نبيل عودة
مقالات ومواد لنبيل عودة
اسرائيل مستقبل مشكوك فيه
وجدت الكثير من الأجوبة التي أشغلتني حول الواقع الاسرائيلي في كتاب جديد ظهر تحت عنوان :" اسرائيل – مستقبل مشكوك فيه ) ישראל עתיד מוטל בספק – صدر عن "راسلينج" 2011 – باللغة العبرية مترجما عن الفرنسية) المؤلفان هما "ريشار لأوف" باحث نشط في جامعتي "الحرة" في بريسيل و"كارنجي ميلون" في الولايات المتحدة و"اوليفيه بوروكوفيتش" باحث من جامعة "لوفن" وكان خلال عقد كامل محررا للمجلة الشهرية البلجيكية "ريغاردز" المتخصصة بالحوار الاسرائيلي - فلسطيني.
وجدت الكثير من الأجوبة التي أشغلتني حول الواقع الاسرائيلي في كتاب جديد ظهر تحت عنوان :" اسرائيل – مستقبل مشكوك فيه ) ישראל עתיד מוטל בספק – صدر عن "راسلينج" 2011 – باللغة العبرية مترجما عن الفرنسية) المؤلفان هما "ريشار لأوف" باحث نشط في جامعتي "الحرة" في بريسيل و"كارنجي ميلون" في الولايات المتحدة و"اوليفيه بوروكوفيتش" باحث من جامعة "لوفن" وكان خلال عقد كامل محررا للمجلة الشهرية البلجيكية "ريغاردز" المتخصصة بالحوار الاسرائيلي - فلسطيني.
07.08.2013
ملـــوك خالـــدون - بقلم: نبيل عودة
آخر تحديث: Sat, 01 حزيران-يونيو 2013, 08:24:PM بتوقيت بيروت / لبنان الكاتب: نبيل عودة عدد المشاهدات: 23 عدد التعليقات: (0) حجم الخط: del.icio.us Digg StumbleUpon Twitter Facebook :شارك على ملوك خالدون ... وسائر الملكيات والجملكيات الى مزبلةّّ التاريخ!! تنشقت الرياح السامة، بلغت الأفق ولامست السماء. تدحرجت وراء الأضواء المتشابكة الألوان. غابت الشمس بقفزات.. وساد ظلام. تضخمت المسيرة وتضخمت. علت هتافات من كل الأطراف. جمعت الكلمات .. فتاهت مني المعاني. سرت في متاهات الأرض. خضت في الشبق الإعلامي. توسمت النصر من عروش الأرض وسلاطين العرب. انتظرت. ما زلت انتظر.. ماذا أنتظر؟! ذهبت لعرافة في عاصمة باردة. أشعلت النار وفنجرت عينيها. أرغت وأزبدت. حامت حول نفسها وحولي وحول النار. تمتمت بكلمات مفهومة وكلمات غير مفهومة. ثم زعقت رافعة يديها إلى الأعلى: - لن يبقى إلا أربعة عروش لأربعة ملوك... - ملوكنا يا سيدتي؟ - بسبب ملوككم يا أغبياء ستسقط كل العروش.. وتبقى ملوك الورق. - وجمهورياتنا الملكية يا سيدتي..؟ سألت كأبله. سح عرقها وهي تتأملني بغضب. طردتني من بيتها. أوصدت الباب دوني وهي تزعق: - ملوك الورق خالدون... لا شيء غير ملوك الورق. فحرت في أمري.. أعيتني معاني الكلام ، فجلست أستريح وأتأمل!!
آخر تحديث: Sat, 01 حزيران-يونيو 2013, 08:24:PM بتوقيت بيروت / لبنان الكاتب: نبيل عودة عدد المشاهدات: 23 عدد التعليقات: (0) حجم الخط: del.icio.us Digg StumbleUpon Twitter Facebook :شارك على ملوك خالدون ... وسائر الملكيات والجملكيات الى مزبلةّّ التاريخ!! تنشقت الرياح السامة، بلغت الأفق ولامست السماء. تدحرجت وراء الأضواء المتشابكة الألوان. غابت الشمس بقفزات.. وساد ظلام. تضخمت المسيرة وتضخمت. علت هتافات من كل الأطراف. جمعت الكلمات .. فتاهت مني المعاني. سرت في متاهات الأرض. خضت في الشبق الإعلامي. توسمت النصر من عروش الأرض وسلاطين العرب. انتظرت. ما زلت انتظر.. ماذا أنتظر؟! ذهبت لعرافة في عاصمة باردة. أشعلت النار وفنجرت عينيها. أرغت وأزبدت. حامت حول نفسها وحولي وحول النار. تمتمت بكلمات مفهومة وكلمات غير مفهومة. ثم زعقت رافعة يديها إلى الأعلى: - لن يبقى إلا أربعة عروش لأربعة ملوك... - ملوكنا يا سيدتي؟ - بسبب ملوككم يا أغبياء ستسقط كل العروش.. وتبقى ملوك الورق. - وجمهورياتنا الملكية يا سيدتي..؟ سألت كأبله. سح عرقها وهي تتأملني بغضب. طردتني من بيتها. أوصدت الباب دوني وهي تزعق: - ملوك الورق خالدون... لا شيء غير ملوك الورق. فحرت في أمري.. أعيتني معاني الكلام ، فجلست أستريح وأتأمل!!
04.06.2013
حل الدولتين؟.. ضم 8000 دونم جديد للمستوطنات -- نبيل عودة
في خضم الحديث عن تجديد مفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية، والجهود الأمريكية الواسعة التي يبذلها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، بعضها يتحدث عن ضغط على السلطة الفلسطينية لتجديد المفاوضات حتى بظل استمرار الاستيطان، تواصل إسرائيل سياسة نسف كل الجهود، حتى الأمريكية، لتجديد المفاوضات مع استمرار الاستيطان، إذ لا تترك الحكومة الإسرائيلية مساحة ولو شكلية ، لخلق ظروف تجعل الفلسطينيين مكرهين، نتيجة الضغط الأمريكي ، يقبلون بتجديد المفاوضات في إطار الوضع الاستيطاني الاستفزازي القائم. الخطوة الأخيرة التي قامت بها إسرائيل، هو إضافة 8000 آلاف دونم من الأراضي الفلسطينية لمنطقة نفوذ المستوطنات في الضفة الغربية، صحيح ان تعريف معظم هذه الأراضي يدخل ضمن ما يعرف بأراضي الدولة ، طبعا هناك الكثير من الأراضي بملكية فلسطينية خاصة وكأن أراضي الدول تعني دولة إسرائيل وليس دولة الشعب الفلسطيني وليست ملكا للشعب الفلسطيني (أيُّ أمٍّ أورثتكم ضفَّةَ الأردنِّ/ سيناءَ، وهاتيك الجبالْ؟ / إن من يسلبُ حقّاً بالقتالْ / كيفَ يحمي حقَّهُ يوماً إذا الميزانُ مال؟ - توفيق زياد) . الخطوة الجديدة ليست شكلية، أو إدارية لا معنى عملي لها في ضم أراض لمنطقة نفوذ للمستوطنات غير الشرعية أصلا حسب كل القوانين والأعراف الدولية. إنما ضم 8000 آلاف دونم جديد يحمل رسائل عديدة،أولا: إن جهود كيري هي لعبة منسقة مع إسرائيل، ثانيا: تصلب إسرائيلي في مواجهة إدارة أمريكية ضعيفة ،ثالثا: استمرار الخطط الإسرائيلية للسيطرة على الأرض الفلسطينية وتحويل مناطق نفوذ السلطة الفلسطينية أو الدولة الوهمية الفلسطينية إلى مناطق كنتونات، أشبه بالمحميات الهندية في الولايات المتحدة من القرنين الماضيين ، رابعا وهو الأخطر: هذه الخطوة تعني فتح الطريق لتقديم مشاريع بناء جديدة لتوسيع المستوطنات. التلخيص لكل خطوات إسرائيل وليس خطوتها الأخيرة فقط، ان ثرثرة نتنياهو عن حل الدولتين، ليست أكثر من ثرثرة لتغطية الوجه البشع للاستعمار الإسرائيلي ، وليست أكثر من لعبة دومينو لا تنتهي في مواجهة الجهود الأمريكية التي وجدت ان الضغط على الفلسطينيين أسهل من مواجهة الشهوة الاستيطانية الإسرائيلية، والوقوف موقف ذليل للرئيس الأمريكي أمام الكونغرس الذي يصفق لنتنياهو الأبيض ويخذل رئيسه الأمريكي الأسود اوباما. هذا يحدث في ظروف تخاذل وانهيار عربي مهين، لم يبدأ بالربيع لكن الربيع في حركته الأولى سجل تراجعا خطيرا على المستوى القومي عامة، الاقتصادي بعدم إيجاد حلول كانت سببا مباشرا لانتفاضة الربيع، الاجتماعي إذا تعمق التفكك الطائفي البغيض، والسياسي بصعود السلفية ودمجها بين الاستبداد السياسي السابق والاستبداد الديني، لدرجة تمني عودة الفساد الرهيب السابق، بدل الفساد والتفكك الاجتماعي والسياسي الذي يعصف بالمجتمعات العربية.. بعد "ربيعها القارص"!! كيري تحدث في المنتدى الاقتصادي الدولي في الأردن عن أربعة مليارات دولار لتنشيط الاقتصاد الفلسطيني، هل ستبقى أراض فلسطينية لتطور دولة قادرة على الحياة والتواصل الجغرافي بدون أل 300 حاجز عسكري مهين لكرامة الإنسان الفلسطيني وبدون أسوار عازلة جعلت الوصول إلى بيت الابن عبر الشارع الذي أقيم فيه الجدار عملية سفر مرهقة قد تستغرق ساعات؟؟ إن الجهاز السلطوي يواصل تنفيذ سياسة نسف كل ما يمن أن يمهد الطريق لمفاوضات فلسطينية إسرائيلية. الملاحظة الأخيرة حسب الباحث الإسرائيلي درور أطقاس المختص بالمستوطنات يقول ان معظم الأراضي التي ضمت للمستوطنات ضمت لمستوطنات معزولة وبعيدة عن تجمعات المستوطنات التي تصر إسرائيل على إبقائها ضمن سيطرتها، وتلك المستوطنات كما يقول ، لن تكون أي طريقة لضمها في يوم من الأيام إلى إسرائيل عبر ثرثرة نتنياهو عن حل الدولتين. ما يجري كما يشرح، هي خطوات صامتة ومتواصلة بإصرار لتفتيت حل الدولتين. nabiloudeh@gmail.com
في خضم الحديث عن تجديد مفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية، والجهود الأمريكية الواسعة التي يبذلها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، بعضها يتحدث عن ضغط على السلطة الفلسطينية لتجديد المفاوضات حتى بظل استمرار الاستيطان، تواصل إسرائيل سياسة نسف كل الجهود، حتى الأمريكية، لتجديد المفاوضات مع استمرار الاستيطان، إذ لا تترك الحكومة الإسرائيلية مساحة ولو شكلية ، لخلق ظروف تجعل الفلسطينيين مكرهين، نتيجة الضغط الأمريكي ، يقبلون بتجديد المفاوضات في إطار الوضع الاستيطاني الاستفزازي القائم. الخطوة الأخيرة التي قامت بها إسرائيل، هو إضافة 8000 آلاف دونم من الأراضي الفلسطينية لمنطقة نفوذ المستوطنات في الضفة الغربية، صحيح ان تعريف معظم هذه الأراضي يدخل ضمن ما يعرف بأراضي الدولة ، طبعا هناك الكثير من الأراضي بملكية فلسطينية خاصة وكأن أراضي الدول تعني دولة إسرائيل وليس دولة الشعب الفلسطيني وليست ملكا للشعب الفلسطيني (أيُّ أمٍّ أورثتكم ضفَّةَ الأردنِّ/ سيناءَ، وهاتيك الجبالْ؟ / إن من يسلبُ حقّاً بالقتالْ / كيفَ يحمي حقَّهُ يوماً إذا الميزانُ مال؟ - توفيق زياد) . الخطوة الجديدة ليست شكلية، أو إدارية لا معنى عملي لها في ضم أراض لمنطقة نفوذ للمستوطنات غير الشرعية أصلا حسب كل القوانين والأعراف الدولية. إنما ضم 8000 آلاف دونم جديد يحمل رسائل عديدة،أولا: إن جهود كيري هي لعبة منسقة مع إسرائيل، ثانيا: تصلب إسرائيلي في مواجهة إدارة أمريكية ضعيفة ،ثالثا: استمرار الخطط الإسرائيلية للسيطرة على الأرض الفلسطينية وتحويل مناطق نفوذ السلطة الفلسطينية أو الدولة الوهمية الفلسطينية إلى مناطق كنتونات، أشبه بالمحميات الهندية في الولايات المتحدة من القرنين الماضيين ، رابعا وهو الأخطر: هذه الخطوة تعني فتح الطريق لتقديم مشاريع بناء جديدة لتوسيع المستوطنات. التلخيص لكل خطوات إسرائيل وليس خطوتها الأخيرة فقط، ان ثرثرة نتنياهو عن حل الدولتين، ليست أكثر من ثرثرة لتغطية الوجه البشع للاستعمار الإسرائيلي ، وليست أكثر من لعبة دومينو لا تنتهي في مواجهة الجهود الأمريكية التي وجدت ان الضغط على الفلسطينيين أسهل من مواجهة الشهوة الاستيطانية الإسرائيلية، والوقوف موقف ذليل للرئيس الأمريكي أمام الكونغرس الذي يصفق لنتنياهو الأبيض ويخذل رئيسه الأمريكي الأسود اوباما. هذا يحدث في ظروف تخاذل وانهيار عربي مهين، لم يبدأ بالربيع لكن الربيع في حركته الأولى سجل تراجعا خطيرا على المستوى القومي عامة، الاقتصادي بعدم إيجاد حلول كانت سببا مباشرا لانتفاضة الربيع، الاجتماعي إذا تعمق التفكك الطائفي البغيض، والسياسي بصعود السلفية ودمجها بين الاستبداد السياسي السابق والاستبداد الديني، لدرجة تمني عودة الفساد الرهيب السابق، بدل الفساد والتفكك الاجتماعي والسياسي الذي يعصف بالمجتمعات العربية.. بعد "ربيعها القارص"!! كيري تحدث في المنتدى الاقتصادي الدولي في الأردن عن أربعة مليارات دولار لتنشيط الاقتصاد الفلسطيني، هل ستبقى أراض فلسطينية لتطور دولة قادرة على الحياة والتواصل الجغرافي بدون أل 300 حاجز عسكري مهين لكرامة الإنسان الفلسطيني وبدون أسوار عازلة جعلت الوصول إلى بيت الابن عبر الشارع الذي أقيم فيه الجدار عملية سفر مرهقة قد تستغرق ساعات؟؟ إن الجهاز السلطوي يواصل تنفيذ سياسة نسف كل ما يمن أن يمهد الطريق لمفاوضات فلسطينية إسرائيلية. الملاحظة الأخيرة حسب الباحث الإسرائيلي درور أطقاس المختص بالمستوطنات يقول ان معظم الأراضي التي ضمت للمستوطنات ضمت لمستوطنات معزولة وبعيدة عن تجمعات المستوطنات التي تصر إسرائيل على إبقائها ضمن سيطرتها، وتلك المستوطنات كما يقول ، لن تكون أي طريقة لضمها في يوم من الأيام إلى إسرائيل عبر ثرثرة نتنياهو عن حل الدولتين. ما يجري كما يشرح، هي خطوات صامتة ومتواصلة بإصرار لتفتيت حل الدولتين. nabiloudeh@gmail.com
27.05.2013
لا ربيع عربي بدون عصر نهضة عربي ــــــ بقلم: نبيل عودة
ظهر مفهوم الحداثة في الحضارة الغربية قبل حوالي قرن من الزمان، مع ذلك نرى ان الغموض والخلافات في فهم الحداثة ما زالت على أشدها في الثقافة الغربية نفسها ، حيث تطرح تعريفات كثيرة مختلفة ومتناقضة وهو أمر طبيعي في حضارة أطلقت العقل من قيوده، حررت الفكر من الكهنوت الديني ومحاكم التفتيش وقمع العلم، اعتمدت المنطق العلمي والبحث طريقا وتخلصت من فكر الخرافات والخوارق.. وأطلقت اهم نهضة في تاريخ البشرية. اذن التعريفات المختلفة للحداثة في الفكر الغربي هي من منطلق التصورات الفكرية المختلفة، من تعدد الأذواق وانفتاح العقل، من نهضة تنويرية احدثت أعظم نقلة في الواقع الاجتماعي والثقافي للإنسان. مع ذلك تعددت التفسيرات وتشعبت وانتقل الفكر الغربي الى "ما بعد الحداثة" – يمكن القول الى تجديد للنهضة - ولم يكن قد اعطى تفسيرا متفق عليه لمفهوم الحداثة. الثقافة العربية نقلت مفهوم الحداثة بشكله وليس بمضمونه، بل والبعض "سبق" المصادر التي انطلقت منها الحداثة وفسر ما لم يفسر بعد في الغرب، طرح مفاهيم جاهزة اعتمدت الاجتهاد اللغوي بالأساس، لدرجة يبدو ان الحداثة نقلها الغرب عن العرب وليس العكس. المطلع على فلسفة التنوير الأوروبية ولو خطفا، يجد ان ما قام به بعض انصار الحداثة العرب هو أشبه بعملية اغتصاب فاشلة لفكر لم يجر تجهيز القاعدة المادية الاجتماعية والفلسفية لاستيعاب مفاهيم التنوير اولا ثم الحداثة قبل ان ندعي، او نضفي على بعض الأعمال الأدبية صفة الحداثة بشكل اعتباطي وكأن الحداثة هي معيار للأدب فقط. أشغل موضوع الحداثة بال المثقفين والمفكرين في العالم العربي ، كما في سائر الثقافات العالمية منذ فترة طويلة، معظمهم مثقفين تأثروا بالتنوير الأوروبي الذي انطلق مع عصر النهضة (الرينيسانس) قطعا ما كان للحداثة ان تنشأ وتنتشر بدونه. كان الاهتمام أكثر بجانب من التنوير يتعلق بالإبداع الأدبي تحديدا، بسبب غياب فرص الحداثة الاجتماعية والسياسية، بالتالي جرى فصل مفهوم الحداثة عشوائيا عن جغرافيتها وبيئتها ومسيرتها الحضارية وما أحدثته الحداثة من انتشار واسع لفلسفة التنوير، يبدو انهم حاولوا استباق العملية التاريخية المفترض ان تبدأ بعصر تنوير عربي، كانت له بدايات لم تكتمل بدأتها مجموعة من التنويريين العرب، لتحرير العقل العربي من قرونه الوسطى، أسوة بما جرى في التنوير (الرينيسانس) في اوروبا. حتى الان لم يظهر تعريف دقيق لهذا المفهوم الذي فرض نفسه على مجتمع شبه قبلي، او قبلي تماما .. تسيطر عليه الماضويه والببغاوية والتلقين بدل التفكير، يبدو الحديث عن الحداثة اشبه بالحلم الذي يلهم الرواد من المثقفين العرب للتخلص من الماضوية التي تعيق انطلاقة المجتمعات العربية نحو آفاق حضارية جديدة ، بل نشهد في الاونة الاخيرة تنامي شهوة السلطة في التيارات الدينية الأصولية واقصاء القوى العلمانية او الدينية العقلانية او المختلفة ثقافيا واثنيا ، هذا ثبت بالتطبيق في الفصل الأول من الربيع العربي.. الملاحظة الصعبة ان ما يشغل العالم العربي ليس العمران انما الحد من التطرف... وهذا يتضح أيضا بما يجري من تطورات سياسية سلبية في ما بات يعرف بالربيع العربي، بحيث نشهد عودة الى العصبية الدينية ، الى القبلية، بغياب نسبي كبير للدوافع الاجتماعية والسياسية التي اطلقت الربيع العربي. الوعي الجماعي غائب عن الصورة. اصوات الفئات المتنورة لا تصل الى عقول نشأت في ظل نفي العقل لحساب النقل والتلقين.. وآمل انها مرحلة قصيرة !! بعض المثقفين العرب اعطوا تفسيرات سطحية ويمكن القول شكلية لمفهوم الحداثة ، بالقول مثلا انها " الاختزال والشفافية "، اي يقرنون مفاهيم الحداثة بشكل أدبي او لغوي لأن فهمهم لم يمتد لمضمون الحداثة الشامل حضاريا، مع جهل جذور الحداثة ونشأتها تاريخيا وفكريا، ان تناقض التفسيرات في موطن الحداثة نفسها جعلهم يتخبطون في متاهات فكرية غير متناسقة بسبب فقدانهم لرؤية فلسفية تشكل قاعدة لطروحاتهم ووعيهم.. الأساس الذي يمكن الانطلاق الواسع منه انها ( الحداثة) عنصر من عناصر التنوير العام للمجتمع والثقافة والعلوم والاقتصاد ونوعية السلطة. هذا التعريف وغيره من التعريفات المشابهه في مضامينها، لا تاخذ في اعتبارها جوهر الحداثة من مصادرها الجغرافية والتاريخية والفكرية. ان الحداثة في الادب والفكر والحياة ، لم تكن وليدة ظاهرة شكلية ، انما نتيجة عملية تغيرات وتطورات شملت العلوم، الثقافة، الاقتصاد والمجتمع البشري نفسه، بحيث احدثت نقلة نوعية غيرت كل افكار ومفاهيم القرون الوسطى البالية وطرحت مكانها افكارا وموازين تعتمد على العقل والمنطق والعلم والمعرفة لذا ليس بالصدفة ظهور فلسفة التنوير الأوروبية بفلاسفتها العظام فولتير، كانط ، سبينوزا، لوك، ديكارت، نيتشه، سبينوزا وسميت وغيرهم كمحرك عاصف للتغيير اعادوا بناء الوعي الاجتماعي والعلمي والديني والثقافي واعتماد منطق التغيير والرقي بدل منطق الارتداد الماضوي وانتظار الفرج من السماء بوهم انه طريق الخلاص . لا يمكن تناول الحداثة بمنظار قديم وبمواقف تجتر الماضي ، لا يمكن " اتهام " مقطوعة ادبية بالحداثة لانها مكتوبة بلغة لا شي واضح فيها الا حروف الابجدية وجعل الحداثة محصورة في الادب فقط ... هذا جهل فاضح . الذي يحدث هو خلط مضحك بين المفاهيم والاصطلاحات التي لم تنشأ اصلا في الفكر العربي ، بالتالي ظاهرة الحداثة لم تخترق بقوة محركاتها المجتمعات العربية التي ظلت على جهل مريع بمفاهيم الحداثة التي تقودنا جذورها التاريخية الى عصر التنوير الاوروبي، الذي بدأ قبل 300 - 400 سنة بينما مفهوم الحداثة واصطلاح الحداثة نفسه ظهر في المائة سنة الأخيرة فقط. مثلا لماذا لا نقول ان الحداثة هي حرية الإرادة؟ الم تكن حرية الارادة منقوصة تحت سلطة الكهنوت الديني في اوروبا حين كان المجتمع الأوروبي يعاني من التخلف والاستبداد السياسي والديني؟ بالتالي لم يكن الانسان يتصرف بناء على ارادته الحرة.. وهي حالة لم تغب من مجتمعاتنا العربية اليوم ، انما تزداد عمقا خاصة بسقوط الربيع العربي بأيدي كانت هي نفسها حليفا ومنتجا للواقع الفاسد الذي جعل الجماهير تخرج غاضبة تطالب بإسقاط الأنظمة التي أملقتها حتى النخاع. رؤيتي متشائمة أكثر بسبب تعمق ظاهرة الإملاق والاستبداد بسيطرة ما هو أسوأ من الاستبداد السياسي ، استبداد ظلامي يتحدث باسم السماء ولا يتردد في اعتبار معارضته خروجا عن الإرادة الإلهية. لا بد من التحديد أن تحرير الارادة هو ما يجعل الانسان كائنا أخلاقيا، لأن حرية الإرادة تعني بالأساس ان الانسان قادر على تحديد تصرفاته بنفسه، وقادر على التمييز بين الخير والشر والأخلاقي واللاأخلاقي وتحمل مسؤوليته عن نشاطه وابداعه بالمفاهيم الأكثر شمولية للمجتمع . اهتمت فلسفة التنوير بموضوع حرية الارادة، اعطت تفسيرات عديدة لا مجال لبحثها هنا ونلاحظ ان مفهوم الإرادة كان ضمن اهتمامات الفلسفة الإغريقية القديمة ايضا. في العالم العربي نتحدث عن اصلاح برامج التعليم التي تفتقر للتحديث ولم تعد تلائم حياتنا المعاصرة وتنشئة جيل قادر على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. يعاني العالم العربي من فجوة علمية آخذة بالاتساع مع عالمنا اليوم، بل والمؤذي أكثر اذا قارنا واقعنا العلمي وواقع الجامعات والأبحاث مع دولة اسرائيل مثلا، التي تعتبر التحدي الأخطر للعالم العربي. يتبين ان اسرائيل توظف (15) مرة في الابحاث أكثر من كل العالم العربي، بنسب أخرى توظف (4.6%)من ناتجها القومي للأبحاث مقابل ارقام لا تتجاوز 0.01% - 0.02% للعالم العربي. جامعاتها في الصدارة وجامعات العالم العربي لا تظهر في ال (500) جامعة الأولى حسب سلم شانغهاي. اسرائيل تطور الفيزياء والعلوم والعالم العربي غارق بالفتاوى من ارضاع الكبير، مضاجعة الوداع ونكاح الجهاد، تتحكم بالعالم العربي أنظمة كاتمة للأنفاس وللأصوات وللنظرات حتى تلك المسماة جمهورية وثورية، فعن اي حداثة، تنوير ونهضة نثرثر وتحكمنا عقليات القرون الوسطى الظلامية؟ مجتمعاتنا العربية تفتقد لأول شروط الحداثة : تحرير ارادة الانسان العربي أولا، نشر الديمقراطية وحق التعددية الثقافية ، الدينية والسياسية . ما يقلق ان الربيع العربي يُخطف من قوى ترفض التنوير وترفض كل المفاهيم الديمقراطية والتعددية الفكرية والثقافية. ان جزء من الحداثة يتعلق ايضا بموضوع المصارحة والمكاشفة وقبول الآخر المختلف، فهل نستطيع ان نكون صريحين ومتقبلين للآخر المختلف في ظل عقلية تنفي الآخر المختلف وتحرض عليه وتحرمه من حقوقه الأساسية، ولا ترى به الا "أهل ذمة" او صليبي ، او ينتمي لطائفة كافرة، حتى لو كان مسلما من طائفة أخرى وبتغييب كامل لكل مفاهيم المواطنة والمشاركة. اؤكد خطأ الظن ان الحداثة هي ظاهرة ادبية فقط . صحيح ان المفاهيم المجازية العامة للحداثة في العالم العربي ، ظهرت في الشعر تحديدا بإبداعات بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وأخرين ، لا اميل لفهم التحديث الأدبي كتأثر بالحداثة الأوروبية، لا انفي ذلك، لكن الأفضل للدقة استعمال تعبير "التحديث" في الشعر وليس "الحداثة"، من منطلق ان الحداثة لها مضامين أعمق وأشمل من الظاهرة الأدبية الإبداعية، تشمل العلوم ، التكنولوجيا ،الاقتصاد والتعليم. وواضح ان النثر يشهد أيضا تحولات حداثية عميقة جدا، لكني بشك قوي من صحة استعمال اصطلاح الحداثة وحصرها بالموضوع الابداعي الروحي. الحداثة بمفهومها الاجتماعي ،السياسي ، المادي ، الحضاري والديني ظلت مستبعدة وغير قادرة على اختراق الحواجز العقائدية المتصلبة للمجتمعات العربية. من هنا ما يطرح من نقاشات حول الحداثة في الادب او " اتهام " ادباء بالحداثة .. فية عدم فهم لجذور الحداثة وشموليتها وفلسفتها. المحافظون المتعنتون يحاربون الحداثة، اي يحاربون التغيرات الاجتماعية والثقافية بالتمسك ( كما يدعون ) بالاصالة والتراث والتقاليد ... السؤال : هل تتناقض الحداثة مع الاًصالة والتراث ؟ اليس التراث واصالته هو نتاج حداثي في عصرة ؟ واضحا هنا ان رفض الحداثة وطرح التراث مكانها هو طرح يعبر عن فكر سياسي واجتماعي ماضوي ظلامي يرفض التنوير ويرفض التغيير. المفكر الراحل محمد عابد الجابري يدعو إلى ضرورة التحرر من "الصواب الموروث" الذي يتلقاه الناس ويتداولونه فيما بينهم بوصفه الحقيقة التي لا تقبل الشك ولا تخضع للحوار. أي لا تخضع للتفكير. لكل عصر مميزاته الاجتماعية والحضارية ، الحضارة لا تتوقف في مكان ما مكتفية بما انجزته ، التوقف يعني التخلف عن الحضارات الاخرى ، "الصواب الموروث" له حصة الأسد في تعويق انطلاقة مجتمعاتنا من جديد وتعميق ظاهرة النقل والتلقين. هناك قاعدة اساسية للحداثة ،هي قدرتها على نقد ذاتها بعد كل مرحلة ، تصويب الخطأ ومواصلة الانطلاقة . الفكر الحداثي لا يطرح نفسة كفكر نهائي ثابت معصوم عن الخطأ، بل كمرحلة مرافقة للتنوير، حررت ارادة الانسان وأطلقت طاقاته الابداعية وليس مجرد صياغات لغوية كما يذهب بعض نقادنا الأفاضل. مشكلتنا هو ثقافة النقل المتأصلة فينا دون التعمق بالمضامين، رفضنا لمصادر الحداثة (حركة التنوير الاوروبية بالاساس) التي استفادت في وقتة من الفكر العربي (ابن رشد وآخرين) وقادت المجتمعات الاوروبية الى نقلة نوعية من التقدم في كل مجالات الحياة، هذا لم يحدث في شرقنا الذي قمع كل صاحب رؤية تنويرية ، لذلك يبدو لي الحديث عن "الحداثة " ضربا من الفتح بالمندل، ربما يصح القول ان بعض الحداثة في الادب تعني "كسر الحواجز التقليدية والخروج من النمطية والتكرار والتقليد". مثقفون طلائعيون عرب روجوا لفكر الحداثة ولفكر التنوير والاصلاح الشامل لكن بين هذا وتحويل الحداثة الى قاعدة للحياة مرحلة طويلة وشاقة، للأسف اوقفت او اسقطت. هل يمكن تحقيق الحداثة بدون حرية اجتماعية وفكرية؟ بدون مساواة وتعددية ثقافية؟ بدون تطوير العلوم والتعليم؟ هل يمكن تحقيق الحداثة بدون دولة مؤسسات ورقابة واستقلال السلطات عن بعضها البعض؟ ما زلنا في الشرق نعيش على ماضينا نجتره ونحوم حوله، كل صراخنا حول تراثنا وحضارتنا هو تمويه للحقيقة وخداع للنفس ، ما زلنا عالقون في "الصواب الموروث".... والصورة تبدو سوداوية , لكن الصورة لم تكن اقل سوداوية في اوروبا القديمة قبل بداية عصر التنوير !!
ظهر مفهوم الحداثة في الحضارة الغربية قبل حوالي قرن من الزمان، مع ذلك نرى ان الغموض والخلافات في فهم الحداثة ما زالت على أشدها في الثقافة الغربية نفسها ، حيث تطرح تعريفات كثيرة مختلفة ومتناقضة وهو أمر طبيعي في حضارة أطلقت العقل من قيوده، حررت الفكر من الكهنوت الديني ومحاكم التفتيش وقمع العلم، اعتمدت المنطق العلمي والبحث طريقا وتخلصت من فكر الخرافات والخوارق.. وأطلقت اهم نهضة في تاريخ البشرية. اذن التعريفات المختلفة للحداثة في الفكر الغربي هي من منطلق التصورات الفكرية المختلفة، من تعدد الأذواق وانفتاح العقل، من نهضة تنويرية احدثت أعظم نقلة في الواقع الاجتماعي والثقافي للإنسان. مع ذلك تعددت التفسيرات وتشعبت وانتقل الفكر الغربي الى "ما بعد الحداثة" – يمكن القول الى تجديد للنهضة - ولم يكن قد اعطى تفسيرا متفق عليه لمفهوم الحداثة. الثقافة العربية نقلت مفهوم الحداثة بشكله وليس بمضمونه، بل والبعض "سبق" المصادر التي انطلقت منها الحداثة وفسر ما لم يفسر بعد في الغرب، طرح مفاهيم جاهزة اعتمدت الاجتهاد اللغوي بالأساس، لدرجة يبدو ان الحداثة نقلها الغرب عن العرب وليس العكس. المطلع على فلسفة التنوير الأوروبية ولو خطفا، يجد ان ما قام به بعض انصار الحداثة العرب هو أشبه بعملية اغتصاب فاشلة لفكر لم يجر تجهيز القاعدة المادية الاجتماعية والفلسفية لاستيعاب مفاهيم التنوير اولا ثم الحداثة قبل ان ندعي، او نضفي على بعض الأعمال الأدبية صفة الحداثة بشكل اعتباطي وكأن الحداثة هي معيار للأدب فقط. أشغل موضوع الحداثة بال المثقفين والمفكرين في العالم العربي ، كما في سائر الثقافات العالمية منذ فترة طويلة، معظمهم مثقفين تأثروا بالتنوير الأوروبي الذي انطلق مع عصر النهضة (الرينيسانس) قطعا ما كان للحداثة ان تنشأ وتنتشر بدونه. كان الاهتمام أكثر بجانب من التنوير يتعلق بالإبداع الأدبي تحديدا، بسبب غياب فرص الحداثة الاجتماعية والسياسية، بالتالي جرى فصل مفهوم الحداثة عشوائيا عن جغرافيتها وبيئتها ومسيرتها الحضارية وما أحدثته الحداثة من انتشار واسع لفلسفة التنوير، يبدو انهم حاولوا استباق العملية التاريخية المفترض ان تبدأ بعصر تنوير عربي، كانت له بدايات لم تكتمل بدأتها مجموعة من التنويريين العرب، لتحرير العقل العربي من قرونه الوسطى، أسوة بما جرى في التنوير (الرينيسانس) في اوروبا. حتى الان لم يظهر تعريف دقيق لهذا المفهوم الذي فرض نفسه على مجتمع شبه قبلي، او قبلي تماما .. تسيطر عليه الماضويه والببغاوية والتلقين بدل التفكير، يبدو الحديث عن الحداثة اشبه بالحلم الذي يلهم الرواد من المثقفين العرب للتخلص من الماضوية التي تعيق انطلاقة المجتمعات العربية نحو آفاق حضارية جديدة ، بل نشهد في الاونة الاخيرة تنامي شهوة السلطة في التيارات الدينية الأصولية واقصاء القوى العلمانية او الدينية العقلانية او المختلفة ثقافيا واثنيا ، هذا ثبت بالتطبيق في الفصل الأول من الربيع العربي.. الملاحظة الصعبة ان ما يشغل العالم العربي ليس العمران انما الحد من التطرف... وهذا يتضح أيضا بما يجري من تطورات سياسية سلبية في ما بات يعرف بالربيع العربي، بحيث نشهد عودة الى العصبية الدينية ، الى القبلية، بغياب نسبي كبير للدوافع الاجتماعية والسياسية التي اطلقت الربيع العربي. الوعي الجماعي غائب عن الصورة. اصوات الفئات المتنورة لا تصل الى عقول نشأت في ظل نفي العقل لحساب النقل والتلقين.. وآمل انها مرحلة قصيرة !! بعض المثقفين العرب اعطوا تفسيرات سطحية ويمكن القول شكلية لمفهوم الحداثة ، بالقول مثلا انها " الاختزال والشفافية "، اي يقرنون مفاهيم الحداثة بشكل أدبي او لغوي لأن فهمهم لم يمتد لمضمون الحداثة الشامل حضاريا، مع جهل جذور الحداثة ونشأتها تاريخيا وفكريا، ان تناقض التفسيرات في موطن الحداثة نفسها جعلهم يتخبطون في متاهات فكرية غير متناسقة بسبب فقدانهم لرؤية فلسفية تشكل قاعدة لطروحاتهم ووعيهم.. الأساس الذي يمكن الانطلاق الواسع منه انها ( الحداثة) عنصر من عناصر التنوير العام للمجتمع والثقافة والعلوم والاقتصاد ونوعية السلطة. هذا التعريف وغيره من التعريفات المشابهه في مضامينها، لا تاخذ في اعتبارها جوهر الحداثة من مصادرها الجغرافية والتاريخية والفكرية. ان الحداثة في الادب والفكر والحياة ، لم تكن وليدة ظاهرة شكلية ، انما نتيجة عملية تغيرات وتطورات شملت العلوم، الثقافة، الاقتصاد والمجتمع البشري نفسه، بحيث احدثت نقلة نوعية غيرت كل افكار ومفاهيم القرون الوسطى البالية وطرحت مكانها افكارا وموازين تعتمد على العقل والمنطق والعلم والمعرفة لذا ليس بالصدفة ظهور فلسفة التنوير الأوروبية بفلاسفتها العظام فولتير، كانط ، سبينوزا، لوك، ديكارت، نيتشه، سبينوزا وسميت وغيرهم كمحرك عاصف للتغيير اعادوا بناء الوعي الاجتماعي والعلمي والديني والثقافي واعتماد منطق التغيير والرقي بدل منطق الارتداد الماضوي وانتظار الفرج من السماء بوهم انه طريق الخلاص . لا يمكن تناول الحداثة بمنظار قديم وبمواقف تجتر الماضي ، لا يمكن " اتهام " مقطوعة ادبية بالحداثة لانها مكتوبة بلغة لا شي واضح فيها الا حروف الابجدية وجعل الحداثة محصورة في الادب فقط ... هذا جهل فاضح . الذي يحدث هو خلط مضحك بين المفاهيم والاصطلاحات التي لم تنشأ اصلا في الفكر العربي ، بالتالي ظاهرة الحداثة لم تخترق بقوة محركاتها المجتمعات العربية التي ظلت على جهل مريع بمفاهيم الحداثة التي تقودنا جذورها التاريخية الى عصر التنوير الاوروبي، الذي بدأ قبل 300 - 400 سنة بينما مفهوم الحداثة واصطلاح الحداثة نفسه ظهر في المائة سنة الأخيرة فقط. مثلا لماذا لا نقول ان الحداثة هي حرية الإرادة؟ الم تكن حرية الارادة منقوصة تحت سلطة الكهنوت الديني في اوروبا حين كان المجتمع الأوروبي يعاني من التخلف والاستبداد السياسي والديني؟ بالتالي لم يكن الانسان يتصرف بناء على ارادته الحرة.. وهي حالة لم تغب من مجتمعاتنا العربية اليوم ، انما تزداد عمقا خاصة بسقوط الربيع العربي بأيدي كانت هي نفسها حليفا ومنتجا للواقع الفاسد الذي جعل الجماهير تخرج غاضبة تطالب بإسقاط الأنظمة التي أملقتها حتى النخاع. رؤيتي متشائمة أكثر بسبب تعمق ظاهرة الإملاق والاستبداد بسيطرة ما هو أسوأ من الاستبداد السياسي ، استبداد ظلامي يتحدث باسم السماء ولا يتردد في اعتبار معارضته خروجا عن الإرادة الإلهية. لا بد من التحديد أن تحرير الارادة هو ما يجعل الانسان كائنا أخلاقيا، لأن حرية الإرادة تعني بالأساس ان الانسان قادر على تحديد تصرفاته بنفسه، وقادر على التمييز بين الخير والشر والأخلاقي واللاأخلاقي وتحمل مسؤوليته عن نشاطه وابداعه بالمفاهيم الأكثر شمولية للمجتمع . اهتمت فلسفة التنوير بموضوع حرية الارادة، اعطت تفسيرات عديدة لا مجال لبحثها هنا ونلاحظ ان مفهوم الإرادة كان ضمن اهتمامات الفلسفة الإغريقية القديمة ايضا. في العالم العربي نتحدث عن اصلاح برامج التعليم التي تفتقر للتحديث ولم تعد تلائم حياتنا المعاصرة وتنشئة جيل قادر على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. يعاني العالم العربي من فجوة علمية آخذة بالاتساع مع عالمنا اليوم، بل والمؤذي أكثر اذا قارنا واقعنا العلمي وواقع الجامعات والأبحاث مع دولة اسرائيل مثلا، التي تعتبر التحدي الأخطر للعالم العربي. يتبين ان اسرائيل توظف (15) مرة في الابحاث أكثر من كل العالم العربي، بنسب أخرى توظف (4.6%)من ناتجها القومي للأبحاث مقابل ارقام لا تتجاوز 0.01% - 0.02% للعالم العربي. جامعاتها في الصدارة وجامعات العالم العربي لا تظهر في ال (500) جامعة الأولى حسب سلم شانغهاي. اسرائيل تطور الفيزياء والعلوم والعالم العربي غارق بالفتاوى من ارضاع الكبير، مضاجعة الوداع ونكاح الجهاد، تتحكم بالعالم العربي أنظمة كاتمة للأنفاس وللأصوات وللنظرات حتى تلك المسماة جمهورية وثورية، فعن اي حداثة، تنوير ونهضة نثرثر وتحكمنا عقليات القرون الوسطى الظلامية؟ مجتمعاتنا العربية تفتقد لأول شروط الحداثة : تحرير ارادة الانسان العربي أولا، نشر الديمقراطية وحق التعددية الثقافية ، الدينية والسياسية . ما يقلق ان الربيع العربي يُخطف من قوى ترفض التنوير وترفض كل المفاهيم الديمقراطية والتعددية الفكرية والثقافية. ان جزء من الحداثة يتعلق ايضا بموضوع المصارحة والمكاشفة وقبول الآخر المختلف، فهل نستطيع ان نكون صريحين ومتقبلين للآخر المختلف في ظل عقلية تنفي الآخر المختلف وتحرض عليه وتحرمه من حقوقه الأساسية، ولا ترى به الا "أهل ذمة" او صليبي ، او ينتمي لطائفة كافرة، حتى لو كان مسلما من طائفة أخرى وبتغييب كامل لكل مفاهيم المواطنة والمشاركة. اؤكد خطأ الظن ان الحداثة هي ظاهرة ادبية فقط . صحيح ان المفاهيم المجازية العامة للحداثة في العالم العربي ، ظهرت في الشعر تحديدا بإبداعات بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وأخرين ، لا اميل لفهم التحديث الأدبي كتأثر بالحداثة الأوروبية، لا انفي ذلك، لكن الأفضل للدقة استعمال تعبير "التحديث" في الشعر وليس "الحداثة"، من منطلق ان الحداثة لها مضامين أعمق وأشمل من الظاهرة الأدبية الإبداعية، تشمل العلوم ، التكنولوجيا ،الاقتصاد والتعليم. وواضح ان النثر يشهد أيضا تحولات حداثية عميقة جدا، لكني بشك قوي من صحة استعمال اصطلاح الحداثة وحصرها بالموضوع الابداعي الروحي. الحداثة بمفهومها الاجتماعي ،السياسي ، المادي ، الحضاري والديني ظلت مستبعدة وغير قادرة على اختراق الحواجز العقائدية المتصلبة للمجتمعات العربية. من هنا ما يطرح من نقاشات حول الحداثة في الادب او " اتهام " ادباء بالحداثة .. فية عدم فهم لجذور الحداثة وشموليتها وفلسفتها. المحافظون المتعنتون يحاربون الحداثة، اي يحاربون التغيرات الاجتماعية والثقافية بالتمسك ( كما يدعون ) بالاصالة والتراث والتقاليد ... السؤال : هل تتناقض الحداثة مع الاًصالة والتراث ؟ اليس التراث واصالته هو نتاج حداثي في عصرة ؟ واضحا هنا ان رفض الحداثة وطرح التراث مكانها هو طرح يعبر عن فكر سياسي واجتماعي ماضوي ظلامي يرفض التنوير ويرفض التغيير. المفكر الراحل محمد عابد الجابري يدعو إلى ضرورة التحرر من "الصواب الموروث" الذي يتلقاه الناس ويتداولونه فيما بينهم بوصفه الحقيقة التي لا تقبل الشك ولا تخضع للحوار. أي لا تخضع للتفكير. لكل عصر مميزاته الاجتماعية والحضارية ، الحضارة لا تتوقف في مكان ما مكتفية بما انجزته ، التوقف يعني التخلف عن الحضارات الاخرى ، "الصواب الموروث" له حصة الأسد في تعويق انطلاقة مجتمعاتنا من جديد وتعميق ظاهرة النقل والتلقين. هناك قاعدة اساسية للحداثة ،هي قدرتها على نقد ذاتها بعد كل مرحلة ، تصويب الخطأ ومواصلة الانطلاقة . الفكر الحداثي لا يطرح نفسة كفكر نهائي ثابت معصوم عن الخطأ، بل كمرحلة مرافقة للتنوير، حررت ارادة الانسان وأطلقت طاقاته الابداعية وليس مجرد صياغات لغوية كما يذهب بعض نقادنا الأفاضل. مشكلتنا هو ثقافة النقل المتأصلة فينا دون التعمق بالمضامين، رفضنا لمصادر الحداثة (حركة التنوير الاوروبية بالاساس) التي استفادت في وقتة من الفكر العربي (ابن رشد وآخرين) وقادت المجتمعات الاوروبية الى نقلة نوعية من التقدم في كل مجالات الحياة، هذا لم يحدث في شرقنا الذي قمع كل صاحب رؤية تنويرية ، لذلك يبدو لي الحديث عن "الحداثة " ضربا من الفتح بالمندل، ربما يصح القول ان بعض الحداثة في الادب تعني "كسر الحواجز التقليدية والخروج من النمطية والتكرار والتقليد". مثقفون طلائعيون عرب روجوا لفكر الحداثة ولفكر التنوير والاصلاح الشامل لكن بين هذا وتحويل الحداثة الى قاعدة للحياة مرحلة طويلة وشاقة، للأسف اوقفت او اسقطت. هل يمكن تحقيق الحداثة بدون حرية اجتماعية وفكرية؟ بدون مساواة وتعددية ثقافية؟ بدون تطوير العلوم والتعليم؟ هل يمكن تحقيق الحداثة بدون دولة مؤسسات ورقابة واستقلال السلطات عن بعضها البعض؟ ما زلنا في الشرق نعيش على ماضينا نجتره ونحوم حوله، كل صراخنا حول تراثنا وحضارتنا هو تمويه للحقيقة وخداع للنفس ، ما زلنا عالقون في "الصواب الموروث".... والصورة تبدو سوداوية , لكن الصورة لم تكن اقل سوداوية في اوروبا القديمة قبل بداية عصر التنوير !!
12.05.2013
رواية \\\"الركض\\\" للفرنسي جان أشنوز تدفع القارئ للركض وراء التفاصيل بدهشة وانبهار
"الركض" (او "لنركض")– رواية الكاتب الفرنسي جان أشنوز تأسر القارئ بأجوائها واسلوبها وسردها الخفيف الممتع، وحقائق الواقع في أنظمة دول المجموعة الاشتراكية، او الديمقراطيات الاشتراكية، كما تجلى ذلك في تشيكوسلوفاكيا، حيث تدور احداث الرواية، وبطلها التشيكي "اميل زيتوفق" احد ابطال الجري (الركض) في العالم، بل البطل الذي لم يولد منافس له والحائز على العديد من الميداليات الذهبية في كل السباقات الطويلة... وصار اسطورة رياضية في حياته. ليس صدفة هذا الدمج بين بطل يركض كل الوقت، وواقع يغرق في متاهات غيبية. حتى القارئ تصيبه حمى الركض مع اميل، فيسرع في قراءة صفحات الرواية صفحة وراء أخرى، مشدوها بالأحداث التي يسردها الكاتب، وقدرته على الدمج بين ما يبدو سيرة ذاتية لبطل عالمي هو الأسرع على الإطلاق الذي عرفته مباريات الركض الدولية، وبين واقع اجتماعي وسياسي لا يحترم حقوق الانسان، ويزداد خمولا وتعثرا وتراجعا في كل الحقوق الأولية لمواطن في مجتمع حديث، تحت غطاء أنظمة تدعي الثورية والاشتراكية والحرية وفرضت على مواطنيها سياسة قمعية وإرهاب اجتماعي وعمليات تطهير للحزب والدولة بحجج تعيد للذاكرة محاكم التفتيش من القرون الوسطى. مجتمع يمارس قيود ورقابة على حرية الرأي والتعددية السياسية والفكرية. نظام يعاقب المواطنين اذا عبروا عن مشاعر الألم والفاقة. كله يجري تحت ستار فكر ماركسي لا شيء من الماركسية فيه، ولا يخجل أكثر الأنظمة ديكتاتورية وقمعا في العالم. الرواية لا تسير على النمط التقليدي، وانا ككاتب قصصي وروائي وصاحب رأي نقدي، له اطلاع واسع على النصوص الروائية العربية والأجنبية، فاجأني النص بتركيبته غير العادية، لا عقدة يمكن تعريفها في النص. هي سيرة حياة بطل رياضي، وبنفس الوقت قصة من واقع نظام مارس صنوف القمع والرقابة على التفكير. يبدو لي ان صيغة الركض جاءت تعبيرا عن الاندفاع الإنساني المتواصل الى خارج الواقع الذي لا بشارة فيه، ولا أمل فيه، ولا حقوق انسانية فيه، ولا حق للتفكير فيه، بل تكرير ما يقوله قادة أشباه آلهة، حسب مسطرة الأحزاب الشيوعية الدائرة في فلك الاتحاد السوفييتي في مرحلة ستالين وما بعد ستالين. أنظمة لم ترث من مفاهيم الاشتراكية والديمقراطية والحرية وحقوق الانسان ومن عبقرية ماركس وفلسفته، إلا قمع الشعب وتدجينه وتحويل المواطنين إلى أرقام بلا هوية شخصية بلا رأي شخصي، بلا أحلام شخصية، نسخة واحدة طبق الأصل لتفكير القادة اشباه الآلهة للحزب والدولة الاشتراكية. مهمة المواطنين المصادقة على اقوال الزعيم العبقرية حتى لو كانت الغباء متجسما بأبشع صوره وأكثره تفاهة. اقول ذلك كانسان بدأ حياته شيوعيا، ودرس الفلسفة الماركسية في أهم معهد سوفييتي لتأهيل قادة شيوعيين. وكنت طالبا متميزا ما دمت أكرر ما نلقن به من تفسيرات، وعندما بدأت أفكر بطريقة مستقلة، وهو ما تؤهلنا له دراسة الفلسفة، وخاصة الفلسفة الماركسية، بدأت مرحلة التعامل معي كشيوعي متمرّد، وبدأ ابتعادي التدريجي عن التنظيم ومؤسساته.وليس عن الفكر وجذوره الانسانية. أعترف ان هذا الجانب في الرواية شدني من أعماقي للسرد المدهش للكاتب، وهو يكشف بطريقة ذكية وسريعة وساخرة أساليب التعامل في دول النظام الاشتراكي مع بطل اكسبهم مكانة هامة في الساحة الرياضية العالمية. مقدمة الرواية تدفع القارئ الى حالة من الدهشة، مع دخول الألمان النازيين الى تشيكوسلوفاكيا. "دخلوا وجلسوا"، لم تكن حربا ولا مقاومة، هكذا جرى احتلال موطن إميل الشاب ابن السابعة عشر الذي اضطر قبل الاحتلال إلى ترك دراسته والعمل في مصنع لمساعدة أهله. ورد فعله على الاحتلال كان ابتسامته التي تظهر أسنانه الكبيرة. لا يمكن معالجة السرد هنا بالأسلوب الكلاسيكي. لا فكرة قصصية، لا عقدة في المفهوم الكلاسيكي للنص الروائي، لا بداية ونهاية تقليدية، بل حياة إنسان غير عادي في ظل واقع مليء بالانقلابات السياسية والعسكرية في اوروبا عشية الحرب وما بعد الحرب المنهكة والمدمرة. رواية تسرد بسرعة ركض اميل، التحولات التاريخية بعد الحرب، في دولة اسمها تشيكوسلوفاكيا، ولكنها نموذج لمجموعة دول شكلت ما يعرف بالديمقراطيات الشعبية، وافتقدت للديمقراطية وللعدالة الاجتماعية ولحرية المواطن، ولحق اختيار نظامه. الرواية تخلط بفنية فائقة بين السيرة الذاتية، وبين واقع تشيكوسلوفاكيا بدءا من احتلال النازيين وصولا الى تحريرها بدخول الجيش الأحمر، وتحولها الى نظام شيوعي تابع للإتحاد السوفييتي ورقابته. وصولا الى "ربيع تشيكوسلوفاكيا" في فترة الكسندر دوبتشك، الذي أغضب السوفييت فقاموا مع "حلفائهم" من الدول الاشتراكية، بعملية غزو واحتلال تشيكوسلوفاكيا من جديد لإسقاط نظام دوبتشيك المتحرر أكثر مما يسمح به الأخ الكبير في موسكو. اميل كان لا يتوقف عن الركض. في كل الظروف وفي كل الحالات ظل يركض، ليس من أجل الميداليات فقط وليس من أجل الألقاب، انما أيضا من أجل هنائه الشخصي. وهو الذي بدأ حياته عاملا في مصنع لا يحب الرياضة، بل ويعتقد انها استهلاك لا مبرر له للأحذية. وشارك باول سباق ركض رغما عن انفه، وكان في الطليعة، ثم شارك بأمر الاحتلال النازي بسباق آخر، وكان الأول بين الراكضين.. وبعدها لم يستطع ان يتوقف عن الركض.. صار يركض بالمباريات ويفوز ويركض يوميا لهنائه الشخصي... نحن نقرأ وهو يركض، نحن نصطدم بالعقليات السائدة في وطنه وهو يركض، نحن نعيش واقع احتلال وطنه وهو يركض، نعيش تحرير وطنه من النازيين وهو يركض، نعيش تحويلها الى ديمقراطية شعبية ثم اشتراكية ديمقراطية، ولا شيء من الديمقراطية الفعلية وهو يركض. النص يركض بسهولة تشبه سرعة ركض أميل، الأحداث تركض لتلحق بسرعة اميل، اسرع راكض عرفه عالم الرياضة. اميل،الذي رقي بفضل منجزاته الرياضية الى كولونيل في الجيش، أيد ربيع براغ، ورفضه الاحتلال السوفييتي لوطنه، وعوقب بقسوة. لا اعتقد ان الكاتب في هذا النص الروائي، يلتزم بسيرة ذاتية فقط، بل يحول السيرة الذاتية الى شاشة يعرض عليها احداث تاريخية واجتماعية وفكرية وحزبية، بسرعة ركض اميل، وأعتقد ان الكاتب وجد بسرعة اميل كل المقومات لصياغة الخلفية التاريخية دون ان يقع باشكاليات الكتابة التقريرية والسياسية المباشرة، انما بلمحات ذكية تقول اكثر من تقارير تملأ مئات الصفحات عن العقليات التي سادت النظام الاشتراكي وعلى رأسه نظام الأخ الكبير الاتحاد السوفييتي. من هنا رؤيتي ان النص يحمل روايتين في رواية واحدة. حكاية دولة عبر سرد سيرة بطل رياضي هو الأسرع في مجاله في العالم. لعل الكاتب بذلك يطرح رؤية أكثر شمولية تحملها الرواية بين سطورها، بأن اميل هو التعبير في ركضه الدائم،عن الوصول الى التحرر الذي حقا وصلته تشيكوسلوفاكيا أخيرا، بعد سقوط الأخ الكبير في موسكو أيضا. وهو ما يشعرنا بالأسى والغضب على الذين دمروا تجربة انسانية عظيمة كان مقيضا لها ان تبني صرحا انسانيا عادلا هو حلم الانسان منذ فجر الحياة. الكتاب مليء بلوحات كاريكاتورية عن واقع العالم الاشتراكي، يوردها الكاتب بتلقائية جميلة لا تخدش النص، ولا تبعد القارئ عن متابعة ركض اميل الذي لا يتوقف ويواصل حصد الجوائز في كل سباق يشترك به. هكذا مثلا نقرأ في النص عن ادعاءات رياضيين بأن لأميل رئات ذات قدرات أكثر من العادية في تخزين الأكسجين وان له قلب أكثر سماكة وقطره أكبر ونبضه أبطأ.ولكن:" لجنة طبية خاصة اجتمعت في براغ من أجل فحص الموضوع، وأسقطت كل الادعاءات وقررت انها باطلة، وان اميل هو رجل عادي في كل شيء، وانه ببساطة شيوعي جيد، وهذا كل شيء". هناك قول لستالين بأن "الشيوعيين جبلوا من طينة خاصة".. كررناها بغباء حتى الملل. نعم. ليس صعبا في ايامنا ان نعرف الذين جبلوا من هذه الطينة!! بعد كل فوز لإميل ببطولة عالمية في الركض يكافأ بترقية في المناصب العسكرية، ولكن بصفته أصبح ضابطا برتبة عالية، تبدأ المشاكل. اصحاب الرتب العسكرية العالية يجتمعون لحلها، ويقررون بأن:"اميل هو إنسان مميز، وأنه نتاج الاشتراكية الحقة، يجب الحفاظ عليه وعدم إرساله كثيرا للخارج حتى لا يتآكل. وسيكون من الخسارة اذا ما قرر في احد مشاويره ان ينتقل، مثل ما فعل آخرين، للجهة الأخرى، لجهة الوسخ الامبريالي والركض وراء الثروة" حسب تعبير الرواية.. وعليه عندما دعي للمشاركة في سباق 5000 متر في لوس انجلوس دعي لإجراء حديث معه. "ايها الرفيق"، قالوا له، "اللجنة العسكرية قررت الآن انك لا تستطيع ان تشترك بأي مباراة، دون ان تحصل على اذن مسبق. حسنا قال اميل، هذا لا يغير من الوضع كثيرا. حتى اليوم دائما حصلت على اذن. اه، هذا هو بالضبط ايها الرفيق، يرد عليه اصحاب الصلاحيات، من الآن لا توجد اذون. انتهت الجلسة". واصدرت اللجنة كتابا أعلنت فيه عن: "اتخاذ قرار بعدم الاذن لاميل بالمشاركة في سباق لوس انجلوس"، وتبرره بادعاء: "ان الدعوات الكثيرة جدا لمناسبات تفتقد للأهمية، تبعد أميل من واجباته العسكرية وتحسين نتائجه الرياضية". الرواية تصف الخوف السائد في المجتمع التشيكي، لدرجة تحول الناس الى غرباء عن بعضهم البعض. حتى غرباء عن افراد عائلاتهم، ورعبهم من الاستماع لراديو أجنبي، بسبب العقوبات الكبيرة. مما رسخ في وعي المواطنين الصمت والتعايش مع هذا الواقع، والمشاركة في مظاهرات تمجيد السلطة وعبادة شخص قائد الحزب (وقتها) جوتفولد. وخيار آخر الانضمام للحزب الذي ازداد عدد اعضائه خلال عدة أشهر بأكثر من مليون عضو جديد.. وأيضا أميل كان منهم. هذه ملامح سريعة اخترتها بالصدفة، والكتاب مليء بمثلها، عن واقع الصحافة مثلا التي تزور اقوال اميل ايضا وتسبب له مشاكل مع دول اجنبية. حتى الحصول على اذن من صحفي أجنبي لمقابلة بطل رياضي عالمي هو الأسرع مثل اميل، يمر بتفاصيل مضحكة في دوائر السلطة التشيكية، من تعبئة طلبات عديدة والانتقال من مكتب الى مكتب، وأخيرا بعد الوصول الى اميل يجده "نائما" ولا تجري المقابلة، عمليا ممنوع اجراء اللقاء. وهناك مساعدة بيتية في بيت اميل، هي في الواقع عميلة للمخابرات التشيكية.. تبلغ المخابرات بكل ما يجري. الى جانب ان مشاركاته في المباريات خارج وطنه تجري بمشاركة حراس لا يفارقون اميل. اميل يعاقب لتأييده ربيع براغ. يطرد من الجيش ويرسل لعمل صعب في مناجم اليورانيوم. الى هناك يرسل من يعاقب بالخروج عن فكر الحزب ومن يجري تطهير الحزب والدولة منهم اذا لم يعلقوا على المشانق. مناجم اليورانيوم هي منطقة ملوثة بذرات وغبار اليورانيوم. ثم ينقل اميل للعمل كزبال في براغ. شهرته بين المواطنين كبيرة، كانوا يحيونه ولا يدعونه يحمل نفاياتهم بل يوصولونها بانفسهم لسيارات جمع النفايات مما أقلق السلطة فأرسلته الى بلدة صغيرة اولا، ثم الى عمل في الحفريات، وتنتهي الرواية بشكل ساخر جدا ومأساوي جدا، بدعوة اميل الى التوقيع على اعترافات ب "أخطائه في الماضي" عندما أيد القوى المعارضة للثورة والاصلاحيين البرجوازيين (أي ربيع براغ) وانه: "أخطأ بتأييده لهذا الوسخ الرجعي، وانه راض تماما عن الوضع العام الراهن. وراض عن حياته الشخصية. وانه يصادق بانه رغم الدعايات لم يعمل في حياته كجامع نفايات ولم يسق حفاره، وانه أبدا لم يطارد، وحتى لم يفصل من الجيش، وانه لا يحتاج اموال التقاعد التي يستحقها ككولونيل في الاحتياط. وعمليا يتلقى اجرة تكفيه وتزيد في اعمال الحفريات. وان هذه الوظيفة فتحت له عالم جديد ومثير". ووقع على الوثيقة. هل يملك حق الرفض؟ ثم وقع على انتقاد ذاتي لنفسه كما اراد رجال النظام الإشتراكي الديمقراطي. لا مفر له اذا اراد الهدوء والتخلص من العقوبات والاذلال. وبعد فترة يسامحونه، ويوظف في براغ في مركز المعلومات الرياضية. "حسنا" قال اميل الطيب "عامل ارشيف، كما يبدو لا استحق اكثر من ذلك". هكذا تنتهي هذه الدراما الشخصية والفكرية المثيرة، تاركة في الصدر الما على مصير الانسان في نظام من المفترض انه جاء لرفع قيمة الانسان وتطوير معرفته، واطلاق وعيه وابداعه في جميع مرافق الحياة. اشنوز جعل للنص وظيفة تعبيرية اوسع وأشمل من سيرة ذاتية لبطل غير عادي، ويخلق عبر سرد بسيط نبضا سريعا لسرده مثل ركض اميل. أشنوز يخلق دهشة روائية غير عادية عبر كل صفحات الكتاب رغم الأسلوب غير التقليدي للنص، الذي يقدم نمطا روائيا جديدا. ويبدوا ن اشنوز يرى بمعاناة الركض الجانب الثاني لمعاناة الانسان في مجتمع لا يحترم الانسان حتى لو كان بطلا يجلب الفخر لدولته. الركض هو محاولة للخروج من مساحة محددة بالزمان والمكان. لم اجد سيرة ذاتية حسب المفاهيم التي نعرفها عن السير الذاتية. بل وجدت حياة كاملة تحيط بانسان طيب مبتسم دائما،في واقع بالغ العنف والقيود والقمع، لعل ركضه هو التعبير عن التفاؤل بالوصول الى الهدف الأسمى لحياة الانسان.. nabiloudeh@gmail.com ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الركض ( لنركض) – رواية للكاتب الفرنسي جان أشنوز ( 175 صفحة) النسخة العبرية ترجمة: شيرا حيفر اصدار سيمطأوت (شتاء 2012 )
"الركض" (او "لنركض")– رواية الكاتب الفرنسي جان أشنوز تأسر القارئ بأجوائها واسلوبها وسردها الخفيف الممتع، وحقائق الواقع في أنظمة دول المجموعة الاشتراكية، او الديمقراطيات الاشتراكية، كما تجلى ذلك في تشيكوسلوفاكيا، حيث تدور احداث الرواية، وبطلها التشيكي "اميل زيتوفق" احد ابطال الجري (الركض) في العالم، بل البطل الذي لم يولد منافس له والحائز على العديد من الميداليات الذهبية في كل السباقات الطويلة... وصار اسطورة رياضية في حياته. ليس صدفة هذا الدمج بين بطل يركض كل الوقت، وواقع يغرق في متاهات غيبية. حتى القارئ تصيبه حمى الركض مع اميل، فيسرع في قراءة صفحات الرواية صفحة وراء أخرى، مشدوها بالأحداث التي يسردها الكاتب، وقدرته على الدمج بين ما يبدو سيرة ذاتية لبطل عالمي هو الأسرع على الإطلاق الذي عرفته مباريات الركض الدولية، وبين واقع اجتماعي وسياسي لا يحترم حقوق الانسان، ويزداد خمولا وتعثرا وتراجعا في كل الحقوق الأولية لمواطن في مجتمع حديث، تحت غطاء أنظمة تدعي الثورية والاشتراكية والحرية وفرضت على مواطنيها سياسة قمعية وإرهاب اجتماعي وعمليات تطهير للحزب والدولة بحجج تعيد للذاكرة محاكم التفتيش من القرون الوسطى. مجتمع يمارس قيود ورقابة على حرية الرأي والتعددية السياسية والفكرية. نظام يعاقب المواطنين اذا عبروا عن مشاعر الألم والفاقة. كله يجري تحت ستار فكر ماركسي لا شيء من الماركسية فيه، ولا يخجل أكثر الأنظمة ديكتاتورية وقمعا في العالم. الرواية لا تسير على النمط التقليدي، وانا ككاتب قصصي وروائي وصاحب رأي نقدي، له اطلاع واسع على النصوص الروائية العربية والأجنبية، فاجأني النص بتركيبته غير العادية، لا عقدة يمكن تعريفها في النص. هي سيرة حياة بطل رياضي، وبنفس الوقت قصة من واقع نظام مارس صنوف القمع والرقابة على التفكير. يبدو لي ان صيغة الركض جاءت تعبيرا عن الاندفاع الإنساني المتواصل الى خارج الواقع الذي لا بشارة فيه، ولا أمل فيه، ولا حقوق انسانية فيه، ولا حق للتفكير فيه، بل تكرير ما يقوله قادة أشباه آلهة، حسب مسطرة الأحزاب الشيوعية الدائرة في فلك الاتحاد السوفييتي في مرحلة ستالين وما بعد ستالين. أنظمة لم ترث من مفاهيم الاشتراكية والديمقراطية والحرية وحقوق الانسان ومن عبقرية ماركس وفلسفته، إلا قمع الشعب وتدجينه وتحويل المواطنين إلى أرقام بلا هوية شخصية بلا رأي شخصي، بلا أحلام شخصية، نسخة واحدة طبق الأصل لتفكير القادة اشباه الآلهة للحزب والدولة الاشتراكية. مهمة المواطنين المصادقة على اقوال الزعيم العبقرية حتى لو كانت الغباء متجسما بأبشع صوره وأكثره تفاهة. اقول ذلك كانسان بدأ حياته شيوعيا، ودرس الفلسفة الماركسية في أهم معهد سوفييتي لتأهيل قادة شيوعيين. وكنت طالبا متميزا ما دمت أكرر ما نلقن به من تفسيرات، وعندما بدأت أفكر بطريقة مستقلة، وهو ما تؤهلنا له دراسة الفلسفة، وخاصة الفلسفة الماركسية، بدأت مرحلة التعامل معي كشيوعي متمرّد، وبدأ ابتعادي التدريجي عن التنظيم ومؤسساته.وليس عن الفكر وجذوره الانسانية. أعترف ان هذا الجانب في الرواية شدني من أعماقي للسرد المدهش للكاتب، وهو يكشف بطريقة ذكية وسريعة وساخرة أساليب التعامل في دول النظام الاشتراكي مع بطل اكسبهم مكانة هامة في الساحة الرياضية العالمية. مقدمة الرواية تدفع القارئ الى حالة من الدهشة، مع دخول الألمان النازيين الى تشيكوسلوفاكيا. "دخلوا وجلسوا"، لم تكن حربا ولا مقاومة، هكذا جرى احتلال موطن إميل الشاب ابن السابعة عشر الذي اضطر قبل الاحتلال إلى ترك دراسته والعمل في مصنع لمساعدة أهله. ورد فعله على الاحتلال كان ابتسامته التي تظهر أسنانه الكبيرة. لا يمكن معالجة السرد هنا بالأسلوب الكلاسيكي. لا فكرة قصصية، لا عقدة في المفهوم الكلاسيكي للنص الروائي، لا بداية ونهاية تقليدية، بل حياة إنسان غير عادي في ظل واقع مليء بالانقلابات السياسية والعسكرية في اوروبا عشية الحرب وما بعد الحرب المنهكة والمدمرة. رواية تسرد بسرعة ركض اميل، التحولات التاريخية بعد الحرب، في دولة اسمها تشيكوسلوفاكيا، ولكنها نموذج لمجموعة دول شكلت ما يعرف بالديمقراطيات الشعبية، وافتقدت للديمقراطية وللعدالة الاجتماعية ولحرية المواطن، ولحق اختيار نظامه. الرواية تخلط بفنية فائقة بين السيرة الذاتية، وبين واقع تشيكوسلوفاكيا بدءا من احتلال النازيين وصولا الى تحريرها بدخول الجيش الأحمر، وتحولها الى نظام شيوعي تابع للإتحاد السوفييتي ورقابته. وصولا الى "ربيع تشيكوسلوفاكيا" في فترة الكسندر دوبتشك، الذي أغضب السوفييت فقاموا مع "حلفائهم" من الدول الاشتراكية، بعملية غزو واحتلال تشيكوسلوفاكيا من جديد لإسقاط نظام دوبتشيك المتحرر أكثر مما يسمح به الأخ الكبير في موسكو. اميل كان لا يتوقف عن الركض. في كل الظروف وفي كل الحالات ظل يركض، ليس من أجل الميداليات فقط وليس من أجل الألقاب، انما أيضا من أجل هنائه الشخصي. وهو الذي بدأ حياته عاملا في مصنع لا يحب الرياضة، بل ويعتقد انها استهلاك لا مبرر له للأحذية. وشارك باول سباق ركض رغما عن انفه، وكان في الطليعة، ثم شارك بأمر الاحتلال النازي بسباق آخر، وكان الأول بين الراكضين.. وبعدها لم يستطع ان يتوقف عن الركض.. صار يركض بالمباريات ويفوز ويركض يوميا لهنائه الشخصي... نحن نقرأ وهو يركض، نحن نصطدم بالعقليات السائدة في وطنه وهو يركض، نحن نعيش واقع احتلال وطنه وهو يركض، نعيش تحرير وطنه من النازيين وهو يركض، نعيش تحويلها الى ديمقراطية شعبية ثم اشتراكية ديمقراطية، ولا شيء من الديمقراطية الفعلية وهو يركض. النص يركض بسهولة تشبه سرعة ركض أميل، الأحداث تركض لتلحق بسرعة اميل، اسرع راكض عرفه عالم الرياضة. اميل،الذي رقي بفضل منجزاته الرياضية الى كولونيل في الجيش، أيد ربيع براغ، ورفضه الاحتلال السوفييتي لوطنه، وعوقب بقسوة. لا اعتقد ان الكاتب في هذا النص الروائي، يلتزم بسيرة ذاتية فقط، بل يحول السيرة الذاتية الى شاشة يعرض عليها احداث تاريخية واجتماعية وفكرية وحزبية، بسرعة ركض اميل، وأعتقد ان الكاتب وجد بسرعة اميل كل المقومات لصياغة الخلفية التاريخية دون ان يقع باشكاليات الكتابة التقريرية والسياسية المباشرة، انما بلمحات ذكية تقول اكثر من تقارير تملأ مئات الصفحات عن العقليات التي سادت النظام الاشتراكي وعلى رأسه نظام الأخ الكبير الاتحاد السوفييتي. من هنا رؤيتي ان النص يحمل روايتين في رواية واحدة. حكاية دولة عبر سرد سيرة بطل رياضي هو الأسرع في مجاله في العالم. لعل الكاتب بذلك يطرح رؤية أكثر شمولية تحملها الرواية بين سطورها، بأن اميل هو التعبير في ركضه الدائم،عن الوصول الى التحرر الذي حقا وصلته تشيكوسلوفاكيا أخيرا، بعد سقوط الأخ الكبير في موسكو أيضا. وهو ما يشعرنا بالأسى والغضب على الذين دمروا تجربة انسانية عظيمة كان مقيضا لها ان تبني صرحا انسانيا عادلا هو حلم الانسان منذ فجر الحياة. الكتاب مليء بلوحات كاريكاتورية عن واقع العالم الاشتراكي، يوردها الكاتب بتلقائية جميلة لا تخدش النص، ولا تبعد القارئ عن متابعة ركض اميل الذي لا يتوقف ويواصل حصد الجوائز في كل سباق يشترك به. هكذا مثلا نقرأ في النص عن ادعاءات رياضيين بأن لأميل رئات ذات قدرات أكثر من العادية في تخزين الأكسجين وان له قلب أكثر سماكة وقطره أكبر ونبضه أبطأ.ولكن:" لجنة طبية خاصة اجتمعت في براغ من أجل فحص الموضوع، وأسقطت كل الادعاءات وقررت انها باطلة، وان اميل هو رجل عادي في كل شيء، وانه ببساطة شيوعي جيد، وهذا كل شيء". هناك قول لستالين بأن "الشيوعيين جبلوا من طينة خاصة".. كررناها بغباء حتى الملل. نعم. ليس صعبا في ايامنا ان نعرف الذين جبلوا من هذه الطينة!! بعد كل فوز لإميل ببطولة عالمية في الركض يكافأ بترقية في المناصب العسكرية، ولكن بصفته أصبح ضابطا برتبة عالية، تبدأ المشاكل. اصحاب الرتب العسكرية العالية يجتمعون لحلها، ويقررون بأن:"اميل هو إنسان مميز، وأنه نتاج الاشتراكية الحقة، يجب الحفاظ عليه وعدم إرساله كثيرا للخارج حتى لا يتآكل. وسيكون من الخسارة اذا ما قرر في احد مشاويره ان ينتقل، مثل ما فعل آخرين، للجهة الأخرى، لجهة الوسخ الامبريالي والركض وراء الثروة" حسب تعبير الرواية.. وعليه عندما دعي للمشاركة في سباق 5000 متر في لوس انجلوس دعي لإجراء حديث معه. "ايها الرفيق"، قالوا له، "اللجنة العسكرية قررت الآن انك لا تستطيع ان تشترك بأي مباراة، دون ان تحصل على اذن مسبق. حسنا قال اميل، هذا لا يغير من الوضع كثيرا. حتى اليوم دائما حصلت على اذن. اه، هذا هو بالضبط ايها الرفيق، يرد عليه اصحاب الصلاحيات، من الآن لا توجد اذون. انتهت الجلسة". واصدرت اللجنة كتابا أعلنت فيه عن: "اتخاذ قرار بعدم الاذن لاميل بالمشاركة في سباق لوس انجلوس"، وتبرره بادعاء: "ان الدعوات الكثيرة جدا لمناسبات تفتقد للأهمية، تبعد أميل من واجباته العسكرية وتحسين نتائجه الرياضية". الرواية تصف الخوف السائد في المجتمع التشيكي، لدرجة تحول الناس الى غرباء عن بعضهم البعض. حتى غرباء عن افراد عائلاتهم، ورعبهم من الاستماع لراديو أجنبي، بسبب العقوبات الكبيرة. مما رسخ في وعي المواطنين الصمت والتعايش مع هذا الواقع، والمشاركة في مظاهرات تمجيد السلطة وعبادة شخص قائد الحزب (وقتها) جوتفولد. وخيار آخر الانضمام للحزب الذي ازداد عدد اعضائه خلال عدة أشهر بأكثر من مليون عضو جديد.. وأيضا أميل كان منهم. هذه ملامح سريعة اخترتها بالصدفة، والكتاب مليء بمثلها، عن واقع الصحافة مثلا التي تزور اقوال اميل ايضا وتسبب له مشاكل مع دول اجنبية. حتى الحصول على اذن من صحفي أجنبي لمقابلة بطل رياضي عالمي هو الأسرع مثل اميل، يمر بتفاصيل مضحكة في دوائر السلطة التشيكية، من تعبئة طلبات عديدة والانتقال من مكتب الى مكتب، وأخيرا بعد الوصول الى اميل يجده "نائما" ولا تجري المقابلة، عمليا ممنوع اجراء اللقاء. وهناك مساعدة بيتية في بيت اميل، هي في الواقع عميلة للمخابرات التشيكية.. تبلغ المخابرات بكل ما يجري. الى جانب ان مشاركاته في المباريات خارج وطنه تجري بمشاركة حراس لا يفارقون اميل. اميل يعاقب لتأييده ربيع براغ. يطرد من الجيش ويرسل لعمل صعب في مناجم اليورانيوم. الى هناك يرسل من يعاقب بالخروج عن فكر الحزب ومن يجري تطهير الحزب والدولة منهم اذا لم يعلقوا على المشانق. مناجم اليورانيوم هي منطقة ملوثة بذرات وغبار اليورانيوم. ثم ينقل اميل للعمل كزبال في براغ. شهرته بين المواطنين كبيرة، كانوا يحيونه ولا يدعونه يحمل نفاياتهم بل يوصولونها بانفسهم لسيارات جمع النفايات مما أقلق السلطة فأرسلته الى بلدة صغيرة اولا، ثم الى عمل في الحفريات، وتنتهي الرواية بشكل ساخر جدا ومأساوي جدا، بدعوة اميل الى التوقيع على اعترافات ب "أخطائه في الماضي" عندما أيد القوى المعارضة للثورة والاصلاحيين البرجوازيين (أي ربيع براغ) وانه: "أخطأ بتأييده لهذا الوسخ الرجعي، وانه راض تماما عن الوضع العام الراهن. وراض عن حياته الشخصية. وانه يصادق بانه رغم الدعايات لم يعمل في حياته كجامع نفايات ولم يسق حفاره، وانه أبدا لم يطارد، وحتى لم يفصل من الجيش، وانه لا يحتاج اموال التقاعد التي يستحقها ككولونيل في الاحتياط. وعمليا يتلقى اجرة تكفيه وتزيد في اعمال الحفريات. وان هذه الوظيفة فتحت له عالم جديد ومثير". ووقع على الوثيقة. هل يملك حق الرفض؟ ثم وقع على انتقاد ذاتي لنفسه كما اراد رجال النظام الإشتراكي الديمقراطي. لا مفر له اذا اراد الهدوء والتخلص من العقوبات والاذلال. وبعد فترة يسامحونه، ويوظف في براغ في مركز المعلومات الرياضية. "حسنا" قال اميل الطيب "عامل ارشيف، كما يبدو لا استحق اكثر من ذلك". هكذا تنتهي هذه الدراما الشخصية والفكرية المثيرة، تاركة في الصدر الما على مصير الانسان في نظام من المفترض انه جاء لرفع قيمة الانسان وتطوير معرفته، واطلاق وعيه وابداعه في جميع مرافق الحياة. اشنوز جعل للنص وظيفة تعبيرية اوسع وأشمل من سيرة ذاتية لبطل غير عادي، ويخلق عبر سرد بسيط نبضا سريعا لسرده مثل ركض اميل. أشنوز يخلق دهشة روائية غير عادية عبر كل صفحات الكتاب رغم الأسلوب غير التقليدي للنص، الذي يقدم نمطا روائيا جديدا. ويبدوا ن اشنوز يرى بمعاناة الركض الجانب الثاني لمعاناة الانسان في مجتمع لا يحترم الانسان حتى لو كان بطلا يجلب الفخر لدولته. الركض هو محاولة للخروج من مساحة محددة بالزمان والمكان. لم اجد سيرة ذاتية حسب المفاهيم التي نعرفها عن السير الذاتية. بل وجدت حياة كاملة تحيط بانسان طيب مبتسم دائما،في واقع بالغ العنف والقيود والقمع، لعل ركضه هو التعبير عن التفاؤل بالوصول الى الهدف الأسمى لحياة الانسان.. nabiloudeh@gmail.com ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الركض ( لنركض) – رواية للكاتب الفرنسي جان أشنوز ( 175 صفحة) النسخة العبرية ترجمة: شيرا حيفر اصدار سيمطأوت (شتاء 2012 )
24.04.2013
خطة تطهير عرقي يطرحها وزير خارجية إسرائيل المنتظر
خطة تطهير عرقي يطرحها وزير خارجية إسرائيل المنتظر نبيل عودة أعرب وزير خارجية إسرائيل السابق والمنتظر أفيغدور ليبرمان على صفحته في الفيسبوك ، عن موقفه الرسمي الذي من الصعب اعتباره موقفا شخصيا إذ انه الممثل الرسمي المعترف به للسياسة الخارجية الإسرائيلية، كما كان في السنوات السابقة وحافظ رئيس الحكومة نتنياهو على وزارة الخارجية في حكومته الجديدة لليبرمان دون ان يتنازل لتعيين وزير خارجية آخر. كتب ليبرمان في صفحته على الفيسبوك، حول مسيرات الجماهير العربية إلى قراهم المهجرة والمهدمة لذكرى مرور 65 سنة على نكبة شعبهم الفلسطيني، يدعوا حكومة إسرائيل إلى التخلص من العرب وضمهم إلى السلطة الفلسطينية وبكلمات أخرى: خطة تطهير عرقي جديدة!! من المتوقع أن يعود ليبرمان لكرسي وزارة الخارجية، بعد أن تنتهي المحكمة من النظر في قائمة التهم الموجهة له، ليجعل ما كتبه في صفحته على الفيسبوك هدفا سياسيا لحكومته. ليبرمان المذكور القادم من مولدافيا، إحدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي آنذاك، تنسب إليه النيابة العامة ، سعيه إلى ترقية السفير الإسرائيلي السابق في بيلاروس زئيف بن أرييه وإصدار تعليمات للجنة التعيينات بوزارة الخارجية لتعيينه سفيرا في لاتفيا بعد أن سلم المذكور ليبرمان مواد سرية تتعلق بتحقيق الشرطة البيلاروسية (بطلب من الشرطة الإسرائيلية) بشبهات حول ليبرمان.! داني ايالون نائب ليبرمان في وزارة الخارجية ، قال لمحققي الشرطة في شهادة مفصلة إن ليبرمان طلب منه شخصياً، بصفته رئيساً للجنة التعيينات، تعيين بن أرييه سفيرا في لاتفيا وإخفاء معلومات أن الأخير سلمه المواد السرية. كانت محكمة إسرائيلية قد أدانت بن أرييه بتسليم المواد إلى ليبرمان بشكل مخالف لقواعد العمل الدبلوماسي. تعالوا الآن نقرا ترجمة كاملة لما كتبه ليبرمان، الوزير المرتقب للخارجية الإسرائيلية على صفحته الشخصية في الفيسبوك: "ان مسيرات الكراهية لكارهي إسرائيل ، من التابعين ومواصلي طريق مفتي القدس،الذين اجتمعوا اليوم ( القصد الثلاثاء 16-04-2013) في وادي عارة من اجل الحداد على إقامة دولة إسرائيل، هو إثبات إضافي بأن كل تسوية مع الفلسطينيين يجب ان تشمل بإطارها عرب إسرائيل أيضا". يواصل ليبرمان: إن أي تسوية لا تشمل هذا الأمر لن تكون " تسوية نهائية" بل "وقف إطلاق للنار" حتى المواجهة القادمة وللمطالب اللاحقة التي سيأتون بها. حان الوقت كي تتبنى حكومة إسرائيل هذا التوجه وتقول ذلك بكل قوة ( حسب التعبير العبري "بفم مليء"). إن الواقع الذي الموجودين فيه اؤلئك الذين يتمتعون ويستغلون الديمقراطية الإسرائيلية وحرية التعبير من أجل الحداد على إقامتها، يصمتون بنفس الوقت عن مذابح ضد الفلسطينيين في سوريا، حيث يثبت تلونهم وهدفهم الحقيقي، مثل اؤلئك الناس يجب ان يجدوا مكانهم كمواطنين في السلطة الفلسطينية، التي يتماثلون معها ويرفعون أعلامها وان يتلقوا منها "التأمين القومي" ومخصصات للبطالة". هذا الكلام هو نقلة بالغة الخطورة في التفكير العنصري الفاشي ضد الأقلية العربية الفلسطينية الباقية في وطنها. هذا وطننا وهناك دولة شعبنا العرب في إسرائيل لم يأتوا من مولدافيا ، لم يأتوا من أمريكا، لم يأتوا من دول أوروبية، لم يأتوا من المغرب العربي ، لم يأتوا من العراق أو غيرها، العرب في إسرائيل هم جزء من الأرض الفلسطينية، وجذورهم ضاربة عميقا في الأرض الفلسطينية، لا فرق بين الجليل والنقب ، بين غزة أو نابلس ورام الله. نحن هنا نواطير للحق الفلسطيني في التواجد بأرض فلسطين لا فرق بين هنا أو هناك. نحن هنا في وطننا، ضمن دولة إسرائيل، لم نأت كمهاجرين. الدولة جاءت وفرضت نفسها علينا. نناضل بكل الوسائل المشروعة من أجل إسقاط العنصرية وتحقيق المساواة الكاملة في الحقوق، من اجل إنهاء احتلال إسرائيل للضفة الغربية وإنهاء الحصار غير الإنساني على قطاع غزة وتخليص الشعب الإسرائيلي نفسه من عبودية احتلاله لشعبنا الفلسطيني وإقامة دولة فلسطين على حدود 1967 وإنهاء جميع القضايا المتعلقة بما فيها وعلى رأسها مأساة اللاجئين التي لم تعد تحتمل التأجيل. ليبرمان يستطع العودة إلى مولدافيا (اذا قبلت به) لأن وجودنا في وطننا ، نضالنا من اجل حقوقنا وعدم نسيان نكبة شعبنا المتواصلة منذ 65 سنة يسبب له الغضب. سنظل نواطير لوطننا، لن ننسى نكبتنا ما دام شعبنا مشردا في الخيام وعرضة للمآسي ومحروما من إقامة دولته الحرة المستقلة، أسوة بجميع شعوب الأرض. nabiloudeh@gmail.com
خطة تطهير عرقي يطرحها وزير خارجية إسرائيل المنتظر نبيل عودة أعرب وزير خارجية إسرائيل السابق والمنتظر أفيغدور ليبرمان على صفحته في الفيسبوك ، عن موقفه الرسمي الذي من الصعب اعتباره موقفا شخصيا إذ انه الممثل الرسمي المعترف به للسياسة الخارجية الإسرائيلية، كما كان في السنوات السابقة وحافظ رئيس الحكومة نتنياهو على وزارة الخارجية في حكومته الجديدة لليبرمان دون ان يتنازل لتعيين وزير خارجية آخر. كتب ليبرمان في صفحته على الفيسبوك، حول مسيرات الجماهير العربية إلى قراهم المهجرة والمهدمة لذكرى مرور 65 سنة على نكبة شعبهم الفلسطيني، يدعوا حكومة إسرائيل إلى التخلص من العرب وضمهم إلى السلطة الفلسطينية وبكلمات أخرى: خطة تطهير عرقي جديدة!! من المتوقع أن يعود ليبرمان لكرسي وزارة الخارجية، بعد أن تنتهي المحكمة من النظر في قائمة التهم الموجهة له، ليجعل ما كتبه في صفحته على الفيسبوك هدفا سياسيا لحكومته. ليبرمان المذكور القادم من مولدافيا، إحدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي آنذاك، تنسب إليه النيابة العامة ، سعيه إلى ترقية السفير الإسرائيلي السابق في بيلاروس زئيف بن أرييه وإصدار تعليمات للجنة التعيينات بوزارة الخارجية لتعيينه سفيرا في لاتفيا بعد أن سلم المذكور ليبرمان مواد سرية تتعلق بتحقيق الشرطة البيلاروسية (بطلب من الشرطة الإسرائيلية) بشبهات حول ليبرمان.! داني ايالون نائب ليبرمان في وزارة الخارجية ، قال لمحققي الشرطة في شهادة مفصلة إن ليبرمان طلب منه شخصياً، بصفته رئيساً للجنة التعيينات، تعيين بن أرييه سفيرا في لاتفيا وإخفاء معلومات أن الأخير سلمه المواد السرية. كانت محكمة إسرائيلية قد أدانت بن أرييه بتسليم المواد إلى ليبرمان بشكل مخالف لقواعد العمل الدبلوماسي. تعالوا الآن نقرا ترجمة كاملة لما كتبه ليبرمان، الوزير المرتقب للخارجية الإسرائيلية على صفحته الشخصية في الفيسبوك: "ان مسيرات الكراهية لكارهي إسرائيل ، من التابعين ومواصلي طريق مفتي القدس،الذين اجتمعوا اليوم ( القصد الثلاثاء 16-04-2013) في وادي عارة من اجل الحداد على إقامة دولة إسرائيل، هو إثبات إضافي بأن كل تسوية مع الفلسطينيين يجب ان تشمل بإطارها عرب إسرائيل أيضا". يواصل ليبرمان: إن أي تسوية لا تشمل هذا الأمر لن تكون " تسوية نهائية" بل "وقف إطلاق للنار" حتى المواجهة القادمة وللمطالب اللاحقة التي سيأتون بها. حان الوقت كي تتبنى حكومة إسرائيل هذا التوجه وتقول ذلك بكل قوة ( حسب التعبير العبري "بفم مليء"). إن الواقع الذي الموجودين فيه اؤلئك الذين يتمتعون ويستغلون الديمقراطية الإسرائيلية وحرية التعبير من أجل الحداد على إقامتها، يصمتون بنفس الوقت عن مذابح ضد الفلسطينيين في سوريا، حيث يثبت تلونهم وهدفهم الحقيقي، مثل اؤلئك الناس يجب ان يجدوا مكانهم كمواطنين في السلطة الفلسطينية، التي يتماثلون معها ويرفعون أعلامها وان يتلقوا منها "التأمين القومي" ومخصصات للبطالة". هذا الكلام هو نقلة بالغة الخطورة في التفكير العنصري الفاشي ضد الأقلية العربية الفلسطينية الباقية في وطنها. هذا وطننا وهناك دولة شعبنا العرب في إسرائيل لم يأتوا من مولدافيا ، لم يأتوا من أمريكا، لم يأتوا من دول أوروبية، لم يأتوا من المغرب العربي ، لم يأتوا من العراق أو غيرها، العرب في إسرائيل هم جزء من الأرض الفلسطينية، وجذورهم ضاربة عميقا في الأرض الفلسطينية، لا فرق بين الجليل والنقب ، بين غزة أو نابلس ورام الله. نحن هنا نواطير للحق الفلسطيني في التواجد بأرض فلسطين لا فرق بين هنا أو هناك. نحن هنا في وطننا، ضمن دولة إسرائيل، لم نأت كمهاجرين. الدولة جاءت وفرضت نفسها علينا. نناضل بكل الوسائل المشروعة من أجل إسقاط العنصرية وتحقيق المساواة الكاملة في الحقوق، من اجل إنهاء احتلال إسرائيل للضفة الغربية وإنهاء الحصار غير الإنساني على قطاع غزة وتخليص الشعب الإسرائيلي نفسه من عبودية احتلاله لشعبنا الفلسطيني وإقامة دولة فلسطين على حدود 1967 وإنهاء جميع القضايا المتعلقة بما فيها وعلى رأسها مأساة اللاجئين التي لم تعد تحتمل التأجيل. ليبرمان يستطع العودة إلى مولدافيا (اذا قبلت به) لأن وجودنا في وطننا ، نضالنا من اجل حقوقنا وعدم نسيان نكبة شعبنا المتواصلة منذ 65 سنة يسبب له الغضب. سنظل نواطير لوطننا، لن ننسى نكبتنا ما دام شعبنا مشردا في الخيام وعرضة للمآسي ومحروما من إقامة دولته الحرة المستقلة، أسوة بجميع شعوب الأرض. nabiloudeh@gmail.com
17.04.2013
حدود الروح : حوارات مثيرة مع الكاتب اليهودي سامي ميخائيل
ومراجعة لروايته "حمام الطرف الأغر" التي كتبها كاستمرار لرواية غسان كنفاني "عائد الى حيفا". يعد الكاتب سامي ميخائيل (ولد في بغداد عام 1926) من ابرز الكتاب باللغة العبرية. سامي هو يهودي عراقي ولد باسم سمير مارد في العراق، وصل اسرائيل منذ 6 عقود وانتظم في صفوف الحزب الشيوعي الإسرائيلي، ربطته علاقات شخصية مع الروائي الفلسطيني اميل حبيبي والعديد من شخصيات الحزب الشيوعي القيادية في الوسط العربي، سكن في حارة وادي النسناس العربية في حيفا، علاقته ضعفت مع الشيوعيين العرب بعد انسحابه من الحزب الشيوعي والتفرغ للكتابة الروائية. عام 1946هرب سمير مارد (سامي ميخائيل) من بغداد الى طهران لأنه كان مطاردا بتهمة الانتماء للحزب الشيوعي العراقي المحظور وقتها في العراق، في طهران اتصل بحزب "تودة" الشيوعي الايراني ونشط معه، بعد عامين يئس تماما من أمكانية العودة الى وطنه العراق ومدينته مسقط راسه بغداد، حيث عائلته وشعبه وشعر بالوحدة والانعزال. فاضطر كما روى للجوء الى اسرائيل، حيث بقي وحيدا لعامين قبل ان تضطر عائلته مرغمة على مغادرة وطنها العراق حيث عاش فيه اليهود العراقيين اكثر من ثلاثة آلاف عام، يصف سامي ميخائيل وصوله الى اسرائيل بأنه كان أقرب الى النفي . يروي سامي في احدى احاديثه الصحفية: في صباي، وشبابي ناضلت جنبا الى جنب مع السنيين والشيعة والمسيحيين من اجل عراق ليبرالي مزدهر. جيل كامل من الشبان والفتيات قتل وعذب ونفي وابيد على ايدي نظام الحكم الملكي وذلك بتشجيع وتأثير من المستشارين البريطانيين الذين كانوا في بغداد، لحماية وتأمين منابع بترول بلاد الرافدين التي تدفقت سيولا وانهارا بابخس الأثمان للإمبراطورية البريطانية. من مؤلفات سامي ميخائيل: "متساوون ومتساوون أكثر" (1974)، "حماية" (1977)، "هذه قبائل إسرائيل" (1984)، "فيكتوريا" (1993)، "الجناح الثالث" (2000)، رواية "عايدة" (2008) "حمام الطرف الأغر" (2005) - اثارت هذه الرواية الكثير من الاهتمام، بكونها استمرارا لرواية الكاتب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني "عائد الى حيفا"، انتقدها بحدة بعض الكتاب العرب دون فهم مضمونها الانساني، كتب نبيل عودة ( كاتب هذا المقال) مداخلة نقدية عن الرواية نشرت في الصحافة المحلية وعلى شبكة الانترنت (نسخة عنها في نهاية النص) كذلك صدر كتاب حوارات هام مع سامي ميخائيل وهذه مراجعة للكتاب : كتاب"حدود الروح" – روبيك روزنتال يحاور سامي ميخائيل العراقي "سمير مارد" صار اسرائيليا اسمه"سامي ميخائيل" بقلم: نبيل عودة صدر عن " كاف ادوم " من منشورات " هكيبوتس همؤحاد " كتاب حوارات مثير للاهتمام ، مع الكاتب العبري الكبير سامي ميخائيل ، اجراها معه الصحفي العبري المعروف ، روبيك روزنتال. عدا مقدمة سامي ميخائيل للكتاب ومقدمة روزنتال، هوعبارة عن ثمانية احاديث يتناول فيها سامي ميخائيل قضايا متنوعة ومتشعبة من مسيرة حياته وتجربته الادبية والسياسية والانسانية ، منذ كان طفلا في العراق وخروجه من العراق وقدومه الى اسرائيل . أبناء جيلي يرتبط بذهنهم اسم سامي ميخائيل باسم " سمير مارد " وهو الاسم " العراقي " لسامي ميخائيل ، الذي نشر تحته اول اعماله الادبية ( باللغة العربية ) في الصحف المحلية ، خاصة صحف الحزب الشيوعي الاسرائيلي صحيفة "الاتحاد" ومجلة "الجديد" ، ثم غير اسمه ولغته ، مع ذلك بقي سامي ميخائيل ذا حس انساني وموقف تقدمي متنور وصادق ، رغم الفجوة التي اتسعت بينة وبين جذوره العراقية والعربية ... في مقدمته للكتاب يطرح سامي ميخائيل معادلة سقطت على اساسها سذاجة الايمان ، بدءا من سقوط الوهم حول حقيقة الحضارة الاوروبية والالمانية خاصة ، بفشلها في وقف المد الاجرامي للنازية ، وصولا الى انهيار الشيوعية الذي يعني ، كما يقول : " انهيارا للاتجاه الانساني للثقافة الاوروبية ، وصولا للاشكالية التي لم تبق امام الانسانية الا وضع يتحول فيه الدولار والمجتمع النووي الامريكي ، الى القوة الحافظة للنظام والسلام وحقوق المواطن ". يشير سامي ميخائيل في مقدمته بان انسانا طبيعيا لا يترك بيته واملاكه ولغته الام واجواء طفولته من اجل فكرة عليا ، يقول ان خيانة القرن العشرين " لهم " هي التي وجهت خطواتهم الى اسرائيل ، وانه حتى اليوم " لا يأتي الينا " ( لاسرائيل )اليهود المتخمون والآمنون من الولايات المتحدة وانكلترا ، انما يجيء يهود من البلاد الفقيرة . يطرح سامي ميخائيل التناقض الذي الم به في هذا الانتقال من تاريخه العراقي الى تاريخ " ارض اسرائيل "، يطرح قلقه الشخصي من الواقع المتقلب في الشرق الاوسط ويعترف بانه يعيش في عالمين مثل كل الذين تركوا واقعا لواقع آخر ، يقول ان بينه وبين اسرائيل لم ينشأ حب من اول نظرة ، انما تطورت علاقة خاصة من الحب والاخلاص والتقدير وانه بقي بعيدا عن النظرة الرومانتيكية المزيفة في نظرته للواقع الاسرائيلي . الحديث الاول : عن الهوية والثقافة يقول سامي ميخائيل : " أنا غير صهيوني ، لست معاديا للصهيونية، انا وطني اسرائيلي ".يفسر ذلك بقوله منذ فجر شبابي عرفت نفسي كيهودي، المقياس الاعلى بالنسبة لي هي اليهودية ، من هذا التعريف اتساءل ماذا يضر باليهودية وماذا يفيدها ؟ ماذا يضر بي كيهودي وماذا يندمج جيدا مع هويتي كيهودي؟". يقول : " كان في العراق يهود نشطاء في الرابطة المعادية للصهيونية " ويضف : " انا غير صهيوني من الناحية الايديولوجية، لكني غير معاد للصهيونية عاطفيا ، انا معاد للصهيونية حتى الحد الذي يؤدي هذا الفهم للأضرار باليهودية ودولة اسرائيل . أنا لا اعرف نفسي كصهيونيواختلف مع طروحات كثيرة للصهيونية قديما وحديثا ، الصهيونيون الحقيقيون اليوم هم اؤلئك المستوطنون ، اليهود الآخرون يشملون انفسهم بالصهيونية ويتجملون بامور لم تعد قائمة " . يوجه نداءه لأولئك الصهيونيين الذين يعرضون أنفسهم ومستقبل أطفالهم للمخاطر بمخاطبتهم : "عودوا الى البيت!" . يقول لهم ان نداءه لا يجيء شفقة على العرب ، العرب ليسوا بحاجة لشفقتة وحبه . يأخذ الصحفي المحاور سامي ميخائيل لمواضيع متنوعة للغاية ، يدفعه للافصاح عن مفاهيمه حول قضايا اجتماعية وفكرية وفنية وأدبية متنوعة ، تتعلق بتجربته الاسرائيلية ، بما ترسب في وجدانه من هويته الشرقية ... من عراقيته والتناقضات المثيرة التي اوجدها المجتمع الاسرائيلي الخاص والمميز وليس شرطا بالمفهوم الايجابي !! وينتهي الحديث ، كما في سائر الاحاديث بمقطع ادبي من كتابات سامي ميخائيل . الحديث الثاني : حول الهجرة والقدوم الى اسرائيل " في الهجرة انت تنتحر بأمل ان تعود الى الحياة ". هكذا يلخص رؤيته الفلسفية لمفهوم النزوح اليهودي الى اسرائيل . يتحدث عن تجربته الشخصية بالهجرة من العراق ، والحياة غير المتوقعة والمتناقضة في اسرائيل . الحديث الثالث : المجتمع الاسرائيلي يطرح تصوراته حول بعض القضايا التي تشغل المجتمع الاسرائيلي ، يحاول الاجابة على سؤال حول تطور القومية العربية ويرى بها تقليدا لنشؤ القوميات الاوروبية وانها غير اصيلة ، لان مضامينها تختلف من جيل الى آخر . لن ادخل في نقاش حول الصواب والخطأ في رؤية سامي ميخائيل ، انما احاول ان انقل للقارىء جزءا من رؤيته .. كذلك نجده يتسرع فيما يطرحه من ان المركب الديني للعرب ، تحول الى مركب اساسي في الانتماء (بمفهوم ما يساوي بين اشكالية الانتماء اليهودي والانتماء القومي العربي ، ربما ليخلق انطباعا اننا لا تختلف ... وان واقع الانتماء القومي اليهودي هو نفس واقع الانتماء القومي العربي ) . سامي ينتقد بشدة تحول دولة اسرائيل الى دولة حرب ، ينتقد بشكل خاص حرب سيناء ( 1956) ويقول : " لاتوجد حرب لا يمكن منعها " ويرى باتفاقات السلام ، من مدريد وحتى واي بلانتيشين انه سلام مفروض على الجانبين . الحديث الرابع : عن الشيوعية يسرد ذكرياته عن الشيوعية منذ كان شيوعيا شابا في العراق ، يلخص تجربته الشيوعية بانها نتيجة ظروف صعبة ليهودي في العراق . هذا الفصل مليء بانطباعات وذكريات عراقية . يتحدث عن تجربة الخروج من العراق، ظروف القدوم الى اسرائيل وبحثه في اسرائيل عن الحزب الشيوعي ، يروي حادثة حاول فيها السوفييت تجنيده للتجسس ، يتحدث عن عمله في جريدة " الاتحاد " – صحيفة الحزب الشيوعي الاسرائيلي وعلاقاته مع الشيوعيين .. ويقول انه يقدر الشيوعيين العرب لانهم يحبون شعبهم ، لذلك بقوا في الحزب... وهو لا يفهم بقاءاليهود في الحزب .. لا يوضح ان كان موقفه رفضا للفكر الشيوعي كفكر سياسي واجتماعي ، ام رفضا لاطار محلي ، ام تبريرا ذاتيا لموقفه الاسرائيلي ؟ الاحاديث الخامس : الدين والعلمانية والسادس :عن الطبيعة ، والسابع : عن الادب والثامن : عن دولة اسرائيل يطرح سامي هنا موقفه من الدين ومن فصل الدين عن الدولة، يطرح قضايا مجتمعه اليهودي واشكالية العلاقة بين الدين والعلمانية ، هذا الحديث يستحق مراجعة خاصة . يتحدث عن موقفه من الطبيعة والقضايا العامة السياسية والفكرية والادبية . يتحدث عن تجربته الكتابية وعن قراءاته ، يقول ان روايته الاولى كانت تحمل اسم " المعابر " ( اشتهرت المعابر في السنوات الاولى لاقامة دولة اسرائيل حيث اسكن القادمين اليهود في مجمعات سكنية اشبه بالمخيمات وتفتقد للكثير من الخدمات وهي احياء للفقراء اليهود الشرقيين بالاساس ، اليهود من الدول المتطورة ، الاشكناز – اي الغربيين .. لم يعانوا من السكن في المعابر، اصبحت المعابر من رموز التمييز بين اليهود الغربيين والشرقيين ) كتب سامي رواية المعابر باللغة العربية عام 1950 وفازت بالجائزة الاولى في مسابقة لكتابة الرواية نظمها الحزب الشيوعي ، الجائزة كانت اصدار الرواية ، لكنه في نفس الفترة ترك الحزب الشيوعي ولم يشأ بنشر الرواية ، "تخلص" منها وهو لا يملك اليوم نصا عنها ، يتحدث عن اعماله القصصية باللغة العربية التي كان ينشرها باسم " سمير مارد " . في صحافة الحزب الشيوعي بالاساس . ينهي احاديثه عن تجربته الاسرائيلية من زاوية اخرى ، فيتحدث عن قادة الدولة ورأيه فيهم وارتباط ذلك بشتى الاحداث ، بدءا من بن غوريون واشكول وغولدا مئير وبيرس ورابين وبيغن ونتنياهو وصولا لبراك . القارىء يلمس بوضوح ، رغم كل محاولات فلسفة الواقع المتناقض ، ان سامي والجيل الذي يمثله سامي ما زال عربيا عراقيا في اعماق نفسه ، يعيش حالة اغتراب في مجتمعه .. ولكن الاساسي ان هذا الجيل يتلاشى ويختفي ويحل مكانه جيل اسرائيلي لا يعرف الماضي ، قيمة كتاب الاحاديث مع سامي ميخائيل ، انه شهادة على امكانية بناء واقع آخر في العلاقات العربية اليهودية ، لا دور فيها للبندقية وسفك الدماء . ــــــــــــــــــــــــ ملحق : مراجعة لرواية سامي ميخائيل الكاتب العبري الكبير سامي ميخائيل في روايته الجديدة يبدأ من حيث انتهى غسان كنفاني رواية تحمل رؤية نبوئية حول مستقبل آخر للفلسطيني واليهودي نبيل عودة الكتاب : حمام الطرف الاغر ( باللغة العبرية ) الكاتب : سامي ميخائيل اصدار " عام عوفيد " ( 262) صفحة من الحجم الصغير سامي ميخائيل، ابن الثقافة العربية ،ابن بغداد الذي صار اسرائيليا وكاتبا عبريا ، ربما هو التعبير اليهودي الثقافي عن العائلة الفلسطينية التي هربت من حيفا، دون ان تستطيع اخذ طفلها بدير معها .فعادت بعد الاحتلال الجديد عام 1967 للبحث عن ابنها في حيفا ( رواية غسان كنفاني : " عائد الى حيفا" ) لتصطدم بحقيقة مؤلمة ، ان طفلها بدير ، العربي الفلسطيني ، اصبح جنديا اسرائيليا اسمه " زئيف آفشتاين ".. بعد ان وجدته امرأة يهودية عبرت الكارثة فتبنته . زئيف – بدير ، هو وجه آخر للنكبة الفلسطينية ، لكن سامي ميخائيل يقول لغسان كنفاني في روايته " حمام الطرف الأغر " ان زئيف – بدير هو التعبير للكارثة اليهودية ايضا كما يتضح في نهاية الرواية . الأب ، ابن جيل النكبة ، لم يستطيع تحمل هذا الضياع وأن يقبل زئيف ، الجندي اليهودي – ابنه الفلسطيني ، رغم انه نتيجة للنكبة ، شعر بالعداء له ... تماما كشعوره بالعداء لمغتصبي وطنه وعاد ليواصل نضاله العنيد، ثم ليسقط فيما بعد برصاص رجال الموساد . لكن الأم ... قلب الأم يرفض الهزيمة ، زئيف هو ابنها رغم حواجز اللغة والزمن ، لا تستطيع ان تفرق في حبها بين ابنها وابنتها الفلسطينيين وبين ابنها الذي صار " اسرائيليا" . سامي ميخائيل بوعي او بدافع غير واع ، يطرح مأساتة الذاتية ايضا ، كأني به يروي احداثا عايشها على المستوى الفكري على الأقل وربما على المستوى الشخصي أيضا، لكن باختلاف الأحداث والمضامين .سامي ايضا ابن ضائع للثقافة العربية ، تبنته ( خطفته ) ثقافة اخرى . الأم تنجح في بناء علاقة حميمة مع ابنها زئيف ، متجاوزة حواجز اللغة ، الابن زئيف يعمل كل ما بوسعه ليعيش هذا الواقع المعقد بين حب امه البيولوجية و"هجرته" ، التي لم يخترها ، الى اليهودية والاسرائيلية . امه تدخل حياته وتنشأ بينهما علاقات رائعة من المودة ، بينما الواقع الاسرائيلي – الفلسطيني ، واقع الاحتلال الوحشي والمقاومة العنيفة ضد الاحتلال ، يشكلان الخلفية المأساوية لهذه العلاقات ، التي تتسع دائرتها لتشمل لقاءه مع اخيه واخته ، ولكن في واقع مأساوي لا يترك فسحة للحب والفرح والحياة . سامي ميخائيل في روايته المركبة والمليئة بالاحداث يبرز بقدرته الكبيرة على السرد وطرح الأسئلة الصعبة عن العلاقات بين الشعبين ، في ظل استمرار سفك الدماء المتبادل ، يقوم بذلك باسلوب فني حساس ومؤثر ومدهش بنفس الوقت . لماذا حمام الطرف الأغر ؟ " الطرف الأغر" هي ساحة في لندن اشتهرت بالحمام الداجن الذي لا يخاف الانسان ، بل يلامسه باجنحته ويحط على يديه وأكتافه ، كأني بسامي ميخائيل يقول: اذا كان حمام الطرف الأغر قادرا على اجتياز حاجز الخوف من عسف الانسان ، يرفرف بكل حرية في الفضاء وعلى الأرض ، يحط على ايدي واكتاف الناس ، يتجول بين ارجلهم ، فالانسان قادر ايضا على اجتياز الحواجز التي تبعده عن أخيه الانسان ، لذا كانت ساحة الطرف الأغر المليئة بالحمام هي الساحة التي اعادت الحرارة للعلاقة العائلية وعلاقة المصير الواحد بين شقيها الفلسطيني والاسرائيلي . لكن الجيل الثاني ايضا ، جيل زئيف وأخيه ، رغم اختلاف علاقاته نوعا عن الجيل الذي سبقه ، جيل النكبة / جيل الأب ، كان عليه ان يدفع الثمن وهو ثمن مؤلم ولا يقل مأساوية عن الكارثة اليهودية والنكبة الفلسطينية ... وكأني به يقول : ان الكارثة والنكبة متواصلتان كوجهين لعملة واحدة . زئيف اليهودي – الابن الفلسطيني ، يجد نفسه في معمعة الانتفاضة ، بعد احدى زياراته لأمه .. يسرع اخوه الفلسطيني لحمايته ... ويسقط الأخوان، اليهودي والفلسطيني ضحايا للواقع المأساوي لهذه الأرض التي شبعت دماءا وجثثا . لكن سامي ميخائيل لا يتوقف في هذه الميلودراما العنيفة هنا ، فها هم احفاد الأم ( ام اليهودي والفلسطيني ) حفيدها اليهودي واحفادها الفلسطينيون يلتقون في ارض غريبة ( قبرص ) لتحضنهم الأم - الجدة سوية ، بحب وحرارة وأمل ، فكلهم أبناؤها ولكلهم نفس الحق بالحياة ، لكنها تكاد تبدو لوحة سوريالية في واقع مجنون مليء بالدم والألم والدماء والدموع . ينهي سامي ميخائيل روايته بعتاب بين الأم وابنتها . الأم كانت تظن ان ابنتها عاملت اخيها اليهودي بكراهية عمياء ، لكن الحقيقة ان الأخت ، التي التقت بزئيف اخيها ، دون ان تعرفه ودون ان تكشف امها حقيقته ، عانت منذ ذلك اللقاء من صراع نفسي عنيف ، كشفته لأمها في الجملة الأخيرة من الرواية اذ قالت تفند اتهام امها لها بكراهية زئيف : - "لم تكن آية كراهية يا امي ، أنت وهو ارتكبتم خطأ مخيفا قبل سنوات ، حين التقينا به في الحديقة ، كان عليك ان تكشفي لي مسبقا ان الرجل الذي سألتقيه هو رجل انا ممنوعة عنه ، لم أكرهه حتى للحظة واحدة يا امي ، العكس تماما ، انت لا تعلمين كم تصارعت مع نفسي حتى لا احبه". رواية سامي ميخائيل تعبق بروح انسانية ، بل هي صرخة تدين الاحتلال الهمجي وتحلق بالروح الانسانية في نبؤة عن مسقبل آخر عبر عنه في اللقاء بين الاحفاد اليهود والعرب الذين احتضنتهم الام – الجدة ومن يعرف قيمة الحب وقيمة الحياة اكثر من قلب الأم ؟ اثارت الرواية جدلا واسعا بين بعض المثقفين العرب في اسرائيل ، اعتقد انه من حق كل انسان ان يرى احداث الرواية من زاويته الخاصة ... البعض شن هجوما عنيفا على الرواية والمؤلف .. ربما يكون سامي ميخائيل قد بالغ في محاولته لرؤية مغايرة للواقع المأساوي .. ولكني على ثقة ان سامي ميخائيل انطلق من رؤية انسانية في جذورها ، لكن عمق المأساة الفلسطينية بات مرعبا ، بات من الصعب رؤية المستقبل الذي يبشرنا به ( او يحلم به ) سامي ميخائيل . مع ذلك تبقى الرواية وبغض النظر عن تفصيلاتها العامة ، صرخة انسانية لوقف التدمير الذاتي الذي يمارسه الشعبين !! nabiloudeh@gmail.com
ومراجعة لروايته "حمام الطرف الأغر" التي كتبها كاستمرار لرواية غسان كنفاني "عائد الى حيفا". يعد الكاتب سامي ميخائيل (ولد في بغداد عام 1926) من ابرز الكتاب باللغة العبرية. سامي هو يهودي عراقي ولد باسم سمير مارد في العراق، وصل اسرائيل منذ 6 عقود وانتظم في صفوف الحزب الشيوعي الإسرائيلي، ربطته علاقات شخصية مع الروائي الفلسطيني اميل حبيبي والعديد من شخصيات الحزب الشيوعي القيادية في الوسط العربي، سكن في حارة وادي النسناس العربية في حيفا، علاقته ضعفت مع الشيوعيين العرب بعد انسحابه من الحزب الشيوعي والتفرغ للكتابة الروائية. عام 1946هرب سمير مارد (سامي ميخائيل) من بغداد الى طهران لأنه كان مطاردا بتهمة الانتماء للحزب الشيوعي العراقي المحظور وقتها في العراق، في طهران اتصل بحزب "تودة" الشيوعي الايراني ونشط معه، بعد عامين يئس تماما من أمكانية العودة الى وطنه العراق ومدينته مسقط راسه بغداد، حيث عائلته وشعبه وشعر بالوحدة والانعزال. فاضطر كما روى للجوء الى اسرائيل، حيث بقي وحيدا لعامين قبل ان تضطر عائلته مرغمة على مغادرة وطنها العراق حيث عاش فيه اليهود العراقيين اكثر من ثلاثة آلاف عام، يصف سامي ميخائيل وصوله الى اسرائيل بأنه كان أقرب الى النفي . يروي سامي في احدى احاديثه الصحفية: في صباي، وشبابي ناضلت جنبا الى جنب مع السنيين والشيعة والمسيحيين من اجل عراق ليبرالي مزدهر. جيل كامل من الشبان والفتيات قتل وعذب ونفي وابيد على ايدي نظام الحكم الملكي وذلك بتشجيع وتأثير من المستشارين البريطانيين الذين كانوا في بغداد، لحماية وتأمين منابع بترول بلاد الرافدين التي تدفقت سيولا وانهارا بابخس الأثمان للإمبراطورية البريطانية. من مؤلفات سامي ميخائيل: "متساوون ومتساوون أكثر" (1974)، "حماية" (1977)، "هذه قبائل إسرائيل" (1984)، "فيكتوريا" (1993)، "الجناح الثالث" (2000)، رواية "عايدة" (2008) "حمام الطرف الأغر" (2005) - اثارت هذه الرواية الكثير من الاهتمام، بكونها استمرارا لرواية الكاتب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني "عائد الى حيفا"، انتقدها بحدة بعض الكتاب العرب دون فهم مضمونها الانساني، كتب نبيل عودة ( كاتب هذا المقال) مداخلة نقدية عن الرواية نشرت في الصحافة المحلية وعلى شبكة الانترنت (نسخة عنها في نهاية النص) كذلك صدر كتاب حوارات هام مع سامي ميخائيل وهذه مراجعة للكتاب : كتاب"حدود الروح" – روبيك روزنتال يحاور سامي ميخائيل العراقي "سمير مارد" صار اسرائيليا اسمه"سامي ميخائيل" بقلم: نبيل عودة صدر عن " كاف ادوم " من منشورات " هكيبوتس همؤحاد " كتاب حوارات مثير للاهتمام ، مع الكاتب العبري الكبير سامي ميخائيل ، اجراها معه الصحفي العبري المعروف ، روبيك روزنتال. عدا مقدمة سامي ميخائيل للكتاب ومقدمة روزنتال، هوعبارة عن ثمانية احاديث يتناول فيها سامي ميخائيل قضايا متنوعة ومتشعبة من مسيرة حياته وتجربته الادبية والسياسية والانسانية ، منذ كان طفلا في العراق وخروجه من العراق وقدومه الى اسرائيل . أبناء جيلي يرتبط بذهنهم اسم سامي ميخائيل باسم " سمير مارد " وهو الاسم " العراقي " لسامي ميخائيل ، الذي نشر تحته اول اعماله الادبية ( باللغة العربية ) في الصحف المحلية ، خاصة صحف الحزب الشيوعي الاسرائيلي صحيفة "الاتحاد" ومجلة "الجديد" ، ثم غير اسمه ولغته ، مع ذلك بقي سامي ميخائيل ذا حس انساني وموقف تقدمي متنور وصادق ، رغم الفجوة التي اتسعت بينة وبين جذوره العراقية والعربية ... في مقدمته للكتاب يطرح سامي ميخائيل معادلة سقطت على اساسها سذاجة الايمان ، بدءا من سقوط الوهم حول حقيقة الحضارة الاوروبية والالمانية خاصة ، بفشلها في وقف المد الاجرامي للنازية ، وصولا الى انهيار الشيوعية الذي يعني ، كما يقول : " انهيارا للاتجاه الانساني للثقافة الاوروبية ، وصولا للاشكالية التي لم تبق امام الانسانية الا وضع يتحول فيه الدولار والمجتمع النووي الامريكي ، الى القوة الحافظة للنظام والسلام وحقوق المواطن ". يشير سامي ميخائيل في مقدمته بان انسانا طبيعيا لا يترك بيته واملاكه ولغته الام واجواء طفولته من اجل فكرة عليا ، يقول ان خيانة القرن العشرين " لهم " هي التي وجهت خطواتهم الى اسرائيل ، وانه حتى اليوم " لا يأتي الينا " ( لاسرائيل )اليهود المتخمون والآمنون من الولايات المتحدة وانكلترا ، انما يجيء يهود من البلاد الفقيرة . يطرح سامي ميخائيل التناقض الذي الم به في هذا الانتقال من تاريخه العراقي الى تاريخ " ارض اسرائيل "، يطرح قلقه الشخصي من الواقع المتقلب في الشرق الاوسط ويعترف بانه يعيش في عالمين مثل كل الذين تركوا واقعا لواقع آخر ، يقول ان بينه وبين اسرائيل لم ينشأ حب من اول نظرة ، انما تطورت علاقة خاصة من الحب والاخلاص والتقدير وانه بقي بعيدا عن النظرة الرومانتيكية المزيفة في نظرته للواقع الاسرائيلي . الحديث الاول : عن الهوية والثقافة يقول سامي ميخائيل : " أنا غير صهيوني ، لست معاديا للصهيونية، انا وطني اسرائيلي ".يفسر ذلك بقوله منذ فجر شبابي عرفت نفسي كيهودي، المقياس الاعلى بالنسبة لي هي اليهودية ، من هذا التعريف اتساءل ماذا يضر باليهودية وماذا يفيدها ؟ ماذا يضر بي كيهودي وماذا يندمج جيدا مع هويتي كيهودي؟". يقول : " كان في العراق يهود نشطاء في الرابطة المعادية للصهيونية " ويضف : " انا غير صهيوني من الناحية الايديولوجية، لكني غير معاد للصهيونية عاطفيا ، انا معاد للصهيونية حتى الحد الذي يؤدي هذا الفهم للأضرار باليهودية ودولة اسرائيل . أنا لا اعرف نفسي كصهيونيواختلف مع طروحات كثيرة للصهيونية قديما وحديثا ، الصهيونيون الحقيقيون اليوم هم اؤلئك المستوطنون ، اليهود الآخرون يشملون انفسهم بالصهيونية ويتجملون بامور لم تعد قائمة " . يوجه نداءه لأولئك الصهيونيين الذين يعرضون أنفسهم ومستقبل أطفالهم للمخاطر بمخاطبتهم : "عودوا الى البيت!" . يقول لهم ان نداءه لا يجيء شفقة على العرب ، العرب ليسوا بحاجة لشفقتة وحبه . يأخذ الصحفي المحاور سامي ميخائيل لمواضيع متنوعة للغاية ، يدفعه للافصاح عن مفاهيمه حول قضايا اجتماعية وفكرية وفنية وأدبية متنوعة ، تتعلق بتجربته الاسرائيلية ، بما ترسب في وجدانه من هويته الشرقية ... من عراقيته والتناقضات المثيرة التي اوجدها المجتمع الاسرائيلي الخاص والمميز وليس شرطا بالمفهوم الايجابي !! وينتهي الحديث ، كما في سائر الاحاديث بمقطع ادبي من كتابات سامي ميخائيل . الحديث الثاني : حول الهجرة والقدوم الى اسرائيل " في الهجرة انت تنتحر بأمل ان تعود الى الحياة ". هكذا يلخص رؤيته الفلسفية لمفهوم النزوح اليهودي الى اسرائيل . يتحدث عن تجربته الشخصية بالهجرة من العراق ، والحياة غير المتوقعة والمتناقضة في اسرائيل . الحديث الثالث : المجتمع الاسرائيلي يطرح تصوراته حول بعض القضايا التي تشغل المجتمع الاسرائيلي ، يحاول الاجابة على سؤال حول تطور القومية العربية ويرى بها تقليدا لنشؤ القوميات الاوروبية وانها غير اصيلة ، لان مضامينها تختلف من جيل الى آخر . لن ادخل في نقاش حول الصواب والخطأ في رؤية سامي ميخائيل ، انما احاول ان انقل للقارىء جزءا من رؤيته .. كذلك نجده يتسرع فيما يطرحه من ان المركب الديني للعرب ، تحول الى مركب اساسي في الانتماء (بمفهوم ما يساوي بين اشكالية الانتماء اليهودي والانتماء القومي العربي ، ربما ليخلق انطباعا اننا لا تختلف ... وان واقع الانتماء القومي اليهودي هو نفس واقع الانتماء القومي العربي ) . سامي ينتقد بشدة تحول دولة اسرائيل الى دولة حرب ، ينتقد بشكل خاص حرب سيناء ( 1956) ويقول : " لاتوجد حرب لا يمكن منعها " ويرى باتفاقات السلام ، من مدريد وحتى واي بلانتيشين انه سلام مفروض على الجانبين . الحديث الرابع : عن الشيوعية يسرد ذكرياته عن الشيوعية منذ كان شيوعيا شابا في العراق ، يلخص تجربته الشيوعية بانها نتيجة ظروف صعبة ليهودي في العراق . هذا الفصل مليء بانطباعات وذكريات عراقية . يتحدث عن تجربة الخروج من العراق، ظروف القدوم الى اسرائيل وبحثه في اسرائيل عن الحزب الشيوعي ، يروي حادثة حاول فيها السوفييت تجنيده للتجسس ، يتحدث عن عمله في جريدة " الاتحاد " – صحيفة الحزب الشيوعي الاسرائيلي وعلاقاته مع الشيوعيين .. ويقول انه يقدر الشيوعيين العرب لانهم يحبون شعبهم ، لذلك بقوا في الحزب... وهو لا يفهم بقاءاليهود في الحزب .. لا يوضح ان كان موقفه رفضا للفكر الشيوعي كفكر سياسي واجتماعي ، ام رفضا لاطار محلي ، ام تبريرا ذاتيا لموقفه الاسرائيلي ؟ الاحاديث الخامس : الدين والعلمانية والسادس :عن الطبيعة ، والسابع : عن الادب والثامن : عن دولة اسرائيل يطرح سامي هنا موقفه من الدين ومن فصل الدين عن الدولة، يطرح قضايا مجتمعه اليهودي واشكالية العلاقة بين الدين والعلمانية ، هذا الحديث يستحق مراجعة خاصة . يتحدث عن موقفه من الطبيعة والقضايا العامة السياسية والفكرية والادبية . يتحدث عن تجربته الكتابية وعن قراءاته ، يقول ان روايته الاولى كانت تحمل اسم " المعابر " ( اشتهرت المعابر في السنوات الاولى لاقامة دولة اسرائيل حيث اسكن القادمين اليهود في مجمعات سكنية اشبه بالمخيمات وتفتقد للكثير من الخدمات وهي احياء للفقراء اليهود الشرقيين بالاساس ، اليهود من الدول المتطورة ، الاشكناز – اي الغربيين .. لم يعانوا من السكن في المعابر، اصبحت المعابر من رموز التمييز بين اليهود الغربيين والشرقيين ) كتب سامي رواية المعابر باللغة العربية عام 1950 وفازت بالجائزة الاولى في مسابقة لكتابة الرواية نظمها الحزب الشيوعي ، الجائزة كانت اصدار الرواية ، لكنه في نفس الفترة ترك الحزب الشيوعي ولم يشأ بنشر الرواية ، "تخلص" منها وهو لا يملك اليوم نصا عنها ، يتحدث عن اعماله القصصية باللغة العربية التي كان ينشرها باسم " سمير مارد " . في صحافة الحزب الشيوعي بالاساس . ينهي احاديثه عن تجربته الاسرائيلية من زاوية اخرى ، فيتحدث عن قادة الدولة ورأيه فيهم وارتباط ذلك بشتى الاحداث ، بدءا من بن غوريون واشكول وغولدا مئير وبيرس ورابين وبيغن ونتنياهو وصولا لبراك . القارىء يلمس بوضوح ، رغم كل محاولات فلسفة الواقع المتناقض ، ان سامي والجيل الذي يمثله سامي ما زال عربيا عراقيا في اعماق نفسه ، يعيش حالة اغتراب في مجتمعه .. ولكن الاساسي ان هذا الجيل يتلاشى ويختفي ويحل مكانه جيل اسرائيلي لا يعرف الماضي ، قيمة كتاب الاحاديث مع سامي ميخائيل ، انه شهادة على امكانية بناء واقع آخر في العلاقات العربية اليهودية ، لا دور فيها للبندقية وسفك الدماء . ــــــــــــــــــــــــ ملحق : مراجعة لرواية سامي ميخائيل الكاتب العبري الكبير سامي ميخائيل في روايته الجديدة يبدأ من حيث انتهى غسان كنفاني رواية تحمل رؤية نبوئية حول مستقبل آخر للفلسطيني واليهودي نبيل عودة الكتاب : حمام الطرف الاغر ( باللغة العبرية ) الكاتب : سامي ميخائيل اصدار " عام عوفيد " ( 262) صفحة من الحجم الصغير سامي ميخائيل، ابن الثقافة العربية ،ابن بغداد الذي صار اسرائيليا وكاتبا عبريا ، ربما هو التعبير اليهودي الثقافي عن العائلة الفلسطينية التي هربت من حيفا، دون ان تستطيع اخذ طفلها بدير معها .فعادت بعد الاحتلال الجديد عام 1967 للبحث عن ابنها في حيفا ( رواية غسان كنفاني : " عائد الى حيفا" ) لتصطدم بحقيقة مؤلمة ، ان طفلها بدير ، العربي الفلسطيني ، اصبح جنديا اسرائيليا اسمه " زئيف آفشتاين ".. بعد ان وجدته امرأة يهودية عبرت الكارثة فتبنته . زئيف – بدير ، هو وجه آخر للنكبة الفلسطينية ، لكن سامي ميخائيل يقول لغسان كنفاني في روايته " حمام الطرف الأغر " ان زئيف – بدير هو التعبير للكارثة اليهودية ايضا كما يتضح في نهاية الرواية . الأب ، ابن جيل النكبة ، لم يستطيع تحمل هذا الضياع وأن يقبل زئيف ، الجندي اليهودي – ابنه الفلسطيني ، رغم انه نتيجة للنكبة ، شعر بالعداء له ... تماما كشعوره بالعداء لمغتصبي وطنه وعاد ليواصل نضاله العنيد، ثم ليسقط فيما بعد برصاص رجال الموساد . لكن الأم ... قلب الأم يرفض الهزيمة ، زئيف هو ابنها رغم حواجز اللغة والزمن ، لا تستطيع ان تفرق في حبها بين ابنها وابنتها الفلسطينيين وبين ابنها الذي صار " اسرائيليا" . سامي ميخائيل بوعي او بدافع غير واع ، يطرح مأساتة الذاتية ايضا ، كأني به يروي احداثا عايشها على المستوى الفكري على الأقل وربما على المستوى الشخصي أيضا، لكن باختلاف الأحداث والمضامين .سامي ايضا ابن ضائع للثقافة العربية ، تبنته ( خطفته ) ثقافة اخرى . الأم تنجح في بناء علاقة حميمة مع ابنها زئيف ، متجاوزة حواجز اللغة ، الابن زئيف يعمل كل ما بوسعه ليعيش هذا الواقع المعقد بين حب امه البيولوجية و"هجرته" ، التي لم يخترها ، الى اليهودية والاسرائيلية . امه تدخل حياته وتنشأ بينهما علاقات رائعة من المودة ، بينما الواقع الاسرائيلي – الفلسطيني ، واقع الاحتلال الوحشي والمقاومة العنيفة ضد الاحتلال ، يشكلان الخلفية المأساوية لهذه العلاقات ، التي تتسع دائرتها لتشمل لقاءه مع اخيه واخته ، ولكن في واقع مأساوي لا يترك فسحة للحب والفرح والحياة . سامي ميخائيل في روايته المركبة والمليئة بالاحداث يبرز بقدرته الكبيرة على السرد وطرح الأسئلة الصعبة عن العلاقات بين الشعبين ، في ظل استمرار سفك الدماء المتبادل ، يقوم بذلك باسلوب فني حساس ومؤثر ومدهش بنفس الوقت . لماذا حمام الطرف الأغر ؟ " الطرف الأغر" هي ساحة في لندن اشتهرت بالحمام الداجن الذي لا يخاف الانسان ، بل يلامسه باجنحته ويحط على يديه وأكتافه ، كأني بسامي ميخائيل يقول: اذا كان حمام الطرف الأغر قادرا على اجتياز حاجز الخوف من عسف الانسان ، يرفرف بكل حرية في الفضاء وعلى الأرض ، يحط على ايدي واكتاف الناس ، يتجول بين ارجلهم ، فالانسان قادر ايضا على اجتياز الحواجز التي تبعده عن أخيه الانسان ، لذا كانت ساحة الطرف الأغر المليئة بالحمام هي الساحة التي اعادت الحرارة للعلاقة العائلية وعلاقة المصير الواحد بين شقيها الفلسطيني والاسرائيلي . لكن الجيل الثاني ايضا ، جيل زئيف وأخيه ، رغم اختلاف علاقاته نوعا عن الجيل الذي سبقه ، جيل النكبة / جيل الأب ، كان عليه ان يدفع الثمن وهو ثمن مؤلم ولا يقل مأساوية عن الكارثة اليهودية والنكبة الفلسطينية ... وكأني به يقول : ان الكارثة والنكبة متواصلتان كوجهين لعملة واحدة . زئيف اليهودي – الابن الفلسطيني ، يجد نفسه في معمعة الانتفاضة ، بعد احدى زياراته لأمه .. يسرع اخوه الفلسطيني لحمايته ... ويسقط الأخوان، اليهودي والفلسطيني ضحايا للواقع المأساوي لهذه الأرض التي شبعت دماءا وجثثا . لكن سامي ميخائيل لا يتوقف في هذه الميلودراما العنيفة هنا ، فها هم احفاد الأم ( ام اليهودي والفلسطيني ) حفيدها اليهودي واحفادها الفلسطينيون يلتقون في ارض غريبة ( قبرص ) لتحضنهم الأم - الجدة سوية ، بحب وحرارة وأمل ، فكلهم أبناؤها ولكلهم نفس الحق بالحياة ، لكنها تكاد تبدو لوحة سوريالية في واقع مجنون مليء بالدم والألم والدماء والدموع . ينهي سامي ميخائيل روايته بعتاب بين الأم وابنتها . الأم كانت تظن ان ابنتها عاملت اخيها اليهودي بكراهية عمياء ، لكن الحقيقة ان الأخت ، التي التقت بزئيف اخيها ، دون ان تعرفه ودون ان تكشف امها حقيقته ، عانت منذ ذلك اللقاء من صراع نفسي عنيف ، كشفته لأمها في الجملة الأخيرة من الرواية اذ قالت تفند اتهام امها لها بكراهية زئيف : - "لم تكن آية كراهية يا امي ، أنت وهو ارتكبتم خطأ مخيفا قبل سنوات ، حين التقينا به في الحديقة ، كان عليك ان تكشفي لي مسبقا ان الرجل الذي سألتقيه هو رجل انا ممنوعة عنه ، لم أكرهه حتى للحظة واحدة يا امي ، العكس تماما ، انت لا تعلمين كم تصارعت مع نفسي حتى لا احبه". رواية سامي ميخائيل تعبق بروح انسانية ، بل هي صرخة تدين الاحتلال الهمجي وتحلق بالروح الانسانية في نبؤة عن مسقبل آخر عبر عنه في اللقاء بين الاحفاد اليهود والعرب الذين احتضنتهم الام – الجدة ومن يعرف قيمة الحب وقيمة الحياة اكثر من قلب الأم ؟ اثارت الرواية جدلا واسعا بين بعض المثقفين العرب في اسرائيل ، اعتقد انه من حق كل انسان ان يرى احداث الرواية من زاويته الخاصة ... البعض شن هجوما عنيفا على الرواية والمؤلف .. ربما يكون سامي ميخائيل قد بالغ في محاولته لرؤية مغايرة للواقع المأساوي .. ولكني على ثقة ان سامي ميخائيل انطلق من رؤية انسانية في جذورها ، لكن عمق المأساة الفلسطينية بات مرعبا ، بات من الصعب رؤية المستقبل الذي يبشرنا به ( او يحلم به ) سامي ميخائيل . مع ذلك تبقى الرواية وبغض النظر عن تفصيلاتها العامة ، صرخة انسانية لوقف التدمير الذاتي الذي يمارسه الشعبين !! nabiloudeh@gmail.com
10.04.2013