من يقرر ما نأكل؟.. السيادة الغذائية أبعد من امتلاء الأسواق

مشهد للعمل الزراعي (الجزيرة)
مشهد للعمل الزراعي (الجزيرة)
نُشر · قراءة 3 دقائق

يقترض المزارع الغزي راسم فياض بذورا ليزرعها، ثم يعيد جزءا من البذور التي ينتجها إلى البنك ويحتفظ بجزء للموسم التالي. بهذه الآلية شرح للجزيرة نت كيف يساعد بنك البذور المزارعين على الاستمرار وسط صعوبة الحصول على مستلزمات الزراعة وارتفاع تكاليفها.

وبحسب التقرير الذي نُشر في 20 أغسطس/آب 2026، أُعيد إحياء بنك القرارة للبذور المحلية في خيمة بدير البلح، بعد تدمير مقره السابق. وتقول هنادي مهنا، المختصة في الزراعة وعضو إدارته، إن القائمين عليه استعانوا بمزارعين كانوا يتعاملون معهم قبل الحرب لجمع أصناف من البذور وتكثيرها وحمايتها من الاندثار.

بين بذرة تُستخدم الآن وأخرى تُحفظ للموسم المقبل، يظهر جانب ملموس من سؤال طرحه أستاذ النظم الإيكولوجية في الجامعة الأمريكية في بيروت رامي زريق: "من يقرر ماذا نأكل؟". ففي حلقة من برنامج "للقصة بقية" قدمتها فيروز زياني، ناقشت مع أستاذ القانون بجامعة أوريغون مايكل فخري الفرق بين الحصول على الغذاء والقدرة على تحديد النظام المنتج له.

وفرة بلا وصول

يبدأ زريق من صورة المتاجر الممتلئة، مستشهدا بوجود نحو 1.5 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي في مدينة نيويورك وحدها، في مفارقة تثبت أن امتلاء رفوف المتاجر لا يعني بالضرورة قدرة السكان على الشراء.

ولهذا يوضح للجزيرة أن الأمن الغذائي يتعلق بحصول جميع الأفراد، في جميع الأوقات، على غذاء كاف وصحي يراعي عاداتهم الغذائية وتقاليدهم الثقافية. وهو جوهر التعريف الوارد في خطة عمل مؤتمر القمة العالمي للأغذية عام 1996، التي أدرجت الوصول المادي والاقتصادي إلى غذاء آمن ومغذ، لا التوفر وحده.

ويستحضر زريق التقزم والبدانة لتوضيح أن الحصول على السعرات لا يضمن التغذية السليمة. وتدرج منظمة الصحة العالمية نقص التغذية ونقص المغذيات الدقيقة وزيادة الوزن والسمنة ضمن صور سوء التغذية، بما يبرز أهمية نوعية الغذاء، لا كميته وحدها.

أما السيادة الغذائية فتنقل النقاش إلى من يحدد الخيارات: ماذا يزرع؟ وأي إنتاج يحظى بالدعم؟ ولمن تُوجه الموارد؟ ويضع زريق هذه الأسئلة في مواجهة تحكم الدول والشركات والتكتلات في نظم غذاء المجتمعات.

وجهة المساعدة

ولتفسير ذلك، يعود زريق إلى زراعة غزة قبل الحرب التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023. وينتقد مؤسسات وجمعيات دخلت القطاع تحت عنوان المساعدة، ثم دعمت نمطا من زراعة الزهور والفراولة المعدة للتصدير إلى أوروبا عبر إسرائيل.

ويرى أن هذا التوجه أبعد استخدام الأرض عن احتياجات سكان القطاع، وربط الإنتاج باستهلاك خارج الموسم في الأسواق الأوروبية. وبذلك يضع سياسات المانحين ووجهة التمويل في صلب مسألة القرار الزراعي، إلى جانب القيود على المعابر والتجارة.

ولا تُختزل الصورة الزراعية السابقة للحرب في محاصيل التصدير. ففي تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية نُشر في أغسطس/آب 2026، قال المسؤول الاقتصادي في اللجنة الدولية للصليب الأحمر أسامة المخللاتي إن غزة كانت تحقق اكتفاء ذاتيا في الخضراوات الطازجة وتصدر جزءا من إنتاجها. وهو وصف يخص الخضراوات، لا مجمل احتياجات الغذاء.

وتكشف المقارنة أن التصدير وتلبية بعض الاحتياجات المحلية قد يجتمعان؛ أما الخلاف الذي يفتحه نقاش زريق فيتعلق بمن يحدد الأولويات وشروط التعامل مع السوق. ويقدم بنك البذور وجها آخر للسؤال عن أثر المساعدة في خيارات المنتج.

دعم يبني القدرة

تؤكد الناطقة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر أماني الناعوق للجزيرة نت أن اللجنة تدعم بنك البذور بهدف إكثار الأصناف المحلية وحمايتها من الاندثار، وتشجيع مزارعين على تخصيص أجزاء من أراضيهم لهذا الغرض.

هذا التفصيل يمنع مساواة كل مساعدة خارجية بالتبعية. فالمشروع المدعوم من جهة دولية يعمل هنا على إبقاء البذور في دورة إنتاج محلية، يستطيع المزارع أن يحتفظ بجزء منها ويزرعه مجددا.

لكنّ الناعوق تضع حدودا واضحة للمبادرة: الأصناف المتاحة لا تشمل محاصيل أساسية مثل الطماطم والخيار والباذنجان، والمساحات الممكن زراعتها محدودة، والتربة منهكة، والقيود تعرقل إدخال المستلزمات. وتصف مساهمته بأنها محدودة قياسا إلى حجم الأضرار واحتياجات القطاع الزراعي.

وتلتقي هذه الحدود مع شرح زريق لترابط الأرض والمياه والبذور والأسمدة والنقل. فاستعادة أحد عناصر الإنتاج لا تحرر المزارع من القيود على بقية العناصر، لكنها قد تعيد إليه خيارا كان يفقده مع كل موسم.

حمّلوا تطبيق الشمس الأخبار والبث المباشر بين يديكم App Store Google Play
تابعوا الشمس على تلغرام أخبار عاجلة · تقارير حصرية · بث مباشر انضم للقناة

من يضع القواعد؟

ويقدم فخري احتجاجات المزارعين في الهند مثالا على الصراع حول قواعد الإنتاج والتسويق. ففي قراءته، اتسقت سياسات الحكومة مع توجهات أمريكا والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي نحو تقليص الدعم وفتح الأسواق أمام الشركات الدولية، بينما قاوم المزارعون هذا المسار دفاعا عن قدرتهم على الاستمرار.

وللحراك نتيجة تشريعية موثقة؛ فقد أقر البرلمان الهندي عام 2021 إلغاء 3 قوانين زراعية صدرت عام 2020. وربطت وزارة الشؤون البرلمانية الإلغاء بالاحتجاجات، مع تمسكها بأن القوانين كانت تستهدف تطوير أوضاع المزارعين.

ويستخلص فخري من التجربة أهمية التنظيم الجماعي في مواجهة نفوذ الشركات والتأثير في السياسة الزراعية. فالمنتج، في هذا الطرح، يحتاج إلى صوت في صياغة القواعد، إلى جانب حاجته إلى الأرض والمدخلات.

ولا تعني السيادة الغذائية الانقطاع عن التجارة. فإعلان نييليني لعام 2007، الصادر عن حركات ومنظمات زراعية واجتماعية، يدعو إلى تجارة شفافة تضمن دخولا عادلة وتحمي حقوق المستهلكين، مع إعطاء الأولوية للاقتصادات والأسواق المحلية والوطنية.

الموسم التالي

وعلى مستوى الدولة، يدعو فخري إلى مشاركة الحكومة بأكملها في سياسة الغذاء، بما فيها الصحة والتعليم والتجارة. فالقرار يتوزع، في طرحه، بين قطاعات تؤثر في دخل الناس ونوعية غذائهم وقدرة المنتجين على العمل.

أما في غزة، فيربط زريق استعادة السيادة على الغذاء بإنهاء الاحتلال وقيوده على الأرض والموارد. وتكشف شهادة القائمين على بنك البذور مقدار المسافة بين مبادرة تحفظ بعض أدوات الإنتاج وبين استعادة نظام زراعي قادر على تلبية الاحتياجات.

وفي حدود هذه المبادرة، لا يكتفي راسم فياض بما يحصل عليه من البنك؛ يقول إنه يُكثر البذور ويخزنها، ويصنع الأسمدة يدويا. وما يحتفظ به للموسم التالي لا يغني عن الماء والأرض وحرية الوصول إليهما، لكنه يبقي في يده جزءا من القدرة على البدء مجددا.


المصدر: الجزيرة

اقرأ/ي أيضًاجامعة تل أبيب تتراجع عن إخلاء طالبة فلسطينية بسبب ملصق سياسي
حقوق النشر وسياسة الاستخدام

يتم استخدام المواد المنشورة على موقع الشمس وفقًا لأحكام المادة 27أ من قانون حقوق التأليف والنشر لعام 2007.

في حال كنت تعتقد أن استخدام أي مادة منشورة على الموقع ينتهك حقوقك بصفتك صاحب حقوق الطبع والنشر، يمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: info@ashams.com، وطلب وقف استخدام المادة.

يرجى عند التواصل تزويدنا بالاسم الكامل، ورقم الهاتف، وإرفاق صورة عن الشاشة (Screenshot) ورابط الصفحة ذات الصلة على موقع الشمس.

شكرًا لتعاونكم.

اقرأ أيضًا عرض الكل ←