خطوة مصرية جديدة على طريق ’إعادة التموضع‘

تستكمل القاهرة مسار "إعادة التموضع" على خريطة المحاور والتحالفات التي تقتسم دول المنطقة ... تذهب إلى أبعد حد في علاقاتها مع موسكو (سياحة وسلاح وتدريبات مشترك وقاعدة بحرية)، إلى شائعات عن نقلة جديدة في العلاقات الدبلوماسية مع طهران، وأخيراً زيارة علنية يقوم بها أرفع مسؤول أمني سوري اللواء علي مملوك للقاهرة... زيارة مدججة بالمعاني السياسية والأمنية، وتنبئ بصفحة جديدة في العلاقات الثنائية.

خطوة مصرية جديدة على طريق ’إعادة التموضع‘
نُشر · قراءة 3 دقائق
تستكمل القاهرة مسار "إعادة التموضع" على خريطة المحاور والتحالفات التي تقتسم دول المنطقة ... تذهب إلى أبعد حد في علاقاتها مع موسكو (سياحة وسلاح وتدريبات مشترك وقاعدة بحرية)، إلى شائعات عن نقلة جديدة في العلاقات الدبلوماسية مع طهران، وأخيراً زيارة علنية يقوم بها أرفع مسؤول أمني سوري اللواء علي مملوك للقاهرة... زيارة مدججة بالمعاني السياسية والأمنية، وتنبئ بصفحة جديدة في العلاقات الثنائية.

لسنا هنا بصدد الحديث عن استدارة، فالعلاقات المصرية الخليجية، ستظل قوية بالنظر لحاجة طرفيها أحدهما للآخر ... من الزاوية المصرية، هي علاقات حيوية اقتصادياً بالأساس (مساعدات وتحويلات عاملين)، ومن الزاوية الخليجية، هي علاقات فوق حيوية، مع هيمنة نظرية "صراع الوجود مع طهران"، وحاجة هذه المنظومة لمصر بثقلها المادي والمعنوي والرمزي إلى جانبها، وحرصها على تقطيع الطرق أمام أية فرصة لتطبيع العلاقات بين مصر وإيران

من تتبع العلاقات المصرية – الخليجية خلال السنوات الثلاث الفائتة، يلحظ أن القاهرة حرصت على "النأي بنفسها" عن التورط في أي من الحروب الخليجية وعلى شتى الجبهات، وهي اكتفت بإعطاء أصدقائها الخليجيين "من طرف اللسان حلاوة"، بيد أنها لم تتورط في معاركهم متعددة المسارات.

بخلاف دول الخليج (السعودية أساساً)، لم تقطع القاهرة شعرة معاوية مع نظام الأسد، ظلت على مستوى ثابت ومستمر من التواصل والتشاور عبر القنوات الأمنية، رفضت بشدة فتح أبوابها لمعظم حلفاء الخليج من المعارضات السورية، بل وهي أقرب لتصنيفهم بالإرهاب كما هو حال دمشق، لم تطرح إسقاط النظام وترحيله، ولم تسحب اعترافها بالجش ومؤسسات الدولة السورية.

في اليمن، اندرجت مصر رسمياً في التحالف "الإسلامي" بقيادة السعودية، بيد أنها لم تطلق رصاصة واحدة ضد "العدو الإيراني" في اليمن، ولم تتحمس لـ "عاصفة الحزم" ولا لـ"إعادة الأمل" ... ظلت قنواتها مفتوحة مع جماعة الرئيس المخلوع والحوثيين، ولسان حالها طالما حذر من مغبة السقوط في "المستنقع اليمني"، وهي قاومت الضغوط الهادفة جر مصر للمشاركة ميدانياً في هذه الحرب.

في العراق، وبخلاف حملات التجييش ضد الحكومة العراقية، وهيمنة المكون الشيعي عليها، واتهامها بالارتماء في أحضان إيران، إلا أن القاهرة حافظت على علاقات وطيدة نسبياً مع بغداد، تبادلت الزيارات معها على أرفع المستويات، ولم تنخرط في الحملات على الحكومة والحشد الشعبي ولم تجأر بالبكاء والنحيب على مصائر السنة من عرب وكرد وتركمان، كما يفعل الحلف التركي – الخليجي.

مصر على ما يبدو، ماضية في انتهاج طريقها الخاص، الذي يلتقي حيناً ويفترق أحياناً عن طريق حليفاتها الخليجيات، حتى وإن أفضى ذلك إلى زيادة حالة القلق والتحسب في أوساطها، وانخفاض منسوب الدعم المالي والاقتصادي المقدم لها من "نادي الدول الثرية" ... وأحد دوافع هذا الحراك "المستقل" للقاهرة، يتعلق بحساسية مصر حيال دورها الإقليمي، واعتيادها القيام بأدوار قائدة لا منقادة ... أما الدافع الثاني للحراك المصري "المستقل" فيتجلى في الخشية المصرية العميقة من "غلبة" و"انتصار" تيار الإسلام السياسي من جديد، وهي التي خاضت حرب الأعوام الثلاثة ضد هذا التيار، واكتوت بنيران اتجاهات العنيفة لسنوات طوال، وبصورة مبكرة، تعود لثمانيات القرن الفائت.

حلفاء دول الخليج في سوريا، هم خصوم النظام في مصر: الإخوان والسلفيون الجهاديون وما بينهما من تيارات إسلامية حركية ... وحلفاء دول الخليج في اليمن، ينتمون إلى المدرسة ذاتها، وإن استظلوا بدثار "الشرعية" ... وحلفاء دول الخليج في العراق، ليسوا بعيدين عن المدرسة ذاتها ... أما على المستوى الإقليمي، فإن دول الخليج، السعودية وقطر أساساً، تقترب من صياغة علاقات استراتيجية مع غريم مصر الأساسي في الإقليم: تركيا – أردوغان، فهل أقل من أن ترد القاهرة بتنويع تحالفاتها، وتطوير علاقاتها مع المحاور الآخر في المنطقة، الممتد من روسيا وحتى دمشق، مروراً بطهران وبغداد؟

حمّلوا تطبيق الشمس الأخبار والبث المباشر بين يديكم App Store Google Play
تابعوا الشمس على تلغرام أخبار عاجلة · تقارير حصرية · بث مباشر انضم للقناة

لن تقطع مصر مع تحالفاتها الخليجية التقليدية الممتدة لأكثر من ثلث قرن خلا ... لكن مصر، تدرك كما تدرك عواصم كثيرة، أن "حقبة الخليج" في السياسة العربية، في طريقها للتراجع والانكماش، وأن أعمق المخاوف والهواجس تنتاب القاهرة من حلفاء دول الخليج وأدواتها في الدول العربية المحتربة ... والقاهرة ستمضي قدماً في تنويع تحالفاتها مثلما تفعل في تنويع مصادر تسلحها، وتلكم سياسية ذكية في ظني، عبر عنها "التصويت المزدوج" في مجلس الأمن.

لكن هيهات أن يقبل الذين اعتادوا "أخذ الموقف المصري على المضمون" بهذا التطور في أداء السياسة الخارجية المصرية، وأن يسموه باسمه الحقيقي، بعيداً عن عبارات "الخذلان" و"نكران الجميل" ... وللمفارقة فإن تركيا تتبع سياسة تنويع التحالفات كذلك، كما تفعل مصر، وتحتفظ بعلاقات وطيدة مع أطراف متناقضة ومتصارعة ... لكن هذه السياسة عندما تصدر عن أنقرة توصف بالذكاء والدهاء وخدمة المصلحة الوطنية العليا، أما عندما تصدر عن القاهرة، فتسمى انتهازية ونكران جميل وخذلان ... وأحسب أن هذا الجدل مرشح للاستمرار والتفاقم، وربما على وقع مفاجآت مصرية قادمة.

حقوق النشر وسياسة الاستخدام

يتم استخدام المواد المنشورة على موقع الشمس وفقًا لأحكام المادة 27أ من قانون حقوق التأليف والنشر لعام 2007.

في حال كنت تعتقد أن استخدام أي مادة منشورة على الموقع ينتهك حقوقك بصفتك صاحب حقوق الطبع والنشر، يمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: info@ashams.com، وطلب وقف استخدام المادة.

يرجى عند التواصل تزويدنا بالاسم الكامل، ورقم الهاتف، وإرفاق صورة عن الشاشة (Screenshot) ورابط الصفحة ذات الصلة على موقع الشمس.

شكرًا لتعاونكم.

اقرأ أيضًا عرض الكل ←