هل يستطيع المواطن العربي أن ينجز حياته بالعربية؟

في الهاتف، والمستشفى، والبنك، والموقع الحكومي، تنتقل تفاصيل الحياة اليومية أكثر فأكثر إلى الشاشات، لكن السؤال بالنسبة للمواطن العربي لم يعد فقط ما إذا كانت الخدمة متاحة إلكترونيًا، بل ما إذا كان يستطيع استخدامها وفهمها وإنجاز معاملته بلغته الأم، فوجود صفحة تحمل كلمة "العربية" لا يعني بالضرورة أن رحلة المستخدم كاملة متاحة بهذه اللغة.

لافتات إرشادية متعددة اللغات في المرافق العامة
المصدر: ويكيميديا كومنز (CC BY-SA 3.0)
لافتات إرشادية متعددة اللغات في المرافق العامة المصدر: ويكيميديا كومنز (CC BY-SA 3.0)
نُشر تحديث · قراءة 4 دقائق

تزداد أهمية هذا السؤال مع توسع الخدمات الرقمية، إذ كشفت دراسة أكاديمية نُشرت في آذار/مارس 2026، وحللت بيانات 6204 مواطنين عرب من المسح الاجتماعي للمكتب المركزي للإحصاء للفترة بين 2018 و2022، عن فجوة واضحة في استخدام الخدمات الحكومية الرقمية، إذ بلغت نسبة الاستخدام في البيانات المدروسة 36% لدى المواطنين العرب مقابل 60% لدى اليهود، رغم أن الفارق في استخدام الإنترنت كان أقل، بواقع 88% مقابل 93%.

ووجد الباحثون أن الفجوة في استخدام الخدمات الحكومية الرقمية لا ترتبط بالاتصال بالإنترنت وحده، وإنما تتداخل فيها عوامل اجتماعية وتعليمية ومهنية ومكانية ولغوية، بينها مستوى إتقان العبرية والعمر والجنس، كما رصدت الدراسة ظهور فئة من المستخدمين الذين يعتمدون على الهاتف المحمول فقط، ما قد يحد من استفادتهم الكاملة من إمكانات الإنترنت.

العربية موجودة على الموقع.. لكن هل تكفي؟

على المستوى الرسمي، توفر الحكومة بوابة خدمات باللغة العربية تضم أكثر من ألفي خدمة ومعلومة، بينها تجديد رخص المركبات، وخدمات الضرائب، وطلبات جواز السفر، ورخص القيادة وغيرها.

لكن وجود صفحة عربية لا يعني بالضرورة أن جميع مراحل الخدمة متاحة باللغة نفسها، وهو ما يظهر أيضًا في خطة حكومية مخصصة لتقليص الفجوة الرقمية لدى المجتمع العربي، إذ حددت الخطة هدفًا يقضي بإتاحة لغوية وثقافية باللغة العربية لما لا يقل عن 50% من المضامين والخدمات الإلكترونية التي تقدمها الوزارات والجهات الحكومية حتى نهاية عام 2026، إلى جانب إشراك 40 ألف مواطن عربي في مبادرات لتعزيز المهارات الرقمية.

وهنا تظهر نقطة أساسية، فالحكومة لا تتحدث عن "الترجمة" فقط، بل عن "إتاحة لغوية وثقافية"، ما يعني أن التحدي يتجاوز نقل الكلمات من العبرية إلى العربية، ليشمل طريقة تصميم الخدمة، ومدى سهولة فهمها واستخدامها، وما إذا كان المواطن يستطيع إكمال المعاملة دون الانتقال في منتصفها إلى لغة أخرى.

عندما تصبح اللغة مسألة صحية

في المجال الصحي، تصبح الفجوة اللغوية أكثر حساسية، لأن عدم فهم معلومة طبية أو إجراء إداري قد تكون له نتائج مباشرة على المريض.

وتوفر وزارة الصحة خدمات ومعلومات باللغة العربية، إلى جانب مركز "صوت الصحة" الهاتفي، كما توجد خدمات للترجمة الطبية الفورية يمكن استخدامها في المؤسسات الصحية.

لكن صفحات الوزارة نفسها تقدم مثالًا واضحًا على الفرق بين ترجمة المعلومات وإتاحة الخدمة كاملة، ففي إحدى الخدمات الخاصة بالإبلاغ عن الأعراض الجانبية للأدوية، توضح الوزارة أن المعلومات متاحة بالعربية، بينما إجراءات الإبلاغ والنماذج ذات الصلة متاحة بالعبرية، وتطلب من الذين لا يتحدثون العبرية الاستعانة بشخص يتحدثها.

وفي خدمة أخرى تتعلق بإصدار تصديق لرخصة التمريض، تشير الوزارة إلى أن المعلومات متاحة بالعربية، لكن إجراءات الطلب والنماذج ذات الصلة متاحة بالعبرية فقط.

وتكشف هذه الأمثلة الفرق بين أن يعرف المواطن ما هي الخدمة، وبين أن يستطيع تنفيذها بنفسه، فاللغة هنا لا تتعلق براحة المستخدم فقط، وإنما بقدرته على قراءة التعليمات، وتعبئة نموذج، وإرسال مستندات، ومتابعة الإجراء دون الاعتماد على شخص آخر.

البنك يدخل إلى المعادلة

في القطاع المصرفي، ظهرت خلال أيلول/سبتمبر 2026 خطوة جديدة تعكس حجم التحول نحو الخدمات الرقمية، إذ بدأ بنك لئومي طرح تطبيقه تدريجيًا بخمس لغات، بينها العربية والإنجليزية والروسية والفرنسية إلى جانب العبرية.

وقال البنك إن النسخة العربية تتيح للعملاء تنفيذ مجموعة من العمليات المصرفية، بينها متابعة الحسابات، والتحويلات، وطلب بطاقات ائتمان، وفتح الودائع، والتقدم للحصول على قروض، مع إضافة بعض الخدمات تدريجيًا إلى النسخ الجديدة.

وتأتي أهمية هذه الخطوة من كون التعامل المصرفي نفسه ينتقل بسرعة إلى الهاتف، فبحسب استطلاع بنك إسرائيل لخدمات البنوك لعام 2025، قال 91% من أصل 4000 مشارك إنهم يستخدمون قنوات الخدمة المباشرة، مثل الخدمات الرقمية والهاتفية، بصورة أساسية، بينما كانت الفروع قناة التعامل الرئيسية لدى 4% فقط من العملاء.

ومع انتقال الخدمات المالية من الشباك والموظف إلى شاشة الهاتف، تصبح اللغة الموجودة داخل التطبيق جزءًا من قدرة العميل على إدارة أمواله بصورة مستقلة.

لكن تجربة بنك واحد تطرح سؤالًا أوسع عن القطاع كله: هل تصبح الخدمات العربية الرقمية جزءًا ثابتًا من تصميم الخدمات المصرفية، أم تبقى مرتبطة بقرار كل مؤسسة على حدة؟

المشكلة ليست اللغة وحدها

من الخطأ اختزال الفجوة في نقص الترجمة فقط، فالدراسة الأكاديمية تشير إلى أن الفروق في استخدام الخدمات الحكومية الرقمية تستمر رغم تقارب مستويات استخدام الإنترنت، وأن عوامل مثل التعليم والمهنة ومكان السكن وإتقان العبرية تؤثر في استخدام الخدمات الرقمية، إلى جانب ظهور مستخدمين يعتمدون على الهاتف المحمول فقط.

وهذا يعني أن المواطن قد يواجه عدة حواجز في الوقت نفسه: اللغة، والمهارات الرقمية، ونوع الجهاز، وجودة الاتصال، والقدرة على فهم المصطلحات الرسمية، وطريقة تصميم النماذج الإلكترونية.

لذلك، فإن ترجمة الموقع وحدها لا تعني بالضرورة إزالة الفجوة، إذا بقيت عملية تقديم الطلب معقدة، أو ظلت أجزاء أساسية من الخدمة متاحة بلغة واحدة فقط.

ماذا يحدث عندما تدخل الخدمات عصر الذكاء الاصطناعي؟

يصبح السؤال أكثر تعقيدًا مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى الخدمات العامة والخاصة، لأن المرحلة المقبلة قد لا تعتمد فقط على مواقع إلكترونية مترجمة، وإنما على مساعدين صوتيين وروبوتات محادثة وأنظمة تستطيع قراءة الطلبات والوثائق والرد على المستخدمين.

وتشير استراتيجية الذكاء الاصطناعي الإسرائيلية لعام 2026 إلى الحاجة إلى تقليص الفجوة التكنولوجية في اللغات المحلية، العبرية والعربية، وتذكر تطوير نماذج لغوية كبيرة مفتوحة المصدر بالعبرية والعربية، إلى جانب نماذج للتفريغ الصوتي ومهام معالجة اللغة الطبيعية.

حمّلوا تطبيق الشمس الأخبار والبث المباشر بين يديكم App Store Google Play
تابعوا الشمس على تلغرام أخبار عاجلة · تقارير حصرية · بث مباشر انضم للقناة

وهنا تظهر أسئلة جديدة: هل يفهم النظام العربية الرسمية واللهجات المختلفة؟ هل يستطيع التعامل بدقة مع المصطلحات القانونية والطبية؟ هل يشرح للمواطن معنى القرار أم يكتفي بترجمة النص؟ وماذا يحدث إذا أخطأ نظام ذكي في تفسير معلومة تتعلق بالصحة أو المال أو حق قانوني؟

هذه الأسئلة لا تتعلق باللغة وحدها، بل بجودة التكنولوجيا نفسها، وبكيفية اختبارها قبل استخدامها في خدمات تمس حياة الناس.

من اللغة إلى الاستقلالية

وراء كل هذه التفاصيل سؤال اجتماعي أعمق: ماذا يعني أن يحصل المواطن على الخدمة بصورة مستقلة؟

إذا احتاج شخص إلى قريب يشرح له رسالة من مؤسسة حكومية، أو إلى موظف يترجم له نموذجًا مصرفيًا، أو إلى شخص آخر يساعده في تقديم طلب صحي، فقد تكون الخدمة متاحة رسميًا، لكن تجربة استخدامها ليست متساوية بالضرورة.

وتصبح المسألة أكثر أهمية بالنسبة لكبار السن، ولمن تقل مهاراتهم الرقمية، وللسكان في بلدات تعاني أصلًا من فجوات في البنية التحتية والخدمات.

وفي المقابل، فإن توسيع الخدمات بالعربية لا يعني الاستغناء عن العبرية، فإتقان اللغتين يوسع قدرة المواطن على الدراسة والعمل والتعامل مع مؤسسات الدولة، لكن وجود الخدمة بالعربية يمنحه إمكانية إضافية: أن يفهم ما يتعلق بصحته وماله وحقوقه، وأن يتخذ قراره بناءً على معلومات يفهمها بصورة مباشرة.

من "ترجمة الخدمة" إلى "إتاحة الخدمة"

المشكلة إذن ليست في سؤال ما إذا كانت هناك صفحات عربية على الإنترنت، فهذه الصفحات موجودة بالفعل، كما توجد خدمات صحية ومصرفية وحكومية توفر قنوات باللغة العربية.

السؤال الأهم هو: هل يستطيع المواطن العربي أن يبدأ المعاملة بالعربية وينهيها بالعربية؟

هل يستطيع قراءة المعلومة، وتعبئة النموذج، وإرسال المستندات، وتلقي الرد، وتقديم اعتراض عند الحاجة، وفهم القرار النهائي باللغة نفسها؟

هذه هي النقطة الفاصلة بين "ترجمة الخدمة" و"إتاحة الخدمة".

ومع انتقال المزيد من تفاصيل الحياة اليومية إلى التطبيقات والأنظمة الذكية، يصبح السؤال عن العربية سؤالًا عن الاستقلالية أيضًا، فإذا كانت الخدمة الرقمية هي البوابة الجديدة إلى الصحة والبنوك والحكومة والحقوق، فإن قدرة المواطن على فهمها واستخدامها بلغته تصبح جزءًا من قدرته على الوصول إلى هذه الخدمات من دون وسيط.

وفي السنوات المقبلة، قد لا يكون التحدي هو أن نجد كلمة "العربية" على الشاشة، بل أن نعرف ما إذا كانت العربية قادرة على حمل المعاملة كاملة، من أول نقرة حتى آخر قرار.

الخدمات الرقمية بالعربية، الفجوة الرقمية، الذكاء الاصطناعي والعربية.

اقرأ/ي أيضًابول ويلر ونجوم بريطانيون يجتمعون في لندن لدعم غزة

حقوق النشر وسياسة الاستخدام

يتم استخدام المواد المنشورة على موقع الشمس وفقًا لأحكام المادة 27أ من قانون حقوق التأليف والنشر لعام 2007.

في حال كنت تعتقد أن استخدام أي مادة منشورة على الموقع ينتهك حقوقك بصفتك صاحب حقوق الطبع والنشر، يمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: info@ashams.com، وطلب وقف استخدام المادة.

يرجى عند التواصل تزويدنا بالاسم الكامل، ورقم الهاتف، وإرفاق صورة عن الشاشة (Screenshot) ورابط الصفحة ذات الصلة على موقع الشمس.

شكرًا لتعاونكم.

اقرأ أيضًا عرض الكل ←