منذ اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/ فبراير، اجتاحت المنصات الرقمية موجة غير مسبوقة من المقاطع والصور المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي، حتى باتت الحقائق نفسها موضع تشكيك.
مقطع مصوّر لرئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتانياهو، ظهر فيه وكأن لديه ستة أصابع، فجّر جدلًا واسعًا حول ما إذا كان الفيديو حقيقيًّا أم مفبركًا، ليكشف عن أزمة ثقة متفاقمة في زمن "الفوضى الرقمية".
فيديو نتانياهو والجدل حول "الإصبع الزائد"
انتشر المقطع الأول لنتانياهو بسرعة، وتحوّل إلى مادة خصبة للتكهنات على منصات التواصل. بعض المستخدمين زعموا أن إسرائيل تخفي حقيقة مقتله أو إصابته، وأن ما يظهر هو نسخة مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي، خبراء التحقيق الرقمي أوضحوا أن "الإصبع الزائد" مجرد خداع بصري ناتج عن الإضاءة والظل، لكن هذا التفسير ضاع وسط الضجيج.
لاحقًا، نشر نتانياهو فيديو ثانٍ في مقهى، رفع فيه يديه متحديًا المشككين أن يعدّوا أصابعه. بدلًا من تهدئة الجدل، أثار ذلك موجة جديدة من نظريات لا أساس لها، وصلت إلى حد التشكيك في حركة فنجان القهوة، حتى الفيديو الثالث الذي ظهر فيه برفقة السفير الأميركي مايك هاكابي لم يوقف الشكوك، إذ ركّز بعض المدققين على شكل أذنيه.
أدوات الذكاء الاصطناعي تعقّد التحقق
بحسب وكالة "فرانس برس"، جرى نشر أكثر من 500 مادة تحقق منذ بداية الحرب، بينها نحو 20 إلى 25% مرتبطة بمحتوى مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، وهو مستوى غير مسبوق. ما يميز هذه الأزمة هو واقعية المقاطع المفبركة وسهولة إنتاجها، بفضل أدوات متقدمة ومنخفضة التكلفة، قادرة على إزالة العلامات التقليدية التي كانت تكشف التلاعب.
الأستاذة كونستانس دو سان لوران من جامعة "ماينوث" الإيرلندية أوضحت أن المشكلة لم تعد في تصديق التضليل، بل في فقدان الثقة بالمحتوى الحقيقي نفسه، هذا ما يصفه الباحثون بـ"أزمة الثقة"، حيث يصبح كل شيء قابلًا للتشكيك.
منصات التواصل وتضليل "الزومبي"
خوارزميات المنصات الرقمية تعزز المحتوى الصادم والمضلّل عبر التفاعل، ما يضاعف انتشار المواد المفبركة. حتى بعد كشف زيفها، تعود هذه المواد للانتشار فيما يُعرف بـ"التضليل الزومبي"، ومجلة "دير شبيغل" الألمانية اضطرت مؤخرًا لسحب صور مرتبطة بإيران بعدما تبين أنها مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي.
كما ساهمت الحوافز المالية في تفاقم الظاهرة، إذ تحقق بعض الحسابات أرباحًا ضخمة من نشر محتوى مضلّل، ومعهد الحوار الإستراتيجي في لندن كشف أن شبكة حسابات على منصة "إكس" نشرت محتوى مُولَّدًا بالذكاء الاصطناعي حول الحرب، وحققت أكثر من مليار مشاهدة منذ اندلاعها.
المحتوى الساخر يزيد التشويش
انتشرت أيضًا مواد ساخرة مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي، مثل فيلم إيراني مزيف بشخصيات "ليغو" يتهم دونالد ترامب بشن الحرب، أو مقاطع تُظهر "انتصارات" عسكرية غير واقعية، وهذه الظاهرة تبسط الدعاية وتحولها إلى محتوى عبثي، لكنها في الوقت نفسه تزيد الغموض وتشوّه الحقائق.
وفي ظل هذا الواقع، لم تعد أدوات كشف الذكاء الاصطناعي كافية، إذ قد تعطي نتائج متناقضة، كما حدث مع فيديو نتانياهو في المقهى الذي صنّفته إحدى الأدوات بأنه "مُولَّد بنسبة 96.9%"، فيما خلصت أخرى إلى العكس.
ويقول توماس نوفوتني، مدير مجموعة أبحاث الذكاء الاصطناعي في جامعة "ساسكس": "علينا أن نتعامل مع الصور والفيديوهات والتسجيلات الصوتية كما نتعامل مع الشائعات، فلا شيء يمكن اعتباره حقيقة مطلقة دون تحقق متعدد المصادر."
وبهذا، تبدو الحرب الرقمية اليوم أخطر من أي وقت مضى، إذ لم يعد التحدي في كشف التضليل فحسب، بل في استعادة الثقة بالحقائق نفسها.