26 عامًا على هبة القدس والأقصى.. ماذا تغيّر في علاقة الدولة بالمجتمع العربي؟

في الأول من أكتوبر عام 2000، بدأت مرحلة مختلفة في علاقة المواطنين العرب بالدولة، عندما خرجت مظاهرات واسعة في البلدات العربية احتجاجًا على ما كان يجري في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وسرعان ما تحولت المواجهات إلى واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في تاريخ المجتمع العربي داخل إسرائيل.

الوصف: النصب التذكاري للشهداء في مدينة سخنين
المصدر: Shlomo Roded / PikiWiki Israel / Wikimedia Commons (CC BY 2.5)
الوصف: النصب التذكاري للشهداء في مدينة سخنين المصدر: Shlomo Roded / PikiWiki Israel / Wikimedia Commons (CC BY 2.5)
نُشر تحديث · قراءة 4 دقائق

خلال الفترة بين الأول والثامن من أكتوبر، قُتل 13 فلسطينيًا، بينهم 12 مواطنًا عربيًا في إسرائيل وشاب من غزة، وأصيب مئات آخرون، بعدما استخدمت الشرطة الرصاص الحي والقناصة والرصاص المعدني المغلف بالمطاط في تفريق المتظاهرين، وفق المعطيات التي وثقتها مصادر حقوقية وتقرير لجنة التحقيق الرسمية لاحقًا.

لكن أهمية هبة القدس والأقصى لا تتوقف عند أيام الاحتجاجات، بل تمتد إلى ما تركته من أسئلة حول علاقة الدولة بالمجتمع العربي، ومدى تنفيذ الوعود التي أعقبتها بالمحاسبة والإصلاح.

أكتوبر 2000.. لحظة انفصال عن الماضي

جاءت الاحتجاجات في سياق فلسطيني متوتر، بعد زيارة أريئيل شارون للحرم القدسي في 28 سبتمبر 2000، وما تبعها من مواجهات دامية في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، قبل أن تنتقل أصداء الأحداث سريعًا إلى الداخل.

وشهدت أم الفحم والناصرة وسخنين وعرابة وكفر مندا وجت وبلدات أخرى مظاهرات وإضرابات وإغلاقًا للطرق واحتكاكات مع الشرطة، فيما اتخذت الأحداث خصوصية إضافية كون المشاركين فيها مواطنين يحملون الجنسية الإسرائيلية.

وبحسب معهد الديمقراطية الإسرائيلي، شكلت أحداث أكتوبر نقطة تحول في علاقة المواطنين العرب بمؤسسات الدولة، وارتبطت السنوات التي تلتها بزيادة الشعور بالاغتراب عن المؤسسات الرسمية وتراجع المشاركة الانتخابية العربية.

من الشارع إلى لجنة أور

تحت ضغط عائلات الضحايا ولجنة المتابعة والجهات السياسية والحقوقية، تقرر في نوفمبر 2000 تشكيل لجنة تحقيق رسمية برئاسة قاضي المحكمة العليا ثيودور أور، للنظر في ملابسات الأحداث وأسبابها الأوسع.

وبعد سنوات من الاستماع إلى الشهادات وفحص الوثائق والأدلة، صدر تقرير اللجنة في سبتمبر 2003، وخلص إلى أن إطلاق النار الذي أدى إلى مقتل الشبان الثلاثة عشر لم يكن مبررًا، وأن استخدام القناصة والرصاص الحي والرصاص المعدني المغلف بالمطاط في تلك الظروف خالف قواعد إطلاق النار، كما أوصى بإجراء تحقيقات جنائية في حالات القتل.

ولم يقتصر التقرير على الأحداث الميدانية، بل ربط التوتر الذي انفجر في أكتوبر بمشكلات طويلة الأمد في علاقة الدولة بالمواطنين العرب، بينها التمييز والفجوات الاجتماعية والاقتصادية، مع توجيه انتقادات أيضًا إلى تصريحات وتصرفات بعض القيادات العربية خلال الأحداث.

السؤال الذي لم يجد إجابة

إذا كان تقرير لجنة أور قد خلص إلى عدم وجود مبرر لإطلاق النار في حالات القتل الثلاثة عشر، فإن مسار التحقيقات اللاحق فتح سؤالًا آخر حول معنى المحاسبة عندما لا تنتهي الملفات إلى لوائح اتهام.

في سبتمبر 2005 أعلنت وحدة التحقيق مع الشرطة "ماحاش" عدم وجود أساس لتقديم لوائح اتهام في أي من ملفات القتل الثلاثة عشر، وفي يناير 2008 تبنى المستشار القضائي للحكومة موقف الوحدة وأُغلقت الملفات.

واعتبرت منظمات حقوقية، بينها عدالة، أن إغلاق الملفات يمثل فشلًا في تحقيق المساءلة، فيما بقيت النتيجة العملية أن أيًا من أفراد الشرطة أو القادة الأمنيين لم تتم محاكمته على خلفية عمليات القتل، رغم النتائج التي توصلت إليها لجنة التحقيق الرسمية بشأن استخدام القوة.

هل تغيرت علاقة الشرطة بالمجتمع العربي؟

كانت العلاقة بين الشرطة والمواطنين العرب واحدة من القضايا المركزية التي تناولتها لجنة أور، التي أوصت بتحسين تعامل الشرطة مع المجتمع العربي وتغيير صورتها من جهة يُنظر إليها باعتبارها معادية إلى مؤسسة تقدم الخدمات وتفرض القانون بصورة متساوية.

وأطلقت الحكومات بعد ذلك برامج وقرارات مختلفة لمعالجة عدد من القضايا التي أثارها التقرير، إلا أن مشكلة الثقة وإنفاذ القانون في البلدات العربية ظلت حاضرة، خصوصًا مع استمرار شكاوى السلطات المحلية العربية من ضعف التعامل مع الجريمة والعنف.

وفي مايو 2026، أعلن مراقب الدولة الإسرائيلي فتح تدقيق جديد بشأن مكافحة الجريمة في المجتمع العربي، بعد لقاء مع رؤساء سلطات محلية عربية، في مؤشر على استمرار ملف العلاقة بين مؤسسات إنفاذ القانون والمجتمع العربي بعد أكثر من عقدين على أحداث أكتوبر.

من ذاكرة الضحايا إلى ذاكرة جماعية

لم تبقَ هبة القدس والأقصى حدثًا أمنيًا مؤقتًا، بل أصبحت جزءًا من الذاكرة الجماعية للمجتمع العربي، مع ارتباط أسماء الضحايا بذكرى سنوية تستعيد أحداث تلك الأيام وما رافقها من مطالب بالعدالة والمحاسبة.

وتشكلت هذه الذاكرة من الحدث نفسه ومن كل ما جاء بعده، من لجنة أور والتحقيقات وإغلاق الملفات إلى النقاش المستمر حول المسؤولية وعلاقة الشرطة بالمجتمع العربي، لذلك فإن إحياء الذكرى يمثل أيضًا استعادة لسؤال العدالة الذي لم يُحسم.

السياسة العربية بعد أكتوبر

أثرت أحداث أكتوبر كذلك في السياسة داخل المجتمع العربي، ويشير معهد الديمقراطية الإسرائيلي إلى أن الفترة التي أعقبتها شهدت زيادة في الاغتراب عن مؤسسات الدولة وتراجعًا في المشاركة الانتخابية العربية، إذ بلغ متوسط المشاركة العربية في الانتخابات الأربع بين 2003 و2013 نحو 57%، مقارنة بنحو 66% على المستوى العام.

حمّلوا تطبيق الشمس الأخبار والبث المباشر بين يديكم App Store Google Play
تابعوا الشمس على تلغرام أخبار عاجلة · تقارير حصرية · بث مباشر انضم للقناة

ولا يمكن اختزال هذا التحول في عامل واحد، فقد تزامنت الأحداث مع الانتفاضة الثانية وتراجع مسار التسوية وتغيرات سياسية واسعة، إلا أن أكتوبر 2000 بقي أحد الأحداث التي طبعت النقاش السياسي العربي خلال العقود التالية، ودفعت إلى الواجهة أسئلة العلاقة بين المواطنة والهوية الفلسطينية والمشاركة السياسية داخل مؤسسات الدولة.

ما الذي تغير وما الذي بقي؟

بعد 26 عامًا، يصعب النظر إلى هبة القدس والأقصى باعتبارها حادثة انتهت بانتهاء المظاهرات، فقد دفعت الأحداث مؤسسات الدولة إلى إجراء تحقيق رسمي واسع، وأدخلت قضايا التمييز والفجوات وعلاقة الشرطة بالمجتمع العربي إلى صلب النقاش الرسمي.

لكن في المقابل، بقيت قضية المحاسبة على مقتل الشبان الثلاثة عشر دون محاكمات، كما استمرت قضايا الثقة وإنفاذ القانون والفجوات بين البلدات العربية واليهودية في الظهور بأشكال مختلفة، ما جعل أكتوبر 2000 مرجعًا حاضرًا كلما برزت قضية تتعلق باستخدام الشرطة للقوة أو بالمساواة في إنفاذ القانون.

26 عامًا.. والملف لم يُغلق

ربما لا تكمن أهمية هبة القدس والأقصى اليوم في إعادة سرد ما جرى في أكتوبر 2000، بل في النظر إلى ما تركته تلك الأيام خلفها، 13 حياة فقدت، ومئات الإصابات، ولجنة تحقيق رسمية، وتقرير تحدث عن استخدام غير مبرر للقوة وعن فجوات تاريخية، ثم تحقيقات انتهت من دون لوائح اتهام.

وبعد 26 عامًا، ما زال السؤال قائمًا حول مدى معالجة الدولة للأسباب التي كشفتها لجنة أور، وما إذا كان بالإمكان بناء ثقة جديدة في ظل بقاء قضية القتلى الثلاثة عشر بلا محاسبة جنائية.

لهذا تبقى هبة القدس والأقصى أكثر من ذكرى تاريخية في المجتمع العربي، فهي لحظة أعادت تعريف العلاقة مع مؤسسات الدولة، وما زالت آثارها حاضرة في النقاش حول العدالة والمساواة وإنفاذ القانون ومكانة المواطنين العرب.

اقرأ/ي أيضًامن يافا.. ثلاثة عروض تبحث عن لغة مشتركة
حقوق النشر وسياسة الاستخدام

يتم استخدام المواد المنشورة على موقع الشمس وفقًا لأحكام المادة 27أ من قانون حقوق التأليف والنشر لعام 2007.

في حال كنت تعتقد أن استخدام أي مادة منشورة على الموقع ينتهك حقوقك بصفتك صاحب حقوق الطبع والنشر، يمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: info@ashams.com، وطلب وقف استخدام المادة.

يرجى عند التواصل تزويدنا بالاسم الكامل، ورقم الهاتف، وإرفاق صورة عن الشاشة (Screenshot) ورابط الصفحة ذات الصلة على موقع الشمس.

شكرًا لتعاونكم.

اقرأ أيضًا عرض الكل ←