واشنطن تحاصر إيران اقتصاديًا.. والحرب مؤجلة لما بعد الانتخابات
ترامب-Shutterstock
تكثف الإدارة الأميركية ضغوطها الاقتصادية على إيران، بالتزامن مع مساعٍ داخل دوائر صنع القرار في واشنطن لتجنب الدخول في مواجهة عسكرية واسعة قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر المقبل، في ظل مخاوف من أن يؤدي أي تصعيد كبير إلى انعكاسات سياسية واقتصادية تضر بفرص الجمهوريين في الانتخابات.
وتتحرك واشنطن، وفقاً للتصريحات الأميركية وتقارير إعلامية، على مسارين متوازيين؛ الأول يقوم على توسيع نطاق العقوبات والضغط على الاقتصاد الإيراني، والثاني يتمثل في الإبقاء على الخيارات العسكرية مطروحة، مع تفضيل عدم اللجوء إليها في المرحلة الحالية، بهدف دفع طهران إلى تقديم تنازلات في أي مسار تفاوضي محتمل خلال الفترة المقبلة.
وزير الخزانة: عقوبات غير مسبوقة ضد إيران
وقال وزير الخزانة الأميركي، في تصريحات لشبكة «فوكس نيوز»، إن الولايات المتحدة تفرض على إيران عقوبات وصفها بأنها غير مسبوقة، مشيراً إلى أن واشنطن تعمل على قطع الروابط التي تربط النظام الإيراني بالاقتصاد العالمي.
وأوضح الوزير أن سياسة الإدارة الأميركية لا تستهدف فقط المؤسسات الإيرانية، وإنما تمتد إلى الجهات التي تتعامل مع النظام في طهران، في محاولة لزيادة تكلفة التعامل الاقتصادي والمالي معه.
وحذر من أن أي طرف يواصل إقامة علاقات اقتصادية مع إيران قد يجد نفسه في دائرة الإجراءات الأميركية، داعياً الشركات والدول والجهات المختلفة إلى الابتعاد عن التعامل مع النظام الإيراني.
وتأتي هذه التصريحات في إطار سياسة تعتمد بصورة أساسية على أدوات الضغط الاقتصادي، بهدف تقليص قدرة طهران على الوصول إلى الموارد المالية والأسواق الخارجية، ودفعها إلى إعادة حساباتها بشأن الملفات محل الخلاف مع واشنطن.
الاقتصاد الإيراني تحت ضغط متزايد
وركز وزير الخزانة الأميركي كذلك على الوضع الاقتصادي داخل إيران، مشيراً إلى أن الاقتصاد يواجه مجموعة من الأزمات المتراكمة، في مقدمتها تراجع قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم.
وأشار إلى أن الضغوط الاقتصادية انعكست أيضاً على قدرة الحكومة الإيرانية على الوفاء بالتزاماتها المالية، متحدثاً عن تراجع قدرتها على دفع رواتب القوات التابعة لها.
وتضع هذه التطورات الاقتصاد الإيراني في قلب الاستراتيجية الأميركية الحالية، إذ تراهن واشنطن على أن استمرار العقوبات وتشديد القيود على مصادر التمويل يمكن أن يحد من قدرة الحكومة الإيرانية على مواصلة الإنفاق، ويدفعها في النهاية إلى البحث عن مخرج سياسي عبر التفاوض.
وتحاول الإدارة الأميركية من خلال هذه السياسة الجمع بين الضغط الاقتصادي والحفاظ على هامش للمناورة السياسية، بحيث تبقى إمكانية التفاوض قائمة من دون التخلي عن أدوات الضغط التي تستخدمها ضد طهران.
واشنطن تستهدف شبكة التعاملات مع طهران
ولا تقتصر الاستراتيجية الأميركية على فرض العقوبات بصورة مباشرة على المؤسسات الإيرانية، بل تقوم كذلك على تحذير الأطراف الخارجية من التعامل مع الجهات الخاضعة للعقوبات.
ويعني هذا النهج توسيع نطاق التأثير الأميركي خارج حدود إيران، إذ يمكن للعقوبات الثانوية والتهديد بفرض إجراءات على الأطراف المتعاملة مع طهران أن ترفع تكلفة العلاقات التجارية والمالية معها.
ومن وجهة نظر الإدارة الأميركية، فإن تقليص قدرة إيران على الوصول إلى النظام المالي الدولي والأسواق الخارجية يمثل أحد أهم عناصر الضغط التي يمكن استخدامها من دون الانتقال مباشرة إلى الخيار العسكري.
وتحاول واشنطن بذلك توجيه رسالة إلى الشركات والمؤسسات المالية والدول التي قد تواصل التعامل مع إيران، مفادها أن استمرار العلاقات الاقتصادية مع طهران قد يترتب عليه ثمن سياسي ومالي.
النفط يظل شرياناً حيوياً عبر مضيق هرمز
وفي سياق متصل، برز مضيق هرمز مجدداً باعتباره أحد أهم الملفات المرتبطة بأزمة إيران، نظراً إلى دوره المحوري في حركة صادرات النفط العالمية.
وقال وزير الطاقة الأميركي إن أكثر من 17 مليون برميل من النفط عبرت المضيق يوم الاثنين الأخير، في مؤشر على استمرار حركة شحنات الطاقة عبر هذا الممر البحري الاستراتيجي.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة في ظل التوترات المتصاعدة بين واشنطن وطهران، إذ إن أي اضطراب واسع في حركة الملاحة عبر المضيق يمكن أن ينعكس سريعاً على أسواق النفط العالمية، ويرفع تكاليف الطاقة ويزيد الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة.
ويعد مضيق هرمز من أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، الأمر الذي يجعل استقرار حركة الملاحة فيه عاملاً رئيسياً بالنسبة إلى الأسواق العالمية.
رويترز: تجنب التصعيد قبل انتخابات التجديد النصفي
وفي تطور سياسي لافت، نقلت وكالة «رويترز» عن أربعة مصادر مطلعة أن كبار مساعدي الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعملون على تجنب تصعيد عسكري كبير مع إيران قبل انتخابات التجديد النصفي المقرر إجراؤها في الثالث من نوفمبر المقبل.
وبحسب المصادر، فإن الاعتبارات السياسية الداخلية أصبحت عاملاً مهماً في حسابات الإدارة الأميركية بشأن التعامل مع الملف الإيراني، خصوصاً مع خشية بعض المسؤولين من أن يؤدي اتساع المواجهة العسكرية إلى التأثير سلباً على فرص الجمهوريين في الانتخابات.
وتشير هذه المعطيات إلى أن البيت الأبيض يسعى في المرحلة الحالية إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الضغط على إيران، دون دفع المنطقة إلى مسار عسكري يصعب التحكم في تداعياته خلال فترة حساسة سياسياً داخل الولايات المتحدة.
الضغط الاقتصادي بديلاً عن المواجهة المباشرة
ووفقاً للمصادر التي تحدثت إليها «رويترز»، تركز الإدارة الأميركية حالياً على استخدام الأدوات الاقتصادية لزيادة الضغط على طهران، بهدف دفعها إلى تقديم تنازلات يمكن البناء عليها في أي مفاوضات مستقبلية.
وتبدو هذه الاستراتيجية أكثر ملاءمة للمرحلة الحالية من وجهة نظر صانعي القرار الأميركي، لأنها تسمح باستمرار الضغط على إيران مع تجنب تداعيات عملية عسكرية واسعة قد تؤثر في أسعار الطاقة والاقتصاد الأميركي، فضلاً عن انعكاساتها السياسية على الانتخابات.
لكن المصادر نفسها أشارت إلى أن واشنطن لا تغلق الباب أمام الخيارات العسكرية، وإنما تسعى إلى تأجيل اللجوء إليها إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي، بما يمنح الإدارة مساحة أكبر لاتخاذ قراراتها بعيداً عن الاستحقاق الانتخابي القريب.
الخيارات العسكرية لا تزال مطروحة
ورغم التركيز على العقوبات والأدوات الاقتصادية، فإن واشنطن لا تزال تحتفظ بالخيار العسكري ضمن حساباتها المتعلقة بإيران.
ويعكس ذلك رغبة الإدارة الأميركية في إبقاء جميع أدوات الضغط متاحة، بحيث يمكن الانتقال من العقوبات إلى إجراءات أخرى إذا فشلت الضغوط الاقتصادية في تحقيق النتائج المطلوبة.
وفي الوقت نفسه، فإن تجنب التصعيد قبل نوفمبر لا يعني بالضرورة تغيير الموقف الأميركي تجاه طهران، بل قد يمثل إعادة ترتيب للأولويات وفقاً للظروف السياسية والاقتصادية الراهنة.
وتشير المعلومات التي أوردتها «رويترز» إلى أن الهدف الأساسي في الوقت الحالي هو منح العقوبات والضغط الاقتصادي فرصة أكبر للتأثير، مع انتظار ما يمكن أن تسفر عنه هذه السياسة قبل اتخاذ قرارات أكثر تصعيداً.
حسابات النفط والسياسة تضغط على واشنطن
وتتداخل في الملف الإيراني مجموعة من العوامل، يأتي في مقدمتها أمن إمدادات الطاقة واستقرار الأسواق، إلى جانب الحسابات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة.
فاستمرار تدفق ملايين براميل النفط عبر مضيق هرمز يبعث برسالة إلى الأسواق بأن حركة الطاقة لا تزال مستمرة، لكن حساسية المنطقة تجعل أي تطور عسكري واسع قابلاً للانعكاس سريعاً على أسعار النفط.
وفي المقابل، فإن ارتفاع الأسعار في الولايات المتحدة يمكن أن يتحول إلى ملف انتخابي ضاغط، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، وهو ما يفسر جانباً من حرص الإدارة الأميركية على تجنب سيناريو يؤدي إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة.
تكشف التحركات والتصريحات الأميركية الأخيرة عن استراتيجية تقوم على تشديد الضغط الاقتصادي على إيران، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
وبينما تؤكد إدارة ترامب استمرار العقوبات واستهداف الجهات التي تتعامل مع طهران، تبقي واشنطن الخيار العسكري مفتوحاً، في انتظار نتائج سياسة الضغط الاقتصادي وما إذا كانت ستدفع إيران إلى تقديم تنازلات تفتح الباب أمام مفاوضات مستقبلية.
وفي ظل استمرار حركة النفط عبر مضيق هرمز، يبقى الاقتصاد والطاقة والسياسة الداخلية الأميركية عناصر مترابطة في تحديد مسار الأزمة خلال الفترة المقبلة، فيما ستظل الانتخابات الأميركية المقبلة محطة مهمة في حسابات واشنطن بشأن توقيت أي خطوات جديدة تجاه طهران.
وقال مصدر مطلع، وفق ما نقلته «رويترز»، إن تركيز الإدارة في المرحلة الحالية ينصب على «تشديد الضغط الاقتصادي» على طهران لدفعها نحو تقديم تنازلات، مع الإبقاء على الخيارات الأخرى مطروحة، وهو ما يعكس نهجاً أميركياً يوازن بين تحقيق أهدافه تجاه إيران وتجنب تحمل كلفة تصعيد واسع في توقيت انتخابي حساس.
نشرة إخبارية خاصة مباشرة لبريدك الإلكتروني يوميا
استلم اشعارات وأخبار حصرية ومقالات مميزة من إذاعة الشمس