تراجع المخزون الاستراتيجي للنفط الأميركي يضع واشنطن أمام اختبار صعب

shutterstock

shutterstock

تواجه الولايات المتحدة ضغوطًا متزايدة في سوق النفط مع استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، في ظل تراجع كبير في حجم الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي، ما قد يقلص قدرة واشنطن على التدخل السريع لاحتواء أي ارتفاعات حادة في أسعار الخام خلال الفترة المقبلة.

وبعد نحو ستة أشهر من اندلاع الحرب، أصبح هامش المناورة أمام الإدارة الأميركية أضيق مقارنة بالسنوات السابقة، بعدما لجأت إدارتا الرئيسين السابق جو بايدن والحالي دونالد ترامب إلى سحب كميات كبيرة من الاحتياطيات الاستراتيجية بهدف التعامل مع اضطرابات أسواق الطاقة وتهدئة الأسعار.


الاحتياطي النفطي عند أدنى مستوى منذ عقود


تُعد الاحتياطيات الاستراتيجية الأميركية أحد أبرز أدوات واشنطن للتعامل مع الأزمات المفاجئة في سوق الطاقة، وقد أنشأتها الولايات المتحدة عقب أزمة النفط التي شهدها العالم خلال سبعينيات القرن الماضي.


وتخزن الكميات الموجودة حاليًا من النفط الخام داخل مجموعة كبيرة من المنشآت الواقعة في كهوف ملحية ضخمة تحت الأرض على امتداد سواحل ولايتي تكساس ولويزيانا، حيث يصل عدد مواقع التخزين إلى نحو 60 منشأة.


لكن عمليات السحب المتتالية التي جرت خلال السنوات الماضية أدت إلى انخفاض المخزون بصورة ملحوظة، إذ وصل إلى نحو 289.7 مليون برميل، وهو أدنى مستوى تسجله الاحتياطيات منذ عام 1982.


ولا يتوقف القلق عند المستوى الحالي، إذ إن تنفيذ عملية سحب إضافية تبلغ نحو 39 مليون برميل، بموجب اتفاق أُبرم في مارس/آذار مع وكالة الطاقة الدولية، سيؤدي إلى انخفاض المخزون إلى قرابة 243 مليون برميل.


ويعني ذلك أن الولايات المتحدة ستجد نفسها أمام احتياطي أقل بكثير من المستويات التي اعتادت الاعتماد عليها في أوقات الأزمات الكبرى.


سحوبات دولية غير مسبوقة بعد اندلاع الحرب


جاءت التطورات الحالية في أعقاب تحرك دولي واسع النطاق استهدف الحد من اضطرابات أسواق الطاقة بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط.


ووافقت أكثر من 30 دولة على تنفيذ عملية سحب جماعية من مخزوناتها النفطية، بإجمالي بلغ نحو 400 مليون برميل، في خطوة وصفت بأنها غير مسبوقة من حيث حجم الكميات المطروحة في السوق.


وكانت الولايات المتحدة صاحبة النصيب الأكبر من هذه العملية، بعدما ساهمت بنحو 172 مليون برميل، في محاولة لتخفيف المخاوف المتعلقة بإمدادات الخام ومنع الأسواق من الدخول في موجة أكثر حدة من الارتفاعات السعرية.


إلا أن هذه الخطوة تركت آثارًا واضحة على حجم الاحتياطي الأميركي، الذي بات بحاجة إلى سنوات من عمليات إعادة التعبئة حتى يعود إلى مستويات أكثر أمانًا.


إعادة ملء المخزونات قد تستغرق سنوات


تزداد صعوبة مهمة واشنطن مع طول الفترة اللازمة لتعويض الكميات التي جرى سحبها، إذ إن إعادة بناء المخزون الاستراتيجي لا يمكن تنفيذها بسرعة، خاصة مع ضخامة الكميات التي خرجت منه خلال السنوات الأخيرة.


وفي مذكرة بحثية صدرت مساء الأحد، حذر كيفن بوك، المحلل لدى شركة «كلير فيو إنرجي بارتنرز»، من أن استعادة الاحتياطي لمستوياته السابقة بصورة كاملة قد تحتاج إلى عدة سنوات.


وأشار بوك إلى أن العملية قد تتم من خلال شحن النفط الفنزويلي مباشرة إلى الاحتياطي الاستراتيجي، أو بيع هذا النفط واستخدام عائداته لتمويل شراء الخام من السوق الأميركية وإضافته إلى المخزونات.


غير أن عملية إعادة البناء قد تواجه هي الأخرى عقبات سياسية، خصوصًا مع إمكانية تأثرها بالانتخابات داخل الولايات المتحدة وفنزويلا، الأمر الذي قد يؤدي إلى تأجيل بعض الخطوات أو تقليص نطاقها.


172 مليون برميل سُحبت بنظام الإقراض


ولم تكن الكميات التي خرجت من الاحتياطي خلال إدارة ترامب مجرد مبيعات مباشرة، إذ جرى سحب نحو 172 مليون برميل في صورة قروض لشركات، على أن تعيد تلك الشركات الكميات التي حصلت عليها إلى المخزون لاحقًا.


وتشمل عملية السداد ما يقرب من 40 مليون برميل إضافية تمثل الفائدة على الكميات المقترضة، وهو حجم يعادل تقريبًا استهلاك الولايات المتحدة من النفط خلال يومين.


لكن عملية إعادة هذه الكميات لن تبدأ بصورة كاملة إلا في وقت لاحق من العام الجاري، ومن المتوقع ألا تنتهي قبل أواخر عام 2028، ما يعني استمرار وجود فجوة كبيرة بين مستوى المخزون الحالي والمستويات التي كانت عليها الاحتياطيات في السابق.


طفرة الإنتاج الأميركي قللت الاعتماد على الاحتياطي


ويعود جانب من أزمة الاحتياطي الحالية إلى تغير وضع الولايات المتحدة في سوق الطاقة خلال السنوات الماضية.


فمنذ انطلاق طفرة إنتاج النفط الأميركية عام 2008، تحولت الولايات المتحدة إلى دولة مصدرة صافيًا للنفط، وهو تطور قلل من اعتمادها على الواردات الخارجية مقارنة بالماضي.


وبسبب هذا التحول، لم يعد الشرط الذي كانت تفرضه وكالة الطاقة الدولية على الدول الأعضاء، والخاص بالاحتفاظ بمخزونات تكفي لتغطية 90 يومًا من صافي واردات النفط، ينطبق على الولايات المتحدة بالطريقة نفسها.


ومع ذلك، ظل الاحتياطي الاستراتيجي يمثل أداة أساسية تستطيع الإدارة الأميركية اللجوء إليها في مواجهة الأزمات المفاجئة، سواء المرتبطة بالإمدادات العالمية أو الاضطرابات الجيوسياسية التي تؤثر في أسواق الطاقة.


بايدن سحب كميات ضخمة لمواجهة ارتفاع الأسعار


وخلال فترة إدارة جو بايدن، بدأت عمليات سحب واسعة من الاحتياطي الاستراتيجي منذ عام 2021، حيث بلغ إجمالي الكميات المسحوبة نحو 230 مليون برميل بالتنسيق مع شركاء دوليين، بهدف الحد من ارتفاع أسعار النفط.


وكانت أكبر عملية سحب منفردة في عام 2022، عندما قررت الإدارة الأميركية طرح نحو 180 مليون برميل في الأسواق، عقب الحرب الروسية الأوكرانية وما صاحبها من اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة العالمية.


وبدأت الولايات المتحدة بعد ذلك خطوات لإعادة بناء المخزون وتعويض الكميات التي خرجت منه، إلا أن اندلاع الحرب مع إيران أدى إلى تعطيل جهود إعادة التعبئة، بالتزامن مع تراجع التمويل المخصص لهذه المهمة.


التمويل يشكل عقبة أمام إعادة بناء الاحتياطي


وتظهر البيانات المتعلقة بالتمويل حجم التحدي الذي تواجهه واشنطن، إذ خصص الكونغرس الأميركي خلال العام الماضي نحو 171 مليون دولار فقط لشراء النفط بهدف تعويض الكميات المسحوبة من الاحتياطي الاستراتيجي.


وكان هذا المبلغ أقل بكثير من التمويل الذي كان مطلوبًا في ذلك الوقت، والذي قُدرت قيمته بنحو 20 مليار دولار.


ويشير ذلك إلى أن إعادة المخزون إلى مستوياته السابقة لا ترتبط فقط بتوافر النفط في الأسواق، وإنما تحتاج أيضًا إلى موارد مالية ضخمة، فضلًا عن ظروف سياسية واقتصادية تسمح بتنفيذ عمليات الشراء على نطاق واسع.


قيود قانونية تقترب من مستوى حرج


وتفرض القوانين الأميركية بدورها قيودًا إضافية على قدرة الرئيس في استخدام الاحتياطي الاستراتيجي، إذ يحظر القانون إصدار أوامر متكررة بسحب كميات صغيرة من النفط إذا تراجع المخزون إلى أقل من 252.4 مليون برميل.


ومع ذلك، يظل بإمكان الرئيس الأميركي إصدار أوامر بالسحب في حال وقوع حالات طوارئ كبرى، ما يعني أن قدرة واشنطن على استخدام الاحتياطي لن تختفي تمامًا، لكنها قد تصبح أكثر تقييدًا كلما اقترب المخزون من المستويات الحرجة.


أسواق النفط تترقب قدرة واشنطن على التدخل


ومع استمرار الحرب وتراجع حجم الاحتياطي، تتجه الأنظار إلى قدرة الإدارة الأميركية على التعامل مع أي اضطراب جديد في إمدادات النفط العالمية.


ففي السابق، كان الاحتياطي الاستراتيجي يمنح واشنطن مساحة واسعة للتحرك عند ارتفاع الأسعار أو حدوث اضطرابات مفاجئة في الإمدادات، لكن انخفاض المخزون إلى مستويات لم تُسجل منذ أكثر من أربعة عقود يجعل استخدام هذه الأداة أكثر حساسية.


كما أن إعادة بناء المخزون لن تكون مهمة سريعة، خاصة في ظل ضخامة الكميات التي تم سحبها خلال السنوات الماضية، والحاجة إلى تمويل كبير لإتمام عمليات الشراء، إضافة إلى احتمال تأثر الخطط بالتطورات السياسية والانتخابية.



وبينما تستمر الحرب وتبقى أسواق الطاقة عرضة لتقلبات جديدة، تواجه الولايات المتحدة معادلة صعبة تتمثل في ضرورة استخدام احتياطياتها عند الحاجة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ما تبقى منها لمواجهة أزمات مستقبلية قد تكون أكثر حدة.


ويبرز تحذير كيفن بوك كإشارة واضحة إلى حجم التحدي، إذ أكد في مذكرته البحثية أن إعادة ملء المخزونات الاستراتيجية بالكامل «قد تستغرق سنوات»، سواء اعتمدت واشنطن على النفط الفنزويلي بصورة مباشرة أو استخدمت عائداته لتمويل شراء الخام من داخل الولايات المتحدة.


وتشير هذه المعطيات إلى أن استمرار الحرب لا يضغط فقط على أسواق النفط العالمية، بل يختبر أيضًا واحدة من أهم أدوات الولايات المتحدة للتعامل مع أزمات الطاقة، في وقت أصبحت فيه إعادة بناء مخزونها الاستراتيجي أكثر كلفة وتعقيدًا من أي وقت مضى.

يتم الاستخدام المواد وفقًا للمادة 27 أ من قانون حقوق التأليف والنشر 2007، وإن كنت تعتقد أنه تم انتهاك حقك، بصفتك مالكًا لهذه الحقوق في المواد التي تظهر على الموقع، فيمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني على العنوان التالي: info@ashams.com والطلب بالتوقف عن استخدام المواد، مع ذكر اسمك الكامل ورقم هاتفك وإرفاق تصوير للشاشة ورابط للصفحة ذات الصلة على موقع الشمس. وشكرًا!