صبحي غندور*

صبحي غندور*

مقالات ومواد لصبحي غندور*

أميركا المغضوب عليها.. ونحن الضالّون!

أميركا المغضوب عليها.. ونحن الضالّون!

لم تكن رؤية البلاد العربية للولايات المتحدة الأميركية في مطلع القرن العشرين كما هي عليه الآن في مطلع القرن الجديد. بل على العكس، كانت أميركا بنظر العرب آنذاك هي الدولة الداعمة لحقّ الشعوب في تقرير مصيرها، وهو الأمر الذي أكّدت عليه "مبادئ ويلسون"، وهي 14 مبدأ قُدِّمت من قِبَل رئيس الولايات المتحدة وودرو ويلسون للكونغرس الأمريكي بتاريخ 8 يناير 1918بعد الحرب العالمية الأولى. واستمرّت النظرة العربية الإيجابية لأميركا طيلة النصف الأول من القرن الماضي، خاصّةً أن أميركا لم تستعمر أو تحتل، قبل حربها الأخيرة على العراق، أيَّ بلدٍ عربي (كما كان حال عدّة دول أوروبية)، ووقفت واشنطن في العام 1956، خلال فترة رئاسة الجنرال أيزنهاور، ضدّ العدوان البريطاني/الفرنسي/الإسرائيلي على مصر. أمورٌ كثيرة تغيّرت في نظرة الشعوب العربية للسياسة الأميركية خلال حقبة الخمسين سنة الماضية، وتحديداً منذ اغتيال الرئيس كنيدي في العام 1963 وتولّي جونسون مهام الرئاسة الأميركية، حيث أصبح الدعم الأميركي المفتوح لإسرائيل هو الغالب على السياسة الأميركية في كل العهود التي توالت بعد ذلك، وحيث تفوّق عدائياً عهد جورج بوش الابن على كل ما سبقه، حينما احتلت أميركا العراق ومارست سياسة عدائية للعرب عموماً. وما هو ملفتٌ للانتباه أنّ عقد الخمسينات من القرن الماضي قد شهد متغيّراتٍ دولية مهمّة عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، إضافةً إلى ما كانت تشهده المنطقة العربية وجوارها الإقليمي من تفاعلات كبيرة طالت فلسطين والمشرق العربي ومصر وتركيا وإيران، وبشكلٍ متزامن أيضاً مع صعود الدور الإسرائيلي في المنطقة وفي خدمة المصالح الغربية التي تمحورت آنذاك بكتلة معسكر "حلف الناتو" تحت قيادة أميركية، في مواجهة كتلة دولية أخرى برزت هي كتلة "حلف وارسو" بزعامة روسية. وهاهو العالم الآن يشهد متغيراتٍ دولية وانتقالاً من عصر الإمبراطورية الأميركية التي قادت العالم في العقدين الماضيين إلى عصر التعدّدية القطبية، كما يشهد انتقال موسكو من موقع "العدو" لواشنطن (كما كان الأمر إبّان الحرب الباردة) إلى حال "الخصم" (كما في السنوات الأخيرة) ثمّ إلى موضع "الشريك" لواشنطن في حلّ الأزمات الدولية وفي بناء نظامٍ دولي جديد، لموسكو ولواشنطن فيه، دور الريادة المشتركة. ونجد أيضاً مع هذه المتغيرات الدولية الجارية الآن، تطوراتٍ إقليمية هامّة تشمل إيران وتركيا ومستقبل إسرائيل في المنطقة، إضافةً إلى تحديد مصير وجود ودور دول عربية كبرى مثل مصر وسوريا والعراق. الملاحظ أيضاً في حقبة التحوّلات الدولية والإقليمية الحاصلة أنّ المجمع عليه تقريباً في منطقة "الشرق الأوسط"، بما فيها من عرب وفرس وأتراك وإسرائيليين، هو الغضب المشترك على السياسة الأميركية وكأن واشنطن قد خسرت أصدقاءها ولم تكسب خصومها بعد. ففي مصر مثلاً هناك غضب على سياسة واشنطن من مختلف القوى المؤيدة والمعارضة للحكم الحالي بسبب تناقضات الموقف الأميركي تجاه جماعة "الأخوان المسلمين". وفي سوريا هناك خصومة مستمرة بين واشنطن والحكم السوري لكن يقابلها أيضاً امتعاض شديد لدى قوى المعارضة السورية من السياسة التي يتبعها الرئيس أوباما تجاه الأزمة الدموية السورية. وأمثلة أخرى عديدة نجدها الآن عن "عمومية الغضب" على السياسة الأميركية في الملفات الثلاثة: الإيرانية، السورية والفلسطينية، وهي التي اعتبرها الرئيس أوباما في خطابه الأخير أمام الأمم المتحدة بمثابة أجندة عمل لإدارته في هذه المرحلة. ربّما سيكون حال السياسة الأميركية في "الشرق الأوسط" كما هو في "الشرق الآسيوي" حيث تحرص واشنطن على علاقات جيدة لها مع كلٍّ من الهند وباكستان رغم ما بينهما من أزمات وحروب، وكما هي أيضاً سياسة التوازنات التي تتبعها واشنطن مع كلٍّ من اليابان والصين. لكن من الواضح أنّ هناك مراجعة للسياسة الأميركية التي اتّبِعت في العقدين الماضيين، وخاصّةً في حقبة العقد الأول من هذا القرن، وبأنّ هناك موافقة الآن من صُنّاع القرار الأميركي على الأجندة التي حملها معه الرئيس أوباما في العام 2009 ولم يقدر على تنفيذها إلا في هذه المرحلة، وهي التي تنهي عهد "الانفرادية الأميركية" في قيادة العالم، وتريد استخدام "القوة الناعمة" والتسويات السياسية للأزمات الدولية بديلاً عن أسلوب الحروب والتورّط العسكري الأميركي في خدمة الأهداف الأميركية. هذا التحوّل الحاصل في الأساليب الأميركية سبّب اعتراض بعض "أصدقاء" أميركا بالمنطقة، وجعل واشنطن من "المغضوب عليهم"، لكن هل العرب تحديداً هم على "الصراط المستقيم"؟!. الإجابة هي طبعاً بالنفي، فالعرب اليوم هم في أسوأ حال من الانقسامات والصراعات الداخلية، ومن افتقاد البوصلة السليمة لرشد حركتهم، ومن هيمنة الأفكار والممارسات الطائفية والمذهبية والإثنية. وهو حالٌ يجعل من الأوطان العربية أرضاً خصبة لكل مشاريع التفتيت التي تراهن عليها إسرائيل وأطراف أجنبية عدّة. فالعرب اليوم هم في ضلالٍ مبين مسؤولٌ عنه هذا الكمّ المتخلف ممّن هم في مواقع المسؤولية الفكرية والسياسية والدينية. وكما جرى استغلال التخلّف العربي في مطلع القرن العشرين لتحقيق هيمنة أوروبية على المنطقة من خلال شرذمة الأرض العربية، يتمّ الآن بناء متغيرات دولية وإقليمية من خلال توظيف الانقسامات الحاصلة لدى الشعوب العربية. والملامة هنا على العرب أنفسهم قبل أيِّ طرفٍ أجنبيٍّ آخر. نعم العرب سياسياً وفكرياً في ضلال، إذ هل هو صراطٌ مستقيم ما يسير عليه المسلمون والعرب حينما تتحول التعددية الطائفية والمذهبية في أوطانهم إلى خلافات، وإلى صراعاتٍ دموية أحياناً؟! أو هل هو صراطٌ سياسي مستقيم حينما يُناصر البعض إسرائيل في سياساتها ومشاريعها بالمنطقة، بينما يواصل المستوطنون الإسرائيليون تهويد مدينة القدس وغيرها من الأراضي الفلسطينية المحتلة؟! أليس مؤسفاً أن تخرج تصريحات في أسبوع واحد من شخص عربي وآخر بريطاني، الأول هو الوليد بن طلال الذي نشرت له شبكة "بلومبيرغ" الاقتصادية مقابلة فيها كلام يحضّ على الصراعات الطائفية بالمنطقة وعلى دعم إسرائيل، بينما الآخر البريطاني جورج غالواي يخاطب العرب داعياً إيّاهم للوحدة ولوقف الصراعات بينهم وللتركيز على مواجهة عدوّهم الإسرائيلي؟!. قد يرى البعض أنَّ عنوان تحدّيات هذه المرحلة هو "مصلحة الطائفة أو المذهب" ومن أجلها تُحلّل كل المحرمات!. وقد يرى بعضٌ آخر أنّ الأولويّة يجب أن تتمحور حول مسألة الديمقراطية في مواجهة الاستبداد الداخلي. لكن أساس المشكلة في الواقع العربي الراهن هو تراجع مفهوم "الوطن" وتعثّر تطبيق حقّ "المواطنة". ولعلّ ما حدث ويحدث في البلدان التي شهدت مؤخّراً تغييراتٍ في أنظمتها، لأمثلة حيّة على مكمن المشكلة السائدة في المجتمعات العربية. إنَّ ضعف الهويّة الوطنية لصالح هيمنة انتماءاتٍ ضيّقة يعني ضعفاً في البناء الدستوري والسياسي الداخلي، ويعني تسليماً من "المواطن" بأنَّ "الوطن" ليس لكلِّ المواطنين، وبأنّ "الوطن" هو ساحة صراع على مغانم فيه، لذلك يأخذ الانتماء إلى طائفة أو مذهب أو قبيلة بُعداً أكثر حصانةً وقوّة من الانتماء الوطني الواحد، كما يصبح الانتماء الفئوي عجلةً سياسية يتمّ استخدامها للوصول إلى مكاسب سياسية أو شخصية، أو لانتزاعها من أيدي آخرين حاكمين، وحيث تتحوّل أولويّة الانتماءات الضيّقة إلى مبرّرات تقتضي التعامل مع أي جهة خارجية من أجل مواجهة "الجماعات الأخرى" في الوطن الواحد!. إنّ ضعف الهويّة الوطنية المشتركة هو تعبير أيضاً عن فهمٍ خاطئ للانتماءات الأخرى. فالاعتقاد بمذاهب دينية مختلفة، أو الاعتزاز بأصول إثنية أو قبلية، هو ظاهرة طبيعية وصحّية في مجتمعاتٍ تقوم على التعدّدية وعلى الاختلاف القائم في البشر والطبيعة. لكن تحوّل هذا الاختلاف إلى خلاف عنفي وصراعات سياسية دموية يعني تناقضاً وتصادماً مع الحكمة في الاختلاف والتعدّد، فيكون المعيار هو محاسبة الآخرين على ما وُلدوا به وعليه، وليس على أعمالهم وأفكارهم. وهذا بحدِّ ذاته مخالفٌ للشرائع الدينية والدنيوية كلّها. هناك حاجةٌ الآن لبناء ولاء عربي جديد يجمع بين الفهم السليم للأمّة العربية الواحدة القائمة على خصوصيات متنوعة، وبين الولاء للوطن الواحد القائم على أسس سليمة في الحكم والمواطنة... وهناك حاجة للاهتداء ببوصلة عربية سليمة توقف حال الضياع والضلال قبل فوات الأوان. *مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن. Sobhi@alhewar.com

لم تكن رؤية البلاد العربية للولايات المتحدة الأميركية في مطلع القرن العشرين كما هي عليه الآن في مطلع القرن الجديد. بل على العكس، كانت أميركا بنظر العرب آنذاك هي الدولة الداعمة لحقّ الشعوب في تقرير مصيرها، وهو الأمر الذي أكّدت عليه "مبادئ ويلسون"، وهي 14 مبدأ قُدِّمت من قِبَل رئيس الولايات المتحدة وودرو ويلسون للكونغرس الأمريكي بتاريخ 8 يناير 1918بعد الحرب العالمية الأولى. واستمرّت النظرة العربية الإيجابية لأميركا طيلة النصف الأول من القرن الماضي، خاصّةً أن أميركا لم تستعمر أو تحتل، قبل حربها الأخيرة على العراق، أيَّ بلدٍ عربي (كما كان حال عدّة دول أوروبية)، ووقفت واشنطن في العام 1956، خلال فترة رئاسة الجنرال أيزنهاور، ضدّ العدوان البريطاني/الفرنسي/الإسرائيلي على مصر. أمورٌ كثيرة تغيّرت في نظرة الشعوب العربية للسياسة الأميركية خلال حقبة الخمسين سنة الماضية، وتحديداً منذ اغتيال الرئيس كنيدي في العام 1963 وتولّي جونسون مهام الرئاسة الأميركية، حيث أصبح الدعم الأميركي المفتوح لإسرائيل هو الغالب على السياسة الأميركية في كل العهود التي توالت بعد ذلك، وحيث تفوّق عدائياً عهد جورج بوش الابن على كل ما سبقه، حينما احتلت أميركا العراق ومارست سياسة عدائية للعرب عموماً. وما هو ملفتٌ للانتباه أنّ عقد الخمسينات من القرن الماضي قد شهد متغيّراتٍ دولية مهمّة عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، إضافةً إلى ما كانت تشهده المنطقة العربية وجوارها الإقليمي من تفاعلات كبيرة طالت فلسطين والمشرق العربي ومصر وتركيا وإيران، وبشكلٍ متزامن أيضاً مع صعود الدور الإسرائيلي في المنطقة وفي خدمة المصالح الغربية التي تمحورت آنذاك بكتلة معسكر "حلف الناتو" تحت قيادة أميركية، في مواجهة كتلة دولية أخرى برزت هي كتلة "حلف وارسو" بزعامة روسية. وهاهو العالم الآن يشهد متغيراتٍ دولية وانتقالاً من عصر الإمبراطورية الأميركية التي قادت العالم في العقدين الماضيين إلى عصر التعدّدية القطبية، كما يشهد انتقال موسكو من موقع "العدو" لواشنطن (كما كان الأمر إبّان الحرب الباردة) إلى حال "الخصم" (كما في السنوات الأخيرة) ثمّ إلى موضع "الشريك" لواشنطن في حلّ الأزمات الدولية وفي بناء نظامٍ دولي جديد، لموسكو ولواشنطن فيه، دور الريادة المشتركة. ونجد أيضاً مع هذه المتغيرات الدولية الجارية الآن، تطوراتٍ إقليمية هامّة تشمل إيران وتركيا ومستقبل إسرائيل في المنطقة، إضافةً إلى تحديد مصير وجود ودور دول عربية كبرى مثل مصر وسوريا والعراق. الملاحظ أيضاً في حقبة التحوّلات الدولية والإقليمية الحاصلة أنّ المجمع عليه تقريباً في منطقة "الشرق الأوسط"، بما فيها من عرب وفرس وأتراك وإسرائيليين، هو الغضب المشترك على السياسة الأميركية وكأن واشنطن قد خسرت أصدقاءها ولم تكسب خصومها بعد. ففي مصر مثلاً هناك غضب على سياسة واشنطن من مختلف القوى المؤيدة والمعارضة للحكم الحالي بسبب تناقضات الموقف الأميركي تجاه جماعة "الأخوان المسلمين". وفي سوريا هناك خصومة مستمرة بين واشنطن والحكم السوري لكن يقابلها أيضاً امتعاض شديد لدى قوى المعارضة السورية من السياسة التي يتبعها الرئيس أوباما تجاه الأزمة الدموية السورية. وأمثلة أخرى عديدة نجدها الآن عن "عمومية الغضب" على السياسة الأميركية في الملفات الثلاثة: الإيرانية، السورية والفلسطينية، وهي التي اعتبرها الرئيس أوباما في خطابه الأخير أمام الأمم المتحدة بمثابة أجندة عمل لإدارته في هذه المرحلة. ربّما سيكون حال السياسة الأميركية في "الشرق الأوسط" كما هو في "الشرق الآسيوي" حيث تحرص واشنطن على علاقات جيدة لها مع كلٍّ من الهند وباكستان رغم ما بينهما من أزمات وحروب، وكما هي أيضاً سياسة التوازنات التي تتبعها واشنطن مع كلٍّ من اليابان والصين. لكن من الواضح أنّ هناك مراجعة للسياسة الأميركية التي اتّبِعت في العقدين الماضيين، وخاصّةً في حقبة العقد الأول من هذا القرن، وبأنّ هناك موافقة الآن من صُنّاع القرار الأميركي على الأجندة التي حملها معه الرئيس أوباما في العام 2009 ولم يقدر على تنفيذها إلا في هذه المرحلة، وهي التي تنهي عهد "الانفرادية الأميركية" في قيادة العالم، وتريد استخدام "القوة الناعمة" والتسويات السياسية للأزمات الدولية بديلاً عن أسلوب الحروب والتورّط العسكري الأميركي في خدمة الأهداف الأميركية. هذا التحوّل الحاصل في الأساليب الأميركية سبّب اعتراض بعض "أصدقاء" أميركا بالمنطقة، وجعل واشنطن من "المغضوب عليهم"، لكن هل العرب تحديداً هم على "الصراط المستقيم"؟!. الإجابة هي طبعاً بالنفي، فالعرب اليوم هم في أسوأ حال من الانقسامات والصراعات الداخلية، ومن افتقاد البوصلة السليمة لرشد حركتهم، ومن هيمنة الأفكار والممارسات الطائفية والمذهبية والإثنية. وهو حالٌ يجعل من الأوطان العربية أرضاً خصبة لكل مشاريع التفتيت التي تراهن عليها إسرائيل وأطراف أجنبية عدّة. فالعرب اليوم هم في ضلالٍ مبين مسؤولٌ عنه هذا الكمّ المتخلف ممّن هم في مواقع المسؤولية الفكرية والسياسية والدينية. وكما جرى استغلال التخلّف العربي في مطلع القرن العشرين لتحقيق هيمنة أوروبية على المنطقة من خلال شرذمة الأرض العربية، يتمّ الآن بناء متغيرات دولية وإقليمية من خلال توظيف الانقسامات الحاصلة لدى الشعوب العربية. والملامة هنا على العرب أنفسهم قبل أيِّ طرفٍ أجنبيٍّ آخر. نعم العرب سياسياً وفكرياً في ضلال، إذ هل هو صراطٌ مستقيم ما يسير عليه المسلمون والعرب حينما تتحول التعددية الطائفية والمذهبية في أوطانهم إلى خلافات، وإلى صراعاتٍ دموية أحياناً؟! أو هل هو صراطٌ سياسي مستقيم حينما يُناصر البعض إسرائيل في سياساتها ومشاريعها بالمنطقة، بينما يواصل المستوطنون الإسرائيليون تهويد مدينة القدس وغيرها من الأراضي الفلسطينية المحتلة؟! أليس مؤسفاً أن تخرج تصريحات في أسبوع واحد من شخص عربي وآخر بريطاني، الأول هو الوليد بن طلال الذي نشرت له شبكة "بلومبيرغ" الاقتصادية مقابلة فيها كلام يحضّ على الصراعات الطائفية بالمنطقة وعلى دعم إسرائيل، بينما الآخر البريطاني جورج غالواي يخاطب العرب داعياً إيّاهم للوحدة ولوقف الصراعات بينهم وللتركيز على مواجهة عدوّهم الإسرائيلي؟!. قد يرى البعض أنَّ عنوان تحدّيات هذه المرحلة هو "مصلحة الطائفة أو المذهب" ومن أجلها تُحلّل كل المحرمات!. وقد يرى بعضٌ آخر أنّ الأولويّة يجب أن تتمحور حول مسألة الديمقراطية في مواجهة الاستبداد الداخلي. لكن أساس المشكلة في الواقع العربي الراهن هو تراجع مفهوم "الوطن" وتعثّر تطبيق حقّ "المواطنة". ولعلّ ما حدث ويحدث في البلدان التي شهدت مؤخّراً تغييراتٍ في أنظمتها، لأمثلة حيّة على مكمن المشكلة السائدة في المجتمعات العربية. إنَّ ضعف الهويّة الوطنية لصالح هيمنة انتماءاتٍ ضيّقة يعني ضعفاً في البناء الدستوري والسياسي الداخلي، ويعني تسليماً من "المواطن" بأنَّ "الوطن" ليس لكلِّ المواطنين، وبأنّ "الوطن" هو ساحة صراع على مغانم فيه، لذلك يأخذ الانتماء إلى طائفة أو مذهب أو قبيلة بُعداً أكثر حصانةً وقوّة من الانتماء الوطني الواحد، كما يصبح الانتماء الفئوي عجلةً سياسية يتمّ استخدامها للوصول إلى مكاسب سياسية أو شخصية، أو لانتزاعها من أيدي آخرين حاكمين، وحيث تتحوّل أولويّة الانتماءات الضيّقة إلى مبرّرات تقتضي التعامل مع أي جهة خارجية من أجل مواجهة "الجماعات الأخرى" في الوطن الواحد!. إنّ ضعف الهويّة الوطنية المشتركة هو تعبير أيضاً عن فهمٍ خاطئ للانتماءات الأخرى. فالاعتقاد بمذاهب دينية مختلفة، أو الاعتزاز بأصول إثنية أو قبلية، هو ظاهرة طبيعية وصحّية في مجتمعاتٍ تقوم على التعدّدية وعلى الاختلاف القائم في البشر والطبيعة. لكن تحوّل هذا الاختلاف إلى خلاف عنفي وصراعات سياسية دموية يعني تناقضاً وتصادماً مع الحكمة في الاختلاف والتعدّد، فيكون المعيار هو محاسبة الآخرين على ما وُلدوا به وعليه، وليس على أعمالهم وأفكارهم. وهذا بحدِّ ذاته مخالفٌ للشرائع الدينية والدنيوية كلّها. هناك حاجةٌ الآن لبناء ولاء عربي جديد يجمع بين الفهم السليم للأمّة العربية الواحدة القائمة على خصوصيات متنوعة، وبين الولاء للوطن الواحد القائم على أسس سليمة في الحكم والمواطنة... وهناك حاجة للاهتداء ببوصلة عربية سليمة توقف حال الضياع والضلال قبل فوات الأوان. *مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن. Sobhi@alhewar.com

05.12.2013

هل تنجح إسرائيل في إفشال أجندة أوباما؟

هل تنجح إسرائيل في إفشال أجندة أوباما؟

خمسون عاماً مرّت على اغتيال الرئيس الأميركي جون كنيدي، ويتكرّر الآن ما يحصل عادةً كلّ عام في هذه المناسبة، من تعدّدٍ للاتّهامات والتفسيرات حول مقتل كنيدي والجهة التي كانت تقف وراء الاغتيال، حتّى أنّ الوزير جون كيري دخل مؤخّراً في دائرة المشكّكين بما هو معلَنٌ منذ نصف قرن عن الجهة التي قامت بعملية الاغتيال. فما زالت "نظرية المؤامرة" حاضرةً بقصوى في الاتّهامات التي تتوزّع بين مسؤولية عصابات المافيا، وبين دور روسي/كوبي، وبين جهاتٍ أميركية داخلية فاعلة كانت تريد تصعيد التورط العسكري الأميركي في حرب فيتنام بينما لم يكن الرئيس كنيدي موافقاً على ذلك. أيضاً، هناك اتّهامات لجماعات إسرائيلية بأنّها كانت وراء الاغتيال بسبب رفض الرئيس كنيدي السماح لإسرائيل بامتلاك سلاح نووي، وبأنّ كنيدي كان يتواصل مع الرئيس جمال عبد الناصر من أجل تأمين حلٍّ عادل للقضية الفلسطينية ولمشكلة اللاجئين الفلسطينيين الذين طُرِدوا من أرضهم بعد قيام دولة إسرائيل. وتتزامن الآن الذكرى الخمسينية لاغتيال كنيدي مع تحرّك أميركي مميّز تقوم به إدارة أوباما لإيجاد تسوياتٍ سياسية لأزماتٍ مهمّة في منطقة الشرق الأوسط، تشمل الملف النووي الإيراني والحرب في سوريا والملف الفلسطيني، وهي القضايا الثلاث التي وضعها الرئيس أوباما في خطابه أمام هيئة الأمم المتحدة بمثابة أجندة لسياسته الخارجية في هذه المرحلة. طبعاً، هناك تلازم وتفاعل بين هذه القضايا الثلاث، وحلُّ أيٍّ منها سيساعد على الحلول للأزمات الأخرى، وكان من المهم أن يسبق التحرّك الأميركي الجاد بشأنها تفاهمات مع موسكو حول آفاق التسويات وسبل تحقيقها. لذلك وجدنا أنّ الاتفاق الأميركي/الروسي حول السلاح الكيمائي السوري كان مدخلاً مهمّاً فيما بعد للتحرّك المشترك بين واشنطن وموسكو في مسألة الدعوة لمؤتمر "جنيف 2" الخاص بسوريا، وكذلك في الحراك الحاصل حول الملف النووي الإيراني. لكن مشكلة الرئيس أوباما في أجندته الشرق أوسطية، الثلاثية الأبعاد (إيران، سوريا، وفلسطين)، هي ليست مع خصومه الدوليين بل مع أقرب حلفائه الآن، حيث وجدنا اعتراضاتٍ علنية قاسية على هذه الأجندة من إسرائيل وفرنسا والمملكة العربية السعودية. ورغم أهمّية التحفظّات الفرنسية والسعودية، فإنّ الأشد خطورة على إستراتجية التحرّك الدبلوماسي الأميركي الآن مصدره إسرائيل وما لديها من نفوذ سياسي وإعلامي مؤثّر في الولايات المتحدة وفي دول أوروبا. وقد كان رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو واضحاً وصريحاً في اعتراضاته على التقارب الأميركي/الأوروبي مع طهران، وأطلق التحذيرات العلنية من الوصول إلى اتّفاقات مع إيران حول ملفّها النووي حتّى قبل حصول أي اجتماع أو اتفاق، إذ أنّ إسرائيل ترفض من حيث المبدأ وقف الصراع مع إيران، فكيف بتحقيق تفاهماتٍ دولية معها!. إنّ إسرائيل تعمل منذ سنوات، خاصة منذ وصول نتنياهو للحكم في العام 2009، على جعل أولويّة الصراعات في المنطقة مع إيران وحلفائها بالمنطقة، وعلى إقامة محور عربي/إقليمي/دولي تكون إسرائيل فيه هي الرائدة لإشعال حرب عسكرية ضدّ إيران ومن معها في سوريا ولبنان وفلسطين، بحيث تتحقّق عدّة أهداف إسرائيلية مهمّة جداً لكل الإستراتيجية والمصالح الصهيونية في المنطقة والعالم. فالمراهنة الإسرائيلية هي على تهميش الملف الفلسطيني وعلى كسب الوقت لمزيدٍ من الاستيطان في القدس والضفة الغربية، وعلى تفجير صراعات عربية داخلية بأسماء وحجج مختلفة، تجمع بين المطالبة بالديمقراطية وبين صراعات طائفية ومذهبية وقبلية تؤدّي إلى تفتيت الكيانات العربية الراهنة، وعلى إنهاك وإنهاء حركات المقاومة ضدّها في فلسطين ولبنان، وعلى تدمير الجيوش العربية الكبرى في المنطقة، وعلى إقامة تطبيع سياسي وأمني مع كل الأطراف العربية التي تقبل السير في المحور الإسرائيلي المنشود. كذلك راهنت حكومة نتنياهو على أنّ الحرب ضدّ إيران والتصعيد الدولي والإقليمي ضدّها سيوجِد لإسرائيل أدواراً كبيرة سياسياً وأمنياً في عموم المنطقة ومعظم دول العالم الإسلامي، وسيجعل من إسرائيل قوةً إقليمية ودولية كبرى في عصرٍ بدأ يتّسم بالتعدّدية القطبية، بحيث تكون إسرائيل عندها قادرةً على فرض "شرق أوسطي جديد" يسمح لها بتحقيق مشاريع اقتصادية متعدّدة تشمل بناء قناة بديلة لقناة السويس، تصل البحر الأحمر بالبحر المتوسط، إضافةً إلى استثمار منابع النفط والغاز في الشاطئ الشرقي للمتوسط، وإقامة أنابيب للنفط والغاز من منطقة الخليج إلى الشواطئ الإسرائيلية، وما يمكن أيضاً أن تستثمره التكنولوجيا الإسرائيلية في البلدان المجاورة التي ستحتاج إلى الكثير من مشاريع الأعمار بعدما تضع الحروب الإقليمية والأهلية أوزارها. ما سبق ذكره ليس من صنع الخيال، ولا هو بافتراءاتٍ على ما تريده إسرائيل في هذه المرحلة، بل هو واقعٌ حاصل على الأرض في القضايا الثلاث التي هي محور أجندة إدارة أوباما خلال فترته الثانية بالبيت الأبيض. فإسرائيل لن تخضع الآن للمطالبة الأميركية والدولية بوقف الاستيطان ولن تقبل حتماً بتقسيم القدس ولا بحلّ قضية اللاجئيين ولا بإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على حدود العام 1967، وهذه هي القضايا التي يدور الآن التفاوض بشأنها بين الفلسطينيين والإسرائيليين بضغطٍ أميركي. ثمّ إن إسرائيل لا تجد مصلحةً إطلاقاً في وقف نزيف الدم السوري وفي إنهاء الأزمة الدموية السورية بتسوية تحافظ على وحدة الكيان السوري وتعيد بناء الدولة السورية على أسس سليمة، بينما تُهدّد هذه الأزمة أيضاً كلَّ المشرق العربي وحركات المقاومة فيه. إذن، هو تباينٌ كبير حاصلٌ الآن بين الإسترايجية الإسرائيلية القديمة وبين الأجندة الجديدة لإدارة أوباما التي تأخذ بعين الاعتبار المصالح الأميركية أولاً، تماماً كما فعل الجنرال دوايت أيزنهاور حينما كان رئيساً للولايات المتحدة بوقوفه ضدّ العدوان البريطاني/الفرنسي/الإسرائيلي على مصر في العام 1956، وأيضاً كما كان بعده الرئيس جون كنيدي، والذي بعد اغتياله قدّم نائبه جونسون أقصى درجات الدعم لإسرائيل وأدخل أميركا في حربٍ دامية بفيتنام. *** سيكون من الصعب التنبؤ بمصير "أجندة أوباما" الشرق أوسطية، لكن ما حدث من ردود فعلٍ أميركية ودولية رافضة للضربات العسكرية لسوريا التي هددّت بها إدارة أوباما قبل الاتفافات مع موسكو، أوجد مناخاً رافضاً أيضاً لأي تورّط عسكري أميركي جديد في العالم. أيضاً، فإنّ إدارة أوباما تعتمد الآن على زخمٍ دولي لدعم أجندتها يرافقه متغيّرات سياسية إيجابية هامّة في إيران، وهو مزيجٌ مهم لإنجاح مراحل هذه الأجندة التي ستكون أمامها عقبات كثيرة، بعضها خرج للعلن الآن، لكن يبقى الأساس في عدم تراجع إدارة أوباما نفسها عن هذه "الأجندة"، وفي مصارحة الرأي العام الأميركي بما هو يجهله من حجم التباين الحاصل بين المصالح الأميركية وبين الرؤى الإسرائيلية التي لا يخفى أيضاً حجم مسؤوليتها عن تراجع موقع الولايات المتحدة نتيجة تأثيراتها السلبية في الإدارة السابقة وحروبها الفاشلة. *مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن. Sobhi@alhewar.com

خمسون عاماً مرّت على اغتيال الرئيس الأميركي جون كنيدي، ويتكرّر الآن ما يحصل عادةً كلّ عام في هذه المناسبة، من تعدّدٍ للاتّهامات والتفسيرات حول مقتل كنيدي والجهة التي كانت تقف وراء الاغتيال، حتّى أنّ الوزير جون كيري دخل مؤخّراً في دائرة المشكّكين بما هو معلَنٌ منذ نصف قرن عن الجهة التي قامت بعملية الاغتيال. فما زالت "نظرية المؤامرة" حاضرةً بقصوى في الاتّهامات التي تتوزّع بين مسؤولية عصابات المافيا، وبين دور روسي/كوبي، وبين جهاتٍ أميركية داخلية فاعلة كانت تريد تصعيد التورط العسكري الأميركي في حرب فيتنام بينما لم يكن الرئيس كنيدي موافقاً على ذلك. أيضاً، هناك اتّهامات لجماعات إسرائيلية بأنّها كانت وراء الاغتيال بسبب رفض الرئيس كنيدي السماح لإسرائيل بامتلاك سلاح نووي، وبأنّ كنيدي كان يتواصل مع الرئيس جمال عبد الناصر من أجل تأمين حلٍّ عادل للقضية الفلسطينية ولمشكلة اللاجئين الفلسطينيين الذين طُرِدوا من أرضهم بعد قيام دولة إسرائيل. وتتزامن الآن الذكرى الخمسينية لاغتيال كنيدي مع تحرّك أميركي مميّز تقوم به إدارة أوباما لإيجاد تسوياتٍ سياسية لأزماتٍ مهمّة في منطقة الشرق الأوسط، تشمل الملف النووي الإيراني والحرب في سوريا والملف الفلسطيني، وهي القضايا الثلاث التي وضعها الرئيس أوباما في خطابه أمام هيئة الأمم المتحدة بمثابة أجندة لسياسته الخارجية في هذه المرحلة. طبعاً، هناك تلازم وتفاعل بين هذه القضايا الثلاث، وحلُّ أيٍّ منها سيساعد على الحلول للأزمات الأخرى، وكان من المهم أن يسبق التحرّك الأميركي الجاد بشأنها تفاهمات مع موسكو حول آفاق التسويات وسبل تحقيقها. لذلك وجدنا أنّ الاتفاق الأميركي/الروسي حول السلاح الكيمائي السوري كان مدخلاً مهمّاً فيما بعد للتحرّك المشترك بين واشنطن وموسكو في مسألة الدعوة لمؤتمر "جنيف 2" الخاص بسوريا، وكذلك في الحراك الحاصل حول الملف النووي الإيراني. لكن مشكلة الرئيس أوباما في أجندته الشرق أوسطية، الثلاثية الأبعاد (إيران، سوريا، وفلسطين)، هي ليست مع خصومه الدوليين بل مع أقرب حلفائه الآن، حيث وجدنا اعتراضاتٍ علنية قاسية على هذه الأجندة من إسرائيل وفرنسا والمملكة العربية السعودية. ورغم أهمّية التحفظّات الفرنسية والسعودية، فإنّ الأشد خطورة على إستراتجية التحرّك الدبلوماسي الأميركي الآن مصدره إسرائيل وما لديها من نفوذ سياسي وإعلامي مؤثّر في الولايات المتحدة وفي دول أوروبا. وقد كان رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو واضحاً وصريحاً في اعتراضاته على التقارب الأميركي/الأوروبي مع طهران، وأطلق التحذيرات العلنية من الوصول إلى اتّفاقات مع إيران حول ملفّها النووي حتّى قبل حصول أي اجتماع أو اتفاق، إذ أنّ إسرائيل ترفض من حيث المبدأ وقف الصراع مع إيران، فكيف بتحقيق تفاهماتٍ دولية معها!. إنّ إسرائيل تعمل منذ سنوات، خاصة منذ وصول نتنياهو للحكم في العام 2009، على جعل أولويّة الصراعات في المنطقة مع إيران وحلفائها بالمنطقة، وعلى إقامة محور عربي/إقليمي/دولي تكون إسرائيل فيه هي الرائدة لإشعال حرب عسكرية ضدّ إيران ومن معها في سوريا ولبنان وفلسطين، بحيث تتحقّق عدّة أهداف إسرائيلية مهمّة جداً لكل الإستراتيجية والمصالح الصهيونية في المنطقة والعالم. فالمراهنة الإسرائيلية هي على تهميش الملف الفلسطيني وعلى كسب الوقت لمزيدٍ من الاستيطان في القدس والضفة الغربية، وعلى تفجير صراعات عربية داخلية بأسماء وحجج مختلفة، تجمع بين المطالبة بالديمقراطية وبين صراعات طائفية ومذهبية وقبلية تؤدّي إلى تفتيت الكيانات العربية الراهنة، وعلى إنهاك وإنهاء حركات المقاومة ضدّها في فلسطين ولبنان، وعلى تدمير الجيوش العربية الكبرى في المنطقة، وعلى إقامة تطبيع سياسي وأمني مع كل الأطراف العربية التي تقبل السير في المحور الإسرائيلي المنشود. كذلك راهنت حكومة نتنياهو على أنّ الحرب ضدّ إيران والتصعيد الدولي والإقليمي ضدّها سيوجِد لإسرائيل أدواراً كبيرة سياسياً وأمنياً في عموم المنطقة ومعظم دول العالم الإسلامي، وسيجعل من إسرائيل قوةً إقليمية ودولية كبرى في عصرٍ بدأ يتّسم بالتعدّدية القطبية، بحيث تكون إسرائيل عندها قادرةً على فرض "شرق أوسطي جديد" يسمح لها بتحقيق مشاريع اقتصادية متعدّدة تشمل بناء قناة بديلة لقناة السويس، تصل البحر الأحمر بالبحر المتوسط، إضافةً إلى استثمار منابع النفط والغاز في الشاطئ الشرقي للمتوسط، وإقامة أنابيب للنفط والغاز من منطقة الخليج إلى الشواطئ الإسرائيلية، وما يمكن أيضاً أن تستثمره التكنولوجيا الإسرائيلية في البلدان المجاورة التي ستحتاج إلى الكثير من مشاريع الأعمار بعدما تضع الحروب الإقليمية والأهلية أوزارها. ما سبق ذكره ليس من صنع الخيال، ولا هو بافتراءاتٍ على ما تريده إسرائيل في هذه المرحلة، بل هو واقعٌ حاصل على الأرض في القضايا الثلاث التي هي محور أجندة إدارة أوباما خلال فترته الثانية بالبيت الأبيض. فإسرائيل لن تخضع الآن للمطالبة الأميركية والدولية بوقف الاستيطان ولن تقبل حتماً بتقسيم القدس ولا بحلّ قضية اللاجئيين ولا بإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على حدود العام 1967، وهذه هي القضايا التي يدور الآن التفاوض بشأنها بين الفلسطينيين والإسرائيليين بضغطٍ أميركي. ثمّ إن إسرائيل لا تجد مصلحةً إطلاقاً في وقف نزيف الدم السوري وفي إنهاء الأزمة الدموية السورية بتسوية تحافظ على وحدة الكيان السوري وتعيد بناء الدولة السورية على أسس سليمة، بينما تُهدّد هذه الأزمة أيضاً كلَّ المشرق العربي وحركات المقاومة فيه. إذن، هو تباينٌ كبير حاصلٌ الآن بين الإسترايجية الإسرائيلية القديمة وبين الأجندة الجديدة لإدارة أوباما التي تأخذ بعين الاعتبار المصالح الأميركية أولاً، تماماً كما فعل الجنرال دوايت أيزنهاور حينما كان رئيساً للولايات المتحدة بوقوفه ضدّ العدوان البريطاني/الفرنسي/الإسرائيلي على مصر في العام 1956، وأيضاً كما كان بعده الرئيس جون كنيدي، والذي بعد اغتياله قدّم نائبه جونسون أقصى درجات الدعم لإسرائيل وأدخل أميركا في حربٍ دامية بفيتنام. *** سيكون من الصعب التنبؤ بمصير "أجندة أوباما" الشرق أوسطية، لكن ما حدث من ردود فعلٍ أميركية ودولية رافضة للضربات العسكرية لسوريا التي هددّت بها إدارة أوباما قبل الاتفافات مع موسكو، أوجد مناخاً رافضاً أيضاً لأي تورّط عسكري أميركي جديد في العالم. أيضاً، فإنّ إدارة أوباما تعتمد الآن على زخمٍ دولي لدعم أجندتها يرافقه متغيّرات سياسية إيجابية هامّة في إيران، وهو مزيجٌ مهم لإنجاح مراحل هذه الأجندة التي ستكون أمامها عقبات كثيرة، بعضها خرج للعلن الآن، لكن يبقى الأساس في عدم تراجع إدارة أوباما نفسها عن هذه "الأجندة"، وفي مصارحة الرأي العام الأميركي بما هو يجهله من حجم التباين الحاصل بين المصالح الأميركية وبين الرؤى الإسرائيلية التي لا يخفى أيضاً حجم مسؤوليتها عن تراجع موقع الولايات المتحدة نتيجة تأثيراتها السلبية في الإدارة السابقة وحروبها الفاشلة. *مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن. Sobhi@alhewar.com

14.11.2013

مشكلة العرب في تفرّقهم.. وفي "جامعتهم"!

مشكلة العرب في تفرّقهم.. وفي "جامعتهم"!

آمال العرب هي على مصر، لأنّ مصر هي القوّة العربية الأساس في كلّ مواجهة خاضتها الأمَّة العربية على مرِّ التاريخ، ولأنّ المنطقة كانت تخضع دائماً لتأثيرات الدور المصري إيجاباً كان أم سلباً. لكن التاريخ يؤكّد أيضاً أنّ أمن مصر هو من أمن العرب وأنّ استقرارها وتقدّمها مرهونان أيضاً بما يحدث في جوارها العربي.

آمال العرب هي على مصر، لأنّ مصر هي القوّة العربية الأساس في كلّ مواجهة خاضتها الأمَّة العربية على مرِّ التاريخ، ولأنّ المنطقة كانت تخضع دائماً لتأثيرات الدور المصري إيجاباً كان أم سلباً. لكن التاريخ يؤكّد أيضاً أنّ أمن مصر هو من أمن العرب وأنّ استقرارها وتقدّمها مرهونان أيضاً بما يحدث في جوارها العربي.

07.11.2013

زمنٌ عربي ضائع بلا بوصلة مشتركة

زمنٌ عربي ضائع بلا بوصلة مشتركة

الاحتلال هو نتيجة، وليس السبب حصراً لمأساةٍ عربية هنا أو هناك. ومواجهة الاحتلال لا تكون بالمواجهات العسكرية وعمليات المقاومة ضدّ الجيش المحتل فقط، بل أيضاً (وربّما تكون هذه هي المواجهة الأهم) في إسقاط الأهداف السياسية للمحتل، وفي بناء قوّة ذاتيّة تُنهي عناصر الضعف التي فتحت الباب لنير الاحتلال

الاحتلال هو نتيجة، وليس السبب حصراً لمأساةٍ عربية هنا أو هناك. ومواجهة الاحتلال لا تكون بالمواجهات العسكرية وعمليات المقاومة ضدّ الجيش المحتل فقط، بل أيضاً (وربّما تكون هذه هي المواجهة الأهم) في إسقاط الأهداف السياسية للمحتل، وفي بناء قوّة ذاتيّة تُنهي عناصر الضعف التي فتحت الباب لنير الاحتلال

31.10.2013

سقوط نهج العسكرة في الحراك الشعبي

سقوط نهج العسكرة في الحراك الشعبي

هل كان بعض قوى المعارضة السورية بحاجةٍ إلى أكثر من سنتين من الزمن ليدرك أن خيار عسكرة الحراك الشعبي السوري كان قراراً خاطئاً ومسهّلاً لدخول أطراف عديدة على هذا الحراك لحرفه إلى مسارات لا تتوافق مع مصالح الشعب السوري؟! فهانحن الآن نسمع ونقرأ تصريحاتٍ لأسماء محسوبة على المعارضة السورية تشير إلى المأزق الذي هي فيه حالياً بعد التفاهم الأميركي – الروسي بشأن الأزمة السورية وبعد دخول واشنطن في مفاوضاتٍ مباشرة مع طهران. ويتّضح من هذه التصريحات حجم الإحباط السياسي السائد وسط الجماعات التي راهنت على الجمع بين "عسكرة" الحراك الشعبي وبين الدعوة للتدخّل العسكري الأجنبي في سوريا، فإذا بالعسكرة تؤدّي إلى حجمٍ كبير من الخسائر الشعبية والمادية بسبب تحوّل الأمر من مظاهرات شعبية تقمعها السلطات الأمنية السورية، إلى حربٍ أهلية تُستخدَم فيها كل أنواع الأسلحة من جهة، وإلى أيضاً ، من جهةٍ أخرى، جعل الأراضي السورية الخاضعة لهيمنة المعارضة المسلّحة مرتعاً لقوًى إرهابية ومتطرّفة جاء عناصرها من أكثر من 60 دولة باعتراف عدّة مراجع أممية وإعلامية. ثمّ هل كانت هذه الأطراف المعارضة في سوريا تعتقد أنّها قادرة فعلاً على الحسم العسكري بمفردها ضدّ النظام الحالي في سوريا، أم أنّ مراهنتها الأساسية كانت على تدخّل عسكري ممّن شجّعها على "العسكرة" أصلاً، وهاهي سوريا الوطن والمؤسسات والشعب معاً ضحية هذه القرارات الخاطئة، فسلبية النتائج لم تقتصر على الحكم والمعارضة فقط. إنّ مأزق المعارضة المسلّحة السورية الآن ليس محصوراً بالعجز عن التقدّم العسكري في الأراضي السورية فحسب، ولا أيضاً بالخلافات العميقة الجارية بين القوى الإقليمية والدولية التي دعمت "عسكرة" الحراك الشعبي السوري فقط، لكن جوهر المأزق يكمن في الجديد من مواقف واشنطن التي كانت تريد من التشجيع على إشعال الحرب الداخلية في سوريا توظيف ذلك لتحجيم النفوذ الروسي فيها واستبداله بهيمنة "حلف الناتو" على بلدٍ مجاور لبلدان مهمّة جداً للمصالح الأميركية (تركيا، الأردن، لبنان، العراق وإسرائيل). أيضاً، سوريا هي حليف قوي لإيران التي كانت واشنطن تريد إضعافها من خلال إنهاك حليفها السوري ثمّ التأثير السلبي لذلك على قوى المقاومة التي تدعمها إيران في لبنان وفلسطين. أمّا الجديد في مواقف واشنطن حالياً، فلا ينسجم مع هذه السياسات التي اعتُمِدت في السابق حيث التفاهمات مع موسكو هي أولويّة تحرص الآن عليها السياسة الأميركية، وحيث المفاوضات مع إيران تستوجب مناخاتٍ إيجابية في المنطقة ممّا يتطلّب، في السياسة الأميركية الجديدة تجاه موسكو وطهران، السعي لوقف الصراعات المسلّحة في سوريا، وسيعني ذلك حتماً سقوط أسلوب "العسكرة" بعدما سقطت أيضاً كل المراهنات على التدخّل العسكري لحلف "الناتو" في سوريا. وفي هذه السياسة الأميركية الجديدة تجاه الأزمة السورية، نجد أطرافاً إقليمية عديدة غير مرتاحة لما قد تسفر عنه هذه السياسة من نتائج على مستوى المنطقة، لكن حتماً الطرف الإسرائيلي هو الأكثر تضرّراً من وقف النزاعات المسلحة في سوريا ومن التفاهمات الأميركية مع روسيا وإيران. فالمراهنات الإسرائيلية كانت، وما تزال، على حروب أهلية عربية وعلى تفتيت سوريا وكيانات المنطقة كلها، وعلى مواجهات عسكرية بين الغرب وإيران، ليس من أجل إضعاف خصمٍ لها فقط، بل لتغيير خرائط في المنطقة وإقامة دويلات طائفية وإثنية، ولتعزيز حاجة أميركا والغرب لإسرائيل بحكم ما سينتج عن الحروب الإقليمية والأهلية من تهميش للحقوق الفلسطينية ومن تصعيد في حركة الاستيطان ومن تفاعلات عديدة لصالح إسرائيل ولأمدٍ طويل!. أيضاً، كانت سياسة "حلف الناتو" ترى أنّ إضعاف إيران وروسيا ممكنٌ في منطقة "الشرق الأوسط" من خلال المراهنة على نتائج "الثورات العربية"، وما تفرزه هذه "الثورات" في بعض البلدان من وصول جماعات سياسية دينية منسّقة حالياً مع واشنطن، ومتباينة مع إيران وموسكو وبعيدة عن سياساتهما القديمة والحديثة، لكن هذه الآمال سقطت أيضاً بسقوط حكم "جماعة الأخوان" في مصر وبتعثّر تجارب أخرى. هناك قناعة دولية الآن بعدم إمكانية حسم الأمور عسكرياً على الأرض السورية لصالح هذا الطرف أو ذاك، وهناك ارتفاع دولي مشترك لمنسوب المخاوف من تفاعلاتٍ ممّا يحدث على الأرض السورية، إن كان لجهة زيادة دور وعدد الجماعات الدينية المتطرّفة، والمحسوبة اسمياً على "جماعات القاعدة"، أو أيضاً لمحاذير امتداد الصراعات المسلّحة إلى دول مجاورة لسوريا. أيضاً، يشهد العالم إصراراً روسيّاً/صينيّاً على صياغة نظام دولي جديد يقوم على الشراكة لا على التبعيّة للموقف الأميركي، نظام تعدّدية الأقطاب الذي سينهي حقبة القطب الأميركي الأوحد. وكيفيّة معالجة الأزمة السورية ستكون هي التي تصنع هذا التحوّل الدولي القادم. ولقد أصبحت إيران هي "اللاعب" الإقليمي الذي تتمحور عليه وحوله قضايا عديدة في المنطقة تشمل العراق وسوريا ولبنان وفلسطين، إضافةً إلى مصير العلاقات مع دول الخليج العربي وتأثيراتها على أمن هذه الدول وعلى النفط والاقتصاد العالمي. اذن، مشروع التسوية السياسية للأزمة السورية هو الآن بصيص نورٍ خافت في نفقٍ عربيٍّ مظلم، وستكون هذه المهمّة الصعبة في حال نجاحها بدايةً لتسوياتٍ إقليمية عديدة في المنطقة، ولاجماً كبيراً لأفكار وممارسات تفتيتيّة لشعوب ودول المنطقة العربية والعالم الإسلامي، لكن البديل عنها، في حال فشلها، هو مزيدٌ من الدّم والدّمار، ومن اتّساع رقعة الصراعات، ومن استنزاف للثروات العربية، ومن تهجير لمزيدٍ من مئات الألوف من المواطنين العرب الأبرياء الذين هم الآن ضحايا لسوء أوضاع أوطانهم ولصراعات القوى الإقليمة والدولية على هذه الأوطان ومواقعها وثرواتها. إنّ الديمقراطية السليمة، القائمة على وحدةٍ وطنية شعبية، وعلى ترسيخ الولاء الوطني، وعلى الهويّة العربية، وعلى التمسّك بوحدة الكيان الوطني، وعلى "رفض العنف والطائفية والتدخّل الأجنبي"، هي البديل المطلوب للحالة العربية الفاسدة والعفنة، ولا يجوز أن تكون الصراعات الأهلية والتقسيمات الجغرافية والتدويل الأجنبي هي البديل. إنّ أبرز ما يعيق التحوّل نحو الديمقراطية السليمة هو أنّ المجتمعات العربية موبوءة بأمراض التحزّب الطائفي والمذهبي والإثني، وهذه الأمراض وحدها تشكّل الآن خطراً على الحراك الشعبي العربي الكبير، فكيف سيكون المستقبل، إذا ما أُضيف إلى ذلك أيضاً، خطر مشاريع الفتنة والتقسيم والتدويل لعموم بلدان المنطقة؟! إنّ ممارسات بعض قوى المعارضة العربية التي وصلت للحكم لم تختلف عن أساليب الحكام السابقين. كذلك فإنّ ما حدث في ليبيا، وما يحدث الآن في سوريا، يضع علامات استفهامٍ كبيرة حول المصلحة الوطنية العربية في دور الخارج بصناعة التغيير المحلّي المنشود. هي مراهنة خطيرة جداً في المجتمعات العربية أن يحدث التغيير بواسطة التحرّك الشعبي المسلّح لأنّ نتيجته حروباً أهلية وتفتيت كيانات لا إسقاط أنظمة فقط. ألم تتعلّم الأمَّة العربية بعد على مدار نصف قرنٍ من الزمن من دروس تجارب لبنان في نهاية الخمسينات ثمّ اليمن في مطلع الستينات ثمّ لبنان من جديد في منتصف السبعينات ثمّ الجزائر في مطلع التسعينات ثمّ السودان والعراق والصومال وليبيا، ثمّ سوريا الآن..؟!. كذلك هي مراهنة خاطئة أيضاً ومميتة أحياناً عندما تُمارس الحكومات العنف الدموي القاسي ضدّ قطاعاتٍ من شعبها، حتّى لو كان وسط هذه القطاعات مندسّون وإرهابيون. فالعنف المسلّح الداخلي (مهما كان مصدره) يُولّد مزيداً من الأزمات الأمنية والسياسية، ولم ينجح في أيِّ مكان بتحقيق مجتمعاتٍ موحّدة مستقرّة. إنّ واقع الحال العربي اليوم يتطلّب فعلاً إصلاحاتٍ لأنظمة وحكومات، لكن يحتاج هذا الواقع أيضاً إلى حركاتٍ إصلاحية وتصحيحية داخل قوى المعارضة العربية نفسها التي تقود الآن الحراك الشعبي العربي. ولعلّه من المهمّ كثيراً في هذه المرحلة الفرز في الشعارات وفي القوى المنادية بها. فهل الهدف هو إسقاط أنظمة معينة فقط، أم هو تحقيق غايات الإصلاح والتغيير الجدّي المنشود في عموم المنطقة العربية؟ فالضمانة ليست بتغيير أشخاصٍ هنا وحكّامٍ هناك، بل هي تكون في تنفيذ مضامين الإصلاح المنشود، إذ ما الفارق بين الانقلابات العسكرية التي أوصلت بعض الحكّام للحكم وبين من ينقلبون اليوم عليها بفعل عنفٍ مسلح مدعومٍ عسكرياً من الخارج، وربّما يمارسون مستقبلاً ما مارسته هذه الحكومات من أساليب؟! هناك الآن من يتحدّث عن مسؤولية الحكومات فقط في تدهور الأوضاع كلّها، وهناك بالمقابل من يتحدّث فقط عن مسؤولية القوى الخارجية، بينما في حقيقة الأمر الكلّ مسؤولٌ عن الكل، ومن يعفي نفسه من المسؤولية هو غير جدير أصلاً بتحمّل مسؤولية قيادة حكم أو معارضة. لكن في غياب المشاريع الوطنية التوحيدية الجادّة داخل البلاد العربية، على مستوى الحكومات والمعارضات، وفي غياب المرجعية العربية الفاعلة، أضحت المنطقة العربية مفتوحةً ومشرّعة ليس فقط أمام التدخّل الأجنبي، بل أيضاً أمام مشاريع التقسيم والحروب الأهلية التي تجعل المنطقة كلّها تسبح في الفلك الإسرائيلي. لا خلاف في البلاد العربية على أهمّية وضرورة الإصلاح السياسي والاجتماعي.. لكن الخلاف هو على الوسائل الممكنة لتحقيقه. فالإصلاح الشامل المطلوب يحتاج إلى ضغوط سياسية وشعبية تراكمية وتكاملية لا إلى عملية انقلابية ضدّ أشخاص فقط.. ووسيلته الناجعة هي الحركة السلمية المتواصلة مهما كانت درجة عنف السلطات، فأسلوب القوّة والعنف المسلح، من قبل الحاكمين أو المحكومين، وبوجود مشاريع إقليمية ودولية مستفيدة منه أو متصارعة حوله، سيكون هو شرارة إشعال الأوطان التي قد تصل بها إلى الحروب الأهلية المدمّرة للجميع. *مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن. Sobhi@alhewar.com

هل كان بعض قوى المعارضة السورية بحاجةٍ إلى أكثر من سنتين من الزمن ليدرك أن خيار عسكرة الحراك الشعبي السوري كان قراراً خاطئاً ومسهّلاً لدخول أطراف عديدة على هذا الحراك لحرفه إلى مسارات لا تتوافق مع مصالح الشعب السوري؟! فهانحن الآن نسمع ونقرأ تصريحاتٍ لأسماء محسوبة على المعارضة السورية تشير إلى المأزق الذي هي فيه حالياً بعد التفاهم الأميركي – الروسي بشأن الأزمة السورية وبعد دخول واشنطن في مفاوضاتٍ مباشرة مع طهران. ويتّضح من هذه التصريحات حجم الإحباط السياسي السائد وسط الجماعات التي راهنت على الجمع بين "عسكرة" الحراك الشعبي وبين الدعوة للتدخّل العسكري الأجنبي في سوريا، فإذا بالعسكرة تؤدّي إلى حجمٍ كبير من الخسائر الشعبية والمادية بسبب تحوّل الأمر من مظاهرات شعبية تقمعها السلطات الأمنية السورية، إلى حربٍ أهلية تُستخدَم فيها كل أنواع الأسلحة من جهة، وإلى أيضاً ، من جهةٍ أخرى، جعل الأراضي السورية الخاضعة لهيمنة المعارضة المسلّحة مرتعاً لقوًى إرهابية ومتطرّفة جاء عناصرها من أكثر من 60 دولة باعتراف عدّة مراجع أممية وإعلامية. ثمّ هل كانت هذه الأطراف المعارضة في سوريا تعتقد أنّها قادرة فعلاً على الحسم العسكري بمفردها ضدّ النظام الحالي في سوريا، أم أنّ مراهنتها الأساسية كانت على تدخّل عسكري ممّن شجّعها على "العسكرة" أصلاً، وهاهي سوريا الوطن والمؤسسات والشعب معاً ضحية هذه القرارات الخاطئة، فسلبية النتائج لم تقتصر على الحكم والمعارضة فقط. إنّ مأزق المعارضة المسلّحة السورية الآن ليس محصوراً بالعجز عن التقدّم العسكري في الأراضي السورية فحسب، ولا أيضاً بالخلافات العميقة الجارية بين القوى الإقليمية والدولية التي دعمت "عسكرة" الحراك الشعبي السوري فقط، لكن جوهر المأزق يكمن في الجديد من مواقف واشنطن التي كانت تريد من التشجيع على إشعال الحرب الداخلية في سوريا توظيف ذلك لتحجيم النفوذ الروسي فيها واستبداله بهيمنة "حلف الناتو" على بلدٍ مجاور لبلدان مهمّة جداً للمصالح الأميركية (تركيا، الأردن، لبنان، العراق وإسرائيل). أيضاً، سوريا هي حليف قوي لإيران التي كانت واشنطن تريد إضعافها من خلال إنهاك حليفها السوري ثمّ التأثير السلبي لذلك على قوى المقاومة التي تدعمها إيران في لبنان وفلسطين. أمّا الجديد في مواقف واشنطن حالياً، فلا ينسجم مع هذه السياسات التي اعتُمِدت في السابق حيث التفاهمات مع موسكو هي أولويّة تحرص الآن عليها السياسة الأميركية، وحيث المفاوضات مع إيران تستوجب مناخاتٍ إيجابية في المنطقة ممّا يتطلّب، في السياسة الأميركية الجديدة تجاه موسكو وطهران، السعي لوقف الصراعات المسلّحة في سوريا، وسيعني ذلك حتماً سقوط أسلوب "العسكرة" بعدما سقطت أيضاً كل المراهنات على التدخّل العسكري لحلف "الناتو" في سوريا. وفي هذه السياسة الأميركية الجديدة تجاه الأزمة السورية، نجد أطرافاً إقليمية عديدة غير مرتاحة لما قد تسفر عنه هذه السياسة من نتائج على مستوى المنطقة، لكن حتماً الطرف الإسرائيلي هو الأكثر تضرّراً من وقف النزاعات المسلحة في سوريا ومن التفاهمات الأميركية مع روسيا وإيران. فالمراهنات الإسرائيلية كانت، وما تزال، على حروب أهلية عربية وعلى تفتيت سوريا وكيانات المنطقة كلها، وعلى مواجهات عسكرية بين الغرب وإيران، ليس من أجل إضعاف خصمٍ لها فقط، بل لتغيير خرائط في المنطقة وإقامة دويلات طائفية وإثنية، ولتعزيز حاجة أميركا والغرب لإسرائيل بحكم ما سينتج عن الحروب الإقليمية والأهلية من تهميش للحقوق الفلسطينية ومن تصعيد في حركة الاستيطان ومن تفاعلات عديدة لصالح إسرائيل ولأمدٍ طويل!. أيضاً، كانت سياسة "حلف الناتو" ترى أنّ إضعاف إيران وروسيا ممكنٌ في منطقة "الشرق الأوسط" من خلال المراهنة على نتائج "الثورات العربية"، وما تفرزه هذه "الثورات" في بعض البلدان من وصول جماعات سياسية دينية منسّقة حالياً مع واشنطن، ومتباينة مع إيران وموسكو وبعيدة عن سياساتهما القديمة والحديثة، لكن هذه الآمال سقطت أيضاً بسقوط حكم "جماعة الأخوان" في مصر وبتعثّر تجارب أخرى. هناك قناعة دولية الآن بعدم إمكانية حسم الأمور عسكرياً على الأرض السورية لصالح هذا الطرف أو ذاك، وهناك ارتفاع دولي مشترك لمنسوب المخاوف من تفاعلاتٍ ممّا يحدث على الأرض السورية، إن كان لجهة زيادة دور وعدد الجماعات الدينية المتطرّفة، والمحسوبة اسمياً على "جماعات القاعدة"، أو أيضاً لمحاذير امتداد الصراعات المسلّحة إلى دول مجاورة لسوريا. أيضاً، يشهد العالم إصراراً روسيّاً/صينيّاً على صياغة نظام دولي جديد يقوم على الشراكة لا على التبعيّة للموقف الأميركي، نظام تعدّدية الأقطاب الذي سينهي حقبة القطب الأميركي الأوحد. وكيفيّة معالجة الأزمة السورية ستكون هي التي تصنع هذا التحوّل الدولي القادم. ولقد أصبحت إيران هي "اللاعب" الإقليمي الذي تتمحور عليه وحوله قضايا عديدة في المنطقة تشمل العراق وسوريا ولبنان وفلسطين، إضافةً إلى مصير العلاقات مع دول الخليج العربي وتأثيراتها على أمن هذه الدول وعلى النفط والاقتصاد العالمي. اذن، مشروع التسوية السياسية للأزمة السورية هو الآن بصيص نورٍ خافت في نفقٍ عربيٍّ مظلم، وستكون هذه المهمّة الصعبة في حال نجاحها بدايةً لتسوياتٍ إقليمية عديدة في المنطقة، ولاجماً كبيراً لأفكار وممارسات تفتيتيّة لشعوب ودول المنطقة العربية والعالم الإسلامي، لكن البديل عنها، في حال فشلها، هو مزيدٌ من الدّم والدّمار، ومن اتّساع رقعة الصراعات، ومن استنزاف للثروات العربية، ومن تهجير لمزيدٍ من مئات الألوف من المواطنين العرب الأبرياء الذين هم الآن ضحايا لسوء أوضاع أوطانهم ولصراعات القوى الإقليمة والدولية على هذه الأوطان ومواقعها وثرواتها. إنّ الديمقراطية السليمة، القائمة على وحدةٍ وطنية شعبية، وعلى ترسيخ الولاء الوطني، وعلى الهويّة العربية، وعلى التمسّك بوحدة الكيان الوطني، وعلى "رفض العنف والطائفية والتدخّل الأجنبي"، هي البديل المطلوب للحالة العربية الفاسدة والعفنة، ولا يجوز أن تكون الصراعات الأهلية والتقسيمات الجغرافية والتدويل الأجنبي هي البديل. إنّ أبرز ما يعيق التحوّل نحو الديمقراطية السليمة هو أنّ المجتمعات العربية موبوءة بأمراض التحزّب الطائفي والمذهبي والإثني، وهذه الأمراض وحدها تشكّل الآن خطراً على الحراك الشعبي العربي الكبير، فكيف سيكون المستقبل، إذا ما أُضيف إلى ذلك أيضاً، خطر مشاريع الفتنة والتقسيم والتدويل لعموم بلدان المنطقة؟! إنّ ممارسات بعض قوى المعارضة العربية التي وصلت للحكم لم تختلف عن أساليب الحكام السابقين. كذلك فإنّ ما حدث في ليبيا، وما يحدث الآن في سوريا، يضع علامات استفهامٍ كبيرة حول المصلحة الوطنية العربية في دور الخارج بصناعة التغيير المحلّي المنشود. هي مراهنة خطيرة جداً في المجتمعات العربية أن يحدث التغيير بواسطة التحرّك الشعبي المسلّح لأنّ نتيجته حروباً أهلية وتفتيت كيانات لا إسقاط أنظمة فقط. ألم تتعلّم الأمَّة العربية بعد على مدار نصف قرنٍ من الزمن من دروس تجارب لبنان في نهاية الخمسينات ثمّ اليمن في مطلع الستينات ثمّ لبنان من جديد في منتصف السبعينات ثمّ الجزائر في مطلع التسعينات ثمّ السودان والعراق والصومال وليبيا، ثمّ سوريا الآن..؟!. كذلك هي مراهنة خاطئة أيضاً ومميتة أحياناً عندما تُمارس الحكومات العنف الدموي القاسي ضدّ قطاعاتٍ من شعبها، حتّى لو كان وسط هذه القطاعات مندسّون وإرهابيون. فالعنف المسلّح الداخلي (مهما كان مصدره) يُولّد مزيداً من الأزمات الأمنية والسياسية، ولم ينجح في أيِّ مكان بتحقيق مجتمعاتٍ موحّدة مستقرّة. إنّ واقع الحال العربي اليوم يتطلّب فعلاً إصلاحاتٍ لأنظمة وحكومات، لكن يحتاج هذا الواقع أيضاً إلى حركاتٍ إصلاحية وتصحيحية داخل قوى المعارضة العربية نفسها التي تقود الآن الحراك الشعبي العربي. ولعلّه من المهمّ كثيراً في هذه المرحلة الفرز في الشعارات وفي القوى المنادية بها. فهل الهدف هو إسقاط أنظمة معينة فقط، أم هو تحقيق غايات الإصلاح والتغيير الجدّي المنشود في عموم المنطقة العربية؟ فالضمانة ليست بتغيير أشخاصٍ هنا وحكّامٍ هناك، بل هي تكون في تنفيذ مضامين الإصلاح المنشود، إذ ما الفارق بين الانقلابات العسكرية التي أوصلت بعض الحكّام للحكم وبين من ينقلبون اليوم عليها بفعل عنفٍ مسلح مدعومٍ عسكرياً من الخارج، وربّما يمارسون مستقبلاً ما مارسته هذه الحكومات من أساليب؟! هناك الآن من يتحدّث عن مسؤولية الحكومات فقط في تدهور الأوضاع كلّها، وهناك بالمقابل من يتحدّث فقط عن مسؤولية القوى الخارجية، بينما في حقيقة الأمر الكلّ مسؤولٌ عن الكل، ومن يعفي نفسه من المسؤولية هو غير جدير أصلاً بتحمّل مسؤولية قيادة حكم أو معارضة. لكن في غياب المشاريع الوطنية التوحيدية الجادّة داخل البلاد العربية، على مستوى الحكومات والمعارضات، وفي غياب المرجعية العربية الفاعلة، أضحت المنطقة العربية مفتوحةً ومشرّعة ليس فقط أمام التدخّل الأجنبي، بل أيضاً أمام مشاريع التقسيم والحروب الأهلية التي تجعل المنطقة كلّها تسبح في الفلك الإسرائيلي. لا خلاف في البلاد العربية على أهمّية وضرورة الإصلاح السياسي والاجتماعي.. لكن الخلاف هو على الوسائل الممكنة لتحقيقه. فالإصلاح الشامل المطلوب يحتاج إلى ضغوط سياسية وشعبية تراكمية وتكاملية لا إلى عملية انقلابية ضدّ أشخاص فقط.. ووسيلته الناجعة هي الحركة السلمية المتواصلة مهما كانت درجة عنف السلطات، فأسلوب القوّة والعنف المسلح، من قبل الحاكمين أو المحكومين، وبوجود مشاريع إقليمية ودولية مستفيدة منه أو متصارعة حوله، سيكون هو شرارة إشعال الأوطان التي قد تصل بها إلى الحروب الأهلية المدمّرة للجميع. *مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن. Sobhi@alhewar.com

24.10.2013

أهمّية إحداث التغيير في المجتمع أولاً

أهمّية إحداث التغيير في المجتمع أولاً

شهدنا في الفترة الماضية تفسيراتٍ مختلفة للتراجع الحاصل في عموم المنطقة العربية، وللهواجس التي تشغل الآن بالَ كلّ إنسانٍ عربي، لكن قلّة من هذه التفسيرات تضع الإصبع على الجرح العربيِّ الأكبر. فأساس المشكلة هو أصلاً بالمجتمعات العربية نفسها، وبكلِّ من فيها. فأين العرب الآن من المكوّنات الأساسية لمجتمعاتهم، والتي تقوم على الوطنية والعروبة والإيمان الديني؟. فالرسالات السماوية تدعو إلى التوحّد ونبذ الفرقة. والعروبة تعني التكامل ورفض الانقسام. والوطنية هي تجسيد لمعنى المواطنة والوحدة الوطنية. فأين العرب من ذلك كلّه؟ إنّ غياب الفهم الصّحيح للدّين والفقه المذهبي ولمسألة الهُويّة وللعلاقة مع الآخر أيّاً كان، هو المناخ المناسب لأيّ صراع طائفي أو مذهبي أو إثني يُحوّل ما هو إيجابي قائم على الاختلاف والتّعدّد إلى عنفٍ دموي يُناقض جوهر الرّسالات السّماويّة والفهم السليم للهُوية الثقافية العربية، ويحقّق غايات الطامحين للسيطرة على العرب وعلى أرضهم ومقدّراتهم!. فإعفاء النفس العربيّة من المسؤوليّة هو مغالطة كبيرة تساهم في خدمة الطّامعين بهذه الأمّة وتسهيل مهمة العاملين على شرذمتها، كما إنّ عدم الاعتراف بالمسؤوليّة العربيّة المباشرة عن واقع الحال السيء، فيه تثبيت لعناصر الخلل والضّعف وللمفاهيم التي تغذّي الصّراعات والانقسامات. هناك في التراث الفكري العربي المعاصر ما فيه "خارطة طريق" من أجل الوصول إلى ينابيع الفكر السليم والقدوة الحسنة من أجل بناء مجتمعات عربية صحّية، تستوعب اختلافاتها وتنوعاتها وتقبل وجود "الآخر" وحقوقه ودوره المشارك كمواطن في وطن يقوم على مفهوم "المواطنة"، لا على مفاهيم "الأكثرية والأقلية". صحيح أن العرب لم يصلوا بعد إلى قاع المنحدر، وبأنّه ما زال أمامهم مخاطر كثيرة قبل أن تتّضح صورة مستقبلهم، لكن رغم وجود هذه المخاطر فعلاً، فإنّ ما تشهده الآن بلاد العرب من أفكار وممارسات سياسية خاطئة باسم الدين والطائفة أو "الهُويّات الإثنية" يمكن أن يكون هو ذاته، خلال الفترة القادمة، الدافع لتحقيق الإصلاح الجذري المطلوب في الفكر والممارسة، في الحكم وفي المعارضة. فقيمة الشيء لا تتأتّى إلاّ بعد فقدانه، والأمّة هي الآن عطشى لما هو بديل الحالة الراهنة من أفكار وممارسات سيّئة. هذه ليست مجرّد تمنيّات، بل هي خلاصة تجارب شعوب أخرى، كالأوروبيين الذين خاضوا في النصف الأول من القرن الماضي حربين عالمتين دمّرتا أوروبا وسقط نتيجتهما ضحايا بالملايين، وكانت بين شعوب الدول الأوروبية صراعات قومية وإثنية وطائفية أكثر بكثير مما تشهده الآن المجتمعات العربية. رغم ذلك، وحينما توفّرت الظروف والقيادات والرؤى السليمة، طوت أوروبا صفحات الماضي المشين بينها واتّجهت نحو التوحّد والتكامل بين شعوبها، متجاوزةً ما بينها من خلافات في المصالح والسياسات، واختلافات في اللغات والثقافات والأعراق. أوروبا شهدت أيضاً في النصف الأول من القرن الماضي تجارب فكرية وحزبية سيّئة، كالنازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا، ودفعت القارّة الأوروبية كلّها ثمناً باهظاً لسياسات هذه التجارب السيئة. لكن هذا "النموذج الأوروبي" في التقاتل والتصارع أولاً، ثمّ في التكامل والتوحّد لاحقاً، احتاج طبعاً إلى مناخ سياسي ديمقراطي داخلي، على مستوى الحكم والمجتمع معاً، ممّا سمح بحدوث التحوّل الكبير. فالمسألة ليست فقط انتخابات وآليات للممارسة الديمقراطية الشكلية، لأنّ هذه، إذا لم تقترن بثقافة ديمقراطية سليمة داخل المجتمع نفسه، قد تزيد الأمور تعقيداً، كما جرى في تجربتيْ ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية. إنّ نقد الواقع ورفض سلبياته هو مدخل صحيح لبناء وضعٍ أفضل، لكنْ حين لا تحضر بمخيّلة الإنسان العربي صورة أفضل بديلة لواقعه، تكون النتيجة الحتمية هي تسليمه بالواقع تحت أعذار اليأس والإحباط وتعذُّر وجود البديل!. وكذلك المشكلة هي كبرى حينما يكون هناك عمل، لكنّه عشوائي فقط أو في غير الاتجاه الصحيح. لقد كان من الطبيعي أن يتحرّك الشارع العربي وأن ينتفض ثائراً لإنهاء حالات الفساد والاستبداد، لكن المشكلة أنّ بعض الحركات السياسية المشاركة في الثورات الشعبية تحتاج هي نفسها إلى آفاق فكرية واضحة المعالم، وإلى أطر تنظيمية سليمة البناء، وإلى قيادات مخلصة للأهداف.. أيضاً، فإنّ الواقع العربي الراهن تختلط فيه مفاهيم كثيرة لم تُحسَم بعدُ فكرياً أو سياسياً. وهذه المفاهيم هي أساس مهم في الحركة والتنظيم والأساليب، كما هي في الأفكار والغايات والأهداف. فما هو الموقف من التعدّدية بمختلف أنواعها الفكرية والسياسية والدينية والإثنية داخل المجتمع؟ وما هي النظرة السليمة للعلاقة بين الدين والدولة؟ وهل الإسلام هو "دين ودولة"، أم "دين ومجتمع"؟ وما هي العلاقة بين حرّية الوطن وبين حرّية المواطنين؟ وكيف يمكن الجمع بين الديمقراطية وبين الحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي في كلّ بلد؟ وهل طريق الديمقراطية يمرّ في تجزئة الكيانات؟ ثمّ ما هي آفاق التغييرات الحاصلة من حيث العلاقة مع إسرائيل، وهل ستكون "الشرق أوسطية" هي الإطار الجامع لدول المنطقة مستقبلاً أم ستكون هناك خطوات جدّية نحو تكامل عربي شامل يعزّز الهويّة العربية المشتركة ويأخذ بالنموذج الاتحادي الأوروبي كصيغة مستقبلية للعلاقة بين الدول العربية؟ هذه التساؤلات من المهمّ التوافق الوطني والعربي العام حول ضرورة التعامل معها الآن وحول كيفية الوصول إلى أفضل الإجابات الممكنة عنها. لكن من المهمّ أيضاً الاتفاق على ضرروة وقف العنف المسلّح في أي عملية تغيير سياسي أو اجتماعي، إذ في غياب توفّر مقوّمات نظام سياسي ديمقراطي، فإنّ أيَّ أسلوبٍ عنفي لتغييرٍ ما في الأنظمة قد يتحوّل إلى أداة تفجير للمجتمع وللأوطان نفسها. كذلك، فإنّ عدم الالتزام بأساليب التغيير الديمقراطية يعني تحويراً للانقسامات السياسية السلمية نحو مساراتٍ عنيفة. فالانقسامات السلمية الصحّية في المجتمعات تحتاج لضمانات التغيير الديمقراطي من قِبَل الحاكمين والمعارضين معاً. وقد يساعد، في تعميق هذه الخلاصات، والإجابة عن التساؤلات، فرزٌ مهمٌّ حدوثه لدى المنشغلين في هموم تغيير المجتمعات. فبمقدور المجتمعات العربية أن تحقّق خطواتٍ إيجابية أوسع لو وضعت باعتبارها الآتي: 1. التمييز المطلوب في العمل السياسي ما بين تغيير الحكومات وبين مخاطر تفكيك الكيانات الوطنية. فالخلط بين النظام الحاكم والكيان الوطني الواحد هو خطرٌ على الوطن كلّه. لذلك التمييز ضروري بين تغيير أشخاص وسلطات وقوانين وبين تهديم أسس الكيان الوطني والمؤسسات العامة في الدولة. 2. التمييز بين الطائفة أو المذهب، وبين الطائفية والمذهبية. فالحالة الأولى هي ظاهرة طبيعية إنسانية موجودة في أكثر من مجتمع يقوم على التعدّدية. أمّا الحالة الثانية، فهي ظاهرة مرَضيَّة تؤدّي إلى تفكّك المجتمع وضعفه وانقسامه. 3. التمييز بين الاعتزاز بالوطنية المحليّة، وبين الانعزاليّة الإقليمية التي لا تحقّق أمناً ولا تصنع وطناً قادراً على العيش في عصر العولمة والتكتلات الكبرى. وكما التمييز مطلوبٌ بين الحرص على الولاء الوطني وبين التقوقع الإقليمي، فإنّ من المهم أيضاً التمييز بين الانفتاح على الخارج وبين التبعيّة له. التمييز مطلوبٌ بين قدرتنا كعرب على تصحيح انقساماتنا الجغرافية من أجل حاضرنا ومستقبلنا، وبين انقساماتنا التاريخية في الماضي التي ما زلنا نحملها معنا جيلاً بعد جيل، ولا قدرة لنا أصلاً على تغييرها! *مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن. Sobhi@alhewar.com

شهدنا في الفترة الماضية تفسيراتٍ مختلفة للتراجع الحاصل في عموم المنطقة العربية، وللهواجس التي تشغل الآن بالَ كلّ إنسانٍ عربي، لكن قلّة من هذه التفسيرات تضع الإصبع على الجرح العربيِّ الأكبر. فأساس المشكلة هو أصلاً بالمجتمعات العربية نفسها، وبكلِّ من فيها. فأين العرب الآن من المكوّنات الأساسية لمجتمعاتهم، والتي تقوم على الوطنية والعروبة والإيمان الديني؟. فالرسالات السماوية تدعو إلى التوحّد ونبذ الفرقة. والعروبة تعني التكامل ورفض الانقسام. والوطنية هي تجسيد لمعنى المواطنة والوحدة الوطنية. فأين العرب من ذلك كلّه؟ إنّ غياب الفهم الصّحيح للدّين والفقه المذهبي ولمسألة الهُويّة وللعلاقة مع الآخر أيّاً كان، هو المناخ المناسب لأيّ صراع طائفي أو مذهبي أو إثني يُحوّل ما هو إيجابي قائم على الاختلاف والتّعدّد إلى عنفٍ دموي يُناقض جوهر الرّسالات السّماويّة والفهم السليم للهُوية الثقافية العربية، ويحقّق غايات الطامحين للسيطرة على العرب وعلى أرضهم ومقدّراتهم!. فإعفاء النفس العربيّة من المسؤوليّة هو مغالطة كبيرة تساهم في خدمة الطّامعين بهذه الأمّة وتسهيل مهمة العاملين على شرذمتها، كما إنّ عدم الاعتراف بالمسؤوليّة العربيّة المباشرة عن واقع الحال السيء، فيه تثبيت لعناصر الخلل والضّعف وللمفاهيم التي تغذّي الصّراعات والانقسامات. هناك في التراث الفكري العربي المعاصر ما فيه "خارطة طريق" من أجل الوصول إلى ينابيع الفكر السليم والقدوة الحسنة من أجل بناء مجتمعات عربية صحّية، تستوعب اختلافاتها وتنوعاتها وتقبل وجود "الآخر" وحقوقه ودوره المشارك كمواطن في وطن يقوم على مفهوم "المواطنة"، لا على مفاهيم "الأكثرية والأقلية". صحيح أن العرب لم يصلوا بعد إلى قاع المنحدر، وبأنّه ما زال أمامهم مخاطر كثيرة قبل أن تتّضح صورة مستقبلهم، لكن رغم وجود هذه المخاطر فعلاً، فإنّ ما تشهده الآن بلاد العرب من أفكار وممارسات سياسية خاطئة باسم الدين والطائفة أو "الهُويّات الإثنية" يمكن أن يكون هو ذاته، خلال الفترة القادمة، الدافع لتحقيق الإصلاح الجذري المطلوب في الفكر والممارسة، في الحكم وفي المعارضة. فقيمة الشيء لا تتأتّى إلاّ بعد فقدانه، والأمّة هي الآن عطشى لما هو بديل الحالة الراهنة من أفكار وممارسات سيّئة. هذه ليست مجرّد تمنيّات، بل هي خلاصة تجارب شعوب أخرى، كالأوروبيين الذين خاضوا في النصف الأول من القرن الماضي حربين عالمتين دمّرتا أوروبا وسقط نتيجتهما ضحايا بالملايين، وكانت بين شعوب الدول الأوروبية صراعات قومية وإثنية وطائفية أكثر بكثير مما تشهده الآن المجتمعات العربية. رغم ذلك، وحينما توفّرت الظروف والقيادات والرؤى السليمة، طوت أوروبا صفحات الماضي المشين بينها واتّجهت نحو التوحّد والتكامل بين شعوبها، متجاوزةً ما بينها من خلافات في المصالح والسياسات، واختلافات في اللغات والثقافات والأعراق. أوروبا شهدت أيضاً في النصف الأول من القرن الماضي تجارب فكرية وحزبية سيّئة، كالنازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا، ودفعت القارّة الأوروبية كلّها ثمناً باهظاً لسياسات هذه التجارب السيئة. لكن هذا "النموذج الأوروبي" في التقاتل والتصارع أولاً، ثمّ في التكامل والتوحّد لاحقاً، احتاج طبعاً إلى مناخ سياسي ديمقراطي داخلي، على مستوى الحكم والمجتمع معاً، ممّا سمح بحدوث التحوّل الكبير. فالمسألة ليست فقط انتخابات وآليات للممارسة الديمقراطية الشكلية، لأنّ هذه، إذا لم تقترن بثقافة ديمقراطية سليمة داخل المجتمع نفسه، قد تزيد الأمور تعقيداً، كما جرى في تجربتيْ ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية. إنّ نقد الواقع ورفض سلبياته هو مدخل صحيح لبناء وضعٍ أفضل، لكنْ حين لا تحضر بمخيّلة الإنسان العربي صورة أفضل بديلة لواقعه، تكون النتيجة الحتمية هي تسليمه بالواقع تحت أعذار اليأس والإحباط وتعذُّر وجود البديل!. وكذلك المشكلة هي كبرى حينما يكون هناك عمل، لكنّه عشوائي فقط أو في غير الاتجاه الصحيح. لقد كان من الطبيعي أن يتحرّك الشارع العربي وأن ينتفض ثائراً لإنهاء حالات الفساد والاستبداد، لكن المشكلة أنّ بعض الحركات السياسية المشاركة في الثورات الشعبية تحتاج هي نفسها إلى آفاق فكرية واضحة المعالم، وإلى أطر تنظيمية سليمة البناء، وإلى قيادات مخلصة للأهداف.. أيضاً، فإنّ الواقع العربي الراهن تختلط فيه مفاهيم كثيرة لم تُحسَم بعدُ فكرياً أو سياسياً. وهذه المفاهيم هي أساس مهم في الحركة والتنظيم والأساليب، كما هي في الأفكار والغايات والأهداف. فما هو الموقف من التعدّدية بمختلف أنواعها الفكرية والسياسية والدينية والإثنية داخل المجتمع؟ وما هي النظرة السليمة للعلاقة بين الدين والدولة؟ وهل الإسلام هو "دين ودولة"، أم "دين ومجتمع"؟ وما هي العلاقة بين حرّية الوطن وبين حرّية المواطنين؟ وكيف يمكن الجمع بين الديمقراطية وبين الحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي في كلّ بلد؟ وهل طريق الديمقراطية يمرّ في تجزئة الكيانات؟ ثمّ ما هي آفاق التغييرات الحاصلة من حيث العلاقة مع إسرائيل، وهل ستكون "الشرق أوسطية" هي الإطار الجامع لدول المنطقة مستقبلاً أم ستكون هناك خطوات جدّية نحو تكامل عربي شامل يعزّز الهويّة العربية المشتركة ويأخذ بالنموذج الاتحادي الأوروبي كصيغة مستقبلية للعلاقة بين الدول العربية؟ هذه التساؤلات من المهمّ التوافق الوطني والعربي العام حول ضرورة التعامل معها الآن وحول كيفية الوصول إلى أفضل الإجابات الممكنة عنها. لكن من المهمّ أيضاً الاتفاق على ضرروة وقف العنف المسلّح في أي عملية تغيير سياسي أو اجتماعي، إذ في غياب توفّر مقوّمات نظام سياسي ديمقراطي، فإنّ أيَّ أسلوبٍ عنفي لتغييرٍ ما في الأنظمة قد يتحوّل إلى أداة تفجير للمجتمع وللأوطان نفسها. كذلك، فإنّ عدم الالتزام بأساليب التغيير الديمقراطية يعني تحويراً للانقسامات السياسية السلمية نحو مساراتٍ عنيفة. فالانقسامات السلمية الصحّية في المجتمعات تحتاج لضمانات التغيير الديمقراطي من قِبَل الحاكمين والمعارضين معاً. وقد يساعد، في تعميق هذه الخلاصات، والإجابة عن التساؤلات، فرزٌ مهمٌّ حدوثه لدى المنشغلين في هموم تغيير المجتمعات. فبمقدور المجتمعات العربية أن تحقّق خطواتٍ إيجابية أوسع لو وضعت باعتبارها الآتي: 1. التمييز المطلوب في العمل السياسي ما بين تغيير الحكومات وبين مخاطر تفكيك الكيانات الوطنية. فالخلط بين النظام الحاكم والكيان الوطني الواحد هو خطرٌ على الوطن كلّه. لذلك التمييز ضروري بين تغيير أشخاص وسلطات وقوانين وبين تهديم أسس الكيان الوطني والمؤسسات العامة في الدولة. 2. التمييز بين الطائفة أو المذهب، وبين الطائفية والمذهبية. فالحالة الأولى هي ظاهرة طبيعية إنسانية موجودة في أكثر من مجتمع يقوم على التعدّدية. أمّا الحالة الثانية، فهي ظاهرة مرَضيَّة تؤدّي إلى تفكّك المجتمع وضعفه وانقسامه. 3. التمييز بين الاعتزاز بالوطنية المحليّة، وبين الانعزاليّة الإقليمية التي لا تحقّق أمناً ولا تصنع وطناً قادراً على العيش في عصر العولمة والتكتلات الكبرى. وكما التمييز مطلوبٌ بين الحرص على الولاء الوطني وبين التقوقع الإقليمي، فإنّ من المهم أيضاً التمييز بين الانفتاح على الخارج وبين التبعيّة له. التمييز مطلوبٌ بين قدرتنا كعرب على تصحيح انقساماتنا الجغرافية من أجل حاضرنا ومستقبلنا، وبين انقساماتنا التاريخية في الماضي التي ما زلنا نحملها معنا جيلاً بعد جيل، ولا قدرة لنا أصلاً على تغييرها! *مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن. Sobhi@alhewar.com

10.10.2013

أجندات خارجية تحتاج إلى دورٍ مصريٍّ فاعل

أجندات خارجية تحتاج إلى دورٍ مصريٍّ فاعل

الأمَّة العربية تفتقد الدور القيادي المصري، والذي هو قادرٌ على بناء تضامن عربي فعّال كالذي حصل بعد حرب العام 1967 وأدّى لاحقاً إلى صنع النصر في "حرب أكتوبر"، قبل أن يحرف أنور السادات مسار مصر ونصر الحرب معاً.

الأمَّة العربية تفتقد الدور القيادي المصري، والذي هو قادرٌ على بناء تضامن عربي فعّال كالذي حصل بعد حرب العام 1967 وأدّى لاحقاً إلى صنع النصر في "حرب أكتوبر"، قبل أن يحرف أنور السادات مسار مصر ونصر الحرب معاً.

03.10.2013

آخر الأخبار

  1. غوتيريش يحذر من تلاشي حل الدولتين ويطالب بخفض التصعيد عالمي ·
  2. استطلاع: أغلبية الإسرائيليين والفلسطينيين لا يرون إمكانية للتعايش ضمن حل الدولتين محليات ·
  3. تعرف على الدوري العربي الذي تربع على عرش الإنفاق العالمي وتفوق على عمالقة أوروبا رياضة ·
  4. عملية عسكرية إسرائيلية في المنصوري جنوب لبنان عربي ·
  5. الوفد الإسرائيلي يغادر قاعة الأمم المتحدة خلال كلمة أردوغان عالمي ·
  6. تيباس يشن هجوماً حاداً على ريال مدريد: "الحديث عن المؤامرة يعني العيش في مجرة أخرى" رياضة ·
  7. من الخطاب إلى القانون: هل تقترب إسرائيل من تنفيذ أحكام الإعدام بحق فلسطينيين؟ محليات ·
  8. "الفدائي" يستدعي نجم وسط المصري عميد صوافطة لمعسكر سبتمبر الدولي رياضة ·
  9. شاب بحالة خطيرة إثر حادث طرق في الطيبة محليات ·
  10. جبارين: انضمام أيزنكوت إلى بن غفير ودعمه شطب أبو شحادة موقف خطير يستهدف حق جماهيرنا في التمثيل السياسي انتخابات الكنيست 2026 ·
كل الأخبار ←