جواد بولس

مقالات ومواد لجواد بولس

صمت الغنائم

صمت الغنائم

لم يكن الاجتماع الذي كشفت عنه مصادر إسرائيلية بين الأمير تركي بن فيصل بن عبدالعزيز وسفير إسرائيل السابق لدى واشنطن إيتمار رابينوفيتش وعضو الكنيست الإسرائيلي مئيرشطريت، الأول من نوعه. فقبل اجتماع "موناكو"، الذي نشر عنه في السادس عشر من كانون الثاني، نشرفي موقع "يوتيوب"، في الثلاثين من تشرين الثاني، شريط مدّته قاربت العشر دقائق، وفيه وقائع من لقاء عقد في واشنطن جمع مندوب عائلة آل سعود نفسه ويوسي ألفر، مستشار سابق لرئيس حكومة إسرائيل، وبحضور أهرون ديفيد ميلر وشيرين هنتر وآخرين. ينقل الشريط بالصوت والصورة أجواء اتسمت بالمرح والإيجابية بين الفرقاء وسعيهم لإيجاد سبل للتعاون الاستراتيجي المكشوف في وجه إيران عدوّتهم اللدودة المشتركة. أتناول هذه الأنباء لا جاهدًا وراء تشخيص لطبيعة نظام آل سعود، فهذا النظام تأسس وتمكّن من حكم شعبه وبلاده من خلال دعم وعلاقات مكشوفة وسرّية مع عدد من الدول الغربية وتفاهم إسرائيلي تفاوتت وتائره عبر العقود الماضية. ولا أكتب كي أصف ما بات واضحًا ومحسوسًا. فالمنطقة على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة، قد تفضي إلى ترسيم خارطة جديدة لشرقنا ونشوء أنظمة حكم ما زالت في كثير من الدول تعيش مخاضات تشكّلها، وفي بعضها ما انفكت شعوبها تدفع فواتير مستقبلها وأحلامها برسم الدم والجماجم. الجديد في الكشف عن هذه اللقاءات أنّها عرّت ما حاولت السعودية ادّعاءه عن كونها رأس حربة عربية إسلامية تقف في وجه العدو الصهيوني ودولة اليهود الكافرين، وأنها تعتبر قضية فلسطين قضية الأمة الاسلامية الأولى. اليوم، لا يتورّع مسؤول سعودي عن الظهور في شريط مصوّر يجمعه مع حفنة من "أولئك الكفار" ويخطّط معهم، في أجواء أخوية صافية، كيف يجب التصدي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، دون أن يمنعهم ذلك من التطرق لسوريا، عدوّهم الثاني المشترك، أو كما قال يوسي ألفر؛ فقضية إيران قضيّة استراتيجية وسوريا تبقى القضية الملحّة! هل فاجأت هذه اللقاءات أحدًا؟ هل أزعجت لقاءات قادة دول إسلامية وعربية أحدًا؟ هل تهافتت عليها تلك القوى السياسية التي اعتادت إدراج النظام السعودي وأنظمة عربية أخرى في قائمة الأنظمة الرجعية العربية التي كانت ضليعة في نكبة فلسطين وما شاع من تعريفات اعتمدت تقسيم العالم بين دول رجعية واستعمار، وبين الدول التقدمية الحرّة الداعمة لحرّيات الشعوب وحقوقها المسلوبة. أسأل وتهمّني فلسطين أولاً، التي منها أكتب وعليها نقلق، فهل لهذه التطورات من أثر وتأثير على القضية الفلسطينية، لا سيّما في هذه المرحلة الحرجة؟ هل لهذه الأحداث تأثير علينا، نحن الفلسطينيين، عرب الداخل، أم أنّنا معفيون من الالتفات اليها؟ كلّما ازدادت المعلومات عن مثل هذه اللقاءات، وما سبقها من تنسيق حثيث وجدي بين حكومة إسرائيل وبين بعض الأنظمة العربية والاسلامية، تعاظم " تطنيش" القوى السياسية الفاعلة بيننا، علمًا بأن ما رشح عن تلك اللقاءات لا يتعدى كونه "الكمخة"، حيث يبقى الدسم مخفيّا والأيام ستفضح. فما هو موقف اليسار بكل تفرّعاته (الجبهة الديمقرطية، أبناء البلد)؟ ما هو موقف الأحزاب والحركات القومية العربية (التجمع، العربية للتغيير والديمقراطي العربي)؟ وماذا مع صمت ضجيجه أكبر؟ صمت الحركات والأحزاب والمؤسسات السياسية الإسلامية التي كانت تعتدّ بالموقف السعودي وما وفّره من مرجعية سياسية دينية ومالية شكلت حاضنة لتلك الحركات ومكّنتها بما قامت به، أو برّرت لها ما انكفأت عنه في مسيراتها السياسية. ألا تحمل هذه الأخبار علامات ما قد يحلّ بمنطقتنا من كوارث قد نكون نحن بين ركامها؟ ألا تستحق هذه التطورات وقفات إن لم تكن في وجه ما سينهال علينا فلتكن أمام مرايانا عسانا نكتشف ماحفر الزمن بوجوهنا من تجاعيد؟ أعتقد أن "التكلّس"الذي أصاب معظم الأحزاب والحركات السياسية في فلسطين والداخل يضع أكثر من علامة استفهام حول حاجة هذه البلاد ومجتمعاتها إلى معظمها، وفي أضعف الإيمان يدلّل على وجود أزمة حقيقية تستدعي مراجعة هذه الأطر لبرامجها السياسية وهياكلها التنظيمية، لا سيما فيما يخص علاقاتها بالعديد من الأنظمة والحكام العرب وغيرهم. حالة بعض هذه الأطر باتت أقرب إلى انكشاف ختم "تاريخ النفاد" الذي طمره غبار بعض شعاراتها التي لم تعد تسعف في عالم متغيّر ومنطقة متفجّرة، وإسرائيل ترفل باحتلالها فلسطين. يبدو أن لدى آل سعود ما زال العالم هو نفس العالم، والعبرة بمن يبقى ويحكم، وبالنسبة لإسرائيل وأمريكا ما زالت القاعدة تقضي بأن الهدف يبرر الوسيلة. أما الأحجية تبقى عندنا ولدى من ما زال يؤمن بثوريته وتقدميته وبوجود عالمين ومعسكرين، فهل ظلت قواميس ذلك الزمن تناسب إنشاء هذا العصر ولغة أبنائه؟ إذًا، من هما المعسكران؟ وهل لعلاقة دولة ما بإسرائيل وأمريكا دخل وتأثير على تصنيفها وموقفكم منها؟ ربّما يكون الجواب فيما يبدو جديدًا حقيقيًا، ففيما تتكشف هذه الأخبار تباعًا، يتزامن نشرها أحيانًا في نفس الأوقات التي "يمكّك" فيه بعض قادة هذه الأحزاب والحركات والفصائل الثورية والقومية بزيارات "عمل" يحلّون فيها ضيوفًا معززين مكرمين على حكام تلك الدول، ويعودون إلينا ظافرين يجيدون السياسة و"صمت الغنائم"، فمن يفسّر لنا هذه الأحجية؟

لم يكن الاجتماع الذي كشفت عنه مصادر إسرائيلية بين الأمير تركي بن فيصل بن عبدالعزيز وسفير إسرائيل السابق لدى واشنطن إيتمار رابينوفيتش وعضو الكنيست الإسرائيلي مئيرشطريت، الأول من نوعه. فقبل اجتماع "موناكو"، الذي نشر عنه في السادس عشر من كانون الثاني، نشرفي موقع "يوتيوب"، في الثلاثين من تشرين الثاني، شريط مدّته قاربت العشر دقائق، وفيه وقائع من لقاء عقد في واشنطن جمع مندوب عائلة آل سعود نفسه ويوسي ألفر، مستشار سابق لرئيس حكومة إسرائيل، وبحضور أهرون ديفيد ميلر وشيرين هنتر وآخرين. ينقل الشريط بالصوت والصورة أجواء اتسمت بالمرح والإيجابية بين الفرقاء وسعيهم لإيجاد سبل للتعاون الاستراتيجي المكشوف في وجه إيران عدوّتهم اللدودة المشتركة. أتناول هذه الأنباء لا جاهدًا وراء تشخيص لطبيعة نظام آل سعود، فهذا النظام تأسس وتمكّن من حكم شعبه وبلاده من خلال دعم وعلاقات مكشوفة وسرّية مع عدد من الدول الغربية وتفاهم إسرائيلي تفاوتت وتائره عبر العقود الماضية. ولا أكتب كي أصف ما بات واضحًا ومحسوسًا. فالمنطقة على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة، قد تفضي إلى ترسيم خارطة جديدة لشرقنا ونشوء أنظمة حكم ما زالت في كثير من الدول تعيش مخاضات تشكّلها، وفي بعضها ما انفكت شعوبها تدفع فواتير مستقبلها وأحلامها برسم الدم والجماجم. الجديد في الكشف عن هذه اللقاءات أنّها عرّت ما حاولت السعودية ادّعاءه عن كونها رأس حربة عربية إسلامية تقف في وجه العدو الصهيوني ودولة اليهود الكافرين، وأنها تعتبر قضية فلسطين قضية الأمة الاسلامية الأولى. اليوم، لا يتورّع مسؤول سعودي عن الظهور في شريط مصوّر يجمعه مع حفنة من "أولئك الكفار" ويخطّط معهم، في أجواء أخوية صافية، كيف يجب التصدي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، دون أن يمنعهم ذلك من التطرق لسوريا، عدوّهم الثاني المشترك، أو كما قال يوسي ألفر؛ فقضية إيران قضيّة استراتيجية وسوريا تبقى القضية الملحّة! هل فاجأت هذه اللقاءات أحدًا؟ هل أزعجت لقاءات قادة دول إسلامية وعربية أحدًا؟ هل تهافتت عليها تلك القوى السياسية التي اعتادت إدراج النظام السعودي وأنظمة عربية أخرى في قائمة الأنظمة الرجعية العربية التي كانت ضليعة في نكبة فلسطين وما شاع من تعريفات اعتمدت تقسيم العالم بين دول رجعية واستعمار، وبين الدول التقدمية الحرّة الداعمة لحرّيات الشعوب وحقوقها المسلوبة. أسأل وتهمّني فلسطين أولاً، التي منها أكتب وعليها نقلق، فهل لهذه التطورات من أثر وتأثير على القضية الفلسطينية، لا سيّما في هذه المرحلة الحرجة؟ هل لهذه الأحداث تأثير علينا، نحن الفلسطينيين، عرب الداخل، أم أنّنا معفيون من الالتفات اليها؟ كلّما ازدادت المعلومات عن مثل هذه اللقاءات، وما سبقها من تنسيق حثيث وجدي بين حكومة إسرائيل وبين بعض الأنظمة العربية والاسلامية، تعاظم " تطنيش" القوى السياسية الفاعلة بيننا، علمًا بأن ما رشح عن تلك اللقاءات لا يتعدى كونه "الكمخة"، حيث يبقى الدسم مخفيّا والأيام ستفضح. فما هو موقف اليسار بكل تفرّعاته (الجبهة الديمقرطية، أبناء البلد)؟ ما هو موقف الأحزاب والحركات القومية العربية (التجمع، العربية للتغيير والديمقراطي العربي)؟ وماذا مع صمت ضجيجه أكبر؟ صمت الحركات والأحزاب والمؤسسات السياسية الإسلامية التي كانت تعتدّ بالموقف السعودي وما وفّره من مرجعية سياسية دينية ومالية شكلت حاضنة لتلك الحركات ومكّنتها بما قامت به، أو برّرت لها ما انكفأت عنه في مسيراتها السياسية. ألا تحمل هذه الأخبار علامات ما قد يحلّ بمنطقتنا من كوارث قد نكون نحن بين ركامها؟ ألا تستحق هذه التطورات وقفات إن لم تكن في وجه ما سينهال علينا فلتكن أمام مرايانا عسانا نكتشف ماحفر الزمن بوجوهنا من تجاعيد؟ أعتقد أن "التكلّس"الذي أصاب معظم الأحزاب والحركات السياسية في فلسطين والداخل يضع أكثر من علامة استفهام حول حاجة هذه البلاد ومجتمعاتها إلى معظمها، وفي أضعف الإيمان يدلّل على وجود أزمة حقيقية تستدعي مراجعة هذه الأطر لبرامجها السياسية وهياكلها التنظيمية، لا سيما فيما يخص علاقاتها بالعديد من الأنظمة والحكام العرب وغيرهم. حالة بعض هذه الأطر باتت أقرب إلى انكشاف ختم "تاريخ النفاد" الذي طمره غبار بعض شعاراتها التي لم تعد تسعف في عالم متغيّر ومنطقة متفجّرة، وإسرائيل ترفل باحتلالها فلسطين. يبدو أن لدى آل سعود ما زال العالم هو نفس العالم، والعبرة بمن يبقى ويحكم، وبالنسبة لإسرائيل وأمريكا ما زالت القاعدة تقضي بأن الهدف يبرر الوسيلة. أما الأحجية تبقى عندنا ولدى من ما زال يؤمن بثوريته وتقدميته وبوجود عالمين ومعسكرين، فهل ظلت قواميس ذلك الزمن تناسب إنشاء هذا العصر ولغة أبنائه؟ إذًا، من هما المعسكران؟ وهل لعلاقة دولة ما بإسرائيل وأمريكا دخل وتأثير على تصنيفها وموقفكم منها؟ ربّما يكون الجواب فيما يبدو جديدًا حقيقيًا، ففيما تتكشف هذه الأخبار تباعًا، يتزامن نشرها أحيانًا في نفس الأوقات التي "يمكّك" فيه بعض قادة هذه الأحزاب والحركات والفصائل الثورية والقومية بزيارات "عمل" يحلّون فيها ضيوفًا معززين مكرمين على حكام تلك الدول، ويعودون إلينا ظافرين يجيدون السياسة و"صمت الغنائم"، فمن يفسّر لنا هذه الأحجية؟

20.12.2013

انتخابات المجالس ويهودية الدولة

انتخابات المجالس ويهودية الدولة

24.10.2013

كفاية!

كفاية!

واثقًا كصباح أنيق، أجمل مديرُ عام "مركز القدس للدراسات السياسية"، السيد عريب الرنتاوي، أعمال الورشة التي عقدها المركز في عمّان بعنوان: "المسيحيون وربيع العرب"، وحضرها نحو خمسين شخصيّة عربية وفدت من ثنايا الجروح التي تثخن أجساد أوطانهم. بعد يومين حافلين بأوراق قدّمها المنتدون، ونقاشات لم تفتقد إلى سخونة المشهد، كان واضحًا أن الوصول إلى خلاصات يجمع عليها جميع من حضر هي أمنية "أعزُّ من بيضِ الأَنُوق"، بيد أن ذلك لن يحول، كما أعلن ووعد السيّد عريب الرنتاوي، دون إصدار جميع مواد الورشة في كتاب سيشمل أيضًا بعضًا من التوصيات التي على روحها تحصّل إجماع أو اتفاق واسع. عدد المشاركين وتنوّع أصولهم وأطرهم السياسية والأهلية يعكس أهمية ما اختاره المركز عنوانًا للورشة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يبرهن على إقرار بتفاقم قضية المسيحيين العرب في زمن ربيع العرب. أمّا الأهم فيبقى في تلك المحاولات الدؤوبة عند كثيرين يعيشون همّ الواقع الدامي، ساعين بدايةً لتشخيص بواطن الأزمة ومحاولين، من ثمّ، وضع تصوّرات وتوصيّات من شأنها أن تنقذ مجتمعاتنا مما يعتريها من عطب أو أن تحدّ من فداحة النزف. بعد أن استمع الحضورعن الدور النهضوي للمسيحيين العرب بجلسة رأسها النائب اللبناني فادي كرم، رأس الجلسة الثانية رئيس اللجنة القانونية في مجلس النوّاب الأردني، النائب مصطفى ياغي، ليفتتح جولة من جلستين (الثانية أدارها النائب جميل النمري من الأردن) وناقش فيها مجموعة من المجتمعين قضية المسيحيين في الدساتير والتشريعات العربية. لقد اتّسمت نقاشات اليوم الثاني بصراحة وموضوعية عكست روح المسؤولية عند معظم المشاركين، لكنّها كشفت بذات الوقت عن عمق الأزمة وقتامة الواقع، فقضية المسيحيين في خطاب الحركات الإسلامية كانت موضوع النقاش الذي استجلب وتائر حادةً في بعض من تفاصيله ومحطّاته. أدار الجلسة الأولى النائب محمد الحاج قيادي في حزب الوسط الأردني وطلب من الدكتور يحيى الكبيسي وهو باحث ومستشار في "المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية" أن يطلعنا عن وضع المسيحيين في خطاب جماعة الإخوان المسلمين وتفريعاتها، تلاه الأستاذ مراد الشيشاني ليطلعنا عن المسيحيين في خطاب الحركات السلفية. ثالث المتحدّثين كان الدكتور وجيه قانصو أستاذ في الجامعة اللبنانية الذي أفادنا عن المسيحيين في خطاب الحركات السياسية الشيعية. خاتمة الجلسات كانت بعنوان: "المسيحيون والربيع العربي شركاء في التغيير أم حلفاء للأنظمة القائمة"، أدارتها النائبة باسمة بطرس عضو مجلس النواب العراقي وشارك فيها جورج إسحق المنسق العام لحركة كفاية المصرية، والأب رفعت بدر مدير المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام، والأستاذ آشور كيواركيس رئيس حركة آشور الوطنية. لن يتّسع صدر مقال أسبوعي لنقل حيثيات يومي نقاش مستفيض، شارك فيه نوّاب وناشطون وأكاديميون يمثل بعضهم، علاوة عن نفسه، حزبًا أو حركة أو مؤسسة، ولكن يبقى لافتًا أن المبادرين- مركز القدس، انتقوا واحدة من الأزمات المتداعية في الوطن العربي وبمسؤولية وطنية وإنسانية عليا اختاروا أن يضعوها، وبمنتهى الشفافية والمباشرة والصراحة، في الصدارة وتحت مجهر المصلحة العليا الجامعة. فالعبرة بكشف العلّة ومجابهتها لا بالتنكر الخبيث والطبطبة التي تفاقم الأزمة وتنهك الجسد العليل. جمع المركز أطيافًا غطّت، تقريبًا، كل الجهات (مسيحية، إسلامية علمانية سياسية وأكاديمية) ذات الوجود في ساحات الوطن العربي، لا سيّما في الدول التي تنبض فيها قضية الوجود المسيحي العربي (مصر، العراق، لبنان، سوريا،السودان وفلسطين). على الرغم من ارتفاع وتائر النقاش في بعض المسائل، فلقد سادت بالمجمل أجواء إيجابية بين المجتمعين، فإصرار الداعين على تثبيت قاعدة الإدلاء بالرأي الصريح كحقٍّ لا يشوبه عائق، والسماح لصاحب الرأي النقيض المغاير أن يسمع صوته كحق كامل، أكد للحاضرين كيف تكون بدايات مسيرات أمة تسعى للانعتاق من نير أنظمة طاغية نحو حرّياتها؛ فالحوار البنّاء وسيلة واحترام الآخر ضرورة. قبل الوداع، مع بعض من الأصدقاء توجهنا الى النادي الأرثوذكسي في عمّان. جورج إسحق، تلك الشخصية الفذة التي بدأ العالم يسمع بها قبل عشرة أعوام، يتقدّمنا بهمّة شاب لا يشيخ. حدّثنا عن حركة "كفاية"،عن بداياتها وعن أحداث سمعنا عنها، وأخرى كانت بتفاصيلها جديدة ومثيرة. ساعتان في حضن تاريخ دافئ قضيناها وزملاء عطاشًا للحقيقة وللحرية. "أعظم ما حققته "كفاية" يا أحبتي أنّها تحدت كرباج النظام، وأنها كسرت حاجز الصمت وحطّمت أصفاد الخوف"، هكذا أجمل منسّق الحركة المصرية للتغيير الذي تحدث بإيمان لا يشوبه خدش عن مصير مصر الوردي المؤكد. وعندما سألناه أين "كفاية" اليوم؟ أجابنا "كفاية" هي فكرة والفكرة لا تموت. رسالتي ستبقى: "اكسروا حواجز الصمت، حطموا قيود الخوف واصرخوا "كفاية كفاية". بدأت لحظات الوداع، كلّنا يحتضن كلّنا، كتف على كتف، ودعاء للقاءات قريبة، "عَلْعايش" أكَّد البعض، "إن شاء الله" طمأننا آخر، "إن بقي وطن" تأسّى آخرون. عدت في صبيحة الإثنين، بخلاف كل أولئك العرب وجدّت فلسطين، وطني، سالمًا معافىً، فهنا في وطني نعيش كالحمام، تمامًا كالحمام. أقسمت أن أرجع لأصرخ في وجوههم "كفاية".

واثقًا كصباح أنيق، أجمل مديرُ عام "مركز القدس للدراسات السياسية"، السيد عريب الرنتاوي، أعمال الورشة التي عقدها المركز في عمّان بعنوان: "المسيحيون وربيع العرب"، وحضرها نحو خمسين شخصيّة عربية وفدت من ثنايا الجروح التي تثخن أجساد أوطانهم. بعد يومين حافلين بأوراق قدّمها المنتدون، ونقاشات لم تفتقد إلى سخونة المشهد، كان واضحًا أن الوصول إلى خلاصات يجمع عليها جميع من حضر هي أمنية "أعزُّ من بيضِ الأَنُوق"، بيد أن ذلك لن يحول، كما أعلن ووعد السيّد عريب الرنتاوي، دون إصدار جميع مواد الورشة في كتاب سيشمل أيضًا بعضًا من التوصيات التي على روحها تحصّل إجماع أو اتفاق واسع. عدد المشاركين وتنوّع أصولهم وأطرهم السياسية والأهلية يعكس أهمية ما اختاره المركز عنوانًا للورشة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يبرهن على إقرار بتفاقم قضية المسيحيين العرب في زمن ربيع العرب. أمّا الأهم فيبقى في تلك المحاولات الدؤوبة عند كثيرين يعيشون همّ الواقع الدامي، ساعين بدايةً لتشخيص بواطن الأزمة ومحاولين، من ثمّ، وضع تصوّرات وتوصيّات من شأنها أن تنقذ مجتمعاتنا مما يعتريها من عطب أو أن تحدّ من فداحة النزف. بعد أن استمع الحضورعن الدور النهضوي للمسيحيين العرب بجلسة رأسها النائب اللبناني فادي كرم، رأس الجلسة الثانية رئيس اللجنة القانونية في مجلس النوّاب الأردني، النائب مصطفى ياغي، ليفتتح جولة من جلستين (الثانية أدارها النائب جميل النمري من الأردن) وناقش فيها مجموعة من المجتمعين قضية المسيحيين في الدساتير والتشريعات العربية. لقد اتّسمت نقاشات اليوم الثاني بصراحة وموضوعية عكست روح المسؤولية عند معظم المشاركين، لكنّها كشفت بذات الوقت عن عمق الأزمة وقتامة الواقع، فقضية المسيحيين في خطاب الحركات الإسلامية كانت موضوع النقاش الذي استجلب وتائر حادةً في بعض من تفاصيله ومحطّاته. أدار الجلسة الأولى النائب محمد الحاج قيادي في حزب الوسط الأردني وطلب من الدكتور يحيى الكبيسي وهو باحث ومستشار في "المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية" أن يطلعنا عن وضع المسيحيين في خطاب جماعة الإخوان المسلمين وتفريعاتها، تلاه الأستاذ مراد الشيشاني ليطلعنا عن المسيحيين في خطاب الحركات السلفية. ثالث المتحدّثين كان الدكتور وجيه قانصو أستاذ في الجامعة اللبنانية الذي أفادنا عن المسيحيين في خطاب الحركات السياسية الشيعية. خاتمة الجلسات كانت بعنوان: "المسيحيون والربيع العربي شركاء في التغيير أم حلفاء للأنظمة القائمة"، أدارتها النائبة باسمة بطرس عضو مجلس النواب العراقي وشارك فيها جورج إسحق المنسق العام لحركة كفاية المصرية، والأب رفعت بدر مدير المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام، والأستاذ آشور كيواركيس رئيس حركة آشور الوطنية. لن يتّسع صدر مقال أسبوعي لنقل حيثيات يومي نقاش مستفيض، شارك فيه نوّاب وناشطون وأكاديميون يمثل بعضهم، علاوة عن نفسه، حزبًا أو حركة أو مؤسسة، ولكن يبقى لافتًا أن المبادرين- مركز القدس، انتقوا واحدة من الأزمات المتداعية في الوطن العربي وبمسؤولية وطنية وإنسانية عليا اختاروا أن يضعوها، وبمنتهى الشفافية والمباشرة والصراحة، في الصدارة وتحت مجهر المصلحة العليا الجامعة. فالعبرة بكشف العلّة ومجابهتها لا بالتنكر الخبيث والطبطبة التي تفاقم الأزمة وتنهك الجسد العليل. جمع المركز أطيافًا غطّت، تقريبًا، كل الجهات (مسيحية، إسلامية علمانية سياسية وأكاديمية) ذات الوجود في ساحات الوطن العربي، لا سيّما في الدول التي تنبض فيها قضية الوجود المسيحي العربي (مصر، العراق، لبنان، سوريا،السودان وفلسطين). على الرغم من ارتفاع وتائر النقاش في بعض المسائل، فلقد سادت بالمجمل أجواء إيجابية بين المجتمعين، فإصرار الداعين على تثبيت قاعدة الإدلاء بالرأي الصريح كحقٍّ لا يشوبه عائق، والسماح لصاحب الرأي النقيض المغاير أن يسمع صوته كحق كامل، أكد للحاضرين كيف تكون بدايات مسيرات أمة تسعى للانعتاق من نير أنظمة طاغية نحو حرّياتها؛ فالحوار البنّاء وسيلة واحترام الآخر ضرورة. قبل الوداع، مع بعض من الأصدقاء توجهنا الى النادي الأرثوذكسي في عمّان. جورج إسحق، تلك الشخصية الفذة التي بدأ العالم يسمع بها قبل عشرة أعوام، يتقدّمنا بهمّة شاب لا يشيخ. حدّثنا عن حركة "كفاية"،عن بداياتها وعن أحداث سمعنا عنها، وأخرى كانت بتفاصيلها جديدة ومثيرة. ساعتان في حضن تاريخ دافئ قضيناها وزملاء عطاشًا للحقيقة وللحرية. "أعظم ما حققته "كفاية" يا أحبتي أنّها تحدت كرباج النظام، وأنها كسرت حاجز الصمت وحطّمت أصفاد الخوف"، هكذا أجمل منسّق الحركة المصرية للتغيير الذي تحدث بإيمان لا يشوبه خدش عن مصير مصر الوردي المؤكد. وعندما سألناه أين "كفاية" اليوم؟ أجابنا "كفاية" هي فكرة والفكرة لا تموت. رسالتي ستبقى: "اكسروا حواجز الصمت، حطموا قيود الخوف واصرخوا "كفاية كفاية". بدأت لحظات الوداع، كلّنا يحتضن كلّنا، كتف على كتف، ودعاء للقاءات قريبة، "عَلْعايش" أكَّد البعض، "إن شاء الله" طمأننا آخر، "إن بقي وطن" تأسّى آخرون. عدت في صبيحة الإثنين، بخلاف كل أولئك العرب وجدّت فلسطين، وطني، سالمًا معافىً، فهنا في وطني نعيش كالحمام، تمامًا كالحمام. أقسمت أن أرجع لأصرخ في وجوههم "كفاية".

04.10.2013

رسالة عن أبي حنين أحمد قطامش

رسالة عن أبي حنين أحمد قطامش

قبل أيام نشر على لسان رئيس المحكمة العليا الإسرائيلية، "أشير غرونيس"، تصريح أدلى به معقبًا ومنتقدًا دور الإعلام الإسرائيلي في النشر الكاذب وفي اختلاق القصص والروايات. جاءت أقواله بعد أن تبين أن خبرًا كاذبًا أفاد أن قضاة محكمة القدس المركزية أجبروا مشتكية في قضية اغتصاب أن تمثل الفعلة أمامهم في القاعة. وفقًا للتحقيق ألذي أجري تبين أن ما نشر كان عاريًا عن الصحة وتسبب بإحراج وإلصاق تهم باطلة لثلاثة قضاة نشرت صورهم مع ذلك النبأ. على إثر ذلك قررت أن أكتب هذه الرسالة، وهي غير موجهة لرئيس المحكمة لسببين: فقبل أكثر من عامين كتبت رسالة مفتوحة لمن سبقته رئيسة للمحكمة (القاضية دوريت بينيش)،ولم ألحظ أن ما كتبته أثار التفاتة أو غيّر ما هو سائد بينهم، وثانيًا، لظني بأن محكمة العدل العليا الإسرائيلية صمتت طيلة عقود، وشاركت أحيانًا بما قام به الإعلام الإسرائيلي من تحريض على العرب والفلسطينيين، من جهة، وشاركت في تغييب الصوت العربي من جهة أخرى. تصريح الرئيس جاء اليوم بعد ان وصلتهم نيران التحريض. إذن فرسالتي إلى من كانوا هم الضحايا ولمن سيكونون: اسمي أحمد سليمان قطامش، ينادونني "أبو حنين" من سكّان البيرة. لست ناشطًا في إطار تنظيم "الجبهة الشعبية"، سجنت إداريًا لخمسة أعوام ونصف (١٩٩٢-١٩٩٨). لكوني مفكرًا فإن لدي مواقف، وأحمل آراء أنشرها وأكتبها على الملأ. هكذا باقتضاب مؤثر أجاب الأسير الإداري أحمد قطامش المحقق الذي استحصل إفادته في سجون الاحتلال قبل أكثر من عامين. قصة أحمد تشبه، ربما، قصص فلسطينيين كثر، وتبقى كما تكون قصص الورد؛ تعبق برائحة صاحبها الخاصة كعبق اللذة ووخزها. لن أحدّثكم عن تلك الأعوام التي قضاها أحمد سجينًا بدون تهمة ولا بيّنة، ولا عمّا سبقها من حكايات نسجتها سيرة طارت وصارت كالحلم، فعلى تراب فلسطين تكدّست منذ ذلك الزمن أضغاث حسرات وشاخ القمر. في نيسان قبل أكثر من عامين وبعد أن كبرت "حنينه" وصارت ضمة من فل، أخذوه وسلبوه كنزه/حرّيته. فمنذ عامين وأحمد لا يبكي إلّا كعاشق على زند زنبقة. في كل مرّة قابلته أحسست بالندى يقطر من رمشي، وفي كل مرّة تركته رفعت يديّ إلى فوق فأحسستهما تمتدان لتصيرا شاعوبًا يخترق جبال غيم أسود، أحار كورقة سقطت من أمها الشجرة، ولكن لا يسيل لعاب عينها. أبتعد عن سجنه، وأعرف كم يحتقر مثله مهلك الليك. منذ عامين أحاول أن أقنع قضاة الاحتلال أن لا بدّ من نهاية لهذا الليل، في كل مرّة أعود مثخنًا بخسارة، ويعود أحمد لزنزانته عاشقًا لا يبكي إلّا من شوق لحنين، وغفوة على كبش فلة. بعد عامين أحضر أحمد أمام قاض عسكري لينظر في تمديد توقيفه لأربعة شهور أخرى، حيث من المفروض أن ينتهي توقيفه في الثامن والعشرين من آب. قرأ القاضي كل ما قدّم له من ملفات سرية. لم يقتنع بالرواية وقرر أن يفرج عن أحمد مع نهاية مدة الأمر القائم. جاء قراره مهنيًا واضحًا ومسندًا بشكل مقنع. لم يقتنع بأن أحمد قطامش ما زال يشكّل خطرًا على أمن وسلامة الجمهور. للحقيقة فقد كان هذا القرار من السوابق النادرة، فنحن معتادون على قرارات قضاة تكون بمثابة أختام لطلبات النيابة والمخابرات. شمّرت النيابة عن حقدها. للقضية فصول وصلنا بها إلى "محكمة العدل العليا الإسرائيلية ". منذ اللحظة الأولى شعرت كم لا تستلطفني هيئة المحكمة التي كان رئيسها يتوسط قاضيتين. أحلتهم إلى ما كتبه القاضي العسكري، وسردت لهم مأساة النرجس الفلسطيني، وحدّثتهم عن ملهاة الفضة حين تذلّها بساطير جند الغزاة. سمعوني على قرف، هكذا شعرت، ولم أبال. كشوكة انتصبت،أرفع يديَّ إلى فوق، أحسّهما هذه المرة كقوس طويلة تعزف على آلة الصدأ نشيد نصري والعرق. في القاعة التي تذكرني بقاعات دفن أثرية، برودة. ثلاثة قضاة أشعر أن أحدهم قد يتقيّأ في كل لحظة، وأنا وبجانبي ممثل عن النيابة العامة للدولة وموظفو من جهاز المخابرات العامة. صاحب الشأن غير موجود لأنه مريض لا يحتمل النقل من سجن النقب الصحراوي، وعائلته ممنوعة من دخول القدس. وحدي أقارع هناك على "أولمب" صهيون. وحدي أنادي. السماء ضاجة، الملائكة تحاول أن تدرأ أنهر الدم في مصر وسوريا وبابل، وحدي ويوشع الذي يجدد العهد وينفخ بالقرن لتسقط أريحا. كم مثل يوشع يعرف من أين كانت البداية والوجع؛ أريحا أولًا وغزة ثانيًا؟! "إلى ذلك وبما أننا نتكلم عن أسير محتجز في المعتقل منذ فترة طويلة، فعلى كل قرار تمديد لتوقيفه أن يصدر عن مسؤول عالي المرتبة. أُعلمنا أن قرار تمديد اعتقاله الأخير صدر عن رئيس جهاز المخابرات، وعند انتهاء مدة هذا الأمر سيعرض موضوعه أمام رئيس جهاز المخابرات مجددًا، لهذا نرفض الالتماس". هكذا ببساطة لسعة هسهسة رفض القضاة الثلاثة التماسي للإفراج عن أحمد قطامش الذي ما زال بعد أكثر من عامين يحترف الحنين والانتظار. نخ العدل مجدّدًا. قرأ رئيس المحكمة قراره بصوت خفيض، لا من أدب، بل، هكذا أحسست، من شماتة وترفّع. أشحت سمعي وانشغلت بشاشة الهاتف. يجب أن لا تنتصر شماتتهم. أخذت أنفاسًا عميقةً، فشممت عطر النرجس الذي ما زال ينمو على تلك الجبال شاهدًا على مأساة وسقوط مملكة العدل والخسارة. ليست لكم هذه الرسالة، لأن الذي يهون يسهل الهوان عليه. فيا سادتي: "أكلت يوم أكل الثور الأبيض، كانت من القصص الشعبية الموروثة في ثقافتنا والتي رددتها، أحيانًا، في مرافعاتي القانونية أمامكم، وستبقى هذه حكمة ضحيّةٍ لضحيّة المستقبل. هكذا كتبت لكم قبل عامين ونصف، وأعود هنا لأذكّر عساها تنفع الذكرى.

قبل أيام نشر على لسان رئيس المحكمة العليا الإسرائيلية، "أشير غرونيس"، تصريح أدلى به معقبًا ومنتقدًا دور الإعلام الإسرائيلي في النشر الكاذب وفي اختلاق القصص والروايات. جاءت أقواله بعد أن تبين أن خبرًا كاذبًا أفاد أن قضاة محكمة القدس المركزية أجبروا مشتكية في قضية اغتصاب أن تمثل الفعلة أمامهم في القاعة. وفقًا للتحقيق ألذي أجري تبين أن ما نشر كان عاريًا عن الصحة وتسبب بإحراج وإلصاق تهم باطلة لثلاثة قضاة نشرت صورهم مع ذلك النبأ. على إثر ذلك قررت أن أكتب هذه الرسالة، وهي غير موجهة لرئيس المحكمة لسببين: فقبل أكثر من عامين كتبت رسالة مفتوحة لمن سبقته رئيسة للمحكمة (القاضية دوريت بينيش)،ولم ألحظ أن ما كتبته أثار التفاتة أو غيّر ما هو سائد بينهم، وثانيًا، لظني بأن محكمة العدل العليا الإسرائيلية صمتت طيلة عقود، وشاركت أحيانًا بما قام به الإعلام الإسرائيلي من تحريض على العرب والفلسطينيين، من جهة، وشاركت في تغييب الصوت العربي من جهة أخرى. تصريح الرئيس جاء اليوم بعد ان وصلتهم نيران التحريض. إذن فرسالتي إلى من كانوا هم الضحايا ولمن سيكونون: اسمي أحمد سليمان قطامش، ينادونني "أبو حنين" من سكّان البيرة. لست ناشطًا في إطار تنظيم "الجبهة الشعبية"، سجنت إداريًا لخمسة أعوام ونصف (١٩٩٢-١٩٩٨). لكوني مفكرًا فإن لدي مواقف، وأحمل آراء أنشرها وأكتبها على الملأ. هكذا باقتضاب مؤثر أجاب الأسير الإداري أحمد قطامش المحقق الذي استحصل إفادته في سجون الاحتلال قبل أكثر من عامين. قصة أحمد تشبه، ربما، قصص فلسطينيين كثر، وتبقى كما تكون قصص الورد؛ تعبق برائحة صاحبها الخاصة كعبق اللذة ووخزها. لن أحدّثكم عن تلك الأعوام التي قضاها أحمد سجينًا بدون تهمة ولا بيّنة، ولا عمّا سبقها من حكايات نسجتها سيرة طارت وصارت كالحلم، فعلى تراب فلسطين تكدّست منذ ذلك الزمن أضغاث حسرات وشاخ القمر. في نيسان قبل أكثر من عامين وبعد أن كبرت "حنينه" وصارت ضمة من فل، أخذوه وسلبوه كنزه/حرّيته. فمنذ عامين وأحمد لا يبكي إلّا كعاشق على زند زنبقة. في كل مرّة قابلته أحسست بالندى يقطر من رمشي، وفي كل مرّة تركته رفعت يديّ إلى فوق فأحسستهما تمتدان لتصيرا شاعوبًا يخترق جبال غيم أسود، أحار كورقة سقطت من أمها الشجرة، ولكن لا يسيل لعاب عينها. أبتعد عن سجنه، وأعرف كم يحتقر مثله مهلك الليك. منذ عامين أحاول أن أقنع قضاة الاحتلال أن لا بدّ من نهاية لهذا الليل، في كل مرّة أعود مثخنًا بخسارة، ويعود أحمد لزنزانته عاشقًا لا يبكي إلّا من شوق لحنين، وغفوة على كبش فلة. بعد عامين أحضر أحمد أمام قاض عسكري لينظر في تمديد توقيفه لأربعة شهور أخرى، حيث من المفروض أن ينتهي توقيفه في الثامن والعشرين من آب. قرأ القاضي كل ما قدّم له من ملفات سرية. لم يقتنع بالرواية وقرر أن يفرج عن أحمد مع نهاية مدة الأمر القائم. جاء قراره مهنيًا واضحًا ومسندًا بشكل مقنع. لم يقتنع بأن أحمد قطامش ما زال يشكّل خطرًا على أمن وسلامة الجمهور. للحقيقة فقد كان هذا القرار من السوابق النادرة، فنحن معتادون على قرارات قضاة تكون بمثابة أختام لطلبات النيابة والمخابرات. شمّرت النيابة عن حقدها. للقضية فصول وصلنا بها إلى "محكمة العدل العليا الإسرائيلية ". منذ اللحظة الأولى شعرت كم لا تستلطفني هيئة المحكمة التي كان رئيسها يتوسط قاضيتين. أحلتهم إلى ما كتبه القاضي العسكري، وسردت لهم مأساة النرجس الفلسطيني، وحدّثتهم عن ملهاة الفضة حين تذلّها بساطير جند الغزاة. سمعوني على قرف، هكذا شعرت، ولم أبال. كشوكة انتصبت،أرفع يديَّ إلى فوق، أحسّهما هذه المرة كقوس طويلة تعزف على آلة الصدأ نشيد نصري والعرق. في القاعة التي تذكرني بقاعات دفن أثرية، برودة. ثلاثة قضاة أشعر أن أحدهم قد يتقيّأ في كل لحظة، وأنا وبجانبي ممثل عن النيابة العامة للدولة وموظفو من جهاز المخابرات العامة. صاحب الشأن غير موجود لأنه مريض لا يحتمل النقل من سجن النقب الصحراوي، وعائلته ممنوعة من دخول القدس. وحدي أقارع هناك على "أولمب" صهيون. وحدي أنادي. السماء ضاجة، الملائكة تحاول أن تدرأ أنهر الدم في مصر وسوريا وبابل، وحدي ويوشع الذي يجدد العهد وينفخ بالقرن لتسقط أريحا. كم مثل يوشع يعرف من أين كانت البداية والوجع؛ أريحا أولًا وغزة ثانيًا؟! "إلى ذلك وبما أننا نتكلم عن أسير محتجز في المعتقل منذ فترة طويلة، فعلى كل قرار تمديد لتوقيفه أن يصدر عن مسؤول عالي المرتبة. أُعلمنا أن قرار تمديد اعتقاله الأخير صدر عن رئيس جهاز المخابرات، وعند انتهاء مدة هذا الأمر سيعرض موضوعه أمام رئيس جهاز المخابرات مجددًا، لهذا نرفض الالتماس". هكذا ببساطة لسعة هسهسة رفض القضاة الثلاثة التماسي للإفراج عن أحمد قطامش الذي ما زال بعد أكثر من عامين يحترف الحنين والانتظار. نخ العدل مجدّدًا. قرأ رئيس المحكمة قراره بصوت خفيض، لا من أدب، بل، هكذا أحسست، من شماتة وترفّع. أشحت سمعي وانشغلت بشاشة الهاتف. يجب أن لا تنتصر شماتتهم. أخذت أنفاسًا عميقةً، فشممت عطر النرجس الذي ما زال ينمو على تلك الجبال شاهدًا على مأساة وسقوط مملكة العدل والخسارة. ليست لكم هذه الرسالة، لأن الذي يهون يسهل الهوان عليه. فيا سادتي: "أكلت يوم أكل الثور الأبيض، كانت من القصص الشعبية الموروثة في ثقافتنا والتي رددتها، أحيانًا، في مرافعاتي القانونية أمامكم، وستبقى هذه حكمة ضحيّةٍ لضحيّة المستقبل. هكذا كتبت لكم قبل عامين ونصف، وأعود هنا لأذكّر عساها تنفع الذكرى.

03.09.2013

وطنٌ، شيخٌ ومطران

وطنٌ، شيخٌ ومطران

لا أعرف كم من القرّاء يعرف قريتي التي كنت أحبّها حبًّا خاصًا. "كفرياسيف" لم تكن مرجًا للوداعة العذراء فقط، بل حصنًا إليه أوت الشعراء، ودفيئةً على ترابها عرف الفخار عزًا. جاءها الحالمون سجناء فلامس "راشدوهم" في ساحة عينها ناصية الشمس، وتواعدوا أن يأتوها طلقاء. قريتي كانت رأس حربة وخصر وطن، وهي التي أغوت "جهينة" فصرخ "حبيبها": "تكفرسوا يا عرب". إلى كفرياسيف تلك أخذني الحنين وأنا أقرأ "توبيخ" النائب إبراهيم صرصور لصديقه وأخيه المطران عطالله حنا، صديقه"المسيحي المشرقي"، كما وصفه. جاء البيان الشديد اللهجة، كما يؤكد النائب، بعد أن "صبر على المطران حنا وتفهّم مواقفه إزاء ما يحدث في سوريا، فالقضية فيها معقدة، وخلّفت حولها وجهات نظر متضاربة، وانقسمت بسببها دول بحالها، لهذا تفهّم النائبُ المطرانَ، إلى أن تجاوز الأخير حدودَه ووقف مع من هم ضد الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي، ولذلك "صدمتُ كثيرًا من أعماق روحي حينما قرأت تصريحه بخصوص مذابح السيسي في مصر والتي كشفت جانبًا ما كنت أتمناه لسيادته أن يقع في مستنقعه، وهو ما هو عليه من المكانة الدينية والوطنية التي من المفروض أن تكون جامعة لأسباب كثيرة من بين أهمّها كونه قيادة مسيحية مشرقية يجب أن يتفكّر كثيرًا قبل الخوض في قضايا لها صبغتها الإسلامية المحضة". مواقف السيّدين السياسية من تلك الأحداث وغيرها لا تعنيني هنا، أما وصف النائب لموقف المطران بأنه وقوع في "مستنقع" فهي لغةٌ كان الأجدر بالشيخ لو نأى بنفسه عنها، وهو الذي شهد على احترامه لسيادة المطران أولًا وكرجل دين يفتش عمّا يجمع بين أبناء الشعب الواحد والوطن. تبقى تلك مسألة جانبية مقارنة بالأهم بنظري، وهو ما يؤمن به النائب ومثله كثيرون، بأن على المطران عطالله ولأنه "مسيحي مشرقي" أن يحذر من التدخل في شؤون لها "صبغتها الإسلامية المحضة". بكلام خال من فذلكة الساسة، بسيط ومفهوم، يقول النائب المسلم: "ما شأنك أنت أيها المسيحي وقضايا الأمة الإسلامية، احذر لا تقترب!". لست معنيّا ولا مكلّفًا بالدفاع عن أي موقف يتّخذه المطران، ولست بناطق باسم فئة "مسيحية" أو "مسلمة"، لكنني أثرتُ هذه القضية الهامة الواردة في بيان النائب إبراهيم، لأن كثيرين، مسلمين ومسيحيين، يؤمنون بها وأنا لا أتفق معهم. قبل عامين دفعت ثمن السكوت عن موقف قريب. فبعد أن قرّر نفرٌمن عناصر "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" أنهم يملكون حق لف الأحزمة على حريتي بالتعبير، وبمحاولة لإخافتي وإخراس قلمي أصدروا بيانًا وقعوه متخفّين باسم "شباب الجامع" في القرية، وبمظاهرة استفزازية جابوا شوارعها ووزعوه جماعةً.جاء البيان مليئا بالتحريض على شخصي ودعوة للتعرّض لي، طافحًا بعبارات التهييج الطائفي والتحريب الديني. في "كفرياسيف"، حيث يعيش مسيحيون، مسلمون ودروز، كما عاشوا لقرون بوئام وسلام، كان الحدث سابقة خطيرة ومؤشرًا على أي حضيض وصلت إليه فضاءات قرانا. بعض المغرضين من جميع الطوائف كانت لهم مصلحة مباشرة بتجنيد البيان لاستقدام فتنة مسمومة. عدد من الرفاق والإخوة عبّروا عن رفضهم لما جاء فيه وطالبوني بعدم الرد على المحرّضين. شخصيات قيادية وعدت بالتعرّض للبيان فالرد من مسلمين سيكون أوقع وأنسب وأسلم. لم أقبل في حينه ما سيق من تبريرات لكنني رضخت لمطلبهم منتظرًا مجيء الرد. لم يردّ أحد على ذلك البيان. قيل لي إن أولئك هم بمثابة نفر يقع على هامش الحدث والأحداث. لم أوافقهم في حينه ولا أوافقهم اليوم، فلقد آمنت، كي لا يبقى الصوت صدى لصحاري الربع الخالي، على من يسمعه أن يرد، لا أن يصمّ أذنيه. في الأمس حاول من حاول كتم صوتي واليوم يحسب الشيخ إبراهيم أن لا دخل لمطران عربي بما يجري في مصر فهذا شأن للمسلمين وأولى بالمسيحيين المشرقيين الصمت، كما يليق بأهل ذمة. على الرغم من تباين الموقف بين ذلك البيان التحريضي المباشر، وبين بيان الشيخ إبراهيم الموبّخ، أرى أن الفكر الذي يؤسّس للموقفين واحد؛ استئثار بالحقيقة "المنزّهة" والحكم على الآخر بكونه خاطئا أو ربما عاصيًا. من يراقب ما يجري في ديارنا يلحظ هذه التداعيات، ولذلك آمنت حينها وما زلت أومن أن فرض الرأي غير مقبول. الصمت على من يدعو لفرقة وإلغاء الآخر يعبّد طريق الفتنة ويسوّغ للعابثين من المعسكرالآخر أن يعمقوا الهوّة متسترين بذودهم عن صليب ودين. محرّض يرد على محرّض والأبرياء يدفعون الثمن. حق عطالله حنا أن يحب من يشاء بمصر وسوريا، شريطة أن لا يفعل ذلك باسم الدين والمسيحية، وللنائب في الكنيست الإسرائيلي حق مشابه ومساو له بالجوهر. حق المطران عطالله حنا أن يصلي بكنائس مستشفعًا بمن صلب وقبر وقام في اليوم الثالث، وحق الشيخ إبراهيم أن يصلّي في الجوامع ويدعو للرسول الكريم أن ينصر الإسلام والمسلمين. واجبهما أن يصونا الكنائس والجوامع معًا. نحن العباد نصلّي لتعود "كفرياسيفاتنا" كما تمنّى لهن "إميل" وشهد حسين الراشد قبل نصف قرن وصرخ: "يا كفرياسيفَ أردْتِ لقاءَنَا فتوافَدَت للقائِكِ الشعراءُ لن تُرجعَ الأمنَ الشهيدَ سياسةٌ فيها التعقُّلُ والجنون سواءُ". فهذه بلادنا التي من أجلها نحن البشرصلّينا وسنصلّي وندعو أن لا تدخلونا في تجربة عسانا ننجو من الشرير.

لا أعرف كم من القرّاء يعرف قريتي التي كنت أحبّها حبًّا خاصًا. "كفرياسيف" لم تكن مرجًا للوداعة العذراء فقط، بل حصنًا إليه أوت الشعراء، ودفيئةً على ترابها عرف الفخار عزًا. جاءها الحالمون سجناء فلامس "راشدوهم" في ساحة عينها ناصية الشمس، وتواعدوا أن يأتوها طلقاء. قريتي كانت رأس حربة وخصر وطن، وهي التي أغوت "جهينة" فصرخ "حبيبها": "تكفرسوا يا عرب". إلى كفرياسيف تلك أخذني الحنين وأنا أقرأ "توبيخ" النائب إبراهيم صرصور لصديقه وأخيه المطران عطالله حنا، صديقه"المسيحي المشرقي"، كما وصفه. جاء البيان الشديد اللهجة، كما يؤكد النائب، بعد أن "صبر على المطران حنا وتفهّم مواقفه إزاء ما يحدث في سوريا، فالقضية فيها معقدة، وخلّفت حولها وجهات نظر متضاربة، وانقسمت بسببها دول بحالها، لهذا تفهّم النائبُ المطرانَ، إلى أن تجاوز الأخير حدودَه ووقف مع من هم ضد الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي، ولذلك "صدمتُ كثيرًا من أعماق روحي حينما قرأت تصريحه بخصوص مذابح السيسي في مصر والتي كشفت جانبًا ما كنت أتمناه لسيادته أن يقع في مستنقعه، وهو ما هو عليه من المكانة الدينية والوطنية التي من المفروض أن تكون جامعة لأسباب كثيرة من بين أهمّها كونه قيادة مسيحية مشرقية يجب أن يتفكّر كثيرًا قبل الخوض في قضايا لها صبغتها الإسلامية المحضة". مواقف السيّدين السياسية من تلك الأحداث وغيرها لا تعنيني هنا، أما وصف النائب لموقف المطران بأنه وقوع في "مستنقع" فهي لغةٌ كان الأجدر بالشيخ لو نأى بنفسه عنها، وهو الذي شهد على احترامه لسيادة المطران أولًا وكرجل دين يفتش عمّا يجمع بين أبناء الشعب الواحد والوطن. تبقى تلك مسألة جانبية مقارنة بالأهم بنظري، وهو ما يؤمن به النائب ومثله كثيرون، بأن على المطران عطالله ولأنه "مسيحي مشرقي" أن يحذر من التدخل في شؤون لها "صبغتها الإسلامية المحضة". بكلام خال من فذلكة الساسة، بسيط ومفهوم، يقول النائب المسلم: "ما شأنك أنت أيها المسيحي وقضايا الأمة الإسلامية، احذر لا تقترب!". لست معنيّا ولا مكلّفًا بالدفاع عن أي موقف يتّخذه المطران، ولست بناطق باسم فئة "مسيحية" أو "مسلمة"، لكنني أثرتُ هذه القضية الهامة الواردة في بيان النائب إبراهيم، لأن كثيرين، مسلمين ومسيحيين، يؤمنون بها وأنا لا أتفق معهم. قبل عامين دفعت ثمن السكوت عن موقف قريب. فبعد أن قرّر نفرٌمن عناصر "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" أنهم يملكون حق لف الأحزمة على حريتي بالتعبير، وبمحاولة لإخافتي وإخراس قلمي أصدروا بيانًا وقعوه متخفّين باسم "شباب الجامع" في القرية، وبمظاهرة استفزازية جابوا شوارعها ووزعوه جماعةً.جاء البيان مليئا بالتحريض على شخصي ودعوة للتعرّض لي، طافحًا بعبارات التهييج الطائفي والتحريب الديني. في "كفرياسيف"، حيث يعيش مسيحيون، مسلمون ودروز، كما عاشوا لقرون بوئام وسلام، كان الحدث سابقة خطيرة ومؤشرًا على أي حضيض وصلت إليه فضاءات قرانا. بعض المغرضين من جميع الطوائف كانت لهم مصلحة مباشرة بتجنيد البيان لاستقدام فتنة مسمومة. عدد من الرفاق والإخوة عبّروا عن رفضهم لما جاء فيه وطالبوني بعدم الرد على المحرّضين. شخصيات قيادية وعدت بالتعرّض للبيان فالرد من مسلمين سيكون أوقع وأنسب وأسلم. لم أقبل في حينه ما سيق من تبريرات لكنني رضخت لمطلبهم منتظرًا مجيء الرد. لم يردّ أحد على ذلك البيان. قيل لي إن أولئك هم بمثابة نفر يقع على هامش الحدث والأحداث. لم أوافقهم في حينه ولا أوافقهم اليوم، فلقد آمنت، كي لا يبقى الصوت صدى لصحاري الربع الخالي، على من يسمعه أن يرد، لا أن يصمّ أذنيه. في الأمس حاول من حاول كتم صوتي واليوم يحسب الشيخ إبراهيم أن لا دخل لمطران عربي بما يجري في مصر فهذا شأن للمسلمين وأولى بالمسيحيين المشرقيين الصمت، كما يليق بأهل ذمة. على الرغم من تباين الموقف بين ذلك البيان التحريضي المباشر، وبين بيان الشيخ إبراهيم الموبّخ، أرى أن الفكر الذي يؤسّس للموقفين واحد؛ استئثار بالحقيقة "المنزّهة" والحكم على الآخر بكونه خاطئا أو ربما عاصيًا. من يراقب ما يجري في ديارنا يلحظ هذه التداعيات، ولذلك آمنت حينها وما زلت أومن أن فرض الرأي غير مقبول. الصمت على من يدعو لفرقة وإلغاء الآخر يعبّد طريق الفتنة ويسوّغ للعابثين من المعسكرالآخر أن يعمقوا الهوّة متسترين بذودهم عن صليب ودين. محرّض يرد على محرّض والأبرياء يدفعون الثمن. حق عطالله حنا أن يحب من يشاء بمصر وسوريا، شريطة أن لا يفعل ذلك باسم الدين والمسيحية، وللنائب في الكنيست الإسرائيلي حق مشابه ومساو له بالجوهر. حق المطران عطالله حنا أن يصلي بكنائس مستشفعًا بمن صلب وقبر وقام في اليوم الثالث، وحق الشيخ إبراهيم أن يصلّي في الجوامع ويدعو للرسول الكريم أن ينصر الإسلام والمسلمين. واجبهما أن يصونا الكنائس والجوامع معًا. نحن العباد نصلّي لتعود "كفرياسيفاتنا" كما تمنّى لهن "إميل" وشهد حسين الراشد قبل نصف قرن وصرخ: "يا كفرياسيفَ أردْتِ لقاءَنَا فتوافَدَت للقائِكِ الشعراءُ لن تُرجعَ الأمنَ الشهيدَ سياسةٌ فيها التعقُّلُ والجنون سواءُ". فهذه بلادنا التي من أجلها نحن البشرصلّينا وسنصلّي وندعو أن لا تدخلونا في تجربة عسانا ننجو من الشرير.

28.08.2013

سلام فيّاض خسارة أم وهم ؟!

سلام فيّاض خسارة أم وهم ؟!

حدّثني صاحبي عن صاحبِهِ حكاية. في حزيران لها مذاق خاص، ففيه نحن نوقد مجسّات للوجع ونولم للراحلين موائد من طيب ولا نبكي، ما نفع البكاء على قليل مضى، كثيره قد يأتي على وزن "فعلة" بعد أن مررنا نكبة وبلعنا نكسة ونعيش وكسة. في حزيران لا عاشق ولا معشوق فهو شهر يطيب فيه النسيان وفيه القصة تقفو القصة وللرواية فصول. على مدخل مدينة الخليل كان طابور السيّارات يمتد أطول من ليل عاشق. أحدهم لا يطيق الانتظار. في كل مرّة يصل إلى ذيل ذلك الطابور يلجأ إلى شقاوته التي لامست المشاغبة. يطير بسيّارته حتى يصل رأس الكومة. الجنود يوقفونه بحزم وأمر. يتبادل معهم بعض الكلام فيسمحون له بالدخول. كان من سكان القدس، خليلي الأصل، لا يخشى الجنود، معهم كان وقحًا، بعض العبرية تسعفه وهويته المقدسية الزرقاء حجّته. عندما تكرّرت الحادثة ذاع صيته. إخوانه الفلسطينيون اشتكوه لكباره. بعد أيّام حضر إلى ديوان العائلة. كان عليه أن يرد على تهمة تفيد أنّه عميل إسرائيلي يحظى بمعاملة خاصة من جيش الاحتلال ويقدّم لذلك على سائر السائقين كلّما وصل ذلك "المحسوم". أخذ نفسًا عميقًا فشعر الحاضرون بضيق نفس. مع قهقهة قشط الكلام من بين أنفاسه المتقطعة: "ألله يسامحكو يا خالِ.. وينتا بدكو تصيروا تِعِئلوا .. أنا عميل إسرائيلي من وين يا حسرة .. هوِّ إسرائيل فاضيتلي، عندها قائمة طويلي بستنوا يفوتوا قبلي .. مانتو فاهمين البير وغطاه.." قبل أن ينهى دفاعه، علا خليط من أصوات تهمهم رضًا، خالطتها بعض الضحكات. في الجو شعور أن الاحتلال هزم. دارت القهوة. رجع المشتكى عليه بريئا ظافرًا. على ذلك "المحسوم"، كلّما كان يقترب من الجنود وبعد جملتين يدخل الخليل بسهولة. كان شقيّا وربما أكثر. وكأنّنا نعيش في فلسطين في حلم لا ينتهي، لن تعرف أين الحقيقة وأين الخداع، كأنّنا في كهوف، جدرانها وسقوفها مرايا وكذلك أرضيّاتها. كل صورة قد تكون حقيقية وقد لا تكون. الخلف قد يكون أمامًا، لن تعرف من على من ومن يتقدم من؟ مشاهدة السكين في الظهر قد تخدعك. فمن الطاعن ومن المطعون؟ تقتلنا التفاصيل الصغيرة، تتوالى جراحًا على دماء جراح. لا وقت للتأكد، لا وقت للتكهّن. الخبر منارة، قد تكون مصيدة والشائعة نصل قد يصير مدفنًا. ذاكرة الشعوب قصيرة وفي فلسطين لا قصر ولا سعة. قبل أسبوع أنهى الدكتور سلام فياض عمله كرئيس لوزراء فلسطين. لم تضف الحملة ضد حكومة د. فياض في الشهور الأخيرة على المشهد الفلسطيني احترامًا بين الأمم، ولا ساعدت على تعزيز ثقة الناس بسلطتهم الوطنية. إلى مدى بعيد حوّلت بعض الجهات سهامها صوب الدكتور سلام لسهولة الاستهداف من جهة ولأغراض بعيدة على ما قد يصطلح عليه "بالمصلحة الوطنية الفلسطينية". ما سيق من حجج في "حرب" البعض ضد فيّاض لم يكن صحيحًا في جزئه وأحيانًا كانت "اتهامات" لم يؤمن حتى مطلقوها أنّها صحيحة. إلى ذلك، يبقى السؤال فيما إذا نجح الدكتور سلام فياض في مهامه كرئيس حكومة، سؤالًا مفصليًا، على المعنيين تداوله والقادرين على سبر غوره أن يفعلوا بمنهجية وشفافية وموضوعية. كانت حركة "حماس" من بدأ المطالبة بإبعاده عن سدة الوزارة وكانت حجتها الأساسية ضلوعه في ذلك "التنسيق الأمني" بين قوات الأمن الفلسطينية وبين الأمن الاسرائيلي وعلاقته بالأمريكان. لقد بات واضحًا، اليوم، أن هذه الحجة لم تكن إلا ضربة قذفت في وجه فياض لسهولة تمريرها شعبيًا ولم تكن، بمضمونها، جدية وبريئةً. فها هي الأيام تمضي وحركة "حماس" بدأت تتذوق طعم السلطة وتعي أن للبقاء في القمة ثمن والتحول إلى "دويلة" له استحقاقات ودهاليز خاصة. فهل حقًا هنالك تفاهمات أمنية بين "حماس" وحكومة الاحتلال نفسها؟ ما هو موقف "حماس" اليوم من أمريكا لا سيما بعد توطيد علاقاتها مع الحكومة التركية وإمارة قطر وغيرها من الأنظمة "المرابطة" في أكناف أمريكا؟ ولئن كانت حركة "حماس" أوّل المناكفين لفيّاض وحكومته إلّا أن هديرها خفت في الآونة الأخيرة وأصبحت أكثر قبولًا له لا سيما وأنه أبدى استعدادًا واضحًا للعمل المشترك وسعى من خلال لقاءات تمت مع بعض من قادتها في رام الله لبحث سبل تطوير هذه الاتجاهات. بالمقابل ناكفت بعض "الثغور" الفتحاوية وغيرها فيّاض وحكومته. إن اتهام بعضهم لفياض وحكومته بعلاقاتهم الفائضة مع الأمريكان والأوروبيين هو اتهام يستدعي البكاء أحيانًا ويستدعي كذلك كثيرًا من الضحك، في جميع الأحوال هو اتهام موجع لأن من كان من أولئك المتهجمين بلا هذه "الخطيئة" فيلرمِ هذه الحكومة بحجر. أما لأولئك الذين هاجموا سياسة وإدارة فياض المالية فلقد أجابهم الرئيس محمود عباس في أكثر من مناسبة مشيدًا بما أرساه فياض وبما شهدت له وعليه كثير من المؤسسات الدولية ذات الشأن والتأثير والاختصاص. كان الأولى بمن سعى لمحاسبة فياض وحكومته أن يفعل ذلك بمقارنة ما أنجزه أولئك من مهام مقارنة بما أوكلوا به ساعة أعطوا الأمانة والثقة. اما أن يعلّقَ بعضهم ذلك على رقبة السؤال: هل كان فياض رئيس حكومة مناسبًا وأهلًا لقيادة حكومة فلسطينية، عندما لبس "الجينس" وغاص في وحل بلاده يقطف زيتونًا مرةً، ويحفر بئرًا مرة؟ بعضهم قتله تواضعه وبعضهم تساءل ساخرًا هل يعتقد أنّه في هولندا، هناك يصل رئيس الحكومة مكتبه راكبًا دراجته الهوائية. وللرواية فصول.

حدّثني صاحبي عن صاحبِهِ حكاية. في حزيران لها مذاق خاص، ففيه نحن نوقد مجسّات للوجع ونولم للراحلين موائد من طيب ولا نبكي، ما نفع البكاء على قليل مضى، كثيره قد يأتي على وزن "فعلة" بعد أن مررنا نكبة وبلعنا نكسة ونعيش وكسة. في حزيران لا عاشق ولا معشوق فهو شهر يطيب فيه النسيان وفيه القصة تقفو القصة وللرواية فصول. على مدخل مدينة الخليل كان طابور السيّارات يمتد أطول من ليل عاشق. أحدهم لا يطيق الانتظار. في كل مرّة يصل إلى ذيل ذلك الطابور يلجأ إلى شقاوته التي لامست المشاغبة. يطير بسيّارته حتى يصل رأس الكومة. الجنود يوقفونه بحزم وأمر. يتبادل معهم بعض الكلام فيسمحون له بالدخول. كان من سكان القدس، خليلي الأصل، لا يخشى الجنود، معهم كان وقحًا، بعض العبرية تسعفه وهويته المقدسية الزرقاء حجّته. عندما تكرّرت الحادثة ذاع صيته. إخوانه الفلسطينيون اشتكوه لكباره. بعد أيّام حضر إلى ديوان العائلة. كان عليه أن يرد على تهمة تفيد أنّه عميل إسرائيلي يحظى بمعاملة خاصة من جيش الاحتلال ويقدّم لذلك على سائر السائقين كلّما وصل ذلك "المحسوم". أخذ نفسًا عميقًا فشعر الحاضرون بضيق نفس. مع قهقهة قشط الكلام من بين أنفاسه المتقطعة: "ألله يسامحكو يا خالِ.. وينتا بدكو تصيروا تِعِئلوا .. أنا عميل إسرائيلي من وين يا حسرة .. هوِّ إسرائيل فاضيتلي، عندها قائمة طويلي بستنوا يفوتوا قبلي .. مانتو فاهمين البير وغطاه.." قبل أن ينهى دفاعه، علا خليط من أصوات تهمهم رضًا، خالطتها بعض الضحكات. في الجو شعور أن الاحتلال هزم. دارت القهوة. رجع المشتكى عليه بريئا ظافرًا. على ذلك "المحسوم"، كلّما كان يقترب من الجنود وبعد جملتين يدخل الخليل بسهولة. كان شقيّا وربما أكثر. وكأنّنا نعيش في فلسطين في حلم لا ينتهي، لن تعرف أين الحقيقة وأين الخداع، كأنّنا في كهوف، جدرانها وسقوفها مرايا وكذلك أرضيّاتها. كل صورة قد تكون حقيقية وقد لا تكون. الخلف قد يكون أمامًا، لن تعرف من على من ومن يتقدم من؟ مشاهدة السكين في الظهر قد تخدعك. فمن الطاعن ومن المطعون؟ تقتلنا التفاصيل الصغيرة، تتوالى جراحًا على دماء جراح. لا وقت للتأكد، لا وقت للتكهّن. الخبر منارة، قد تكون مصيدة والشائعة نصل قد يصير مدفنًا. ذاكرة الشعوب قصيرة وفي فلسطين لا قصر ولا سعة. قبل أسبوع أنهى الدكتور سلام فياض عمله كرئيس لوزراء فلسطين. لم تضف الحملة ضد حكومة د. فياض في الشهور الأخيرة على المشهد الفلسطيني احترامًا بين الأمم، ولا ساعدت على تعزيز ثقة الناس بسلطتهم الوطنية. إلى مدى بعيد حوّلت بعض الجهات سهامها صوب الدكتور سلام لسهولة الاستهداف من جهة ولأغراض بعيدة على ما قد يصطلح عليه "بالمصلحة الوطنية الفلسطينية". ما سيق من حجج في "حرب" البعض ضد فيّاض لم يكن صحيحًا في جزئه وأحيانًا كانت "اتهامات" لم يؤمن حتى مطلقوها أنّها صحيحة. إلى ذلك، يبقى السؤال فيما إذا نجح الدكتور سلام فياض في مهامه كرئيس حكومة، سؤالًا مفصليًا، على المعنيين تداوله والقادرين على سبر غوره أن يفعلوا بمنهجية وشفافية وموضوعية. كانت حركة "حماس" من بدأ المطالبة بإبعاده عن سدة الوزارة وكانت حجتها الأساسية ضلوعه في ذلك "التنسيق الأمني" بين قوات الأمن الفلسطينية وبين الأمن الاسرائيلي وعلاقته بالأمريكان. لقد بات واضحًا، اليوم، أن هذه الحجة لم تكن إلا ضربة قذفت في وجه فياض لسهولة تمريرها شعبيًا ولم تكن، بمضمونها، جدية وبريئةً. فها هي الأيام تمضي وحركة "حماس" بدأت تتذوق طعم السلطة وتعي أن للبقاء في القمة ثمن والتحول إلى "دويلة" له استحقاقات ودهاليز خاصة. فهل حقًا هنالك تفاهمات أمنية بين "حماس" وحكومة الاحتلال نفسها؟ ما هو موقف "حماس" اليوم من أمريكا لا سيما بعد توطيد علاقاتها مع الحكومة التركية وإمارة قطر وغيرها من الأنظمة "المرابطة" في أكناف أمريكا؟ ولئن كانت حركة "حماس" أوّل المناكفين لفيّاض وحكومته إلّا أن هديرها خفت في الآونة الأخيرة وأصبحت أكثر قبولًا له لا سيما وأنه أبدى استعدادًا واضحًا للعمل المشترك وسعى من خلال لقاءات تمت مع بعض من قادتها في رام الله لبحث سبل تطوير هذه الاتجاهات. بالمقابل ناكفت بعض "الثغور" الفتحاوية وغيرها فيّاض وحكومته. إن اتهام بعضهم لفياض وحكومته بعلاقاتهم الفائضة مع الأمريكان والأوروبيين هو اتهام يستدعي البكاء أحيانًا ويستدعي كذلك كثيرًا من الضحك، في جميع الأحوال هو اتهام موجع لأن من كان من أولئك المتهجمين بلا هذه "الخطيئة" فيلرمِ هذه الحكومة بحجر. أما لأولئك الذين هاجموا سياسة وإدارة فياض المالية فلقد أجابهم الرئيس محمود عباس في أكثر من مناسبة مشيدًا بما أرساه فياض وبما شهدت له وعليه كثير من المؤسسات الدولية ذات الشأن والتأثير والاختصاص. كان الأولى بمن سعى لمحاسبة فياض وحكومته أن يفعل ذلك بمقارنة ما أنجزه أولئك من مهام مقارنة بما أوكلوا به ساعة أعطوا الأمانة والثقة. اما أن يعلّقَ بعضهم ذلك على رقبة السؤال: هل كان فياض رئيس حكومة مناسبًا وأهلًا لقيادة حكومة فلسطينية، عندما لبس "الجينس" وغاص في وحل بلاده يقطف زيتونًا مرةً، ويحفر بئرًا مرة؟ بعضهم قتله تواضعه وبعضهم تساءل ساخرًا هل يعتقد أنّه في هولندا، هناك يصل رئيس الحكومة مكتبه راكبًا دراجته الهوائية. وللرواية فصول.

09.06.2013

تحيا الخبيزة  بفلم: جواد بولس

تحيا الخبيزة بفلم: جواد بولس

قاطعت الحركة الإسلامية الشمالية مسيرة العودة لقرية "خبيزة" التي دعت اليها لجنة المهجّرين ولجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في البلاد. مقاطعة الحركة الإسلامية أتاحت، بخلاف ما جرى في مرّات سابقة، إحياء المناسبة بفضاء سياسي واجتماعي مغاير وبدمج المهرجان الخطابي وما تلاه من فقرات فنّية متعددة شاركت فيها الفتيات جنبًا إلى جنب مع الفتيان، كما يليق بحدث ينشد الحرّية ويصرخ في وجه الظلمة والظلم. للحدث أبعاد عدّة وهو، بنظري، يشكّل فاصلًا في تداعيات قد تقيم أساسًا لمشروع سياسي يعتمد رؤى جديدة ووسائل نضال أكثر فعّالية وإيجابية. أقول ذلك من باب التمنّي والرجاء، وبعد أن تراجعت مكاسب الجماهير العربية السياسية الاجتماعية ووصلت إلى "مهاوي الردى". في الماضي كتبت عاتبًا ومنتقدًا ما توصّلت إليه قياداتنا المحلية من حلول توفيقية أتاحت إنجاز نشاطات ومهرجانات بمشاركة "الجميع"، بيد أن التنازل الجوهري كان دائمًا من حصة القوى العلمانية لصالح مطالب الحركة الإسلامية. هيمنة الفكر السياسي الديني وما أسقطته هذه الهيمنة من سلوكيات وقيم فرضت نفسها على مواقعنا، وأحيانًا بشكل قمعي سافر، أدّت إلى إفقار مخزون آمال من ما زال يؤمن بحرية الفكر وسيادة العقل ومن ما زال يعرّف نفسه بعلماني يؤمن بالحريات الأساسية وبضمنها حرية العبادة ويحترم الديانات والمتدينين. لسنا في معرض دراسة ما أدّى إلى نمو الحركات السياسية الإسلامية في مجتمعاتنا العربية، ولكن ما أوجعني وآلم أمثالي هو ما أبدته الأحزاب والحركات السياسية غير المتديّنة من تواطؤ وتفريط بالمواقف والمواقع مما سبّب إلى ما أسميته: خسارة القلاع والحاميات الوطنية. إطلالة سريعة على تجارب الشعوب، لا سيمّا على التجربة اللبنانية، تعلّمنا أن تسييس الدين وتوظيفه في صالح فئة كان دائمًا على حساب المصلحة الوطنية العامة. مقاطعة الحركة لمسيرة العودة، يوم السابع عشر من نيسان، هي من علامات شعورها بقوتها. مبادرتها ودعوتها، قبل أيام، لما أسمته مهرجان العودة إلى قرية "إجزم" تحمل الرسالة وتبرق بما هو آت. اقتصار هذه العودة على النساء المسلمات، كما جاء بالنداء، يؤكّد إمعان الحركة ومضيّها على طريق مبادئها التي آمنت بها وتمشّيًا مع مواقفها إزاء ذلك "الآخر" الذي كان وما زال مرفوضًا، إخضاعه لما قالت به طائفة من الشيوخ عاشوا قبل قرون وأملوا قواعد "التشدّد" فريضة وواجب. الحركة الإسلامية الشمالية، شأنها شأن كلّ حركة دينية سيّست الدين واستخدمته في خدمة أهداف ومصالح دنيوية مادية فئوية، يسجّل لصالحها أنّها كتبت شعاراتها على حيطاننا ولم يكن حبرها حبرًا سرّيًا. أهدافها كأهداف مثيلاتها في العالم الإسلامي وتحالفاتها كتحالفات أخواتها. تركيا، مثلًا، حليفة وخيمة. سيّان ذلك، إن كان "الطيّب" يناور على إسرائيل أو يناور معها. مفاهيمها ومواقفها إزاء مفهوم الدولة الوطنية، شرعية النظام، أسس السيادة والحكم، سيادة القانون والنظرة إلى المختلف والآخر، تختلف بشكل جوهري ومبدئي عمّا تؤمن به وتسعى من أجله الأحزاب والحركات السياسية الفاعلة بين صفوف الجماهير العربية في البلاد. للحركة حق في أن تسعى لتحقيق ما تؤمن به، وهي ستسعى وحيدة، عندما تقرّر ذلك، ومع الآخرين عندما سيزيدها ذلك مكاسب وقوة. تبقى القضية كيف سيقرأ قادة أحزاب ومؤسسات غير دينية ما يستجد من متغيّرات على الساحة السياسية وكيف سيتفاعل هؤلاء في الأيام القادمة في الانتخابات للمجالس المحلية مثلًا. لقد وصلت حالنا السياسية لوضع تقوم به الجبهة الديمقراطية بتلخيص معركة الانتخابات للكنيست التاسعة عشرة في فرع ام الفحم "بأجواء حماسية دافئة"، بينما يكون الخطباء الخمسة من الذكور الميامين في قاعة تخلو من حضور النساء (ربما كانت واحدة أو اثنتين لم تلتقطهما عدسات المصورين!). كوادر جبهوية تجتمع وتتعاهد على نهضة وشيكة وثورة وقد غابت النساء عن المشهد بعد أن كنّ زينة حياة الجبهة ونكهتها الخاصة. عن أي نهضة وكيف ومن أين سيجيء الحلم؟ في الناصرة، على جبهة مناقضة تمامًا، يتوالى الدعاة والمخطّطون. بيانات تتلى، يؤكد مطلقوها على ضرورة دكّ حصن البلدية. ساعة الصفر أزفت، إسقاط الجبهة "واجب الوطن" وأمر السماء. كل حلف يضمن تلك النتيجة مبرّرٌ ومبارك. الناس قد تنسى أمّا التاريخ سيّد الحفّاظ. في الناصرة مشهد مكرَّر لمسرحية العبث التي انطلقت عروضها قبل عقدين ونصف، حين أعلن المنادي سقوط قلعة أم الفحم ودحر جيوش الجبهة التي قادها في ذلك الحين هاشم محاميد. صفّق من صفّق. كان الأبرز بينهم قيادات إسرائيل. زغردوا مهنئين العرب بنصرهم: أولى القلاع الحمر سقطت! والبقية تأتي! من هناك بدأت مسيرة "العودة". نامت نواطير البلاد فصار "الأحمر" حكاية وصدى. أصبحت عودتنا عودات. بعضنا يسعى من أجل "خبيزة" وبعضنا يعرف كيف تؤكل الكتف، يصرُّ و"يجزم". من يوقف الهزيمة؟ أكثير علينا رصيف يأوي أحلامنا. نلتم عليه من أجل عودة ونهضة. jawaddb@yahoo.com

قاطعت الحركة الإسلامية الشمالية مسيرة العودة لقرية "خبيزة" التي دعت اليها لجنة المهجّرين ولجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في البلاد. مقاطعة الحركة الإسلامية أتاحت، بخلاف ما جرى في مرّات سابقة، إحياء المناسبة بفضاء سياسي واجتماعي مغاير وبدمج المهرجان الخطابي وما تلاه من فقرات فنّية متعددة شاركت فيها الفتيات جنبًا إلى جنب مع الفتيان، كما يليق بحدث ينشد الحرّية ويصرخ في وجه الظلمة والظلم. للحدث أبعاد عدّة وهو، بنظري، يشكّل فاصلًا في تداعيات قد تقيم أساسًا لمشروع سياسي يعتمد رؤى جديدة ووسائل نضال أكثر فعّالية وإيجابية. أقول ذلك من باب التمنّي والرجاء، وبعد أن تراجعت مكاسب الجماهير العربية السياسية الاجتماعية ووصلت إلى "مهاوي الردى". في الماضي كتبت عاتبًا ومنتقدًا ما توصّلت إليه قياداتنا المحلية من حلول توفيقية أتاحت إنجاز نشاطات ومهرجانات بمشاركة "الجميع"، بيد أن التنازل الجوهري كان دائمًا من حصة القوى العلمانية لصالح مطالب الحركة الإسلامية. هيمنة الفكر السياسي الديني وما أسقطته هذه الهيمنة من سلوكيات وقيم فرضت نفسها على مواقعنا، وأحيانًا بشكل قمعي سافر، أدّت إلى إفقار مخزون آمال من ما زال يؤمن بحرية الفكر وسيادة العقل ومن ما زال يعرّف نفسه بعلماني يؤمن بالحريات الأساسية وبضمنها حرية العبادة ويحترم الديانات والمتدينين. لسنا في معرض دراسة ما أدّى إلى نمو الحركات السياسية الإسلامية في مجتمعاتنا العربية، ولكن ما أوجعني وآلم أمثالي هو ما أبدته الأحزاب والحركات السياسية غير المتديّنة من تواطؤ وتفريط بالمواقف والمواقع مما سبّب إلى ما أسميته: خسارة القلاع والحاميات الوطنية. إطلالة سريعة على تجارب الشعوب، لا سيمّا على التجربة اللبنانية، تعلّمنا أن تسييس الدين وتوظيفه في صالح فئة كان دائمًا على حساب المصلحة الوطنية العامة. مقاطعة الحركة لمسيرة العودة، يوم السابع عشر من نيسان، هي من علامات شعورها بقوتها. مبادرتها ودعوتها، قبل أيام، لما أسمته مهرجان العودة إلى قرية "إجزم" تحمل الرسالة وتبرق بما هو آت. اقتصار هذه العودة على النساء المسلمات، كما جاء بالنداء، يؤكّد إمعان الحركة ومضيّها على طريق مبادئها التي آمنت بها وتمشّيًا مع مواقفها إزاء ذلك "الآخر" الذي كان وما زال مرفوضًا، إخضاعه لما قالت به طائفة من الشيوخ عاشوا قبل قرون وأملوا قواعد "التشدّد" فريضة وواجب. الحركة الإسلامية الشمالية، شأنها شأن كلّ حركة دينية سيّست الدين واستخدمته في خدمة أهداف ومصالح دنيوية مادية فئوية، يسجّل لصالحها أنّها كتبت شعاراتها على حيطاننا ولم يكن حبرها حبرًا سرّيًا. أهدافها كأهداف مثيلاتها في العالم الإسلامي وتحالفاتها كتحالفات أخواتها. تركيا، مثلًا، حليفة وخيمة. سيّان ذلك، إن كان "الطيّب" يناور على إسرائيل أو يناور معها. مفاهيمها ومواقفها إزاء مفهوم الدولة الوطنية، شرعية النظام، أسس السيادة والحكم، سيادة القانون والنظرة إلى المختلف والآخر، تختلف بشكل جوهري ومبدئي عمّا تؤمن به وتسعى من أجله الأحزاب والحركات السياسية الفاعلة بين صفوف الجماهير العربية في البلاد. للحركة حق في أن تسعى لتحقيق ما تؤمن به، وهي ستسعى وحيدة، عندما تقرّر ذلك، ومع الآخرين عندما سيزيدها ذلك مكاسب وقوة. تبقى القضية كيف سيقرأ قادة أحزاب ومؤسسات غير دينية ما يستجد من متغيّرات على الساحة السياسية وكيف سيتفاعل هؤلاء في الأيام القادمة في الانتخابات للمجالس المحلية مثلًا. لقد وصلت حالنا السياسية لوضع تقوم به الجبهة الديمقراطية بتلخيص معركة الانتخابات للكنيست التاسعة عشرة في فرع ام الفحم "بأجواء حماسية دافئة"، بينما يكون الخطباء الخمسة من الذكور الميامين في قاعة تخلو من حضور النساء (ربما كانت واحدة أو اثنتين لم تلتقطهما عدسات المصورين!). كوادر جبهوية تجتمع وتتعاهد على نهضة وشيكة وثورة وقد غابت النساء عن المشهد بعد أن كنّ زينة حياة الجبهة ونكهتها الخاصة. عن أي نهضة وكيف ومن أين سيجيء الحلم؟ في الناصرة، على جبهة مناقضة تمامًا، يتوالى الدعاة والمخطّطون. بيانات تتلى، يؤكد مطلقوها على ضرورة دكّ حصن البلدية. ساعة الصفر أزفت، إسقاط الجبهة "واجب الوطن" وأمر السماء. كل حلف يضمن تلك النتيجة مبرّرٌ ومبارك. الناس قد تنسى أمّا التاريخ سيّد الحفّاظ. في الناصرة مشهد مكرَّر لمسرحية العبث التي انطلقت عروضها قبل عقدين ونصف، حين أعلن المنادي سقوط قلعة أم الفحم ودحر جيوش الجبهة التي قادها في ذلك الحين هاشم محاميد. صفّق من صفّق. كان الأبرز بينهم قيادات إسرائيل. زغردوا مهنئين العرب بنصرهم: أولى القلاع الحمر سقطت! والبقية تأتي! من هناك بدأت مسيرة "العودة". نامت نواطير البلاد فصار "الأحمر" حكاية وصدى. أصبحت عودتنا عودات. بعضنا يسعى من أجل "خبيزة" وبعضنا يعرف كيف تؤكل الكتف، يصرُّ و"يجزم". من يوقف الهزيمة؟ أكثير علينا رصيف يأوي أحلامنا. نلتم عليه من أجل عودة ونهضة. jawaddb@yahoo.com

10.05.2013

يوم الأسيرة  -  بقلم: المحامي جواد بولس

يوم الأسيرة - بقلم: المحامي جواد بولس

تنشغل فلسطين في السابع عشر من نيسان بيوم الأسير الفلسطيني. يختلف هذا اليوم عن باقي الأيام الأسيرة باحتفاليته وانفلات الصدى الذي يكون فيه أكبر من الصوت. جادات الوجع الفلسطينية تمتد لتسع كل من تخلّف عن مسيرة، وتُصمد المنصّات رحبةً فتعجّ بمن خان الحظُّ حنجرته وأسقطته الحسابات في مواسم القحط والشدة. فلسطين الأسيرة تحتفي بأسراها. تطلّ من طاقات الجرح وتذكّر: كلّنا في الهم سواء. منّا من دفع الحساب، ومنّا من يدفعه وآخرون، ربما لم يولدوا بعد، سيدفعونه وما غيّر العالم عدلَه وما بدّله تبديلا. حق فلسطين على أبنائها مهر الحرية والقلق. حق فرسان الحرية على عروسهم حسن الوفاء، حضنها الدافئ وحلم. في يوم الأسير يقترب الفلسطينيون من جرح خاصرتهم النازفة. بعضهم يبقى مثل "توما" أحفادًا للشك يقيمون على ضفاف الهزيمة. بعضهم، قبل صياح الديك في الصباح، يعود لشِباكِه وصيده، لا مثل إسرائيل المحتلة تعرف كم درب الآلام طويل وتعرف أنّ للقيامة لا يكفي صليب وقاتل. كل السيناريوهات أعدّت. الأدوار وزّعت. المؤثّرات الصوتية وما يلازمها وفّرت وكانت كما يليق بأيام الصّلب. الموسيقى نوّتت، الألحان ثورة من مقام النصر، لم تشبه مارشات الجنازات والموت، بل تذكّر أكثر بوعود عاصفة راحلة. لا أعرف كيف، لكنّني لم أجد نفسي على إحدى تلك المنصّات. كنت راضيًا. قرّرت أن أقوم بما أحب. السفر إلى مستشفى " كابلان" لألتقي سامر العيساوي، حيث يرقد هناك، لا يشاهد ولا يسمع كيف تطرب فلسطين من حزن ومن فرح تمامًا كما يطرب قوس قزح وهو يغور في الأرض ولا يغور. أمرّ على أطلال عمواس وأتذكّر درب آلام "أبو إبراهيم العمواسي" الذي احترف الترحال واللجوء وما زال يحمل صليبه. أتذكّره وهو ينتظر ابنه في ساحة منفاه الحديث جدا. في هذا المساء سيكون عرس في بيتونيا. عروسه في الأبيض تنتظر دم الصباح، الشباب يموج على "طلّة خيلنا من قاع الوادي". كلّهم هناك إلّا هو. انتظروا، حتى تغلغل المساء وعلا صوت البارود من هضبة قريبة. فلسطين تحترف فرح الدموع. جاءتهم الخيل التي لها غنّوا، من قاع الوادي. عليها رفاق "الطيش" ومعهم "العريس". كانت عروسه الأثيرة إليها زف كما في تهاليل القصب. لا أعرف لماذا تذكّرت العمواسي في ذلك النهار، عساها "فلسطين" الجرح تصر على عشقها لليل والخديعة. كما لو كنت صاحب المكان، بلحظات وجدت نفسي في الطابق السادس أمام غرفة سامر. تعرّف علي الحارس من بعيد وبدأ اتصاله مع أصحاب القرار، فهؤلاء الحرّاس الصغار هم فوّهات لا تقذف إلّا ما تحشى به. فجأة أشاح عني وقفز كفأر مرعوب من ظل. اعترض طريق كهلين اقتربا حتى باب غرفة سامر. امرأة تشبه إحدى عمّاتي تحمل بيدها "شلختين" من نبتة تشبه الخبيزة البيتية مع ورد خجول في الأطراف. بجانبها رجل عادي هيأته لا تشي بمقامه وعمله. يشبهني لكنني أصغره ببضع سنين. يصرخ الحارس في وجهيهما ويأمرهما بالتوقف وعدم التصوير. "نحن إسرائيليان من تل أبيب، قرأنا قصة سامر وجئنا لنتضامن معه ونقول أنّنا نخجل مما تفعله دولتنا. عديدون مثلنا لا يوافقون على ظلم الدولة وقمعها" هكذا أجابت "إستي" عندما أصرّ الحراس على التعرف على الزائرين. "هذا زوجي بروفيسور "يهوشوع تسال" ونحن جزء من مجموعة كبيرة ستأتي تباعًا إلى هنا". لم يسمح لهما الحراس بزيارة سامر ولا حتى بمشاهدته من بعيد. أغلقوا عليه الباب ومنعوا إيصال الورد إليه. أخذت شلختي الورد ووعدتهما بتسليمهما إلى سامر شخصيًا. بعد دقائق أخبرني الحارس بأنني أستطيع الدخول ولكن عليّ أن أبقي الورد خارج الغرفة. "يا أعداء الورد ويا أعداء الخضرة، بأي حق ستمنعوني وبأي ذريعة؟ سأدخل مع هذه الباقة وسيسمع سامر كل الحكاية وسيفرح". طال النقاش وكان إصرار وكان غضب. اتصلوا مع أصحاب القرار. بعد سجال وأكثر وافقوا على أن أدخل ومعي الورد ولكن علي أن أخرج ومعي الورد. أخبرت سامر بقصة الورد وبهؤلاء الإسرائيليين الذين يخجلون من قمع دولتهم وجاءوا ليعبروا عن حبّهم له ومناصرتهم. كان سامر هادئًا كعادته. البسمة تعلو وجهه المتعب. كلامه ينبض إصرارًا وثقة أكثر من قلبه العليل. أكد على ثباته وعلى عشقه للورد. تمنى أن يعود قريبًا إلى حيث الخضرة والعطر يكونان دومًا أبهى وأجمل، إلى العيسوية/القدس. أنهيت الزيارة، خرجت والورد بيدي، لم أجد من أحضره. ابتعدت عن طريق عمواس. لقد كان الوجع فادحًا. كانت احتفالات يوم الأسير الفلسطيني في نهاياتها. منذ الصباح تجنّدت كل الإذاعات وركبت الموج حتى الملل أو الغرق. في المساء دعيت ضيفًا على فضائية القدس. لساعة قابلني المضيف ببرنامج شيّق. سأل عن كل مكشوف ومستور. أجبت بكل صدق وحب. ختم بمرّ الروايات جميعها وسأل عن موقفي إزاء من يسمون بمعتقلين سياسيين: فلسطينيون يعتقلهم فلسطينيون! هو الوجع يا رفيقي والعبث، هو الخراب والزبد، نصر يضاف على نصر الفاتحين وثقب أسود في خيمة الوطن. لا تسألني يا رفيقي والفلسطيني على الصليب والجند يهيّئون له أكاليل الشوك وحربة دقت في خاصرة ما زالت تنزف دمًا. كلكم يا رفيقي في البلاء سواء، فسجل أمامك: أن لا وطن يقام على أكوام من جماجم ولا على أكتاف جيوش من عبيد. فلسطين اليوم يا رفيقي تذكّرنا أنّها الأسيرة وكلّنا في عنقها ومن أجلها عشّاق ورهائن.

تنشغل فلسطين في السابع عشر من نيسان بيوم الأسير الفلسطيني. يختلف هذا اليوم عن باقي الأيام الأسيرة باحتفاليته وانفلات الصدى الذي يكون فيه أكبر من الصوت. جادات الوجع الفلسطينية تمتد لتسع كل من تخلّف عن مسيرة، وتُصمد المنصّات رحبةً فتعجّ بمن خان الحظُّ حنجرته وأسقطته الحسابات في مواسم القحط والشدة. فلسطين الأسيرة تحتفي بأسراها. تطلّ من طاقات الجرح وتذكّر: كلّنا في الهم سواء. منّا من دفع الحساب، ومنّا من يدفعه وآخرون، ربما لم يولدوا بعد، سيدفعونه وما غيّر العالم عدلَه وما بدّله تبديلا. حق فلسطين على أبنائها مهر الحرية والقلق. حق فرسان الحرية على عروسهم حسن الوفاء، حضنها الدافئ وحلم. في يوم الأسير يقترب الفلسطينيون من جرح خاصرتهم النازفة. بعضهم يبقى مثل "توما" أحفادًا للشك يقيمون على ضفاف الهزيمة. بعضهم، قبل صياح الديك في الصباح، يعود لشِباكِه وصيده، لا مثل إسرائيل المحتلة تعرف كم درب الآلام طويل وتعرف أنّ للقيامة لا يكفي صليب وقاتل. كل السيناريوهات أعدّت. الأدوار وزّعت. المؤثّرات الصوتية وما يلازمها وفّرت وكانت كما يليق بأيام الصّلب. الموسيقى نوّتت، الألحان ثورة من مقام النصر، لم تشبه مارشات الجنازات والموت، بل تذكّر أكثر بوعود عاصفة راحلة. لا أعرف كيف، لكنّني لم أجد نفسي على إحدى تلك المنصّات. كنت راضيًا. قرّرت أن أقوم بما أحب. السفر إلى مستشفى " كابلان" لألتقي سامر العيساوي، حيث يرقد هناك، لا يشاهد ولا يسمع كيف تطرب فلسطين من حزن ومن فرح تمامًا كما يطرب قوس قزح وهو يغور في الأرض ولا يغور. أمرّ على أطلال عمواس وأتذكّر درب آلام "أبو إبراهيم العمواسي" الذي احترف الترحال واللجوء وما زال يحمل صليبه. أتذكّره وهو ينتظر ابنه في ساحة منفاه الحديث جدا. في هذا المساء سيكون عرس في بيتونيا. عروسه في الأبيض تنتظر دم الصباح، الشباب يموج على "طلّة خيلنا من قاع الوادي". كلّهم هناك إلّا هو. انتظروا، حتى تغلغل المساء وعلا صوت البارود من هضبة قريبة. فلسطين تحترف فرح الدموع. جاءتهم الخيل التي لها غنّوا، من قاع الوادي. عليها رفاق "الطيش" ومعهم "العريس". كانت عروسه الأثيرة إليها زف كما في تهاليل القصب. لا أعرف لماذا تذكّرت العمواسي في ذلك النهار، عساها "فلسطين" الجرح تصر على عشقها لليل والخديعة. كما لو كنت صاحب المكان، بلحظات وجدت نفسي في الطابق السادس أمام غرفة سامر. تعرّف علي الحارس من بعيد وبدأ اتصاله مع أصحاب القرار، فهؤلاء الحرّاس الصغار هم فوّهات لا تقذف إلّا ما تحشى به. فجأة أشاح عني وقفز كفأر مرعوب من ظل. اعترض طريق كهلين اقتربا حتى باب غرفة سامر. امرأة تشبه إحدى عمّاتي تحمل بيدها "شلختين" من نبتة تشبه الخبيزة البيتية مع ورد خجول في الأطراف. بجانبها رجل عادي هيأته لا تشي بمقامه وعمله. يشبهني لكنني أصغره ببضع سنين. يصرخ الحارس في وجهيهما ويأمرهما بالتوقف وعدم التصوير. "نحن إسرائيليان من تل أبيب، قرأنا قصة سامر وجئنا لنتضامن معه ونقول أنّنا نخجل مما تفعله دولتنا. عديدون مثلنا لا يوافقون على ظلم الدولة وقمعها" هكذا أجابت "إستي" عندما أصرّ الحراس على التعرف على الزائرين. "هذا زوجي بروفيسور "يهوشوع تسال" ونحن جزء من مجموعة كبيرة ستأتي تباعًا إلى هنا". لم يسمح لهما الحراس بزيارة سامر ولا حتى بمشاهدته من بعيد. أغلقوا عليه الباب ومنعوا إيصال الورد إليه. أخذت شلختي الورد ووعدتهما بتسليمهما إلى سامر شخصيًا. بعد دقائق أخبرني الحارس بأنني أستطيع الدخول ولكن عليّ أن أبقي الورد خارج الغرفة. "يا أعداء الورد ويا أعداء الخضرة، بأي حق ستمنعوني وبأي ذريعة؟ سأدخل مع هذه الباقة وسيسمع سامر كل الحكاية وسيفرح". طال النقاش وكان إصرار وكان غضب. اتصلوا مع أصحاب القرار. بعد سجال وأكثر وافقوا على أن أدخل ومعي الورد ولكن علي أن أخرج ومعي الورد. أخبرت سامر بقصة الورد وبهؤلاء الإسرائيليين الذين يخجلون من قمع دولتهم وجاءوا ليعبروا عن حبّهم له ومناصرتهم. كان سامر هادئًا كعادته. البسمة تعلو وجهه المتعب. كلامه ينبض إصرارًا وثقة أكثر من قلبه العليل. أكد على ثباته وعلى عشقه للورد. تمنى أن يعود قريبًا إلى حيث الخضرة والعطر يكونان دومًا أبهى وأجمل، إلى العيسوية/القدس. أنهيت الزيارة، خرجت والورد بيدي، لم أجد من أحضره. ابتعدت عن طريق عمواس. لقد كان الوجع فادحًا. كانت احتفالات يوم الأسير الفلسطيني في نهاياتها. منذ الصباح تجنّدت كل الإذاعات وركبت الموج حتى الملل أو الغرق. في المساء دعيت ضيفًا على فضائية القدس. لساعة قابلني المضيف ببرنامج شيّق. سأل عن كل مكشوف ومستور. أجبت بكل صدق وحب. ختم بمرّ الروايات جميعها وسأل عن موقفي إزاء من يسمون بمعتقلين سياسيين: فلسطينيون يعتقلهم فلسطينيون! هو الوجع يا رفيقي والعبث، هو الخراب والزبد، نصر يضاف على نصر الفاتحين وثقب أسود في خيمة الوطن. لا تسألني يا رفيقي والفلسطيني على الصليب والجند يهيّئون له أكاليل الشوك وحربة دقت في خاصرة ما زالت تنزف دمًا. كلكم يا رفيقي في البلاء سواء، فسجل أمامك: أن لا وطن يقام على أكوام من جماجم ولا على أكتاف جيوش من عبيد. فلسطين اليوم يا رفيقي تذكّرنا أنّها الأسيرة وكلّنا في عنقها ومن أجلها عشّاق ورهائن.

22.04.2013

أتركها أقفالًا على ضمائرهم

أتركها أقفالًا على ضمائرهم

لم أحبّ مدينة بئر-السبع. دائمًا كانت لدي كامرأة تصطنع الشهوة. مدينة بلا رائحة ولا أنوثة. في كل مرّة دخلتها، أو عبرت منها، أحسست أنها تليق أكثر بالخسارة وبالمقابر، أو كساحات لمعارك، كتلك التي في قصص الصحاري والرمال. بئر السبع كانت طريقنا في أواخر الثمانينات حين سرت قوافل المحامين لتنهب الرمل قبل ساعات الفجر وصولًا إلى سجن "أنصار" النقب. لسنوات أنهكتنا المسافات والشمس. آلاف من أبناء فلسطين نقلوا إلى حيث الهباء والضياع، رمال تحوّلت إلى نصّ جديد في نصوص ملحمة الخيام واللهب. ترافعنا عنهم، أنا ورفاقي من المحامين في تلك المسيرة، وحاولنا أن لا يبقوا أرقامًا في سفر القمع الاحتلالي الإسرائيلي. منها عبرنا ومنها عدنا بالخيبات والوجع. في الذاكرة أبقت تلك المدينة عتمة، وربما تذكارات لهزائم ما زالت تتتابع على وقع مقام "النكبة". كان الهواء ساخنًا. في الجو رياح كأنّها مراسيل غضب. صباحات القدس، في العادة، طريّة ومنعشة، لكنّ صباح الأحد الماضي لاءم ما وصفت رواية وكتب، عندما انشقّت سماء وأرض وقام من بين الأموات من داس الموت بالموت ليصعد الى السماء فاديًا كل البشر من الخطيئة. كان الجو خماسينيًا مزعجًا عن غير قصد، تمامًا كما يليق بالحكايا الكبيرة التي رحل أبطالها وتركوا وراءهم ميراثًا سيكون ويبقى ككل ميراث: مدعاة لقتالات بني البشر، طامعين وشرهين، وإخوة أعداء. بدأت رحلتي مبكّرًا قاصدًا تلك المدينة التي لم تكن يومًا عذراء. مستشفى "سوروكا" وجهتي، حيث يرقد ابن فلسطين ويعاني على طريق آلامه من طعنة الجند، خطاة العصر، يسقونه الخلّ والحنظل. كأنني على شوك، أسرع كي أصل عند ميسرة أبو حمدية، الذي أخاله هناك يصرخ: لماذا تتركوني هنا وحيدًا؟! في البهو الرئيسي لمبنى حديث يزيد المكان بشاعة، كحنّاء على وجه قردة، ينتصب تمثال كبير لرأس "بن غوريون". تمرّ أمامه وتشعر كأنّك تمرُّ من أمام نافورة تبقبق غطرسة وشماتةً. في كل مرّة أمرُّ من هناك، أحاول أن لا ألتفتَ لموضع الوجع ولكن تبقى الجروح، دومًا، نضّاحة. لم أجد ميسرة في غرفته في قسم الأمراض السرطانية. خفت، ففي زيارتي السابقة عرفت أن المرض قد تمكّن منه. وجهه كان كوجه من فارقتُ من أحبّائي قبل أن سلّموا الوديعة ورحلوا. كان في غرفة العلاج الكيماوي. من بعيد لونه كالليمون. صرخت ببعض الكلام. اعترضني ثلاثة يشبهون ألواح الخشب. صرخوا بوجهي، حجبوا عني الرؤية ومنعوني من الوصول إليه. سمعت عنّته من بعيد. تيقّنت أنه على قيد الحياة وبدأت معركتي معهم. كانوا كجند ذلك الزمان، غلاظًا قساة، عقولهم في نعالهم ولا يجيدون من اللغات إلّا لغة المطارق والرماح. أعيد ميسرة إلى غرفته. بعد عراك، نجحت بالدخول عنده والجلوس بجانبه. رفع نصفه العلوي واتكأ بظهره على السرير فصار شموخه أمامي أكمل. على وجهه بسمة ذلك الرجل الشجاع. بسمة مليئة بالدفء والوقار وتخفي كثيرًا من ألم. تحدّثت ناقلًا ما في جعبتي من أخبار وقلق عليه وصلاة لشفائه وعودته إلى عرينه سالمًا معافى. سأل وتساءل وكان يعرف عن وضعه ما أعرفه وأكثر، فالطعنة في خاصرته والخلّ يملأ صدره والطريق وصلت إلى محطتها الأخيرة. كان صوته خافتًا. المرض أصاب، أوّل ما أصاب، مريئه. تحدّث ببطء ولكن بكبرياء مناضل. طلب أن أنقل السلام لأهله وتمنى أن يرى أحبّته هناك. حمّلني التحية لكل من وقف إلى جانبه ومع قضية أسرى فلسطين. بعزة عاشق عبّر عن شوقه لتراب الوطن، وبفرح عصفور حلّق على جناح أمل وأمنية أن لا يطول بقاؤه في المستشفى، فهو مشتاق ليعود إلى رفاقه في السجن، شركائه في الهم والحلم. كانت ذراعه اليسرى مربوطة بطرف السرير وكذلك كانت ساقه اليمنى. صرخت بـ"ألواح الخشب"، ليزيلوا تلك الأصفاد. بهدوء قائد وكبريائه، طلب أن أكفَّ عن مخاطبتهم ومطالبتي إياهم. أعادني بسرعة إلى حديثنا، حيث يجيد هو لغة الحب والأمل، وأجيد أنا الإصغاء "لما يقوله الغبار للسرو". بانت على وجهه علامات التعب. نصحته بأن يحاول النوم فما تعرّض له كان ثقيلًا ومنهكًا، بعد مكابرة اعترف بأنه يشعر بآلام شديدة. طلبت من الممرضة أن تسقيه بعض المسكن. قبل أن ينام أخذ بيدي وبقلبه ضغط وقال: سلّم على جميع الأحبة، أنتظرك يوم الثلاثاء. عائدًا، مررتُ في ذلك البهو، ميسرة في سريره ينام بهدوء مناضل ويحلم كعاشق. بجانبه ثلاثة جرّدوا من آدميتهم وتحوّلوا إلى بلطات متحرّكة. أركب سيارتي. فيروز في فصحها تصلي "اليوم علِّق على خشبة". وجه قلب ميسرة في راحتي. صوته يغلب صوت فيروز ويملأ الفضاء: أترك هؤلاء المخلوقات لا تطلب منهم فك تلك الأصفاد. كأنه يقول لي أتركهم، هذه الأصفاد مفاتيح عزتنا ونياشين كراماتنا، أتركها فهي سروجنا للعلا ومراكبنا للغيم والسماء، ووصمات عار ستبقى على جبينهم. أغادر تلك المدينة التي لا أحب. أبتعد في الرمل. فيروز تنهي صلاتها. لتعلن أن هذا هو يوم عظيم لأن الحكمة دومًا تكون مع من يسير على درب الآلام. أبتعد عن مكان الخسارة، وأترك ميسرة نائمًا على الغيم، كم كنتَ حكيمًا يا عزيز. لك المجد والعزة ولهم العار والذلة، ولي وعدي لك أن نلتقي في ثلاثاء حتمًا ستأتي. أتركها أقفالًا على ضمائرهم

لم أحبّ مدينة بئر-السبع. دائمًا كانت لدي كامرأة تصطنع الشهوة. مدينة بلا رائحة ولا أنوثة. في كل مرّة دخلتها، أو عبرت منها، أحسست أنها تليق أكثر بالخسارة وبالمقابر، أو كساحات لمعارك، كتلك التي في قصص الصحاري والرمال. بئر السبع كانت طريقنا في أواخر الثمانينات حين سرت قوافل المحامين لتنهب الرمل قبل ساعات الفجر وصولًا إلى سجن "أنصار" النقب. لسنوات أنهكتنا المسافات والشمس. آلاف من أبناء فلسطين نقلوا إلى حيث الهباء والضياع، رمال تحوّلت إلى نصّ جديد في نصوص ملحمة الخيام واللهب. ترافعنا عنهم، أنا ورفاقي من المحامين في تلك المسيرة، وحاولنا أن لا يبقوا أرقامًا في سفر القمع الاحتلالي الإسرائيلي. منها عبرنا ومنها عدنا بالخيبات والوجع. في الذاكرة أبقت تلك المدينة عتمة، وربما تذكارات لهزائم ما زالت تتتابع على وقع مقام "النكبة". كان الهواء ساخنًا. في الجو رياح كأنّها مراسيل غضب. صباحات القدس، في العادة، طريّة ومنعشة، لكنّ صباح الأحد الماضي لاءم ما وصفت رواية وكتب، عندما انشقّت سماء وأرض وقام من بين الأموات من داس الموت بالموت ليصعد الى السماء فاديًا كل البشر من الخطيئة. كان الجو خماسينيًا مزعجًا عن غير قصد، تمامًا كما يليق بالحكايا الكبيرة التي رحل أبطالها وتركوا وراءهم ميراثًا سيكون ويبقى ككل ميراث: مدعاة لقتالات بني البشر، طامعين وشرهين، وإخوة أعداء. بدأت رحلتي مبكّرًا قاصدًا تلك المدينة التي لم تكن يومًا عذراء. مستشفى "سوروكا" وجهتي، حيث يرقد ابن فلسطين ويعاني على طريق آلامه من طعنة الجند، خطاة العصر، يسقونه الخلّ والحنظل. كأنني على شوك، أسرع كي أصل عند ميسرة أبو حمدية، الذي أخاله هناك يصرخ: لماذا تتركوني هنا وحيدًا؟! في البهو الرئيسي لمبنى حديث يزيد المكان بشاعة، كحنّاء على وجه قردة، ينتصب تمثال كبير لرأس "بن غوريون". تمرّ أمامه وتشعر كأنّك تمرُّ من أمام نافورة تبقبق غطرسة وشماتةً. في كل مرّة أمرُّ من هناك، أحاول أن لا ألتفتَ لموضع الوجع ولكن تبقى الجروح، دومًا، نضّاحة. لم أجد ميسرة في غرفته في قسم الأمراض السرطانية. خفت، ففي زيارتي السابقة عرفت أن المرض قد تمكّن منه. وجهه كان كوجه من فارقتُ من أحبّائي قبل أن سلّموا الوديعة ورحلوا. كان في غرفة العلاج الكيماوي. من بعيد لونه كالليمون. صرخت ببعض الكلام. اعترضني ثلاثة يشبهون ألواح الخشب. صرخوا بوجهي، حجبوا عني الرؤية ومنعوني من الوصول إليه. سمعت عنّته من بعيد. تيقّنت أنه على قيد الحياة وبدأت معركتي معهم. كانوا كجند ذلك الزمان، غلاظًا قساة، عقولهم في نعالهم ولا يجيدون من اللغات إلّا لغة المطارق والرماح. أعيد ميسرة إلى غرفته. بعد عراك، نجحت بالدخول عنده والجلوس بجانبه. رفع نصفه العلوي واتكأ بظهره على السرير فصار شموخه أمامي أكمل. على وجهه بسمة ذلك الرجل الشجاع. بسمة مليئة بالدفء والوقار وتخفي كثيرًا من ألم. تحدّثت ناقلًا ما في جعبتي من أخبار وقلق عليه وصلاة لشفائه وعودته إلى عرينه سالمًا معافى. سأل وتساءل وكان يعرف عن وضعه ما أعرفه وأكثر، فالطعنة في خاصرته والخلّ يملأ صدره والطريق وصلت إلى محطتها الأخيرة. كان صوته خافتًا. المرض أصاب، أوّل ما أصاب، مريئه. تحدّث ببطء ولكن بكبرياء مناضل. طلب أن أنقل السلام لأهله وتمنى أن يرى أحبّته هناك. حمّلني التحية لكل من وقف إلى جانبه ومع قضية أسرى فلسطين. بعزة عاشق عبّر عن شوقه لتراب الوطن، وبفرح عصفور حلّق على جناح أمل وأمنية أن لا يطول بقاؤه في المستشفى، فهو مشتاق ليعود إلى رفاقه في السجن، شركائه في الهم والحلم. كانت ذراعه اليسرى مربوطة بطرف السرير وكذلك كانت ساقه اليمنى. صرخت بـ"ألواح الخشب"، ليزيلوا تلك الأصفاد. بهدوء قائد وكبريائه، طلب أن أكفَّ عن مخاطبتهم ومطالبتي إياهم. أعادني بسرعة إلى حديثنا، حيث يجيد هو لغة الحب والأمل، وأجيد أنا الإصغاء "لما يقوله الغبار للسرو". بانت على وجهه علامات التعب. نصحته بأن يحاول النوم فما تعرّض له كان ثقيلًا ومنهكًا، بعد مكابرة اعترف بأنه يشعر بآلام شديدة. طلبت من الممرضة أن تسقيه بعض المسكن. قبل أن ينام أخذ بيدي وبقلبه ضغط وقال: سلّم على جميع الأحبة، أنتظرك يوم الثلاثاء. عائدًا، مررتُ في ذلك البهو، ميسرة في سريره ينام بهدوء مناضل ويحلم كعاشق. بجانبه ثلاثة جرّدوا من آدميتهم وتحوّلوا إلى بلطات متحرّكة. أركب سيارتي. فيروز في فصحها تصلي "اليوم علِّق على خشبة". وجه قلب ميسرة في راحتي. صوته يغلب صوت فيروز ويملأ الفضاء: أترك هؤلاء المخلوقات لا تطلب منهم فك تلك الأصفاد. كأنه يقول لي أتركهم، هذه الأصفاد مفاتيح عزتنا ونياشين كراماتنا، أتركها فهي سروجنا للعلا ومراكبنا للغيم والسماء، ووصمات عار ستبقى على جبينهم. أغادر تلك المدينة التي لا أحب. أبتعد في الرمل. فيروز تنهي صلاتها. لتعلن أن هذا هو يوم عظيم لأن الحكمة دومًا تكون مع من يسير على درب الآلام. أبتعد عن مكان الخسارة، وأترك ميسرة نائمًا على الغيم، كم كنتَ حكيمًا يا عزيز. لك المجد والعزة ولهم العار والذلة، ولي وعدي لك أن نلتقي في ثلاثاء حتمًا ستأتي. أتركها أقفالًا على ضمائرهم

08.04.2013