ليبيا وسويسرا: احتكاك عارض يتحول الى أزمة دبلوماسية

ليبيا وسويسرا: احتكاك عارض يتحول الى أزمة دبلوماسية

إذا كان أعضاء أسر قادة الدول يتمتعون بالحصانة، فقد كان من حق الليبيين أن يستغربوا كيف يجد نجل الزعيم الليبي هانيبال القذافي نفسه محتجزا لليلتين على التوالي في مركز للشرطة، إثر مشادة مع بعض الخدم زُعم انها حصلت في احد اجنحة الفندق الذي نزل فيه مع قرينته مطلع الأسبوع الجاري.

  

السويسريون، من جانبهم، لم يفهموا المعنى من وراء الاحتجاجات الليبية، ورأوا بمقدار من البرود المعهود، ان المسألة لا تستحق هذا المقدار من الإنفعال والغضب.

  ولكن لا مكان لسوء الفهم. فمهما كان العمل الذي يُتهم به نجل الزعيم الليبي، فان القواعد الدبلوماسية كانت تقتضي احترام حصانته.    

الليبيون ربما شعروا بالإستياء أكثر من شيء لا يستطيع البرود الأوروبي أن يلحظه. وهو ان قرينة هانيبال كانت، وهي في شهر حملها التاسع، في وضع لا يسمح، ليس بتجاوز الحصانة فحسب، ولكنه لا يسمح أيضا بتعريض حياتها وحياة طفلها الى الخطر.

  وهكذا، فما كان تجاوزا للقواعد الدبلوماسية، إثر حادث عابر، كاد ان يتحول الى جريمة تهديد حقيقية بالقتل من الجانب السويسري.    وقد تم نقل عقيلة هانيبال الى المستشفى لتتلقى رعاية عاجلة خشية تعرضها للإجهاض.    

وكان هانيبال اعتقل في جنيف يوم 15 تموز بعدما أخطر العاملون في الفندق الذي يقيم فيه الشرطة بتكرار المشادات في الجناح الذي يقيمان فيه.

  

وقررت ليبيا، إثر حركة احتجاجات، ان تقطع إمدادات النفط عن سويسرا ودعت الى سحب الأرصدة من البنوك السويسرية، وأوقفت حركة الطيران بين البلدين، ومنعت بعض الشركات السويسرية من العمل في ليبيا.

  رد الفعل الليبي بدا غير مفهوم ومبالغ فيه من جانب سويسرا.     

وقالت وزارة الخارجية السويسرية في بيرن إنها ارسلت وفدا إلى ليبيا يحمل معلومات عن القبض على هانيبال القذافي "لمنع وقوع أزمة بين البلدين".

  

وقالت: "منذ 17 تموز اتخذت السلطات الليبية عددا من الاجراءات الانتقامية المثيرة للقلق" مضيفة أنها تنصح المواطنين السويسريين بعدم السفر إلى ليبيا حتى اشعار آخر.

  

واضافت الوزارة ان ليبيا علقت اصدار تأشيرات الدخول للسويسريين وتلقت شركات سويسرية في ليبيا اوامر بالاغلاق. واغلقت بعض الشركات.

  

وجاء في بيان لوزارة الخارجية السويسرية ان سويسرا عبرت عن قلقها ازاء الاجراءات التي قامت بها السلطات الليبية ضد مواطنين سويسريين ومصالح الاتحاد السويسري في ليبيا.

  

واعلنت الوزارة ان طرابلس استدعت القائم بالاعمال الليبي في سويسرا، بينما علقت السلطات الليبة منح تأشيرات دخول الى المواطنين السويسريين.

  

وفي محاولة للتغطية على الخروج عن الأعراف الدبلوماسية، نفى لوران موتينو رئيس حكومة كانتون جنيف الاتهامات الليبية بأن القذافي اسيئت معاملته. وقال في بيان "لم تستخدم أية قوة ضد الزوجين الليبيين".

  وأضاف أن "سمعة سويسرا كبلد لحقوق الانسان استدعت تدخل الشرطة".    

وبحسب احصاءات البنك السويسري الوطني فإن الأموال الليبية في حسابات البنوك والودائع في سويسرا بلغت نحو 6.29 مليار دولار أميركي في عام 2007.

  وقالت حركة "اللجان الثورية" في بيان صادر في طرابلس انها ستوصي صانعي السياسة بأنه اذا لم يتم تقديم اعتذار عما لمحت الى انها "اتهامات ملفقة" فإنه ينبغي لليبيا قطع العلاقات الدبلوماسية مع سويسرا.    

وقال السفير السويسري في طرابلس دانيال فون مورالت في تصريح للصحافيين ولممثلين عن حركة اللجان الثورية: "لم نسع في اي لحظة الى جرح مشاعر الشعب الليبي"، معربا عن الأمل بأن يتمكن وفد الخارجية السويسرية من تهدئة التوتر.

  

وكان مورالت قد حل محل السفير السويسري السابق مارتن اشباخر الذي كان يتحدث العربية بطلاقة ويتجول في مراكز البحوث التاريخية في طرابلس.

  ويقول مراقبون في طرابلس انه كان على السفير السويسري الجديد ان ينقل صورة اكثر وضوحا للحساسيات الليبية نحو التعالي الاوروبي.    وقال مراقب اوروبي عمل لفترة في ليبيا "لا يستطيع السويسريون فهم الحساسية الليبية نحو اي منحى للتعالي الاوروبي عليهم."    واضاف بشرط عدم ذكر اسمه "لمرات عديدة امتهن الاوروبيون والغرب عموما ليبيا وشعبها. ومن الواضح ان الدبلوماسيين السويسريين في طرابلس لم ينقلوا حساسية هذه الحقيقة لمراجعهم."     

وفي حين كان يمكن لطرابلس ان تخفف حدة التوتر من جانبها بعدم تحويل الإحتكاك العارض الى أزمة دبلوماسية شاملة، وان تكتفي بالرد بالمثل، او باتخاذ إجراءات محدودة، مراعاة لذات التقاليد الدبلوماسية، إلا ان الوضع الراهن ينذر بعواقب قد تزداد سوءا لتضر بسمعة الطرفين معا.

  

وكان المدير العام للاتحاد النفطي السويسري رولف هارتل اكد ان "ليبيا ستعاقب نفسها" في حال فرضت حظرا على الصادرات النفطية الى سويسرا.

  

واضاف ان مصفاة كولومبية، احدى المصفاتين السويسريتين، تملكها فعلا شركة "تامويل"، وهي شركة ليبية عامة تسيطر على نحو 320 محطة لتوزيع البنزين في سويسرا.

  وقال هارتل ايضا: "لن يكون لهذا الامر اي معنى على الصعيد الاقتصادي".    وتملك سويسرا مخزونا من البنزين والغاز اويل والمازوت يغطي حاجاتها لنحو اربعة اشهر ونصف الشهر- ومن الكيروسين ما يكفي لثلاثة اشهر فقط-، اي ما يكفي لمواجهة اي قرار بوقف الواردات من اول مزود للبلاد.    وينص معيار منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية على وجوب توافر مخزونات تكفي لتسعين يوما.    يذكر ان 40% فقط من امدادات النفط لسويسرا هي من النفط الخام، والنسبة المتبقية (60%) هي من المشتقات الاتية من دول اوروبية.    وبحسب احصاءات مكتب الجمارك السويسرية، فان الواردات السويسرية من ليبيا هي من النفط بشكل شبه حصري.    ومن اصل 8.5 مليارات فرنك سويسري (6.3 مليارات يورو) من واردات المشتقات النفطية، هناك 5.30% تاتي من ليبيا والحجم نفسه تقريبا من المانيا.    ويبدو ان ليبيا تعمدت ان تستقبل وفد الخارجية السويسرية ببرود، وذلك للتعبير عن مدى الإستياء الذي تشعر به طرابلس.    ولكن، سواء أمكن للمحادثات ان تهدئ من روع الطرفين، ام لا، فيبدو جليا الآن ان الضرر وقع، وقد يتطلب الأمر وقتا طويلا قبل ان تعود مياه العلاقات بين الطرفين الى مجاريها.    المشاعر الليبية بان نجل الزعيم الليبي كان ضحية كراهيات عنصرية، لها ما يبررها إذا أخذت حصانته بالإعتبار. ولكن السؤال الذي سيبقى عالقا في الأذهان هو: هل كان كل ذلك ضروريا؟

يتم الاستخدام المواد وفقًا للمادة 27 أ من قانون حقوق التأليف والنشر 2007، وإن كنت تعتقد أنه تم انتهاك حقك، بصفتك مالكًا لهذه الحقوق في المواد التي تظهر على الموقع، فيمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني على العنوان التالي: info@ashams.com والطلب بالتوقف عن استخدام المواد، مع ذكر اسمك الكامل ورقم هاتفك وإرفاق تصوير للشاشة ورابط للصفحة ذات الصلة على موقع الشمس. وشكرًا!