أمام هذا الخراب، نحن أضعف من أن نقاطع

منذ عام 2018، اتخذتُ موقفًا أيديولوجيًا واضحًا من المشاركة في انتخابات الكنيست. كنتُ، وما زلت، أرى أن وجودنا في هذا الإطار السياسي ينطوي على ضرر لخطابنا وممارساتنا السياسية، خصوصًا بعدما اختُزل جزء كبير من نضالنا السياسي في العمل البرلماني، على حساب تنظيم أنفسنا كمجتمع وبناء أدواتنا السياسية المستقلة. كما أن هذا الإطار يضعنا في مساحة تتناقض، في جوانب جوهرية، مع تصوّرنا للتحرر وإنهاء الاحتلال البغيض. ولذلك كانت المقاطعة خياري.

shutterstock
shutterstock
نُشر · قراءة 4 دقائق

لكنني اليوم، أمام هذا الخراب الهائل، أجد نفسي أعيد مساءلة موقف تمسّكت به لسنوات. إنها مراجعة سياسية وفكرية مؤلمة، أوصلتني إلى استنتاج لم يكن سهلًا عليّ:

نحن أضعف من أن نقاطع في هذه المرحلة.

في الأسابيع الأخيرة، رفضتُ عددًا من الدعوات للمشاركة في مبادرات شعبية، وأخرى ممولة من صناديق خارجية، تهدف إلى رفع نسبة التصويت في انتخابات الكنيست. وكان جوابي بسيطًا: لا يمكنني أن أدعو الناس إلى التصويت وأنا نفسي متردّدة في اتخاذ هذا القرار. لذلك، حرصت على التعامل مع الانتخابات في سياقها الإخباري فحسب، بعيدًا عن أي موقف تعبوي، سواء بالدعوة إلى التصويت أو المقاطعة.

ولكي أصل إلى قرار، حاولت قدر الإمكان تقليل حضوري على الشبكات الاجتماعية، والابتعاد عن ضجيجها، لأختلي بأسئلتي وأعصر رأسي وأفكاري. كانت عملية تفكير مضنية، بل منهكة جدًا.

أقول إننا أضعف من أن نقاطع وأنا أراقب التحولات الجذرية التي طرأت على المجتمع الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر، والانزياح المتسارع نحو مزيد من الفاشية والتطرف. وفي المقابل، أرى حجم الضعف والعجز في السياسة الفلسطينية، التي لم تستطع، حتى في ظل الإبادة المستمرة والدم المسفوك، إنتاج قرار وحدويّ واحد، اللهم إلا تأجيل الانتخابات!

نحن في قاع التيه والدمار. وصلنا إلى درجة من الضعف والعجز لم نعد نملك معها حتى هامشًا للمناورة في أبسط شؤون حياتنا، حتى في ممارسة حقّنا في قطف زيتوننا بأمان. لا نملك أدوات مواجهة سياسية فاعلة، ولا مشروعًا وطنيًا جامعًا، ولا أفقًا واضحًا للخروج من هذا الخراب. لا شيء تقريبًا سوى الفراغ، ولا بأس في أن نعترف بذلك.

والمقاطعة، بالنسبة إليّ، ليست موقفًا أخلاقيًا يُعلّق في الفراغ، بل أداة سياسية ينبغي أن يكون لها معنى وأثر، وأن تستند إلى مشروع أو بديل. فأي معنى تكتسبه اليوم، في ظل غياب هذا كله؟

خلال هذه الفترة، أصغيت كثيرًا إلى الناس من حولي، إلى أصوات الشارع، إلى الخوف واليأس والرغبة في النجاة والبقاء. ثمة من يريد التصويت، ولو كان كل ما يرجوه من صوته هو تأخير هدم منزل. لكن القلق بات يتجاوز هدم البيوت إلى هاجس التهجير من النقب والجليل، الذي لم يعد احتمالًا بعيدًا في أذهان الناس.

"الدور جايينا"، عبارة أسمعها تتردّد في كل مكان، محمّلة بخوف حقيقي من مستقبل بات يبدو أكثر تهديدًا من أي وقت مضى، خصوصًا حين نرى أن الدعوات إلى تهجير الفلسطينيين لم تعد حكرًا على أصوات هامشية في المجتمع الإسرائيلي، بل تجد صدى لدى شريحة لا يُستهان بها. وحين يصبح تأخير هدم منزل، أو درء خطر التهجير، أفقًا يتعلّق به الناس، لا يمكنني التعامل مع هذه المخاوف باستخفاف، أو محاكمتها من موقع التنظير السياسي.

نحن أمام مجتمع خائف، يشعر كثيرون فيه وكأن السكين وُضعت فعلًا على رقابهم. ولا أظن أننا نمنح فعل البقاء ما يستحقه من معنى سياسي وأخلاقي. فأن نتمسّك بوجودنا في هذا المكان، وأن نحاول النجاة والصمود أمام آلة قتل وحرب لا تتوقف، هو في حدّ ذاته شكل من أشكال المقاومة. وليس في الحرص على بقائنا أي أنانية.

أرجو ألّا نستهين بفعل البقاء. كم شخصًا من حولنا فكّر في الهجرة خلال السنوات الأخيرة؟ وكم شخصًا غادر فعلًا؟ وكم منّا بات يسأل نفسه، ولو سرًّا، إن كان يستطيع الاستمرار في العيش هنا؟ هذه الأسئلة وحدها كافية لندرك أن البقاء لم يعد أمرًا بديهيًا، وأننا بحاجة إلى أسباب حقيقية تعزّز صمود الناس وتمنحهم القدرة على الاستمرار.

ولا أرى أن الكنيست، بحدّ ذاته، يمكن أن يكون أحد هذه الأسباب. ما يستحق التوقف عنده هو الالتفاف الشعبي حول القوائم العربية، وما قد يحمله من فرصة لاستعادة تنظيم مجتمعنا وبناء فعل سياسي جماعي يتجاوز حدود البرلمان. فالمأزق الذي نعيشه أكبر من أن يُحلّ بمقاعد إضافية في الكنيست، وحاجتنا إلى إعادة بناء أنفسنا سياسيًا ومجتمعيًا أعمق من أي استحقاق انتخابي.

سأصوّت، وأنا أعلم علم اليقين أن البديل ليس حمامة سلام. لا أحد يبيع الأوهام بشأن أي حكومة إسرائيلية قادمة، ولا أوهام لديّ أصلًا بأن تغيير الحكومة يعني تغيير النظام القائم على الفوقية اليهودية، أو إنهاء الاحتلال، أو تفكيك البنية الاستعمارية التي تقوم عليها الدولة.

حمّلوا تطبيق الشمس الأخبار والبث المباشر بين يديكم App Store Google Play
تابعوا الشمس على تلغرام أخبار عاجلة · تقارير حصرية · بث مباشر انضم للقناة

لكنني، وبكل صراحة، لا أحتمل فكرة بقاء ثلاثية الإجرام: نتنياهو وسموتريتش وبن غفير، لعام إضافي واحد. لا أريد رؤية وجوههم. أريد أن أرى هؤلاء الدمويين مهزومين، مقهورين، ولو للحظة.

أما القول إن المشاركة في الانتخابات تُساهم في تبييض وجه إسرائيل، فلا أجد فيه منطقًا مقنعًا. فأيّ وجه بقي لإسرائيل كي يُبيَّض بعد كل هذا الدم المسفوك والخراب؟ وأيّ شرعية أخلاقية يمكن أن تمنحها ورقة اقتراع لدولة ارتكبت كل هذا؟

سأصوّت لتحريك المياه الراكدة. من أجل احتمال ضئيل جدًا في التغيير، مهما بدا بعيدًا. فقد لا يعني التغيير إلغاء الكارثة، وإنما تأجيلها، وربما منح الناس فرصة لالتقاط أنفاسهم. وفي ظل هذا الشحّ الهائل في الاحتمالات، لا أريد أن أضيّع أيًّا منها، مهما بدا ضئيلًا.

سأصوّت من أجل احتمال أن تتغيّر ظروف الأسرى والأسيرات، ولو قليلًا، مع معرفتي التامة بأن قضية الأسرى لا تحظى بالمكانة التي تستحقها في البرامج الانتخابية للأحزاب العربية.

وسأصوّت لأنني لا أستطيع تجاهل نداءات أبناء شعبي خلف الجدار، الذين يقولون لنا، بلهجتهم البسيطة والموجعة: "من شان الله، زيحوا هالحكومة عنّا، بدنا نفس، ولو قصير".

كيف يمكنني أن أسمع هذا النداء وأدير له ظهري؟

لا أكتب هذا لأقدّم المشاركة في الانتخابات بوصفها خلاصًا، ولا لأدّعي أنني حسمت جميع التناقضات الفكرية والسياسية التي حملتها طوال السنوات الماضية. فما زالت أسئلتي قائمة، وما زالت تحفظاتي عميقة.

كل ما في الأمر أنني، أمام هذا الخراب الهائل، لم أعد قادرة على التمسك بموقف المقاطعة في هذه المرحلة باليقين نفسه الذي امتلكته يومًا.

سأذهب إلى صندوق الاقتراع، وشكوكي القديمة في جدواه ترافقني، لكنني أصبحت أقل قدرة على تحمّل ما هو قائم. وفي هذا القاع الذي وصلنا إليه، لا أريد أن أترك احتمالًا واحدًا، مهما كان ضئيلًا، من دون محاولة.

حقوق النشر وسياسة الاستخدام

يتم استخدام المواد المنشورة على موقع الشمس وفقًا لأحكام المادة 27أ من قانون حقوق التأليف والنشر لعام 2007.

في حال كنت تعتقد أن استخدام أي مادة منشورة على الموقع ينتهك حقوقك بصفتك صاحب حقوق الطبع والنشر، يمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: info@ashams.com، وطلب وقف استخدام المادة.

يرجى عند التواصل تزويدنا بالاسم الكامل، ورقم الهاتف، وإرفاق صورة عن الشاشة (Screenshot) ورابط الصفحة ذات الصلة على موقع الشمس.

شكرًا لتعاونكم.

اقرأ أيضًا عرض الكل ←