاتف، وإرفاق صورة عن الشاشة (Screenshot) ورابط الصفحة ذات الصلة على موقع الشمس.

شكرًا لتعاونكم.

اقرأ أيضًا عرض الكل ←