بين رايتين: معضلة لاعب كرة القدم العربيّ في منتخب إسرائيل

أظهرت الضجّة التي أعقبت الحادثة مدى التغيّر الذي طرأ على الأجواء المحيطة بكرة القدم الإسرائيليّة في أعقاب حرب غزّة، حركة كانت تُعدّ في السابق احتفالًا اعتياديًّا بتسجيل هدف، اكتسبت فجأة دلالة سياسيّة، ليجد اللاعب الشابّ نفسه في قلب نقاش دوليّ

سائد أبو فرخي يحتفل بهدفه الأوّل بقميص المنتخب الإسرائيليّ خلال المباراة أمام النمسا، 24 أيلول - سبتمبر 2026. الصورة: Georg Hochmuth / APA | APA-Images / Alamy.
سائد أبو فرخي يحتفل بهدفه الأوّل بقميص المنتخب الإسرائيليّ خلال المباراة أمام النمسا، 24 أيلول - سبتمبر 2026. الصورة: Georg Hochmuth / APA | APA-Images / Alamy.
نُشر · قراءة 5 دقائق

أحيانًا، تكفي لحظة واحدة على أرض الملعب لتطفو إلى السطح قضايا رافقت مجتمعًا بأكمله على مدى أجيال. سجّل سيّد أبو فرحي، المهاجم الشاب من باقة الغربيّة، هدفه الأوّل مع المنتخب الإسرائيليّ الشهر الماضي، في المباراة أمام النمسا. ركض نحو الراية الركنيّة، واحتفل بحركة "السنوكر" التي اعتاد القيام بها في مبارياته السابقة. غير أنّ الحكم فسّر الاحتفال على أنّه استفزاز، فأشهر في وجهه البطاقة الصفراء الثانية وطرده من المباراة. وفي غضون ساعات، تصدّرت الحركة عناوين الأخبار العالميّة، بعدما وصفتها وسائل إعلام أوروبّيّة بأنّها محاكاة لإطلاق النار من سلاح.

سائد أبو فرخي يحتفل بهدفه الأوّل بقميص المنتخب الإسرائيليّ خلال المباراة أمام النمسا، 24 أيلول - سبتمبر 2026. الصورة: Georg Hochmuth / APA | APA-Images / Alamy.
ملعب كرة القدم في كفر قاسم، Archxx / Wikimedia Commons، بترخيص CC BY-SA 4.0. التُقطت الصورة في 27 آذار- مارس 2016.

أظهرت الضجّة التي أعقبت الحادثة مدى التغيّر الذي طرأ على الأجواء المحيطة بكرة القدم الإسرائيليّة في أعقاب حرب غزّة. حركة كانت تُعدّ في السابق احتفالًا اعتياديًّا بتسجيل هدف، اكتسبت فجأة دلالة سياسيّة، ليجد اللاعب الشابّ نفسه في قلب نقاش دوليّ. وقد صرّحت عائلته أنّ مجرّد انتمائه إلى المنتخب الإسرائيليّ كان وراء الضجّة، مؤكّدة، في الوقت نفسه، اعتزازها بالفرصة التي أُتيحت له لتمثيل المنتخب. ورغم ذلك، وبعيدًا عن الاحتفال والطرد، تدعو هذه القضيّة إلى فتح نقاش أوسع حول الوضع المعقّد للّاعبين العرب في المنتخب الإسرائيليّ.

يجري هذا النقاش اليوم في ظروف بالغة الصعوبة. فقد أودت الحرب في غزّة بحياة عشرات الآلاف من الفلسطينيّين، ودمّرت أحياءً بأكملها، وتركت أعدادًا هائلة من السكّان نازحين في ظروف مزرية. وفي الضفّة الغربيّة، تتواصل العمليّات العسكريّة والقيود المفروضة على الحركة وعنف المستوطنين. وفقًا لهيئة الأمم المتّحدة، سُجّل خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 أكثر من 1,600 اعتداء نفّذه مستوطنون؛ وأسفر عن إصابات في صفوف الفلسطينيّين أو أضرار بالممتلكات.

في الوقت نفسه، يواجه المواطنون العرب في إسرائيل أزمة متفاقمة من الجريمة والعنف، حتّى باتت هذه الظاهرة جزءًا شبه يوميّ من الحياة في العديد من المدن والبلدات العربيّة. ففي عام 2025، قُتل 252 شخصًا في المجتمع العربيّ، وهو أعلى رقم كان قد سُجّل حتّى ذلك الحين. واستمرّ نزيف الدم خلال عام 2026 أيضًا؛ فبحسب بيانات جمعيّة مبادرات إبراهيم، بلغ عدد الذين فقدوا حياتهم في ظروف مرتبطة بالجريمة والعنف نحو 179 شخصًا حتّى 26 أيلول - سبتمبر.هذا الواقع يلقي بظلال دائمة من انعدام الأمان على سكّان البلدات العربيّة، بعدما أصبحت حوادث إطلاق النار وأحداث القتل جزءًا لا ينفصل عن حياتهم اليوميّة.

في ظلّ هذه الظروف، يجد اللاعب العربيّ الذي يرتدي قميص المنتخب الإسرائيليّ نفسه أمام الدلالات العامّة التي تحملها خياراته المهنيّة والشخصيّة؛ فهو يمثّل دولة يحمل جنسيّتها، ويستفيد من الفرص التي يتيحها له نظام كرة القدم فيها، وفي كثير من الحالات ينتمي أيضًا إلى الشعب الفلسطينيّ، وإلى مجتمع يعيش تداعيات الصراع بصورة مباشرة. وقد تتعايش مشاعر الانتماء المتضاربة هذه جنبًا إلى جنب، وإن كان ذلك أحيانًا في ظلّ توتر عميق بينها. كما تختلف درجة التماهي مع كلّ واحدة منها من شخص إلى آخر.

أبطال للحظة، مشتبه بهم للأبد

ترافق هذه المعضلة كرة القدم الإسرائيليّة منذ عقود. ففي عام 2005، سجّل عبّاس صوّان ووليد بدير هدفين لا يُنسيان في تصفيات كأس العالم، أمام إيرلندا وفرنسا على التوالي، فتحوّلا بين ليلة وضحاها إلى بطليْن في نظر كثير من المشجّعين الإسرائيليّين. كان كلاهما قد واجه مظاهر عنصريّة من قبل، فيما تعرّض صوّان للشتائم وصيحات الاستهجان حتّى أثناء مشاركته مرتديًا قميص المنتخب. أثارت لحظات الفرح المشترك آنذاك قدرًا من الأمل، لكنّ العداء تجاهه لم يختفِ حتّى بعد هدفه التاريخيّ.

منذ ذلك الحين، ارتدى قميص المنتخب عدد كبير من اللاعبين العرب، من بينهم بيرم كيّال ومؤنس دبّور. وقد جسّدت تجربة دبّور الثمن الشخصيّ الباهظ الذي يترتّب على هذه المكانة. ففي عام 2021، نشر المهاجم تصريحات فُسّرت على أنّها احتجاج على ممارسات قوّات الأمن الإسرائيليّة في المسجد الأقصى. أثار المنشور موجة من الكراهية والتحريض لدى بعض مشجّعي المنتخب، وظلّ يتعرّض لصيحات الاستهجان في مباريات شارك فيها بعد ذلك. وفي تموز- يوليو عام 2022 أعلن اعتزاله من المنتخب، بعد 40 مباراة و15 هدفًا بقميص المنتخب.

سائد أبو فرخي يحتفل بهدفه الأوّل بقميص المنتخب الإسرائيليّ خلال المباراة أمام النمسا، 24 أيلول - سبتمبر 2026. الصورة: Georg Hochmuth / APA | APA-Images / Alamy.
بيرم كيّال بقميص المنتخب الإسرائيلي، 2015. Memorino، Wikimedia Commons، بترخيص CC BY-SA 3.0.

واليوم، يواجه لاعبون شباب مثل أبو فرحي وعنان خلايلي أسئلة مشابهة، في وقت بات فيه حضورهم على الساحة الدوليّة أكبر من أيّ وقت مضى. فخلايلي، الذي انتقل هذا الصيف إلى نادي كريستال بالاس الإنجليزيّ مقابل نحو 28 مليون يورو، أصبح أغلى لاعب إسرائيليّ في التاريخ من حيث قيمة صفقة الانتقال. ويثير نجاحه مشاعر الفخر لدى كثير من المشجّعين في إسرائيل، فيما قد يثير في الوقت نفسه شعورًا بالتماهي لدى فلسطينيّين يرونه واحدًا من أبناء شعبهم. وكلّما ارتفعت مكانته المهنيّة اتّسع النقاش العامّ أيضًا حول الدلالة الوطنيّة لإنجازاته.

سائد أبو فرخي يحتفل بهدفه الأوّل بقميص المنتخب الإسرائيليّ خلال المباراة أمام النمسا، 24 أيلول - سبتمبر 2026. الصورة: Georg Hochmuth / APA | APA-Images / Alamy.
عنان خلايلي بقميص رويال يونيون سان جيلواز، 2025. الصورة: Sidney.Cortez، Wikimedia Commons، بترخيص CC BY-SA 4.0. التُقطت الصورة في 10 أيار- مايو 2025 خلال مباراة أندرلخت ورويال يونيون سان جيلواز.

وفي المقابل، اختار بعض اللاعبين تمثيل فلسطين. ففي عام 2025، انضمّ عبد ياسين، حارس مرمى اتّحاد أبناء سخنين وابن مدينة شفاعمرو، إلى المنتخب الفلسطينيّ، ما أثار جدلًا داخل ناديهِ. وقالت إدارة سخنين إنّه غادر للانضمام إلى مباريات المنتخب من دون الحصول على إذن، فقرّرت إيقافه عن اللعب. لاحقًا أوضح النادي أنّه لا توجد من الناحية القانونيّة أو الرياضيّة عقبة تحول دون لعبهِ بقميص المنتخب الفلسطينيّ، وأنّ الإجراء التأديبيّ يتعلّق بمغادرته من دون حصوله على موافقة. توضح هذه الحادثة كيف يمكن حتّى لخيار يُعدّ مشروعًا من الناحية الرياضيّة أن يتحوّل إلى قضيّة عامّة شديدة الحساسية.

مسار مهنيّ غير متكافئ

إلى جانب قضايا الهويّة، يجدر بنا النظر إلى الواقع المهنيّ الذي ينشأ فيه هؤلاء اللاعبون؛ إذ توفّر منظومة كرة القدم الإسرائيليّة مسارًا للتطوّر المهنيّ منذ سنّ مبكّرة، يشمل أطر التدريب والمسابقات وفرص الظهور أمام الأندية الأوروبّيّة. وقد أتاحت هذه المنظومة لعدد كبير من اللاعبين العرب الوصول إلى أعلى المستويات، غير أنّ فرص الوصول إليها لا تزال بعيدة عن التكافؤ.

بحسب وثيقة نشرها مركز الأبحاث والمعلومات التابع للكنيست عام 2024، كانت نسبة توافر المنشآت الرياضيّة في نطاق السلطات المحلّيّة العربيّة أقلّ بنحو 38 في المئة من توافرها في نطاق السلطات المحلّيّة اليهوديّة، استنادًا إلى بيانات عام 2022. وفي العام نفسه، شكّل الرياضيّون العرب نحو 14 في المئة من إجماليّ الرياضيّين الفاعلين في إسرائيل، رغم أنّ العرب شكّلوا قرابة 21 في المئة من السكّان. وقد خصّصت الحكومة خلال السنوات الأخيرة ميزانيات لتطوير الرياضة في المجتمع العربيّ، إلّا أنّ هذه المعطيات تكشف حجم الفجوات التي يتعيّن على هذه البرامج التعامل معها.

حمّلوا تطبيق الشمس الأخبار والبث المباشر بين يديكم App Store Google Play
تابعوا الشمس على تلغرام أخبار عاجلة · تقارير حصرية · بث مباشر انضم للقناة

أمّا الواقع وراء الخطّ الأخضر فهو أشدّ تعقيدًا. لسنوات، ظلّ الاتّحاد الفلسطينيّ لكرة القدم يوجّه اتّهامات إلى الاتّحاد الدوليّ لكرة القدم "فيفا" بشأن القيود المفروضة على حركة اللاعبين والأضرار التي لحقت بالبنية التحتيّة الرياضيّة في أراضي السلطة الفلسطينيّة. أمّا إسرائيل فتبرّر هذه القيود بدوافع أمنيّة. في آذار- مارس 2026، قرّرت "فيفا" عدم اتّخاذ إجراءات ضدّ الاتّحاد الإسرائيليّ بشأن مشاركة فرق من المستوطنات في الدوريّات الإسرائيليّة، لكنّها فرضت عليه، في قضيّة منفصلة، غرامة بسبب انتهاكات لقواعد مكافحة التمييز.

وفي ظلّ هذه الخلفيّة، تبرز مسألة التمثيل بشكل أكثر إلحاحًا؛ فعندما تُقدّم إسرائيل لاعبيها العرب كرمز للتنوّع والعيش المشترك، يرى البعض في ذلك دليلًا على الفرص المتاحة أمام مواطنيها العرب. في المقابل، يشير آخرون إلى الفجوة بين النجاح الاستثنائيّ الذي يحقّقه أفراد بعينهم وبين الواقع الاجتماعيّ الأوسع. وتطرح قصص صوّان وبدير وكيّال ودبّور وخلايلي سؤالًا مهنيًّا آخر: كم موهبة إضافيّة كان يمكن أن تنمو وتتطوّر لو حظي الأطفال في كلّ بلدة عربيّة ببنى تحتيّة وفرص مماثلة؟

حين يتحوّل الملعب إلى ساحة للهويّة

في نهاية المطاف، تعكس معضلة اللاعب العربيّ جانبًا من واقع حياة كثير من المواطنين العرب في إسرائيل؛ فالأطبّاء يعملون في المستشفيات الإسرائيليّة، والمحاضِرون يدرّسون في الجامعات والكلّيّات الإسرائيليّة، ويكسب أصحاب المهن أرزاقهم من مؤسّسات الدولة ومن الشركات العاملة فيها. وقد يرافق اندماجهم في هذه الأطر شعور بالانتماء إلى المجتمع الذي يعيشون فيه، إلى جانب نقد سياساته والشعور بالانتماء إلى الشعب الفلسطينيّ. بالنسبة إلى كثيرين، تُشكّل هذه التساؤلات جزءًا لا يتجزّأ من تفاصيل الحياة اليوميّة.

لكن، بالنسبة إلى لاعبي كرة القدم، تكتسب هذه التساؤلات بُعدًا عامًّا ودوليًّا؛ فبينما يستطيع موظّف في مؤسّسة إسرائيليّة أن يمضي في حياته من دون أن يُطلب منه، كلّ يوم، تفسير هويّته الوطنيّة، يقف لاعب المنتخب أمام الكاميرات والنشيد والعَلَم. كلّ هدف يسجّله يتحوّل إلى حدث وطنيّ، وكلّ حركة يقوم بها تُفسّر على أنّها بيان سياسيّ. في نظر بعض المتابعين، يمثّل ارتداء القميص، في حدّ ذاته، تعبيرًا عن الولاء للدولة، فيما قد يثير لدى آخرين أسئلة صعبة حول الهويّة والانتماء.

أراد سيّد أبو فرحي ببساطة أن يحتفل بهدفه الأوّل. وفي غضون ثوانٍ، وجد نفسه يحمل على كتفيه جدلًا يتجاوز بكثير حدود منطقة الجزاء في المباراة أمام النمسا. ومن المرجّح ألّا تنتهي العواصف المحيطة باللاعبين العرب عند حادثة طرده أو عند القضيّة التالية؛ فما دامت الظروف الإسرائيليّة والفلسطينيّة تضع المواطنين العرب في إسرائيل أمام أسئلة معقّدة تتعلّق بالهويّة والانتماء، فسيظلّ اللاعبون الذين يمثّلون الدولة يواجهون هذه الأسئلة أيضًا على أرض الملعب.

نُشر المقال بالأصل باللغة العبريّة بمجلّة صبرا

اقرأ/ي أيضًاتحقيق مالي بعشرات ملايين الشواكل في فريق بالدرجة العليا




حقوق النشر وسياسة الاستخدام

يتم استخدام المواد المنشورة على موقع الشمس وفقًا لأحكام المادة 27أ من قانون حقوق التأليف والنشر لعام 2007.

في حال كنت تعتقد أن استخدام أي مادة منشورة على الموقع ينتهك حقوقك بصفتك صاحب حقوق الطبع والنشر، يمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: info@ashams.com، وطلب وقف استخدام المادة.

يرجى عند التواصل تزويدنا بالاسم الكامل، ورقم الهاتف، وإرفاق صورة عن الشاشة (Screenshot) ورابط الصفحة ذات الصلة على موقع الشمس.

شكرًا لتعاونكم.

اقرأ أيضًا عرض الكل ←