جواد بولس
مقالات ومواد لجواد بولس
لَكُنَّ في آذار السلامة والحب
لم ينم كما تعوّد. دخل فراشه مبكّرًا. تمتم صلاته بسرعة ككاهن القرية، يأكل نصف الحروف والكلمات وكأنه يقوم بتهريبة خطيرة. أغمض عينيه وتمنّى أن ينام. في البيت تحرّك بخفة دوري. سعادته كانت تقفز أمامه، وتملأ زوايا البيت حيرة. حاولت أمّه أن تفهم دواعي هذا الفرح الصارخ، لكنّها في كل مرّة سألت نالت قبلة شقيّة منه ومداعبة. شعرت براحة، بانت على حافة شفتيها اللتين تبسّمتا بسمة العارفة! "هذا الولد كِبِر"، فكّرت وكأنها تراه للمرة الأولى وقد شارف على إنهاء تعليمه الثانوي في آذار ذلك العام. أفاق قبل جميع إخوته، ولم يكن في نشاط تلميذ. أنهى حمّامه وحاول أن يختار لباس يومه. في العادة لا تستغرقه هذه العملية إلّا بضع دقائق أمّا اليوم فلقد كانت حيرته ظاهرة؛ نبش جميع الملابس في الخزانة وحاول تلبيق لباسه في كل إمكانيات التلبيق الممكنة. لبس بنطالًا بلون السكر الوسخ وعليه قميصًا بلون الطين، علته مربعات بعضها بلون البرتقال وأخرى بلون النبيذ المعتق. أمام المرآة وقف قلقًا يضجّ بالغضب. انسلّت "زمّة الشفتين" وتمددت عقدة الحاجبين. اقترب وقام برفع كفّه اليمنى،بخفة راقصة ماهرة، فرك إبهامها على وسطاها وتبسّم للرجل الذي قبالته. على وجهه بدت علامات رضًا أو حتى اعتزاز. رش ما وجده في قارورة عطر كانت في خزانة الحمام ومسّد شعره بكفيه وشمّهما، فلم تتغير قسماته. رفع إبطه وحاول أن يشم ما غاب عن ناظريه هناك، ليتأكد أن برّه آمن وأنه جدير بذلك اليوم من آذار. أمّه، من بعيد، راقبته وتأكدّت أن في بيتها رجل. لم يسألوه في البيت إلّا ما كان من باب الواجب والحيطة. كانت أجوبته كالندى فبرّد قلب والديه. تمنّوا له التوفيق بصحبة أصدقائه واستحلفوه بأن يعود إليهم سالمًا وقبل المغيب. أنزلته سيّارة الأجرة في مركز المدينة. مشى لمسافة قصيرة ووصل إلى القهوة التي اتفق وحبيبته أن يلتقيها بها. اختار مقعدًا جانبيًا وتأكّد أن عطره ما زال فوّاحًا وأن قميصه مفتوحًا من الأعلى ويكشف جزءًا من ربيعه الريّان. بدى المكان له غريبًا. معظم الطاولات خالية، على طاولة في الزاوية المقابلة لطاولته جلس رجلان وكانا يشربان القهوة. ملامحهما قريبة لملامح الشرقيين ولكن لم يكونا عربيين فلقد سمعهما، عندما دخل، يتحدثان بالعبرية. بعد دقائق اشتدَّ صوت صدره فلقد رفع عيناه، ونظر من خلال الزجاج؛ على الرصيف المقابل رآها تمشي واثقة. بنطالها أسود وعليه طرف قميص بلون السماء وتحته سترة بيضاء لتصد نظرة حتى من له عيون خارقة. وجهها متروك على طبيعته، فكل إضافة تنقصه جمالًا وحسنًا . قطعت الشارع، وقعت عيناها مباشرة على عينيه، تبسّمت بحذر وكادت نظرتها، لولا قحة أحد نزلاء المقصف، أن تغمي عليه فورًا. دخلت كنسمة، حيّته ومدّت كفّها فأخذها وصار كلّه نايًا.تحدثا عن أحلامهما وعن كيف لم ينم الواحد منهما وعن كيف "أكلا" نصف الصلاة فنسوا نصف الأدعية والأماني. لكنّهما أجمعا أن الرب سيغفر لهما ذلك لأنه "المحبّة" ويحب الحب وهو الذي أوصانا بالألفة والمحبة والحياة. لم يحاول أن يمسك كفها مرّةً أخرى ولا أن تدوس قدمه قدمها. لقد كان يستنشق نفسها ولا يخرجه. قال لها كم يحبّها ويحب عينيها الجميلتين. حاول أن يفهمها أنه مغرم بشفتيها فلونهما فريد ومتميّز وفمها منمنم صغير يليق به الشعر. كان كلامه مقطعًا وغير مباشر، لكنّها، في لحظة ما، أغمضت عينيها،لم تطبقهما تمامًا، ورفعت رأسها بحركة جعلته يقع عن الكرسي. قضيا في ذلك المقصف ساعتين كاملتين. تواعدا على لقاء آخر إذا سمحت الظروف. كانا على باب المقصف عندما اعترض رجل الفتاة طالبًا هويّتها. كان ذلك هو الرجل الذي جلس في الزاوية. أفهمها أنه رجل مخابرات إسرائيلي. وأنه يريد أن يتعرّف على هويتهما.حاول أن يهدأ من روع الفتاة والشاب واعدًا إيّاهما بالكتمان وعدم الوصول إلى الأهل، فهو يعرف أن مثل هذه الحادثة، خاصة إذا دعّمت بالصور، من شأنها أن تحدث كارثة وتودي بحياة. "كل ما نريده"، هكذا "طمأن" هذا الشبح تينك الزهرتين،"أن نسجّل تفاصيلكم وأن نتفق متى ستعودان إلينا لنسوي أمورنا المشتركة، فنحن قريبون من هنا، وكل شيء سيكون على ما يرام". لم يتفوّها بأية كلمة، أبرزا بطاقتي الهوّية وحاولا أن يتملّصا من الموقف. لكنه كان ثقيلًا ومتمرّسًا في صيد ضحاياه.أصرَّ على تسجيل التفاصيل وبدأ يصعّد من لهجته فسمعا بداية تهديد. حاولت الفتاة أن تفهمه أنها ليست خائفة وأنها جاءت الى لقائها برفقة أخيها الذي يعرف قصّتها ويحترمها، حاولت أن تشرح له دناءة ما يقوم به لكنه استفز، صار شرّيرًا يهدّدهما باحتجازهما في الشرطة. في هذه اللحظة ظهر الأخ. توجّه مباشرة إليهم وقام باحتضان أخته وطرح السلام على رفيقها. عرّف على نفسه وخيّب ظن ذلك الصيّاد الشرير. مشوا في الشارع باتّجاه السيّارة، أحسّ الفتى أنه يطير بأجنحة وأن حبيبته تطير إلى جانبه وتحتهم بلاد كلّها بساتين خضراء وحقول نرجس وربيع لا ينتهي، وأحس بنفسها وشعرها الذي يتطاير على وجهه... وو.. ضربة، ضربتان فهزة على كتفه، فتح عيناه وكان وجه أمّه فوق أنفه، كانت غاضبة كما لم يألفها من قبل. ماذا بك؟ اليوم عطلتي ولا يوجد مدرسة فلماذا أفيق مبكّرًا؟ بغصّة واضحة في حلقها قالت: "لقد وجدوا "ماوية" مقتولة بطعنات خنجر. نعم هي ابنة صاحب الفرن، وقالوا أنها قتلت بسبب "شرف العائلة"، لم أفهم يا أمي من القاتل وليش ولكنها مصيبة .. الله ينجينا وينجيكم يا حبايبي". جلس الفتى على شرفته وكتب: "أحب من الشهور آذار ولا أبحث عن سبب، فأجمل الحب ذلك الذي يكون من غير سبب. آذار شهر التردد والتقلّب؛ صفاء، كما يحب اللوز، عابر، وغبار كما يعشق السرو. طقسه يجف أحيانًا، فيصير كيدي فلّاح كادح، ولكنّه عندما يجن يكون كقلب العاشق هدّارًا وأبو "الزلازل والأمطار". يصل الشتاء إلى وسطه متعبًا، تمامًا كالثور أنهكته سهام "المتادور"، يغضب، يعفط ويثور فيتهالك مخضّبًا بدمائه، وكالرعد الآتي هزيمُهُ من وراء جبال الغيم، ليعلن أن البقاء للحياة، للنماء، للخضرة، فمن آذار يولد الربيع الأول. فلكنَّ فيه، وفي كل يوم، السلامة والنجاة وكثيرًا من الحب.
لم ينم كما تعوّد. دخل فراشه مبكّرًا. تمتم صلاته بسرعة ككاهن القرية، يأكل نصف الحروف والكلمات وكأنه يقوم بتهريبة خطيرة. أغمض عينيه وتمنّى أن ينام. في البيت تحرّك بخفة دوري. سعادته كانت تقفز أمامه، وتملأ زوايا البيت حيرة. حاولت أمّه أن تفهم دواعي هذا الفرح الصارخ، لكنّها في كل مرّة سألت نالت قبلة شقيّة منه ومداعبة. شعرت براحة، بانت على حافة شفتيها اللتين تبسّمتا بسمة العارفة! "هذا الولد كِبِر"، فكّرت وكأنها تراه للمرة الأولى وقد شارف على إنهاء تعليمه الثانوي في آذار ذلك العام. أفاق قبل جميع إخوته، ولم يكن في نشاط تلميذ. أنهى حمّامه وحاول أن يختار لباس يومه. في العادة لا تستغرقه هذه العملية إلّا بضع دقائق أمّا اليوم فلقد كانت حيرته ظاهرة؛ نبش جميع الملابس في الخزانة وحاول تلبيق لباسه في كل إمكانيات التلبيق الممكنة. لبس بنطالًا بلون السكر الوسخ وعليه قميصًا بلون الطين، علته مربعات بعضها بلون البرتقال وأخرى بلون النبيذ المعتق. أمام المرآة وقف قلقًا يضجّ بالغضب. انسلّت "زمّة الشفتين" وتمددت عقدة الحاجبين. اقترب وقام برفع كفّه اليمنى،بخفة راقصة ماهرة، فرك إبهامها على وسطاها وتبسّم للرجل الذي قبالته. على وجهه بدت علامات رضًا أو حتى اعتزاز. رش ما وجده في قارورة عطر كانت في خزانة الحمام ومسّد شعره بكفيه وشمّهما، فلم تتغير قسماته. رفع إبطه وحاول أن يشم ما غاب عن ناظريه هناك، ليتأكد أن برّه آمن وأنه جدير بذلك اليوم من آذار. أمّه، من بعيد، راقبته وتأكدّت أن في بيتها رجل. لم يسألوه في البيت إلّا ما كان من باب الواجب والحيطة. كانت أجوبته كالندى فبرّد قلب والديه. تمنّوا له التوفيق بصحبة أصدقائه واستحلفوه بأن يعود إليهم سالمًا وقبل المغيب. أنزلته سيّارة الأجرة في مركز المدينة. مشى لمسافة قصيرة ووصل إلى القهوة التي اتفق وحبيبته أن يلتقيها بها. اختار مقعدًا جانبيًا وتأكّد أن عطره ما زال فوّاحًا وأن قميصه مفتوحًا من الأعلى ويكشف جزءًا من ربيعه الريّان. بدى المكان له غريبًا. معظم الطاولات خالية، على طاولة في الزاوية المقابلة لطاولته جلس رجلان وكانا يشربان القهوة. ملامحهما قريبة لملامح الشرقيين ولكن لم يكونا عربيين فلقد سمعهما، عندما دخل، يتحدثان بالعبرية. بعد دقائق اشتدَّ صوت صدره فلقد رفع عيناه، ونظر من خلال الزجاج؛ على الرصيف المقابل رآها تمشي واثقة. بنطالها أسود وعليه طرف قميص بلون السماء وتحته سترة بيضاء لتصد نظرة حتى من له عيون خارقة. وجهها متروك على طبيعته، فكل إضافة تنقصه جمالًا وحسنًا . قطعت الشارع، وقعت عيناها مباشرة على عينيه، تبسّمت بحذر وكادت نظرتها، لولا قحة أحد نزلاء المقصف، أن تغمي عليه فورًا. دخلت كنسمة، حيّته ومدّت كفّها فأخذها وصار كلّه نايًا.تحدثا عن أحلامهما وعن كيف لم ينم الواحد منهما وعن كيف "أكلا" نصف الصلاة فنسوا نصف الأدعية والأماني. لكنّهما أجمعا أن الرب سيغفر لهما ذلك لأنه "المحبّة" ويحب الحب وهو الذي أوصانا بالألفة والمحبة والحياة. لم يحاول أن يمسك كفها مرّةً أخرى ولا أن تدوس قدمه قدمها. لقد كان يستنشق نفسها ولا يخرجه. قال لها كم يحبّها ويحب عينيها الجميلتين. حاول أن يفهمها أنه مغرم بشفتيها فلونهما فريد ومتميّز وفمها منمنم صغير يليق به الشعر. كان كلامه مقطعًا وغير مباشر، لكنّها، في لحظة ما، أغمضت عينيها،لم تطبقهما تمامًا، ورفعت رأسها بحركة جعلته يقع عن الكرسي. قضيا في ذلك المقصف ساعتين كاملتين. تواعدا على لقاء آخر إذا سمحت الظروف. كانا على باب المقصف عندما اعترض رجل الفتاة طالبًا هويّتها. كان ذلك هو الرجل الذي جلس في الزاوية. أفهمها أنه رجل مخابرات إسرائيلي. وأنه يريد أن يتعرّف على هويتهما.حاول أن يهدأ من روع الفتاة والشاب واعدًا إيّاهما بالكتمان وعدم الوصول إلى الأهل، فهو يعرف أن مثل هذه الحادثة، خاصة إذا دعّمت بالصور، من شأنها أن تحدث كارثة وتودي بحياة. "كل ما نريده"، هكذا "طمأن" هذا الشبح تينك الزهرتين،"أن نسجّل تفاصيلكم وأن نتفق متى ستعودان إلينا لنسوي أمورنا المشتركة، فنحن قريبون من هنا، وكل شيء سيكون على ما يرام". لم يتفوّها بأية كلمة، أبرزا بطاقتي الهوّية وحاولا أن يتملّصا من الموقف. لكنه كان ثقيلًا ومتمرّسًا في صيد ضحاياه.أصرَّ على تسجيل التفاصيل وبدأ يصعّد من لهجته فسمعا بداية تهديد. حاولت الفتاة أن تفهمه أنها ليست خائفة وأنها جاءت الى لقائها برفقة أخيها الذي يعرف قصّتها ويحترمها، حاولت أن تشرح له دناءة ما يقوم به لكنه استفز، صار شرّيرًا يهدّدهما باحتجازهما في الشرطة. في هذه اللحظة ظهر الأخ. توجّه مباشرة إليهم وقام باحتضان أخته وطرح السلام على رفيقها. عرّف على نفسه وخيّب ظن ذلك الصيّاد الشرير. مشوا في الشارع باتّجاه السيّارة، أحسّ الفتى أنه يطير بأجنحة وأن حبيبته تطير إلى جانبه وتحتهم بلاد كلّها بساتين خضراء وحقول نرجس وربيع لا ينتهي، وأحس بنفسها وشعرها الذي يتطاير على وجهه... وو.. ضربة، ضربتان فهزة على كتفه، فتح عيناه وكان وجه أمّه فوق أنفه، كانت غاضبة كما لم يألفها من قبل. ماذا بك؟ اليوم عطلتي ولا يوجد مدرسة فلماذا أفيق مبكّرًا؟ بغصّة واضحة في حلقها قالت: "لقد وجدوا "ماوية" مقتولة بطعنات خنجر. نعم هي ابنة صاحب الفرن، وقالوا أنها قتلت بسبب "شرف العائلة"، لم أفهم يا أمي من القاتل وليش ولكنها مصيبة .. الله ينجينا وينجيكم يا حبايبي". جلس الفتى على شرفته وكتب: "أحب من الشهور آذار ولا أبحث عن سبب، فأجمل الحب ذلك الذي يكون من غير سبب. آذار شهر التردد والتقلّب؛ صفاء، كما يحب اللوز، عابر، وغبار كما يعشق السرو. طقسه يجف أحيانًا، فيصير كيدي فلّاح كادح، ولكنّه عندما يجن يكون كقلب العاشق هدّارًا وأبو "الزلازل والأمطار". يصل الشتاء إلى وسطه متعبًا، تمامًا كالثور أنهكته سهام "المتادور"، يغضب، يعفط ويثور فيتهالك مخضّبًا بدمائه، وكالرعد الآتي هزيمُهُ من وراء جبال الغيم، ليعلن أن البقاء للحياة، للنماء، للخضرة، فمن آذار يولد الربيع الأول. فلكنَّ فيه، وفي كل يوم، السلامة والنجاة وكثيرًا من الحب.
07.03.2014
لماذا وُلدتَ يا عمر؟
جاء في الأخبار أن المحكمة المركزية في القدس قرّرت تخفيض الحكم على عنصرين من شرطة إسرائيل، كانت محكمة إسرائيلية قد دانتهما بتهمة التسبب بمقتل الشاب الفلسطيني عمر محمد إبراهيم أبو غريبان، وأوقفت هذه المحكمة حكمها على واحد وعشرين شهرًا بالسجن الفعلي، وذلك بدل ثلاثين كانت محكمة سابقة قد حكمت بها عليهما.
جاء في الأخبار أن المحكمة المركزية في القدس قرّرت تخفيض الحكم على عنصرين من شرطة إسرائيل، كانت محكمة إسرائيلية قد دانتهما بتهمة التسبب بمقتل الشاب الفلسطيني عمر محمد إبراهيم أبو غريبان، وأوقفت هذه المحكمة حكمها على واحد وعشرين شهرًا بالسجن الفعلي، وذلك بدل ثلاثين كانت محكمة سابقة قد حكمت بها عليهما.
28.02.2014
ليت الفتى امرأة
أثارت تصريحات السيّد محمد زيدان، ألتي أدلى بها في برنامج "نظرة من الداخل"، الذي يقدّمه الصحفي رمزي حكيم على فضائية فلسطين، موجةً من الغضب، بدأت عندما وصفت شريكته في تلك الحلقة محرّرة صحيفة "الاتحاد" الحيفاوية السيدة عايدة توما سليمان ما قاله زيدان بالخطير جدًا.
أثارت تصريحات السيّد محمد زيدان، ألتي أدلى بها في برنامج "نظرة من الداخل"، الذي يقدّمه الصحفي رمزي حكيم على فضائية فلسطين، موجةً من الغضب، بدأت عندما وصفت شريكته في تلك الحلقة محرّرة صحيفة "الاتحاد" الحيفاوية السيدة عايدة توما سليمان ما قاله زيدان بالخطير جدًا.
21.02.2014
لا للتجنيد: صرخة أو صرختان
اصدر مجلس رؤساء الكنائس الكاثوليكية في الأرض المقدسة بيانًا أكّد فيه أن "محاولة إسرائيل تجنيد المسيحيين العرب في الجيش الإسرائيلي تهدف لتقسيم المجتمع، ولزرع الفتنة بين أبناء الشعب الفلسطيني".
اصدر مجلس رؤساء الكنائس الكاثوليكية في الأرض المقدسة بيانًا أكّد فيه أن "محاولة إسرائيل تجنيد المسيحيين العرب في الجيش الإسرائيلي تهدف لتقسيم المجتمع، ولزرع الفتنة بين أبناء الشعب الفلسطيني".
14.02.2014
إضراب الأسرى عن الطعام حق لا يمسّ
نشرت وسائل إعلام إسرائيلية، قبل أيام، نبأً عن إعطاء المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، المحامي يهودا فاينشتاين، الضوء الأخضر الذي يتيح لحكومته تقديم مشروع قانون جديد يشرعن إطعام الأسرى المضربين عن الطعام بالقوة، وضد إراداتهم. أثار هذا النبأ ردود فعل عديدة على الساحة الإسرائيلية وبعض الردود الفلسطينية المقتضبة، التي سارع مطلقوها إلى اتهام المستشار القضائي بأنه يسعى، عن قصد متعمّد، إلى ترخيص عمليات إعدام الأسرى الفلسطينيين الذين سيضربون عن الطعام في المستقبل. ما ساقه المستشار القضائي، حسبما نشر، مسوّغًا وتبريرًا لموافقته على تغيير الوضع القائم، والمضي بتشريع يجيز إطعام الأسرى بشكل قسري، كان خشيته على حياة الأسير المضرب، مما يستدعي ضرورة تدخل السلطات المسؤولة لإنقاذ حياته. إجازة المستشار القضائي هذه خاطئة ويتوجّب عليه إعادة النظر فيها. فحتى لو كان دافعه الحقيقي خوفه على حيوات من سيضربون عن الطعام، ومحاولة منه لمنع وفاة أي منهم، وحتى لو كان إطعام هؤلاء بعد استيفاء بعض الشروط وموافقة محكمة مدنية على ذلك، كما جاء فيما نشر، لا يمكن قبول هذا التشريع الذي يناقض ما أقرّه العالم، طيلة قرون من الزمن، كحق مكفول للأسرى لا مساس فيه مهما كانت الذرائع والأسباب. توقيت قرار الحكومة الإسرائيلية لتمرير هذا القانون يبقى قضية مفصليّة وهامّة، فهو يجيء بعد نجاح عشرات الإضرابات الفردية والجماعية التي خاضها، في السنوات الأخيرة، عشرات الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال. كمن تابع معظم هذه الحالات الأخيرة أشهد على ما سبّبته من حَرَج وإرباك في صفوف السلطات الإسرائيلية المسؤولة، هذا علاوة على ما استجلبته من مناصرة وإسناد تخطّى ساحات فلسطين ومؤسساتها، واستوطن قلوب ملايين الأحرار في العالم ومؤسساته وبضمنها داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته. إضراب أسير عن الطعام حق أقرّته معظم دول العالم وعرّفه كثيرون بكونه "امتناع إرادي إحتجاجي معلن عن الأكل" يشرع به أسير، لا سيّما أسير سياسي، أو مجموعة أسرى من أجل إيصال رسالة، أو الحصول على حق، أو ضد سياسة ووضع قائم في ذلك السجن. مؤسسات حقوقية عالمية كبرى وعديدة التزمت وأعلنت احترامها لهذا الحق، حتى إذا أدّى الإضراب لوفاة ذلك الأسير، كما حصل في قضية "بوبي ساندس" ورفاقه الإيرلنديون في العام ١٩٨١، أو في التسيعينيات مع مجموعة كبيرة من الأسرى الأتراك الذين ماتوا نتيجة خوضهم لإضرابات مفتوحة عن الطعام. كانت منظّمة الصحّة العالميّة المنظّمة الرائدة التي تجنّدت من أجل الدفاع عن حق الأسرى في الإضراب عن الطعام وأكّدت، في ثلاثة مؤتمرات دولية شهيرة (طوكيو١٩٧٥، مالطا ١٩٩١ و ٢٠٠٦) على رفضها إلزام الأطباء في العالم بالتدخل لإطعام أسير مضرب بشكل قسري. والتزامًا بهذا الموقف، انبرت نقابة الأطباء العامة الإسرائيلية لتعلن في رسالة بعثتها للمستشار القانوني للحكومة معارضتها القاطعة للقانون المقترح مؤكّدة: "تحريم الإطعام القسري لمضربين عن الطعام، لا سيما الأسرى، القادرين على التعبير عن مواقفهم والذين يستوعبون النتائج المترتبة من رفضهم أخذ أي علاج طبي"، مضيفةً أن "إطعام أسير بشكل قسري، لا يعتبر إشفاءً له بل اعتداءً خطيرًا عليه". أعتقد أن الدافع الرئيسي وراء هذا التشريع هو محاولة إسرائيلية لمصادرة حق مكفول، وسلب وسيلة نضالية مشروعة متاحة لأسرى الحرية الفلسطينيين. إن تعليل ذلك بمسؤولية إسرائيلية للحفاظ على حياة الأسير؛ هي علّة واهية وغير واقعية، أو تجمّل وراءه باطل، فمئات الأسرى الفلسطينيين خاضوا عدة إضرابات طويلة عن الطعام، آخرها نفذ قبل عامين، وعشرات خاضوا إضرابات أوصلت أصحابها إلى حالات خطورة بالغة، ولم يمت أحد منهم جرّاء ذلك، بينما، استشهد الأسيران راسم حلاوة وعلي الجعفري عام ١٩٨٠ بعد أن قامت سلطات مصلحة السجون بإرغامهما مع آخرين، على الأكل قسريًا، فسجلوا بذلك السابقة المقلقة الموجعة لما قد يحصل إذا مُرّر ونفذ هذا القانون السيئ الخطير. لقد شعرت إسرائيل في السنوات الأخيرة بعجز ما، وقصور في مواجهة حالة استنهاض مميّزة شاعت بين أسرى الحرية الفلسطينيين. كانت المعادلة غاية في البساطة وشكلت حالة من الصراع غير المتكافئ والذي لن يكون: إنسانية تتجلّى بأبهى صورها، تتصدّى لظلم أسودَ من ليل. مشهد عافه السجانون؛ وراء القضبان، فلسطينيون سجناء مسلوبون أشياء كثيرة إلّا الحرية والسيادة على أمعائهم ومصائرهم، يتحدّون بالجوع الاختياري ويعلنونها: إمّا الحياة الكريمة وإما السماء مأوى الأحرار. لا نريد الموت، لكننا لا نخشاه إن جاء فدية لكراماتنا وعربون حرية لشعب يفتدى. قد تكون ما روته الأخبار عن دوافع المستشار القضائي حقيقية لديه، ولكن دوافع من بادر لسن هذا القانون في الحكومة ليست بريئة ومرفوضة. فإن لم يقرأوا ما صرح به المجتمعون في مالطا أذكّرهم، فهناك أعلن العالم كيف تكون الأخلاق حميدة: "أن يسمح لأسير مصمّم عازم على إضرابه عن الطعام أن يموت بكرامة، هو أمر أكثر أخلاقيةً من أن يعرّض هذا المضرب لتدخلات وعبث متكرّر ومتجدّد، ضد إرادته الحرة"، هكذا بكل وضوح. يجب أن نسقط هذه المحاولة، لأننا نعرف ماذا وراء الأكمة، وماذا بقي للسجّان، وأين ملاذه في مثل هذه المواجهة؟ قانون جديد، وسيلة قمع مبتكرة ومحاولة استيطان سافرة؛ في مِعَد الأسرى، في أمعائهم وفي شرايينهم. يجب أن نسقط هذه المحاولة.
نشرت وسائل إعلام إسرائيلية، قبل أيام، نبأً عن إعطاء المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، المحامي يهودا فاينشتاين، الضوء الأخضر الذي يتيح لحكومته تقديم مشروع قانون جديد يشرعن إطعام الأسرى المضربين عن الطعام بالقوة، وضد إراداتهم. أثار هذا النبأ ردود فعل عديدة على الساحة الإسرائيلية وبعض الردود الفلسطينية المقتضبة، التي سارع مطلقوها إلى اتهام المستشار القضائي بأنه يسعى، عن قصد متعمّد، إلى ترخيص عمليات إعدام الأسرى الفلسطينيين الذين سيضربون عن الطعام في المستقبل. ما ساقه المستشار القضائي، حسبما نشر، مسوّغًا وتبريرًا لموافقته على تغيير الوضع القائم، والمضي بتشريع يجيز إطعام الأسرى بشكل قسري، كان خشيته على حياة الأسير المضرب، مما يستدعي ضرورة تدخل السلطات المسؤولة لإنقاذ حياته. إجازة المستشار القضائي هذه خاطئة ويتوجّب عليه إعادة النظر فيها. فحتى لو كان دافعه الحقيقي خوفه على حيوات من سيضربون عن الطعام، ومحاولة منه لمنع وفاة أي منهم، وحتى لو كان إطعام هؤلاء بعد استيفاء بعض الشروط وموافقة محكمة مدنية على ذلك، كما جاء فيما نشر، لا يمكن قبول هذا التشريع الذي يناقض ما أقرّه العالم، طيلة قرون من الزمن، كحق مكفول للأسرى لا مساس فيه مهما كانت الذرائع والأسباب. توقيت قرار الحكومة الإسرائيلية لتمرير هذا القانون يبقى قضية مفصليّة وهامّة، فهو يجيء بعد نجاح عشرات الإضرابات الفردية والجماعية التي خاضها، في السنوات الأخيرة، عشرات الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال. كمن تابع معظم هذه الحالات الأخيرة أشهد على ما سبّبته من حَرَج وإرباك في صفوف السلطات الإسرائيلية المسؤولة، هذا علاوة على ما استجلبته من مناصرة وإسناد تخطّى ساحات فلسطين ومؤسساتها، واستوطن قلوب ملايين الأحرار في العالم ومؤسساته وبضمنها داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته. إضراب أسير عن الطعام حق أقرّته معظم دول العالم وعرّفه كثيرون بكونه "امتناع إرادي إحتجاجي معلن عن الأكل" يشرع به أسير، لا سيّما أسير سياسي، أو مجموعة أسرى من أجل إيصال رسالة، أو الحصول على حق، أو ضد سياسة ووضع قائم في ذلك السجن. مؤسسات حقوقية عالمية كبرى وعديدة التزمت وأعلنت احترامها لهذا الحق، حتى إذا أدّى الإضراب لوفاة ذلك الأسير، كما حصل في قضية "بوبي ساندس" ورفاقه الإيرلنديون في العام ١٩٨١، أو في التسيعينيات مع مجموعة كبيرة من الأسرى الأتراك الذين ماتوا نتيجة خوضهم لإضرابات مفتوحة عن الطعام. كانت منظّمة الصحّة العالميّة المنظّمة الرائدة التي تجنّدت من أجل الدفاع عن حق الأسرى في الإضراب عن الطعام وأكّدت، في ثلاثة مؤتمرات دولية شهيرة (طوكيو١٩٧٥، مالطا ١٩٩١ و ٢٠٠٦) على رفضها إلزام الأطباء في العالم بالتدخل لإطعام أسير مضرب بشكل قسري. والتزامًا بهذا الموقف، انبرت نقابة الأطباء العامة الإسرائيلية لتعلن في رسالة بعثتها للمستشار القانوني للحكومة معارضتها القاطعة للقانون المقترح مؤكّدة: "تحريم الإطعام القسري لمضربين عن الطعام، لا سيما الأسرى، القادرين على التعبير عن مواقفهم والذين يستوعبون النتائج المترتبة من رفضهم أخذ أي علاج طبي"، مضيفةً أن "إطعام أسير بشكل قسري، لا يعتبر إشفاءً له بل اعتداءً خطيرًا عليه". أعتقد أن الدافع الرئيسي وراء هذا التشريع هو محاولة إسرائيلية لمصادرة حق مكفول، وسلب وسيلة نضالية مشروعة متاحة لأسرى الحرية الفلسطينيين. إن تعليل ذلك بمسؤولية إسرائيلية للحفاظ على حياة الأسير؛ هي علّة واهية وغير واقعية، أو تجمّل وراءه باطل، فمئات الأسرى الفلسطينيين خاضوا عدة إضرابات طويلة عن الطعام، آخرها نفذ قبل عامين، وعشرات خاضوا إضرابات أوصلت أصحابها إلى حالات خطورة بالغة، ولم يمت أحد منهم جرّاء ذلك، بينما، استشهد الأسيران راسم حلاوة وعلي الجعفري عام ١٩٨٠ بعد أن قامت سلطات مصلحة السجون بإرغامهما مع آخرين، على الأكل قسريًا، فسجلوا بذلك السابقة المقلقة الموجعة لما قد يحصل إذا مُرّر ونفذ هذا القانون السيئ الخطير. لقد شعرت إسرائيل في السنوات الأخيرة بعجز ما، وقصور في مواجهة حالة استنهاض مميّزة شاعت بين أسرى الحرية الفلسطينيين. كانت المعادلة غاية في البساطة وشكلت حالة من الصراع غير المتكافئ والذي لن يكون: إنسانية تتجلّى بأبهى صورها، تتصدّى لظلم أسودَ من ليل. مشهد عافه السجانون؛ وراء القضبان، فلسطينيون سجناء مسلوبون أشياء كثيرة إلّا الحرية والسيادة على أمعائهم ومصائرهم، يتحدّون بالجوع الاختياري ويعلنونها: إمّا الحياة الكريمة وإما السماء مأوى الأحرار. لا نريد الموت، لكننا لا نخشاه إن جاء فدية لكراماتنا وعربون حرية لشعب يفتدى. قد تكون ما روته الأخبار عن دوافع المستشار القضائي حقيقية لديه، ولكن دوافع من بادر لسن هذا القانون في الحكومة ليست بريئة ومرفوضة. فإن لم يقرأوا ما صرح به المجتمعون في مالطا أذكّرهم، فهناك أعلن العالم كيف تكون الأخلاق حميدة: "أن يسمح لأسير مصمّم عازم على إضرابه عن الطعام أن يموت بكرامة، هو أمر أكثر أخلاقيةً من أن يعرّض هذا المضرب لتدخلات وعبث متكرّر ومتجدّد، ضد إرادته الحرة"، هكذا بكل وضوح. يجب أن نسقط هذه المحاولة، لأننا نعرف ماذا وراء الأكمة، وماذا بقي للسجّان، وأين ملاذه في مثل هذه المواجهة؟ قانون جديد، وسيلة قمع مبتكرة ومحاولة استيطان سافرة؛ في مِعَد الأسرى، في أمعائهم وفي شرايينهم. يجب أن نسقط هذه المحاولة.
07.02.2014
بين كيري وقدسنا بندقية
كثرت في الآونة الأخيرة التسريبات حول ما سيعرضه جون كيري على الفلسطينيين والإسرائيليين وما أصبح يعرف بخطة "كيري" لحل النزاع. آخر هذه التفاصيل ورد بمقالة كتبها "توماس فريدمان" في النيويورك - تايمز وفيها استعرض، يوم الأربعاء الماضي، جوهر نقاط خطة كيري النهائية. ربما ستكون تفاصيل فريدمان الأقرب للحقيقة وربما لا، أمّا
كثرت في الآونة الأخيرة التسريبات حول ما سيعرضه جون كيري على الفلسطينيين والإسرائيليين وما أصبح يعرف بخطة "كيري" لحل النزاع. آخر هذه التفاصيل ورد بمقالة كتبها "توماس فريدمان" في النيويورك - تايمز وفيها استعرض، يوم الأربعاء الماضي، جوهر نقاط خطة كيري النهائية. ربما ستكون تفاصيل فريدمان الأقرب للحقيقة وربما لا، أمّا
03.02.2014
الحرّية لمروان البرغوثي
لم أتوقّع أن يبقى مروان البرغوثي أسيرًا في سجون الاحتلال الإسرائيلي هذه المدة الطويلة التي ستقفل على اثنتي عشرة سنة في نيسان القادم. ما زلت أذكر ذلك الصباح من نيسان، عندما زرته في معتقل المسكوبية في القدس بعد ثلاثة أيام من عملية اختطافه من وسط مدينة رام الله. في غرفة جانبية معدّة لزيارة المحامين، جلست مسكونًا بقلق وشكّ بنجاح المحاولة والزيارة. فوفقًا لتجربتي، اعتاد المحققون الإسرائيليون منع زيارة المحامي عن أسير أمنيّ، لأنهم يستهدفون، في أيام التحقيق الأولى، إطباق عزل الأسير كي لا يتمكّن من مقابلة محاميه وتركه فريسة للوحدة والشعور بأن "الأهل والأصحاب" قد نسوه، وهذا قد يؤدي إلى كسر روحه ومناعته. جاءني مروان وظني أنه فوجئ مثلي من نجاح الزيارة، في أقلّ من ثانية تعانقنا. تدافعت الأسئلة والأجوبة، كان همّه أن يطمئن على عائلته التي أحبها كالوطن. لساعتين صارت تلك الغرفة الهزيلة الصغيرة قصرًا من شوق ولهفة. لم يكن قلقًا ولا خائفًا من اختطافه واعتقاله في داخل إسرائيل. تحدث ببطء محاولًا أن لا يهدر كثيرًا من هواء رئتيه المتعبتين. وجهه بدا أصغر ممّا ألفته، بيد أنه ظلّ محافظًا على "نمنمته"، لاحظت أن سوادًا غلب سمرته المعهودة، لم يكن كسواد الليل ولا كسواد قلب حاقد، كان داكنًا موشحًا بخضرة خفيفة تشي بملاحته. "لم أنم يا جواد! لأكثر من أربع وعشرين ساعة... يمنعون عني النوم بأساليب شيطانية.. صدّقني، هذ أبشع صنوف التعذيب.. أكاد أجن، فأنا منهك وأحيانًا أفقد المقدرة على التفكير والتركيز ..". توقف ليستجمع قوّة وأردف: "يخططون لضرب شرعية الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية من خلال اعتقالي ومحاكمتي، يريدون النيل من الرئيس عرفات، ويستهدفون نزع شرعية تنظيم فتح والمجلس التشريعي..". لن أسرد هنا ما كان في هذا اللقاء ولا ما تلاه من لقاءات وتفاصيل، فحكايتي مع مروان البرغوثي طويلة، إليها، حتمًا سأعود، أمّا اليوم فأكتب عنها لأنني حضرت مؤتمرًا في رام الله خصّص للحديث عن قضية الأسرى الفلسطينيين المرضى في سجون الاحتلال الإسرائيلي. رئيس وزراء فلسطين تحدّث عن قضية الأسرى ووعد بالعمل من أجل الافراج عن مروان البرغوثي وأسرى آخرين. مثله فعل بعض الخطباء الآخرين. في لحظة أعادني الخطباء إلى تلك الأيام ولتفاصيل القضية التي كانت وفقًا لعديد من المعطيات والعوامل فريدةً ومميزةً. من يقرأ لائحة الاتهام التي أنزلت بحق مروان يعرف ما كان حجم التخطيط والأهداف التي حاولت إسرائيل أن تصيبها، ومن تابع حجم ما استثمرته إسرائيل من طواقم قضائية مهنية وإعلامية ودبلوماسية من أجل اقناع "العالم" بأنها استطاعت اعتقال أكبر الإرهابيين الذي يمثل عمليًا قيادة إرهابية لشعب من الإرهابيين؛ لعرف كم كانت مهمة إفشال إسرائيل وطنية عليا وتاريخية. من راجع ما استجلبته هذه القضية من حراك دولي رسمي ومؤسساتي وشعبي لقدّر أهميتها وخطورة الدور الذي لعبه مروان وأهمية الموقف المبدئي الذي هيمن. أكتب ذلك لأذكّر جيل هذه الأيام ببعض التفاصيل الهامة المنسية ولأؤكد أن للإفراج عن مروان البرغوثي أهمية تتعدى ما يستحقه الشخص، فهي بمعانٍ عديدة إعادة اعتراف لكثير من القيم والمكتسبات التي حاولت إسرائيل هدمها، وهي كذلك إقرار بما عكسته وعنته تلك المحكمة من مواقف ومعارك؛ في طليعتها، إفشال ما سعت إليه إسرائيل الرسمية والنجاح بقلب المعادلة بعد أن تحول الاحتلال لمتهم يجب أن يقاضى ويحاكم. اليوم عدت إلى ذلك اللقاء الأوّل والأهم، وتذكّرت كيف نجحت فيه بالاطمئنان عليه، لا سيّما وبعض الصحافة الإسرائيلية قد نشرت عن أسف/غضب رئيس الحكومة شارون عندما علم باعتقال مروان بدل قتله والتخلّص منه! وفيه اتفقت ومروان على خط الدفاع المبدئي والحاسم الذي سنتبعه، وحسبه لن نعترف بقانونية اعتقاله من رام الله، فهذه عملية اختطاف باطلة، ولن نعترف بقانونية التحقيق معه وهو النائب المنتخب والقائد السياسي المعروف، ولذلك كل ما يجري بحقه باطل، ولن نعترف بصلاحية محاكم الاحتلال، سواء كانت عسكرية أو مدنية، فهذه المحاكم باطلة تخدم الاحتلال، وهو سيّد البطلان والظلم، ولن نقبل أن نتعاطى مع أي لائحة اتهام قد تعدّها نيابة الدولة مهما جاء فيها، فحق الفلسطيني بمقاومة الاحتلال حق مكفول، والاحتلال هو من يجب أن يتهم ويحاكم بأفعاله وممارساته وجرائمه ضدالشعب الفلسطيني. تذكّرت كيف تركته ليعود إلى محققين لن يدعوه ينام، فصار يحلم كالعاشقين، يرتبون غدهم على إيقاعات القلب وعين لا تغفو. كنت خائفًا عليه، فهم لن يتحملوا إصراراه. لقد أحسّوا أنّهم اعتقلوا أكثر من مروان، ولذا فإنهم سيحاولون تحطيم الرمز وتدمير الفكر والفكرة. على باب المسكوبية في القدس نقلت للصحفيين ما قاله مروان، وأعلنت موقفنا، وما أصبح فيما بعد مشهورًا بملف: "مروان البرغوثي"- ضد الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين. وها هي السنين تمر وما زال الملف مفتوحًا. لقد قرأت مؤخرًا عن ما يحظى به مروان البرغوثي من شعبية ومكانة في صفوف أبناء شعبه. لم تكن هذه هي المرّة الأولى التي أنبئنا فيها بهذه الشعبية الجارفة. إنها قد تخيف حكام إسرائيل، وقد تخيف آخرين. أمّا اليوم فلقد سمعنا التزامًا من دولة رئيس الوزراء، وقبلها ومرارًا سمعنا التزام فخامة الرئيس محمود عبّاس، وعليه، فهل سيكون هذا العام عام الإفراج عن مروان البرغوثي؟
لم أتوقّع أن يبقى مروان البرغوثي أسيرًا في سجون الاحتلال الإسرائيلي هذه المدة الطويلة التي ستقفل على اثنتي عشرة سنة في نيسان القادم. ما زلت أذكر ذلك الصباح من نيسان، عندما زرته في معتقل المسكوبية في القدس بعد ثلاثة أيام من عملية اختطافه من وسط مدينة رام الله. في غرفة جانبية معدّة لزيارة المحامين، جلست مسكونًا بقلق وشكّ بنجاح المحاولة والزيارة. فوفقًا لتجربتي، اعتاد المحققون الإسرائيليون منع زيارة المحامي عن أسير أمنيّ، لأنهم يستهدفون، في أيام التحقيق الأولى، إطباق عزل الأسير كي لا يتمكّن من مقابلة محاميه وتركه فريسة للوحدة والشعور بأن "الأهل والأصحاب" قد نسوه، وهذا قد يؤدي إلى كسر روحه ومناعته. جاءني مروان وظني أنه فوجئ مثلي من نجاح الزيارة، في أقلّ من ثانية تعانقنا. تدافعت الأسئلة والأجوبة، كان همّه أن يطمئن على عائلته التي أحبها كالوطن. لساعتين صارت تلك الغرفة الهزيلة الصغيرة قصرًا من شوق ولهفة. لم يكن قلقًا ولا خائفًا من اختطافه واعتقاله في داخل إسرائيل. تحدث ببطء محاولًا أن لا يهدر كثيرًا من هواء رئتيه المتعبتين. وجهه بدا أصغر ممّا ألفته، بيد أنه ظلّ محافظًا على "نمنمته"، لاحظت أن سوادًا غلب سمرته المعهودة، لم يكن كسواد الليل ولا كسواد قلب حاقد، كان داكنًا موشحًا بخضرة خفيفة تشي بملاحته. "لم أنم يا جواد! لأكثر من أربع وعشرين ساعة... يمنعون عني النوم بأساليب شيطانية.. صدّقني، هذ أبشع صنوف التعذيب.. أكاد أجن، فأنا منهك وأحيانًا أفقد المقدرة على التفكير والتركيز ..". توقف ليستجمع قوّة وأردف: "يخططون لضرب شرعية الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية من خلال اعتقالي ومحاكمتي، يريدون النيل من الرئيس عرفات، ويستهدفون نزع شرعية تنظيم فتح والمجلس التشريعي..". لن أسرد هنا ما كان في هذا اللقاء ولا ما تلاه من لقاءات وتفاصيل، فحكايتي مع مروان البرغوثي طويلة، إليها، حتمًا سأعود، أمّا اليوم فأكتب عنها لأنني حضرت مؤتمرًا في رام الله خصّص للحديث عن قضية الأسرى الفلسطينيين المرضى في سجون الاحتلال الإسرائيلي. رئيس وزراء فلسطين تحدّث عن قضية الأسرى ووعد بالعمل من أجل الافراج عن مروان البرغوثي وأسرى آخرين. مثله فعل بعض الخطباء الآخرين. في لحظة أعادني الخطباء إلى تلك الأيام ولتفاصيل القضية التي كانت وفقًا لعديد من المعطيات والعوامل فريدةً ومميزةً. من يقرأ لائحة الاتهام التي أنزلت بحق مروان يعرف ما كان حجم التخطيط والأهداف التي حاولت إسرائيل أن تصيبها، ومن تابع حجم ما استثمرته إسرائيل من طواقم قضائية مهنية وإعلامية ودبلوماسية من أجل اقناع "العالم" بأنها استطاعت اعتقال أكبر الإرهابيين الذي يمثل عمليًا قيادة إرهابية لشعب من الإرهابيين؛ لعرف كم كانت مهمة إفشال إسرائيل وطنية عليا وتاريخية. من راجع ما استجلبته هذه القضية من حراك دولي رسمي ومؤسساتي وشعبي لقدّر أهميتها وخطورة الدور الذي لعبه مروان وأهمية الموقف المبدئي الذي هيمن. أكتب ذلك لأذكّر جيل هذه الأيام ببعض التفاصيل الهامة المنسية ولأؤكد أن للإفراج عن مروان البرغوثي أهمية تتعدى ما يستحقه الشخص، فهي بمعانٍ عديدة إعادة اعتراف لكثير من القيم والمكتسبات التي حاولت إسرائيل هدمها، وهي كذلك إقرار بما عكسته وعنته تلك المحكمة من مواقف ومعارك؛ في طليعتها، إفشال ما سعت إليه إسرائيل الرسمية والنجاح بقلب المعادلة بعد أن تحول الاحتلال لمتهم يجب أن يقاضى ويحاكم. اليوم عدت إلى ذلك اللقاء الأوّل والأهم، وتذكّرت كيف نجحت فيه بالاطمئنان عليه، لا سيّما وبعض الصحافة الإسرائيلية قد نشرت عن أسف/غضب رئيس الحكومة شارون عندما علم باعتقال مروان بدل قتله والتخلّص منه! وفيه اتفقت ومروان على خط الدفاع المبدئي والحاسم الذي سنتبعه، وحسبه لن نعترف بقانونية اعتقاله من رام الله، فهذه عملية اختطاف باطلة، ولن نعترف بقانونية التحقيق معه وهو النائب المنتخب والقائد السياسي المعروف، ولذلك كل ما يجري بحقه باطل، ولن نعترف بصلاحية محاكم الاحتلال، سواء كانت عسكرية أو مدنية، فهذه المحاكم باطلة تخدم الاحتلال، وهو سيّد البطلان والظلم، ولن نقبل أن نتعاطى مع أي لائحة اتهام قد تعدّها نيابة الدولة مهما جاء فيها، فحق الفلسطيني بمقاومة الاحتلال حق مكفول، والاحتلال هو من يجب أن يتهم ويحاكم بأفعاله وممارساته وجرائمه ضدالشعب الفلسطيني. تذكّرت كيف تركته ليعود إلى محققين لن يدعوه ينام، فصار يحلم كالعاشقين، يرتبون غدهم على إيقاعات القلب وعين لا تغفو. كنت خائفًا عليه، فهم لن يتحملوا إصراراه. لقد أحسّوا أنّهم اعتقلوا أكثر من مروان، ولذا فإنهم سيحاولون تحطيم الرمز وتدمير الفكر والفكرة. على باب المسكوبية في القدس نقلت للصحفيين ما قاله مروان، وأعلنت موقفنا، وما أصبح فيما بعد مشهورًا بملف: "مروان البرغوثي"- ضد الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين. وها هي السنين تمر وما زال الملف مفتوحًا. لقد قرأت مؤخرًا عن ما يحظى به مروان البرغوثي من شعبية ومكانة في صفوف أبناء شعبه. لم تكن هذه هي المرّة الأولى التي أنبئنا فيها بهذه الشعبية الجارفة. إنها قد تخيف حكام إسرائيل، وقد تخيف آخرين. أمّا اليوم فلقد سمعنا التزامًا من دولة رئيس الوزراء، وقبلها ومرارًا سمعنا التزام فخامة الرئيس محمود عبّاس، وعليه، فهل سيكون هذا العام عام الإفراج عن مروان البرغوثي؟
27.01.2014
الحرّية لمروان البرغوثي
لم أتوقّع أن يبقى مروان البرغوثي أسيرًا في سجون الاحتلال الإسرائيلي هذه المدة الطويلة التي ستقفل على اثنتي عشرة سنة في نيسان القادم. ما زلت أذكر ذلك الصباح من نيسان، عندما زرته في معتقل المسكوبية في القدس بعد ثلاثة أيام من عملية اختطافه من وسط مدينة رام الله. في غرفة جانبية معدّة لزيارة المحامين، جلست مسكونًا بقلق وشكّ بنجاح المحاولة والزيارة. فوفقًا لتجربتي، اعتاد المحققون الإسرائيليون منع زيارة المحامي عن أسير أمنيّ، لأنهم يستهدفون، في أيام التحقيق الأولى، إطباق عزل الأسير كي لا يتمكّن من مقابلة محاميه وتركه فريسة للوحدة والشعور بأن "الأهل والأصحاب" قد نسوه، وهذا قد يؤدي إلى كسر روحه ومناعته. جاءني مروان وظني أنه فوجئ مثلي من نجاح الزيارة، في أقلّ من ثانية تعانقنا. تدافعت الأسئلة والأجوبة، كان همّه أن يطمئن على عائلته التي أحبها كالوطن. لساعتين صارت تلك الغرفة الهزيلة الصغيرة قصرًا من شوق ولهفة. لم يكن قلقًا ولا خائفًا من اختطافه واعتقاله في داخل إسرائيل. تحدث ببطء محاولًا أن لا يهدر كثيرًا من هواء رئتيه المتعبتين. وجهه بدا أصغر ممّا ألفته، بيد أنه ظلّ محافظًا على "نمنمته"، لاحظت أن سوادًا غلب سمرته المعهودة، لم يكن كسواد الليل ولا كسواد قلب حاقد، كان داكنًا موشحًا بخضرة خفيفة تشي بملاحته. "لم أنم يا جواد! لأكثر من أربع وعشرين ساعة... يمنعون عني النوم بأساليب شيطانية.. صدّقني، هذ أبشع صنوف التعذيب.. أكاد أجن، فأنا منهك وأحيانًا أفقد المقدرة على التفكير والتركيز ..". توقف ليستجمع قوّة وأردف: "يخططون لضرب شرعية الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية من خلال اعتقالي ومحاكمتي، يريدون النيل من الرئيس عرفات، ويستهدفون نزع شرعية تنظيم فتح والمجلس التشريعي..". لن أسرد هنا ما كان في هذا اللقاء ولا ما تلاه من لقاءات وتفاصيل، فحكايتي مع مروان البرغوثي طويلة، إليها، حتمًا سأعود، أمّا اليوم فأكتب عنها لأنني حضرت مؤتمرًا في رام الله خصّص للحديث عن قضية الأسرى الفلسطينيين المرضى في سجون الاحتلال الإسرائيلي. رئيس وزراء فلسطين تحدّث عن قضية الأسرى ووعد بالعمل من أجل الافراج عن مروان البرغوثي وأسرى آخرين. مثله فعل بعض الخطباء الآخرين. في لحظة أعادني الخطباء إلى تلك الأيام ولتفاصيل القضية التي كانت وفقًا لعديد من المعطيات والعوامل فريدةً ومميزةً. من يقرأ لائحة الاتهام التي أنزلت بحق مروان يعرف ما كان حجم التخطيط والأهداف التي حاولت إسرائيل أن تصيبها، ومن تابع حجم ما استثمرته إسرائيل من طواقم قضائية مهنية وإعلامية ودبلوماسية من أجل اقناع "العالم" بأنها استطاعت اعتقال أكبر الإرهابيين الذي يمثل عمليًا قيادة إرهابية لشعب من الإرهابيين؛ لعرف كم كانت مهمة إفشال إسرائيل وطنية عليا وتاريخية. من راجع ما استجلبته هذه القضية من حراك دولي رسمي ومؤسساتي وشعبي لقدّر أهميتها وخطورة الدور الذي لعبه مروان وأهمية الموقف المبدئي الذي هيمن. أكتب ذلك لأذكّر جيل هذه الأيام ببعض التفاصيل الهامة المنسية ولأؤكد أن للإفراج عن مروان البرغوثي أهمية تتعدى ما يستحقه الشخص، فهي بمعانٍ عديدة إعادة اعتراف لكثير من القيم والمكتسبات التي حاولت إسرائيل هدمها، وهي كذلك إقرار بما عكسته وعنته تلك المحكمة من مواقف ومعارك؛ في طليعتها، إفشال ما سعت إليه إسرائيل الرسمية والنجاح بقلب المعادلة بعد أن تحول الاحتلال لمتهم يجب أن يقاضى ويحاكم. اليوم عدت إلى ذلك اللقاء الأوّل والأهم، وتذكّرت كيف نجحت فيه بالاطمئنان عليه، لا سيّما وبعض الصحافة الإسرائيلية قد نشرت عن أسف/غضب رئيس الحكومة شارون عندما علم باعتقال مروان بدل قتله والتخلّص منه! وفيه اتفقت ومروان على خط الدفاع المبدئي والحاسم الذي سنتبعه، وحسبه لن نعترف بقانونية اعتقاله من رام الله، فهذه عملية اختطاف باطلة، ولن نعترف بقانونية التحقيق معه وهو النائب المنتخب والقائد السياسي المعروف، ولذلك كل ما يجري بحقه باطل، ولن نعترف بصلاحية محاكم الاحتلال، سواء كانت عسكرية أو مدنية، فهذه المحاكم باطلة تخدم الاحتلال، وهو سيّد البطلان والظلم، ولن نقبل أن نتعاطى مع أي لائحة اتهام قد تعدّها نيابة الدولة مهما جاء فيها، فحق الفلسطيني بمقاومة الاحتلال حق مكفول، والاحتلال هو من يجب أن يتهم ويحاكم بأفعاله وممارساته وجرائمه ضدالشعب الفلسطيني. تذكّرت كيف تركته ليعود إلى محققين لن يدعوه ينام، فصار يحلم كالعاشقين، يرتبون غدهم على إيقاعات القلب وعين لا تغفو. كنت خائفًا عليه، فهم لن يتحملوا إصراراه. لقد أحسّوا أنّهم اعتقلوا أكثر من مروان، ولذا فإنهم سيحاولون تحطيم الرمز وتدمير الفكر والفكرة. على باب المسكوبية في القدس نقلت للصحفيين ما قاله مروان، وأعلنت موقفنا، وما أصبح فيما بعد مشهورًا بملف: "مروان البرغوثي"- ضد الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين. وها هي السنين تمر وما زال الملف مفتوحًا. لقد قرأت مؤخرًا عن ما يحظى به مروان البرغوثي من شعبية ومكانة في صفوف أبناء شعبه. لم تكن هذه هي المرّة الأولى التي أنبئنا فيها بهذه الشعبية الجارفة. إنها قد تخيف حكام إسرائيل، وقد تخيف آخرين. أمّا اليوم فلقد سمعنا التزامًا من دولة رئيس الوزراء، وقبلها ومرارًا سمعنا التزام فخامة الرئيس محمود عبّاس، وعليه، فهل سيكون هذا العام عام الإفراج عن مروان البرغوثي؟
لم أتوقّع أن يبقى مروان البرغوثي أسيرًا في سجون الاحتلال الإسرائيلي هذه المدة الطويلة التي ستقفل على اثنتي عشرة سنة في نيسان القادم. ما زلت أذكر ذلك الصباح من نيسان، عندما زرته في معتقل المسكوبية في القدس بعد ثلاثة أيام من عملية اختطافه من وسط مدينة رام الله. في غرفة جانبية معدّة لزيارة المحامين، جلست مسكونًا بقلق وشكّ بنجاح المحاولة والزيارة. فوفقًا لتجربتي، اعتاد المحققون الإسرائيليون منع زيارة المحامي عن أسير أمنيّ، لأنهم يستهدفون، في أيام التحقيق الأولى، إطباق عزل الأسير كي لا يتمكّن من مقابلة محاميه وتركه فريسة للوحدة والشعور بأن "الأهل والأصحاب" قد نسوه، وهذا قد يؤدي إلى كسر روحه ومناعته. جاءني مروان وظني أنه فوجئ مثلي من نجاح الزيارة، في أقلّ من ثانية تعانقنا. تدافعت الأسئلة والأجوبة، كان همّه أن يطمئن على عائلته التي أحبها كالوطن. لساعتين صارت تلك الغرفة الهزيلة الصغيرة قصرًا من شوق ولهفة. لم يكن قلقًا ولا خائفًا من اختطافه واعتقاله في داخل إسرائيل. تحدث ببطء محاولًا أن لا يهدر كثيرًا من هواء رئتيه المتعبتين. وجهه بدا أصغر ممّا ألفته، بيد أنه ظلّ محافظًا على "نمنمته"، لاحظت أن سوادًا غلب سمرته المعهودة، لم يكن كسواد الليل ولا كسواد قلب حاقد، كان داكنًا موشحًا بخضرة خفيفة تشي بملاحته. "لم أنم يا جواد! لأكثر من أربع وعشرين ساعة... يمنعون عني النوم بأساليب شيطانية.. صدّقني، هذ أبشع صنوف التعذيب.. أكاد أجن، فأنا منهك وأحيانًا أفقد المقدرة على التفكير والتركيز ..". توقف ليستجمع قوّة وأردف: "يخططون لضرب شرعية الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية من خلال اعتقالي ومحاكمتي، يريدون النيل من الرئيس عرفات، ويستهدفون نزع شرعية تنظيم فتح والمجلس التشريعي..". لن أسرد هنا ما كان في هذا اللقاء ولا ما تلاه من لقاءات وتفاصيل، فحكايتي مع مروان البرغوثي طويلة، إليها، حتمًا سأعود، أمّا اليوم فأكتب عنها لأنني حضرت مؤتمرًا في رام الله خصّص للحديث عن قضية الأسرى الفلسطينيين المرضى في سجون الاحتلال الإسرائيلي. رئيس وزراء فلسطين تحدّث عن قضية الأسرى ووعد بالعمل من أجل الافراج عن مروان البرغوثي وأسرى آخرين. مثله فعل بعض الخطباء الآخرين. في لحظة أعادني الخطباء إلى تلك الأيام ولتفاصيل القضية التي كانت وفقًا لعديد من المعطيات والعوامل فريدةً ومميزةً. من يقرأ لائحة الاتهام التي أنزلت بحق مروان يعرف ما كان حجم التخطيط والأهداف التي حاولت إسرائيل أن تصيبها، ومن تابع حجم ما استثمرته إسرائيل من طواقم قضائية مهنية وإعلامية ودبلوماسية من أجل اقناع "العالم" بأنها استطاعت اعتقال أكبر الإرهابيين الذي يمثل عمليًا قيادة إرهابية لشعب من الإرهابيين؛ لعرف كم كانت مهمة إفشال إسرائيل وطنية عليا وتاريخية. من راجع ما استجلبته هذه القضية من حراك دولي رسمي ومؤسساتي وشعبي لقدّر أهميتها وخطورة الدور الذي لعبه مروان وأهمية الموقف المبدئي الذي هيمن. أكتب ذلك لأذكّر جيل هذه الأيام ببعض التفاصيل الهامة المنسية ولأؤكد أن للإفراج عن مروان البرغوثي أهمية تتعدى ما يستحقه الشخص، فهي بمعانٍ عديدة إعادة اعتراف لكثير من القيم والمكتسبات التي حاولت إسرائيل هدمها، وهي كذلك إقرار بما عكسته وعنته تلك المحكمة من مواقف ومعارك؛ في طليعتها، إفشال ما سعت إليه إسرائيل الرسمية والنجاح بقلب المعادلة بعد أن تحول الاحتلال لمتهم يجب أن يقاضى ويحاكم. اليوم عدت إلى ذلك اللقاء الأوّل والأهم، وتذكّرت كيف نجحت فيه بالاطمئنان عليه، لا سيّما وبعض الصحافة الإسرائيلية قد نشرت عن أسف/غضب رئيس الحكومة شارون عندما علم باعتقال مروان بدل قتله والتخلّص منه! وفيه اتفقت ومروان على خط الدفاع المبدئي والحاسم الذي سنتبعه، وحسبه لن نعترف بقانونية اعتقاله من رام الله، فهذه عملية اختطاف باطلة، ولن نعترف بقانونية التحقيق معه وهو النائب المنتخب والقائد السياسي المعروف، ولذلك كل ما يجري بحقه باطل، ولن نعترف بصلاحية محاكم الاحتلال، سواء كانت عسكرية أو مدنية، فهذه المحاكم باطلة تخدم الاحتلال، وهو سيّد البطلان والظلم، ولن نقبل أن نتعاطى مع أي لائحة اتهام قد تعدّها نيابة الدولة مهما جاء فيها، فحق الفلسطيني بمقاومة الاحتلال حق مكفول، والاحتلال هو من يجب أن يتهم ويحاكم بأفعاله وممارساته وجرائمه ضدالشعب الفلسطيني. تذكّرت كيف تركته ليعود إلى محققين لن يدعوه ينام، فصار يحلم كالعاشقين، يرتبون غدهم على إيقاعات القلب وعين لا تغفو. كنت خائفًا عليه، فهم لن يتحملوا إصراراه. لقد أحسّوا أنّهم اعتقلوا أكثر من مروان، ولذا فإنهم سيحاولون تحطيم الرمز وتدمير الفكر والفكرة. على باب المسكوبية في القدس نقلت للصحفيين ما قاله مروان، وأعلنت موقفنا، وما أصبح فيما بعد مشهورًا بملف: "مروان البرغوثي"- ضد الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين. وها هي السنين تمر وما زال الملف مفتوحًا. لقد قرأت مؤخرًا عن ما يحظى به مروان البرغوثي من شعبية ومكانة في صفوف أبناء شعبه. لم تكن هذه هي المرّة الأولى التي أنبئنا فيها بهذه الشعبية الجارفة. إنها قد تخيف حكام إسرائيل، وقد تخيف آخرين. أمّا اليوم فلقد سمعنا التزامًا من دولة رئيس الوزراء، وقبلها ومرارًا سمعنا التزام فخامة الرئيس محمود عبّاس، وعليه، فهل سيكون هذا العام عام الإفراج عن مروان البرغوثي؟
25.01.2014
عنجهية VIP
توالت هجمات قادة إسرائيل في الأسبوعين الفائتين واستهدفت حممها أهدافًا متنوّعة عديدةً. كان الرئيس محمود عبّاس أوّل من أمطره "مسؤولون إسرائيليون" ووصفوه ببذيء الكلام والتشبيهات.
توالت هجمات قادة إسرائيل في الأسبوعين الفائتين واستهدفت حممها أهدافًا متنوّعة عديدةً. كان الرئيس محمود عبّاس أوّل من أمطره "مسؤولون إسرائيليون" ووصفوه ببذيء الكلام والتشبيهات.
21.01.2014
عند العقدة يبرع النجّار
ما زالت الحالة الإسرائيلية السائدة تصدّر كلّ يوم مجموعة من العناوين التي يصلح اعتمادها محفّزات لرسّامي الكاريكاتير وإبداعاتهم. مجموعات من نكرات انتُخبوا ليشغلوا مقاعد نيابية في الكنيست وليكونوا قادة الدولة وسادة التشريع فيها لسنوات قادمة. كثيرون منهم لم يسمع الناخب بأسمائهم قبل الانتخابات، وكثيرون لن يسمع عنهم خلال الدورة الحالية؛ ففي إسرائيل أزمة قيادة حقيقية وخطيرة وهذه في علم السياسة إحدى سمات نظام حكم تنطبق عليه معايير تسوّغ تعريفه نظامًا ينزع إلى فاشية سياسية واضحة.
ما زالت الحالة الإسرائيلية السائدة تصدّر كلّ يوم مجموعة من العناوين التي يصلح اعتمادها محفّزات لرسّامي الكاريكاتير وإبداعاتهم. مجموعات من نكرات انتُخبوا ليشغلوا مقاعد نيابية في الكنيست وليكونوا قادة الدولة وسادة التشريع فيها لسنوات قادمة. كثيرون منهم لم يسمع الناخب بأسمائهم قبل الانتخابات، وكثيرون لن يسمع عنهم خلال الدورة الحالية؛ ففي إسرائيل أزمة قيادة حقيقية وخطيرة وهذه في علم السياسة إحدى سمات نظام حكم تنطبق عليه معايير تسوّغ تعريفه نظامًا ينزع إلى فاشية سياسية واضحة.
13.01.2014