نبيل عودة

مقالات ومواد لنبيل عودة

لتقم حركة نسوية عربية تسقط الوثنية الذكورية

لتقم حركة نسوية عربية تسقط الوثنية الذكورية

تحرير المرأة ومساواتها هو تحرير وحرية للرجل العربي ايضا الذي ﻴﺘﻌﺭﺽ منذ ﺼﻐﺭﻩ ﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﺘﺸﻭﻴﻪ ﺍﺨﻼﻗﻴﺔ ﻭﺠﻨﺴﻴﺔ ﻭﺤﻘﻭﻗﻴﺔ ﻭﺩﻴﻨﻴﺔ تجعله اداة منفذة لفكر دونية المرأة *****

تحرير المرأة ومساواتها هو تحرير وحرية للرجل العربي ايضا الذي ﻴﺘﻌﺭﺽ منذ ﺼﻐﺭﻩ ﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﺘﺸﻭﻴﻪ ﺍﺨﻼﻗﻴﺔ ﻭﺠﻨﺴﻴﺔ ﻭﺤﻘﻭﻗﻴﺔ ﻭﺩﻴﻨﻴﺔ تجعله اداة منفذة لفكر دونية المرأة *****

07.03.2014

من ديوان إلى أخر مروان مخول شاعر يحلّق أعلى مما توقّعنا!

من ديوان إلى أخر مروان مخول شاعر يحلّق أعلى مما توقّعنا!

النقلة النوعية بارزة جدًا وبقوة في إنجاز الشاعر مروان مخول منذ أن أصدر ديوانه الثاني "ارض الباسفلورا الحزينة" (2011) وحتى صدور ديوانه الجديد "أبيات نسيتها القصائد معي"(2013).

النقلة النوعية بارزة جدًا وبقوة في إنجاز الشاعر مروان مخول منذ أن أصدر ديوانه الثاني "ارض الباسفلورا الحزينة" (2011) وحتى صدور ديوانه الجديد "أبيات نسيتها القصائد معي"(2013).

06.02.2014

يوميات نصراوي: خواطر سوفياتية

يوميات نصراوي: خواطر سوفياتية

يوميات نصراوي: خواطر سوفياتية موسكو مدينة هادئة لا تسمع فيها أصوات الأبواق او الميكروفونات المرتفعة، موسكو لا تؤمن بالدموع لأنها مدينة مشرقة دائما، بنظافتها، تنظيمها وناسها.. ابنيتها جميلة وتشير الى فن معماري سلافي رائع. مطاعمها راقية ومتعددة الأشكال. المطعم البلغاري كان يشتهر بشواء الدجاج بطريقة خاصة، المطعم الصيني بمأكولاته المميزة التي عشقتها بينما زملاء لي لم يعجبهم مذاقها الذي يجمع بين المتناقضات، لم يهضموا السوشي التي أصبحت من ماكولاتي المفضلة حتى اليوم.

يوميات نصراوي: خواطر سوفياتية موسكو مدينة هادئة لا تسمع فيها أصوات الأبواق او الميكروفونات المرتفعة، موسكو لا تؤمن بالدموع لأنها مدينة مشرقة دائما، بنظافتها، تنظيمها وناسها.. ابنيتها جميلة وتشير الى فن معماري سلافي رائع. مطاعمها راقية ومتعددة الأشكال. المطعم البلغاري كان يشتهر بشواء الدجاج بطريقة خاصة، المطعم الصيني بمأكولاته المميزة التي عشقتها بينما زملاء لي لم يعجبهم مذاقها الذي يجمع بين المتناقضات، لم يهضموا السوشي التي أصبحت من ماكولاتي المفضلة حتى اليوم.

04.12.2013

يوميات نصراوي: من الشاه الى الخميني

يوميات نصراوي: من الشاه الى الخميني

يوميات نصراوي: من الشاه الى الخميني مشروع عمل في ايران وصلت ايران ايام الشاه، عام 1977 قبل سقوطه بسنتين تقريبا ( سقط عام 1979)، لبناء مصنع لمنتجات البلاستيك في مدينة شيراز، التي تعتبر المدينة السياحية الأهم في ايران، لجمال طبيعتها وكثرة حدائقها ، ابنيتها الفاخرة، شوارعها العريضة، فنادقها ومطاعمها الراقية، جمال نسائها وكثرة مواخيرها التي كان يملأها "رجال" الخليج العربي، لقربها ايضا من الأثار التاريخية للدولة الفارسية، للأجانب تبدو مدينة منفتحة ليبرالية، تقع في مركز تقاطع طرق هام يربط ايران بالخليج العربي ، عبر ميناء هام في مدينة بوشير ( او "بوشهر" كما تكتب بالفارسية). طبعا أحياء الفقر شبه معزولة، لا يراها الا من يتعرف على المدينة بكل تفاصيلها وكل اتساعها. وصلنا شيراز لبناء مصنع ضخم جدا لحساب عائلة تحمل اسم "سعادات" التي تلفظ "سادات" وهي ضمن 100 عائلة تسيطر على كل مقدرات ايران الاقتصادية والسياسية وترتبط هذه العائلات بعلاقات نسب مع شاه ايران محمد رضى بهلوي ومع بعضها البعض، تشكل كارتيل سياسي اقتصادي عسكري، مدعوم من الغرب وطبعا من اسرائيل التي كانت لها علاقات تجارية وسياسية وعسكرية بالغة الأهمية مع دولة الشاه وهناك موضوع مثير للغاية بدأت افهم خيوطه العريضة في وقت متاخر.. سأتحدث عنه في وقته ضمن النص. حطت بنا طائرة ال – عال في مطار طهران حيث استقبلنا ممثل الشركة صاحبة مشروع مصنع البلاستيك التي يملكها سعادات. حدثنا ممثل الشركة ونحن في الطريق من المطار الى مكاتب الشركة، عن حادث مضحك وقع لسيده سعادات ( ليحفظه الله الشاه ويحفظ سعادات ويعطيهما الصحة وطول العمر، كما تعودنا ان نسمع كلما لفظ اسم احد "عظماء ايران"). بصعوبة ، بكلمات انكليزية متفرقة، فهمنا ان سيده سعادات وصل الى اسرائيل للتوقيع على اتفاق بناء المصنع، الايرانيون يلفظون اسم سعادات بدون حرف العين "سادات"، التوقيت كان عشية محادثات ترتيب زيارة الرئيس المصري السادات الى اسرائيل ، اي عام 1977، احدث وصول سعادت ارتباك كبير، بظن انه الرئيس المصري انور السادات، عوق ركاب الطائرة، بعد وقت ومداولات مع قبطان الطائرة والأمن الاسرائيلي وربما اوساط حكومية أخرى اتضحت الصورة ان الزائر رجل اعمال ايراني اسمه سعادات. جاء ليوقع تعاقد مع شركة اسرائيلية لبناء منشأة صناعية في ايران، اعتقد ان الشركة الاسرائيلية هي "دور خيميكاليم" الموجودة في خليج حيفا، التي خططت للمشروع وراقبت تنفيذه، وفاز بالمناقصة رجل الأعمال يوسف برودني الذي كان مقاولا يقيم منشئات جديدة في مصنع الشركة في حيفا ، وكنت ضمن مديري العمل في شركته. بعد ان استرحنا في مكاتب الشركة، قدمت لنا وجبة طعام ثم نقلنا لمطار داخلي لنستقل طائرة الى مدينة شيراز التي يقام المصنع بالقرب منها. استقبلنا في شيراز يوسف برودني وهو رجل الأعمال الاسرائيلي الذي فاز بالمناقصة في شيراز، يعرف اللغة الايرانية بشكل لا باس به، بسبب عمله سابقا في ايران، نقلنا الى فيلا في حي فيلات راق جدا اسمه "باغرام"عرفنا فيما بعد ان الأسم يعني "جنة عدن"!! طبعا جنة عدن بالمقارنة مع احياء الفقر الرهيبة في شيراز والتي مجرد رؤيتها تجعل الشخص يرتعب من ولوجها. من البداية رأيت بقناعة مطلقة، ان سياسة الشاه التي تميزت بالارتباط مع الغرب، علاقاته الوطيدة مع إسرائيل ،اعتماده على القوى الغربية، الولايات المتحدة ، بريطانيا، المانيا، ايطاليا، فرنسا واسرائيل (من اسرائيل مثلا كانت شركة سوليل بونية تنفذ مشاريع كبيرة، عدا العلاقات العسكرية التي سمعنا عنها ولا نعرف تفاصيلها)، إضافة الى ما لمسناه وسمعناه عن الإسراف ، الفساد والنخبوية في سياسات الشاه وديوانه الملكي، فشله في استقطاب المتعاطفين والأتباع من القيادات الدينية الشيعية لمقارعة الحملة الخمينية ضده.. مما اوصله الى طريق مسدود، رغم انه تنبه الى مأزق امبراطوريته والقى خطابا وعد فيه بالاصلاح الجذري والقضاء على الفساد ولكن الوعود لم تعد تفيد، لا اعتقد انه نفذ شيء منها.. رغم اننا لاحظنا حركة انشاء صناعية ضخمة في ايران تشارك فيها مختلف الدول الغربية المذكورة آنفا. طبعا لم يشغلني الأمر كثيرا، انما مجرد مشاهدات لشخص يملك وجهة نظر سياسية، ويحاول ان يفهم المحيط الذي من المقرر ان يقيم فيه لفترة قد تزيد عن السنتين. وبات واضحا من الشهر الأول ان مشاريع العمل تتوارد على برودني من داخل ايران ايضا، اذ في نهاية السنة الأولى بدأنا بمشروع اقامة مصنع جديد في مدينة اصفهان. بجانب بيتنا توجد حديقة رائعة هي حديقة الشاهبانو ( زوجة الشاه) وفيها قصر جميل، كنا نتردد على الحديقة الرائعة، وبقربها القنصلية الأمريكية ، التي سمحت لنا بكوننا نحمل جوازات سفر اسرائيلية ولسنا ايرانيين، بالدخول والتمتع بالسهرات وشرب البيرة وتناول اطعمة خفيفة باسعار بخسة ، عدا برامج فنية وافلام كانت تقدم لعاملي القنصلية ومن يسمح لهم بالدخول من الأجانب فقط!! لن اتحدث عن العمل المهني فانا لمعرفة القراء فقط ، عملت في مجال الصناعات الثقيلة (المنشئات الحديدية) لعدم توفر فرصة عمل ذهني في ظروف اقصاء الوطنيين والشيوعيين عن الوظائف الرسمية خاصة في سلك التعليم ( كنت ارغب ان اكون معلما مهنيا). رغم اني اكاديمي في تحصيلي العلمي ، درست سنة في قسم هندسة الميكانيكيات في التخنيون – حيفا، قبل دراستي الفلسفة والعلوم السياسية في الاتحاد السوفييتي السابق، الا اني عملت لمعيشتي مدة تقارب ال 35 سنة في الصناعة المعدنية، قبل ان اتقاعد واتجه للعمل في الصحافة. بدأت حدادا ، ثم مديرا لفحص جودة الانتاج، فيما بعد مديرا للعمل وبعد ذلك مدير انتاج منذ عام 1990، في ايران كنت مديرا للعمل. مشاهدات عديدة في ايران ظلت محفورة في ذاكرتي، خاصة ذكرى العاشوراء ومسيرات جلد الذات بالات حادة وسلاسل حديدية، الدم يتدفق من الجروح بعض المحتفلين يسقطون مغشا عليهمن من الجروح ونزيف الدم او الحزن الشديد الذي يتملكهم .. رفعت الة لتصوير لألتقط صورا ... فاذا بايراني يقترب مني محذرا ان لا احاول التصوير، وان انسحب بسرعة حتى لا اتعرض للإعتداء. الأثار التاريخية لأباطرة الفرس جميلة وتشير الى حضارة عريقة، الفرس يفخرون بتاريخهم وآثارهم..طبعا هناك آثار اسلامية، البعض كان يسمي رجال الدين ب "شيوخ العرب"، بتلميح واضح للتمسك بالتراث الفارسي ضد الغزو الاسلامي.. لكنهم اقلية كما أظن، اذ لم يكن من السهل ان يجاهر الانسان برايه السياسي او الديني. التعصب الديني للشيعة يبدو شديدا ، والعالم بالنسبة للشعب الايراني البسيط، مقسوم بين شيعة وسنة لا غير. السؤال الأول من العمال الذين قبلناهم للعمل كان عن كوننا سنة أو شيعة؟ بالنسبة لهم لا يوجد في عالمنا شيء آخر. أعلنت اني شيعي، كان يعمل لدينا سائق رافعة اسمه حسين حزدوز في عيد الميلاد سمعت انه توجد طائفة مسيحية في بلدة قريبة من شيراز ( ربما اسم البلدة بور- زرقان)،من منطلق حب المعرفة، وليس من دافع ديني سافرت لمشاهدة احتفالهم. بعد عودتي واجهني حسين حزدوز بتهمة "انت نصراني" واني كذبت عليهم بقولي اني شيعي. النفي هنا لا يساعد، قلت له انا نصراني شيعي. لم يفهم هذا الدمج. سألته: من النبي الذي كان في البداية؟ قال حسب تفكيره البسيط: النبي محمد. سالت: وفيما بعد؟ قال: عيسى. قلت له:اسلمنا مع محمد وتبعنا علي بن ابي طالب وانتمينا فيما بعد الى عيسى ، لذلك انا "مسلم شيعي نصراني". استصعب الفهم وانتهى النقاش.. لكنه ظل متشككا لأنه لم يسمع سابقا ب "نصراني شيعي"!! من المضحك المبكي موضوع التحريم والتحليل في ايران، مثلا يوجد مصنعان للكولا ، الأول مصنع كوكا كولا، والثاني مصنع بيبسي كولا. هل من فرق بينهما؟ بالنسبة لي لا فرق. للكثير من الايرانيين الموضوع أشبه بالفرق بين الايمان والالحاد. هناك فتوى تقول: "كوكاكولا مكروه، بيبسي كولا حرام" لم افهم السبب الا بعد فترة طويلة من عامل يتمتع بمستوى عقلاني ومعرفة لغات اجنبية، وهو امر نادر في الوسط الذي عملنا معه في ايران، شرح موضوع الكولا وهو يضحك، بأن الكوكا كولا يملك المصنع ايراني شيعي، اما البيبسي كولا، فصاحب المصنع بهائي!! الفجوة الاجتماعية الاقتصادية في ايران مذهلة وغير معقولة. قسم من المجتمع يعيش في احياء ومنازل لا تخجل اي دولة اوروبية، الأكثرية في احياء أشبه بمخيمات اللاجئين. انتبهت الى وجود احياء معزولة، شبه قرية داخل مدينة، مخصصة لضباط الجيش ورجال الأمن المميزين في ايران والدخول اليها مغلق الا لمن يملك تصريحا خاصا. ايضا المطاعم تتفاوت في مستواها ، لا اتحدث عن نوع المأكولات، بل عن النظافة ونوع الزبائن. هذا لا يحتاج الى خبير وتحقيق، واضح للعيان. هناك مطاعم تحت أي مستوى انساني معقول وهناك مطاعم لا تخجل مطاعم باريس . يوجد في الوسط مطاعم اخرى، لكنها ليست لأبناء الشعب الفقراء، وما اكثرهم في امبراطورية نفطية مثل ايران، الذين يعيشون بمستوى فقر لم اشاهد أسوأ منه. . ويعتمد اكلهم على الخبز ونباتات مختلفة او "التشيلو" ( اي الأرز). هناك مدارس خمسة نجوم لأولاد الأغنياء ورجال الجيش والأمن وكبار الموظفين واصحاب الدخل المرتفع ، الى جانب مدارس مهينة بابنيتها وقذارتها بل وشاهدت طلابا يتعلمون تحت الشجر في بعض المناطق البعيدة عن المدن. حسب صاحبنا العامل الايراني المتنور، مدارس الفقراء تخرج شبه اميين في العلوم والحساب واللغات ، مدارس اولاد الأغنياء مستواها اوروبي. ما لاحظته أيضا نسبة الأمية المرتفعة، وصعوبة ايجاد ايراني يتحدث لغة اجنبية، أجاب مهندس في الشركة على سؤال لنا لماذا لا يكتبون الفارسية بأحرف لاتينية لأن الفارسية كما لا حظت من نطقها اسهل ان تكتب بالحرف اللاتيني؟ قال ضاحكا: في ايران نسبة امية مرتفعة جدا، اذا استعملنا الحرف اللاتيني سيصبح في ايران 90% أميين!! تفاجأنا ان التاكسي يحمل ركابا بدون تحديد عدد الركاب. السائق مستعد ان يحشر ست أشخاص او سبع أشخاص اذا امكن في المقعد الخلفي المعد لثلاث ركاب، بجانبه اثنان على المقعد ولا باس ان يجلس الثالث بجانبه أيضا من جهة اليسار ( جهة السائق) .. ويمكن ايضا أن يجلس اثنان بصندوق التاكسي الخلفي المفتوح. الشرطة لا تتدخل ولا يهمها الأمر والمخالفة تحل ببعض الريالات (العملة هي الريال وكل عشرة ريالات تسمى "تومان" وكانت قيمتها بالمقارنة مع الدولار لا تتجاوز 15% ). واذا ارتكبت مخالفة وانت أجنبي ("خارجية" بالايراني) فانت معفي من المخالفة، واذا كان معك بالسيارة ايراني ( "ايرانية")، فهو المذنب، حتى لو كان يجهل قوانين السير ولا يملك رخصة قيادة سيارة. شيراز مدينة سياحية مليئة بالحداق الجميلة، شوارع عريضة ، وفيها شارع تجاري هام اسمة "زند الكبير" تجد فيه محلات الملابس الفاخرة، محلات الذهب والجواهر الثمينة، مطاعم من الدرجة الأولى، سوبرماركتات ضخمة وفيها من كل لذ وطاب من الماكولات المستوردة والمشروبات الروحية التي لا تجدها في مناطق اخرى لأنها للكفار فقط... بما في ذلك لحم الخنزير المستورد من الولايات المتحدة، كما تبين لنا. المستهجن اني وجدت سوبرماكت ضخم، مليئ ايضا بالمشروبات الروحية من كل ما يشتهيه القلب. لا حظت ان بوابة السوبرماركت، تحمل نجمة داوود اليهودية، وعلى حائط فوق صندوق الحساب علقت لافته بالعبرية، "ادوناي شومر يسرائيل" (أي الهي حامي اسرائيل) قصدت الحديث مع صاحب السوبرماركت بالعبرية، فاجابني بلغة عبرية لا باس بها، تبين انه يهودي متدين ايضا. لكن كيف تكون يهوديا متدينا وتبيع الخنزير ومعلبات ولحوم ليست "طاهرة" ("كشير" حسب الدين اليهودي)؟ ضحك وقال انه يبيع للأجانب والأمر ليس لاستعماله او لاستعمال اليهود. اوضح لنا ان من يقطع لحم الخنزير، يوزنه، يغلفه ويسلمه للزبون هو عامل ايراني. قلت: لكنك تقبض الثمن، ما الفرق؟ جوابه كان ان متطلبات الحياة والربح واعاشة العائلة ، لا تتيسر بدون ذلك لأن اكثرية الزبائن أجانب والايرانيون الفقراء لا يقصدون هذه المحلات وهو ليس المسؤول عن عقائد الناس وأطعمتها المفضلة. اعجبني جوابه.. والأهم ان محله لا يفرغ من الأجانب ، لدرجة اننا ننتظر بالدور ربع ساعة على الأقل احيانا لنستطيع دفع الحساب . المضحك ان بعض العمال الايرانيين طلبوا ان نشتري لهم الجعة لأنها لا تباع في احيائهم ويخافون من دخول المحلات التي تبيع الخمر لأنها محرمة شرعا عليهم فلبينا طلباتهم.. وبذلك نحمل وزر خطيئتهم يوم الحساب!! فيما بعد لاحظت ان معظم محلات شارع "زند الكبير" أصحابها من اليهود ونجمة داوود تزين مداخل محلاتهم. لم اشاهد ان الموضوع يغضب ابناء ايران المسلمين. هل هو خوف من نظام القمع والاستبداد؟ لا اعرف.. رغم ان اليهود يتظاهرون بدينهم علنا، بينما البهائيين وطوائف اخرى يخفون انتمائهم الديني.. ونحن أيضا لم نعترف بان فرقتنا من السنة والمسيحيين.. اتذكر جيدا اننا حذرنا قبل سفرنا الى ايران من هذه الاشكاليات وفي مكتب الشركة في طهران ايضا حذرنا مدير الشركة من كشف انتماءنا الديني. اذن هل كانت ايران على فوهة انفجار بركاني ديني اجتماعي اقتصادي؟؟ الملاحظة التي اود تسجيلها ان صورة الشاه تكاد تكون على كل حائط او صورة العائلة المالكة، او صور عديدة، حب غير عادي يجري التعبير عنه بالصور المنتشرة في كل قرنة وشارع وحائط، فيما بعد لاحظت ان مساكين ايران يحملون ايضا صورة الشاه داخل بطاقاتهم الشخصية... حب عاصف غير عادي للشاه والشهبانو والعائلة المالكة. استنتجت تلقائيا ان الشاه يعيش على حساب زمن انتهى، وان نهايته مسالة وقت غير طويل. كومة قش بانتظار عود كبريت واحد. هذا ما قلته لمهندس الشركة وشريك في شركة يوسف برودني التي ننفذ العمل لحسابها، اسمه بيني براف وهو اليوم مقاول كبير مستقل في منطقة حيفا. عارضني بان الشاه بنى نظاما امنيا قويا، وانه عبر تجربة سياسية ليست سهلة، اذ في اواسط الستينات (1953) انتخبت حكومة وطنية برئاسة محمد مصدق. الذي شكل خطرا على استمرار نظام الشاه وبدأ حملة تأميم للنفط .. نظمت مؤامرة ضد مصدق وحكومته باشتراك الولايات المتحدة، نفذوا عام 1953 انقلابا على حكومة محمد مصدق وبعدها فرض الشاه سلطته المطلقة على ايران . قال بيني براف ان الشاه والغرب تعلموا درسا هاما منذ عام 1953 ، لن يسمحوا لأي قوة ان تطيح بحكم الشاه، اضاف: بدا الشاه ببناء ايران صناعية متطورة، بنى جيشا ضخما مسلحا بافضل ترسانة اسلحة ، مما يجعل ايران دولة عظمي عسكريا واقتصاديا بما تملكه من نفط وقريبا من صناعات متطورة وان ايران بدات تبني مفاعلها النووي الأول في مدينة بشير بدعم المانيا الغربية. قلت ان النقاش معقد، لي رؤيتي المبنية على معرفتي السياسة العامة وعلى مشاهداتي واحساسي مما يعانيه الشعب الايراني، ان ايران اليوم تفتقد لالاف الايرانيين المثقفين والعلماء الذي يهاجرون او يهربون من نظام دولتهم الاستبدادي. ما لاحظته هو الخوف والرعب وليس الحب. الشاه كان يبطش بقسوة بكل معارض. السجون ملأى، المحاكمات صورية.. هناك تسجيلات تباع بالتهريب لخطب رجال دين من الخارج يدعون للثورة ( لم اكن قد سمعت باسم الخميني) ، انما عن المعارضة الدينية المتحالفة مع الليبراليين واليساريين والوطنيين الايرانيين، كذلك اعرف ان حزب تودة الشيوعي هو حزب محظور ويعمل بالسر للإطاحة بنظام الشاه واثناء دراستي في موسكو( 1968 – 1970) التقينا مع قيادات من الحزب الشيوعي الايراني (تودة) الذين حدثونا عن التحضير لانتفاضة بمشاركة اوساط واسعة من المجتمع الايراني بما فيهم رجال الدين. تحليلي أضحكه وقال تعال نتراهن على 200 دولار ان الشاه سيصمد على الأقل حتى ننهي مشروعنا.. ترددت.. ولكني قبلت الرهان . بعد سنة واشهر قليلة، اشتعلت الثورة، عدت للبلاد، بطريقة سأرويها في اطار هذا النص لما تحمله من غرابة ومغامرة اذ كانت المظاهرات قد سيطرت على الشوارع بدون توقف ليلا ونهارا واحاق الخطر بكل الأجانب.. اشتغلت سنة كاملة او اكثر قليلا في ايران ، بعدها قررت ان افتح مكتبة خاصة في الناصرة وان انهي عملي في مهنة الحدادة. العودة الى ايران افتتحت المكتبة مع شريك، في عام 1979 وصل للمكتبة يوسف برودني وهو صاحب العمل الذي اشتغلت معه في ايران، طلب مني ان اعود لايران لتنفيذ مشروع بناء صهاريج انتجت تحت اشرافي حين كنت في شيراز، ارسلت الى مدينة بوشير لجمعها، كما علمت ان الصهاريج هي للمياه المقطرة القادمة من اسرائيل لمصنع البلاستيك. قال لي ان العمال ومديرهم لا يتقدمون بالعمل وتواجههم مشاكل في التركيب. .. وانه مستعد ان يدفع لي الأجرة التي اراها مناسبة، وان العمل يتطلب مني شهرا واحدا لا غير. بعد ذلك يواصل العمال الأعمال السهلة المتبقية لانجاز المشروع. بعد المشاروة مع شريكي قررت ان البي دعوة برودني. وصلت طهران، اخذت طائرة الى مدينة بوشير وهي مدينة ساحلية تقع على الخليج العربي ( او الفارسي كما يصر الايرانيون) ويمكن من شاطئ بوشير ان نرى سواحل الكويت. بقرب الموقع الذي اقيمت فيه الصهاريج انشأنا نقطة استقبال بعمق البحر لاستقبال السفن وتفريغ حمولتها في الصهاريج. ما لم افهمه ان شيراز حيث بني المصنع تبعد 5 ساعات سفر على الأقل عن شيراز ،قسم كبير من الطريق ترابي وجبلي ، كم سيارة شحن يحتاجون لنقل المياه المقطرة لشيراز؟ ما المشكلة في بناء محطة تقطير للمياه قرب المصنع في شيراز؟ لم افكر كثيرا في الموضوع، نفذت العمل المطلوب، كانت مظاهرات الاحتجاج الشعبية في ايران قد هبت، لم تكن بالقوة التي وصلتها حين كنت في بوشير، كنت اتابع الأخبار وارى ان المظاهرات لا تتوقف ، بل تتسع، تماما كما جرى في ميدان التحرير في القاهرة قبل الاطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك. تلقيت اتصالا من الشركة ان انهي عملي واعود فورا للبلاد وان وزارة الخارجية الاسرائيلية حذرت الاسرائيليين في ايران بضرورة مغادرة ايران فورا. تذكروا هذه الملاحظة: قبل الحديث عن مغامرة مغادرة ايران اود ان اشير الى انه بجانب الصهاريج العملاقة التي انجزناها بنسبة 80% في بوشير وعلى مسافة اقل من كيلومترين كان الألمان يبنون الفرن الذري الايراني الأول "مفاعل بوشير النووي"، وساعود للموضوع!! اخذت اغراضي القليلة من المنزل ، اتجهت لأحجز مكانا في الطائرة الى طهران، قالوا لي ان المطار مغلق حتى اشعار آخر. هنا بدا القلق يساورني. السفر بالسيارة ليس سهلا.. سافرت مرتين خلال عملي من شيراز الى بوشير ( مسافة 185 كيلومتر لكل اتجاه) لتعبئة بالونات الأكسجين لانه لا يوجد مصنع في شيراز، يوجد مصنع في اصفهان التي تبعد ايضا 350 كيلومتر عن شيراز. كان املي ان اصل شيراز وآخذ طائرة من هناك الى طهران. خوفا من ان اواجه نقصا بالوقود في الطريق، أخذت معي ثلاثة تنكات سعة 25 لتر كل تنكة، عباتها بالبنزين وانطلقت، كنت امر على محطات الوقود لملء خزان السيارة،وهذا ساعدني كثيرا، لأن الوقود كان شبه معدوم في الطريق من شيراز الى اصفهان. في شيراز ايضا كان الطيران الداخلي معطلا. واصلت الى اصفهان التي لم اكن فيها سابقا معتمدا على اشارات الطرق، في الخروج من شيراز شاهدت رجلا ايرانيا انيقا ينتظر واسطة نقل. سالته عن الطريق الأفضل الى أصفهان، سألته بسبب رغبتي ان يرافقني شخص من أهل البلاد. لحسن حظي سالني اذا كان باماكني ان اقله الى أصفهان وسيدفع لي ما اريد. قلت له ان يصعد لأن رفقته معي هي أفضل أجرة. تبين انه موظف حكومي من اصفهان، علق في شيراز بدون مواصلات ، المظاهرات شلت حركة المواصلات تماما الا من معه سيارة خاصة. تفاهمنا بالانكليزية والفارسية والاشارات... تبين ان اشارات الطريق لا تكفي ولا تساعد، ولولاه لضللت الطريق. وصلنا اصفهان التي يمكن ان نقول انها وقود الثورة ضد الشاه، لم يتخلى عني ودعاني للطعام في منزله، كنت جائعا حقا اذ لم نجد مطعما مفتوحا في الطريق. رغم اني كنت قد استحضرت على فستق حلبي ولوز وجوز وبعض الموز وزجاجات مياه. بعد ان تناولت الطعام سالته ان يرسم لي كيفية وصولي الى طهران، لأن المطار في اصفهان معطل ايضا كما قال قريب له. قال شيئا لم افهمه ، تحدثا طويلا بشبه همس مع بعضهما، ثم قال لي ان قريبه سيرافقني الى طهران. شعرت براحة كبيرة وشكرته، قال ان لقريبه اقارب او عائلة تخصه في طهران وانه يريد الاطمئنان عليهم وسيقيم عندهم حتى تهدا الأحوال. قلت له اني سأعطيه السيارة عندما اصل المطار. شعرت انه سر جدا. بكل الأحول لن استطيع ان احمل السيارة معي الى اسرائيل. المسافة لطهران من اصفهان هي 340 كيلومتر. المشكلة التي واجهناها قلة الوقود ، لحسن الحظ وجدنا محطة وقود تبيع بسعر مرتفع استغلالا للفوضى ولنقص الوقود في دولة النفط العظيمة، الأمر لم يعني لي شيئا، كنت مستعدا ان ادفع عشرة اضعاف السعر. المال للشركة ومعي مبلغ كبير حصلت عليه للصرف من الشركة صاحبة الورشة لدفع اجدور العمال والمصاريف المختلفة، حافظت على الأموال معي وكنت قد حولت معظم المبلغ الى الدولار الأمريكي عندما غادرت بوشير، متوقعا ان اواجه مصاعب لا حل لها الا بالمال. وصلت طهران ، كانت طرقا كثيرة مغلقة بسبب المظاهرات، الشاب الذي معي ساعدني بشكل كبير داخل طهران الغارقة بالفوضى ..اوصلني للمطار الذي كان شبه خال، اخافني الوضع ، لم اكن املك اي بديل آخر الا الانتظار. اعطيته مفاتيح السيارة وكاد يقبل يدي لهذه الهدية الثمينة ، بشكل عام قطعت مسافة تقارب ال 900 كيلومتر،عدا التجول في الطرق داخل شيراز واصفهان وخاصة طهران التي استغرقني أكثر من ساعة ونصف للوصول الى مطارها الدولي بسبب الشوارع المغلقة بالمظاهرات. فهمت ان الشاه غادر ايران.. ولم اكن متأكدا من الخبر لأني لم افهم جيدا اللغة الفارسية. المطار مخيف بسبب الفراغ الكبير .. عدد قليل من المسافرين، حاولت ان احصل على تذكرة الى اي اتجاه ممكن، كنت اريد مغادرة ايران، لم يكن الأمر ميسرا. القلق بدا يساورني بل وشيء من الخوف..مضت الساعات متوترة وانا انتظر امكانية الحصول على تذكرة لأخرج من ايران لأي دولة كانت. اعتقد اني قصيت أكثر من 30 ساعة من التوتر والقلق والابتعاد عن العمال الايرانيين في المطار.. فجأة وجدته امامي شاب قوي البنية، في الثلاثين من عمره أو أكثر قليلا .. سالني بالعبرية: اين حقيبتك؟ شعرت بالتثلج يسري في جسمي. هل هو الرعب... او المفاجأة غير المتوقعة ان أسمع العبرية في مطار شبه معطل؟ تلعثمت، ربما خوفا ، او عدم تصديق، "اسرع ورائي" أمرني عندنا رأى تلعثمي. حملت حقيبتي وسرت مسرعا وراءه، في الخارج كانت حافلة ملأى بيهود اسرائيليين وربما يهود ايرانيين أيضا، صعدت للحافلة وانا شبه غائب عن فهم ما يجري حولي. تحركت الحافلة ودخلت الى مدرج المطار من بوابة جانبية، ما اقصه الآن اشبه بحلم غريب، أحيانا انا لا اصدق نفسي. وقفت الحافة امام طائرة "اير فرانس"، صدر امر من شخص آخر : اصعدوا للطائرة. بحثت عن تذاكري، دفعني شخص بكتفي وقال : لا ضرورة، اصعد للطائرة. لأول مرة اصعد لطائرة بدون تفتيش. دخلنا مع حقائبنا، بعد ربع ساعة كانت الطائرة تحلق في سماء طهران.. بالطريق الى مطار اللد. ما اشغلني كيف عرفني ذلك الشاب ، ومن اين له اني أحمل الجنسية الاسرائيلية؟ قبل أشهر قليلة قرأت تقريرا نشرته صحيفة "يسرائيل هيوم" عن كيفية اخراج الاسرائيليين من ايران مع يهود ايرانيين ، بعد خروج الشاه وعودة الخميني الى ايران ، كيف جرى تجميعهم في منازل معينة، ثم نقلهم للمطار ، اعترف اني وجدت نفسي في ذلك التقرير. المفاعل النووي، وصهاريج المياه المقطرة عندما نشات قضية تخصيب ايران لليورانيوم، او القنبلة النووية الايرانية، عدت بذاكرتي الى بوشير والصهاريج الكبيرة التي بنيناها. هل هي حقا لمصنع البلاستيك في شيراز؟ لماذا بنيت بلصق المفاعل النووي الذي كان يبنيه الألمان ، ثم واصل الروس بنائه بعد ان اوقف العمل به بعد الثورة الخمينية لمدة تزيد عن 20 سنة؟ ما هي ضرورة المياه المقطرة؟ ولماذا بلصق المفاعل النووي؟ يستخدم الماء المقطر في عدة مجالات علمية، هندسية، مخبرية، وصناعية. للماء المقطر استخدامات كثيرة ، يستخدم في الآلات والمشغلات الصناعية وذلك لعدم احتوائه على الشوائب مثل المعادن والأملاح ، إذ تسبب الأملاح ترسبات في الأدوات والأجهزة مما يؤدي إلى تلفها. هل لهذا علاقة باليورانيوم او المفعالات النووية؟ في خبر عن كوريا الشمالية قرأت ما يلي: يتوقع البعض أن تكون كوريا الشمالية قد طورت من قبل تكنولوجيا عالية لبناء مفاعل يعمل بالماء الخفيف ( الماء الخفيف هو الماء المقطر) وحاولت انتاج مواد نووية من خلال تخصيب اليورانيوم . السؤال الذي لا اجد اجابة عليه، هل شاركت اسرائيل بالبرنامج النووي لشاه ايران؟ اذن هل الصهاريج في بوشير للمياه المقطرة القادمة من اسرائيل هي لمصنع شيراز، وهل لها علاقة بالمفاعل النووي في بوشير؟ وهل يستعمل الماء المقطر لتبريد اليورانيوم؟ اترك الاجابات للخبراء. nabiloudeh@gmail.com

يوميات نصراوي: من الشاه الى الخميني مشروع عمل في ايران وصلت ايران ايام الشاه، عام 1977 قبل سقوطه بسنتين تقريبا ( سقط عام 1979)، لبناء مصنع لمنتجات البلاستيك في مدينة شيراز، التي تعتبر المدينة السياحية الأهم في ايران، لجمال طبيعتها وكثرة حدائقها ، ابنيتها الفاخرة، شوارعها العريضة، فنادقها ومطاعمها الراقية، جمال نسائها وكثرة مواخيرها التي كان يملأها "رجال" الخليج العربي، لقربها ايضا من الأثار التاريخية للدولة الفارسية، للأجانب تبدو مدينة منفتحة ليبرالية، تقع في مركز تقاطع طرق هام يربط ايران بالخليج العربي ، عبر ميناء هام في مدينة بوشير ( او "بوشهر" كما تكتب بالفارسية). طبعا أحياء الفقر شبه معزولة، لا يراها الا من يتعرف على المدينة بكل تفاصيلها وكل اتساعها. وصلنا شيراز لبناء مصنع ضخم جدا لحساب عائلة تحمل اسم "سعادات" التي تلفظ "سادات" وهي ضمن 100 عائلة تسيطر على كل مقدرات ايران الاقتصادية والسياسية وترتبط هذه العائلات بعلاقات نسب مع شاه ايران محمد رضى بهلوي ومع بعضها البعض، تشكل كارتيل سياسي اقتصادي عسكري، مدعوم من الغرب وطبعا من اسرائيل التي كانت لها علاقات تجارية وسياسية وعسكرية بالغة الأهمية مع دولة الشاه وهناك موضوع مثير للغاية بدأت افهم خيوطه العريضة في وقت متاخر.. سأتحدث عنه في وقته ضمن النص. حطت بنا طائرة ال – عال في مطار طهران حيث استقبلنا ممثل الشركة صاحبة مشروع مصنع البلاستيك التي يملكها سعادات. حدثنا ممثل الشركة ونحن في الطريق من المطار الى مكاتب الشركة، عن حادث مضحك وقع لسيده سعادات ( ليحفظه الله الشاه ويحفظ سعادات ويعطيهما الصحة وطول العمر، كما تعودنا ان نسمع كلما لفظ اسم احد "عظماء ايران"). بصعوبة ، بكلمات انكليزية متفرقة، فهمنا ان سيده سعادات وصل الى اسرائيل للتوقيع على اتفاق بناء المصنع، الايرانيون يلفظون اسم سعادات بدون حرف العين "سادات"، التوقيت كان عشية محادثات ترتيب زيارة الرئيس المصري السادات الى اسرائيل ، اي عام 1977، احدث وصول سعادت ارتباك كبير، بظن انه الرئيس المصري انور السادات، عوق ركاب الطائرة، بعد وقت ومداولات مع قبطان الطائرة والأمن الاسرائيلي وربما اوساط حكومية أخرى اتضحت الصورة ان الزائر رجل اعمال ايراني اسمه سعادات. جاء ليوقع تعاقد مع شركة اسرائيلية لبناء منشأة صناعية في ايران، اعتقد ان الشركة الاسرائيلية هي "دور خيميكاليم" الموجودة في خليج حيفا، التي خططت للمشروع وراقبت تنفيذه، وفاز بالمناقصة رجل الأعمال يوسف برودني الذي كان مقاولا يقيم منشئات جديدة في مصنع الشركة في حيفا ، وكنت ضمن مديري العمل في شركته. بعد ان استرحنا في مكاتب الشركة، قدمت لنا وجبة طعام ثم نقلنا لمطار داخلي لنستقل طائرة الى مدينة شيراز التي يقام المصنع بالقرب منها. استقبلنا في شيراز يوسف برودني وهو رجل الأعمال الاسرائيلي الذي فاز بالمناقصة في شيراز، يعرف اللغة الايرانية بشكل لا باس به، بسبب عمله سابقا في ايران، نقلنا الى فيلا في حي فيلات راق جدا اسمه "باغرام"عرفنا فيما بعد ان الأسم يعني "جنة عدن"!! طبعا جنة عدن بالمقارنة مع احياء الفقر الرهيبة في شيراز والتي مجرد رؤيتها تجعل الشخص يرتعب من ولوجها. من البداية رأيت بقناعة مطلقة، ان سياسة الشاه التي تميزت بالارتباط مع الغرب، علاقاته الوطيدة مع إسرائيل ،اعتماده على القوى الغربية، الولايات المتحدة ، بريطانيا، المانيا، ايطاليا، فرنسا واسرائيل (من اسرائيل مثلا كانت شركة سوليل بونية تنفذ مشاريع كبيرة، عدا العلاقات العسكرية التي سمعنا عنها ولا نعرف تفاصيلها)، إضافة الى ما لمسناه وسمعناه عن الإسراف ، الفساد والنخبوية في سياسات الشاه وديوانه الملكي، فشله في استقطاب المتعاطفين والأتباع من القيادات الدينية الشيعية لمقارعة الحملة الخمينية ضده.. مما اوصله الى طريق مسدود، رغم انه تنبه الى مأزق امبراطوريته والقى خطابا وعد فيه بالاصلاح الجذري والقضاء على الفساد ولكن الوعود لم تعد تفيد، لا اعتقد انه نفذ شيء منها.. رغم اننا لاحظنا حركة انشاء صناعية ضخمة في ايران تشارك فيها مختلف الدول الغربية المذكورة آنفا. طبعا لم يشغلني الأمر كثيرا، انما مجرد مشاهدات لشخص يملك وجهة نظر سياسية، ويحاول ان يفهم المحيط الذي من المقرر ان يقيم فيه لفترة قد تزيد عن السنتين. وبات واضحا من الشهر الأول ان مشاريع العمل تتوارد على برودني من داخل ايران ايضا، اذ في نهاية السنة الأولى بدأنا بمشروع اقامة مصنع جديد في مدينة اصفهان. بجانب بيتنا توجد حديقة رائعة هي حديقة الشاهبانو ( زوجة الشاه) وفيها قصر جميل، كنا نتردد على الحديقة الرائعة، وبقربها القنصلية الأمريكية ، التي سمحت لنا بكوننا نحمل جوازات سفر اسرائيلية ولسنا ايرانيين، بالدخول والتمتع بالسهرات وشرب البيرة وتناول اطعمة خفيفة باسعار بخسة ، عدا برامج فنية وافلام كانت تقدم لعاملي القنصلية ومن يسمح لهم بالدخول من الأجانب فقط!! لن اتحدث عن العمل المهني فانا لمعرفة القراء فقط ، عملت في مجال الصناعات الثقيلة (المنشئات الحديدية) لعدم توفر فرصة عمل ذهني في ظروف اقصاء الوطنيين والشيوعيين عن الوظائف الرسمية خاصة في سلك التعليم ( كنت ارغب ان اكون معلما مهنيا). رغم اني اكاديمي في تحصيلي العلمي ، درست سنة في قسم هندسة الميكانيكيات في التخنيون – حيفا، قبل دراستي الفلسفة والعلوم السياسية في الاتحاد السوفييتي السابق، الا اني عملت لمعيشتي مدة تقارب ال 35 سنة في الصناعة المعدنية، قبل ان اتقاعد واتجه للعمل في الصحافة. بدأت حدادا ، ثم مديرا لفحص جودة الانتاج، فيما بعد مديرا للعمل وبعد ذلك مدير انتاج منذ عام 1990، في ايران كنت مديرا للعمل. مشاهدات عديدة في ايران ظلت محفورة في ذاكرتي، خاصة ذكرى العاشوراء ومسيرات جلد الذات بالات حادة وسلاسل حديدية، الدم يتدفق من الجروح بعض المحتفلين يسقطون مغشا عليهمن من الجروح ونزيف الدم او الحزن الشديد الذي يتملكهم .. رفعت الة لتصوير لألتقط صورا ... فاذا بايراني يقترب مني محذرا ان لا احاول التصوير، وان انسحب بسرعة حتى لا اتعرض للإعتداء. الأثار التاريخية لأباطرة الفرس جميلة وتشير الى حضارة عريقة، الفرس يفخرون بتاريخهم وآثارهم..طبعا هناك آثار اسلامية، البعض كان يسمي رجال الدين ب "شيوخ العرب"، بتلميح واضح للتمسك بالتراث الفارسي ضد الغزو الاسلامي.. لكنهم اقلية كما أظن، اذ لم يكن من السهل ان يجاهر الانسان برايه السياسي او الديني. التعصب الديني للشيعة يبدو شديدا ، والعالم بالنسبة للشعب الايراني البسيط، مقسوم بين شيعة وسنة لا غير. السؤال الأول من العمال الذين قبلناهم للعمل كان عن كوننا سنة أو شيعة؟ بالنسبة لهم لا يوجد في عالمنا شيء آخر. أعلنت اني شيعي، كان يعمل لدينا سائق رافعة اسمه حسين حزدوز في عيد الميلاد سمعت انه توجد طائفة مسيحية في بلدة قريبة من شيراز ( ربما اسم البلدة بور- زرقان)،من منطلق حب المعرفة، وليس من دافع ديني سافرت لمشاهدة احتفالهم. بعد عودتي واجهني حسين حزدوز بتهمة "انت نصراني" واني كذبت عليهم بقولي اني شيعي. النفي هنا لا يساعد، قلت له انا نصراني شيعي. لم يفهم هذا الدمج. سألته: من النبي الذي كان في البداية؟ قال حسب تفكيره البسيط: النبي محمد. سالت: وفيما بعد؟ قال: عيسى. قلت له:اسلمنا مع محمد وتبعنا علي بن ابي طالب وانتمينا فيما بعد الى عيسى ، لذلك انا "مسلم شيعي نصراني". استصعب الفهم وانتهى النقاش.. لكنه ظل متشككا لأنه لم يسمع سابقا ب "نصراني شيعي"!! من المضحك المبكي موضوع التحريم والتحليل في ايران، مثلا يوجد مصنعان للكولا ، الأول مصنع كوكا كولا، والثاني مصنع بيبسي كولا. هل من فرق بينهما؟ بالنسبة لي لا فرق. للكثير من الايرانيين الموضوع أشبه بالفرق بين الايمان والالحاد. هناك فتوى تقول: "كوكاكولا مكروه، بيبسي كولا حرام" لم افهم السبب الا بعد فترة طويلة من عامل يتمتع بمستوى عقلاني ومعرفة لغات اجنبية، وهو امر نادر في الوسط الذي عملنا معه في ايران، شرح موضوع الكولا وهو يضحك، بأن الكوكا كولا يملك المصنع ايراني شيعي، اما البيبسي كولا، فصاحب المصنع بهائي!! الفجوة الاجتماعية الاقتصادية في ايران مذهلة وغير معقولة. قسم من المجتمع يعيش في احياء ومنازل لا تخجل اي دولة اوروبية، الأكثرية في احياء أشبه بمخيمات اللاجئين. انتبهت الى وجود احياء معزولة، شبه قرية داخل مدينة، مخصصة لضباط الجيش ورجال الأمن المميزين في ايران والدخول اليها مغلق الا لمن يملك تصريحا خاصا. ايضا المطاعم تتفاوت في مستواها ، لا اتحدث عن نوع المأكولات، بل عن النظافة ونوع الزبائن. هذا لا يحتاج الى خبير وتحقيق، واضح للعيان. هناك مطاعم تحت أي مستوى انساني معقول وهناك مطاعم لا تخجل مطاعم باريس . يوجد في الوسط مطاعم اخرى، لكنها ليست لأبناء الشعب الفقراء، وما اكثرهم في امبراطورية نفطية مثل ايران، الذين يعيشون بمستوى فقر لم اشاهد أسوأ منه. . ويعتمد اكلهم على الخبز ونباتات مختلفة او "التشيلو" ( اي الأرز). هناك مدارس خمسة نجوم لأولاد الأغنياء ورجال الجيش والأمن وكبار الموظفين واصحاب الدخل المرتفع ، الى جانب مدارس مهينة بابنيتها وقذارتها بل وشاهدت طلابا يتعلمون تحت الشجر في بعض المناطق البعيدة عن المدن. حسب صاحبنا العامل الايراني المتنور، مدارس الفقراء تخرج شبه اميين في العلوم والحساب واللغات ، مدارس اولاد الأغنياء مستواها اوروبي. ما لاحظته أيضا نسبة الأمية المرتفعة، وصعوبة ايجاد ايراني يتحدث لغة اجنبية، أجاب مهندس في الشركة على سؤال لنا لماذا لا يكتبون الفارسية بأحرف لاتينية لأن الفارسية كما لا حظت من نطقها اسهل ان تكتب بالحرف اللاتيني؟ قال ضاحكا: في ايران نسبة امية مرتفعة جدا، اذا استعملنا الحرف اللاتيني سيصبح في ايران 90% أميين!! تفاجأنا ان التاكسي يحمل ركابا بدون تحديد عدد الركاب. السائق مستعد ان يحشر ست أشخاص او سبع أشخاص اذا امكن في المقعد الخلفي المعد لثلاث ركاب، بجانبه اثنان على المقعد ولا باس ان يجلس الثالث بجانبه أيضا من جهة اليسار ( جهة السائق) .. ويمكن ايضا أن يجلس اثنان بصندوق التاكسي الخلفي المفتوح. الشرطة لا تتدخل ولا يهمها الأمر والمخالفة تحل ببعض الريالات (العملة هي الريال وكل عشرة ريالات تسمى "تومان" وكانت قيمتها بالمقارنة مع الدولار لا تتجاوز 15% ). واذا ارتكبت مخالفة وانت أجنبي ("خارجية" بالايراني) فانت معفي من المخالفة، واذا كان معك بالسيارة ايراني ( "ايرانية")، فهو المذنب، حتى لو كان يجهل قوانين السير ولا يملك رخصة قيادة سيارة. شيراز مدينة سياحية مليئة بالحداق الجميلة، شوارع عريضة ، وفيها شارع تجاري هام اسمة "زند الكبير" تجد فيه محلات الملابس الفاخرة، محلات الذهب والجواهر الثمينة، مطاعم من الدرجة الأولى، سوبرماركتات ضخمة وفيها من كل لذ وطاب من الماكولات المستوردة والمشروبات الروحية التي لا تجدها في مناطق اخرى لأنها للكفار فقط... بما في ذلك لحم الخنزير المستورد من الولايات المتحدة، كما تبين لنا. المستهجن اني وجدت سوبرماكت ضخم، مليئ ايضا بالمشروبات الروحية من كل ما يشتهيه القلب. لا حظت ان بوابة السوبرماركت، تحمل نجمة داوود اليهودية، وعلى حائط فوق صندوق الحساب علقت لافته بالعبرية، "ادوناي شومر يسرائيل" (أي الهي حامي اسرائيل) قصدت الحديث مع صاحب السوبرماركت بالعبرية، فاجابني بلغة عبرية لا باس بها، تبين انه يهودي متدين ايضا. لكن كيف تكون يهوديا متدينا وتبيع الخنزير ومعلبات ولحوم ليست "طاهرة" ("كشير" حسب الدين اليهودي)؟ ضحك وقال انه يبيع للأجانب والأمر ليس لاستعماله او لاستعمال اليهود. اوضح لنا ان من يقطع لحم الخنزير، يوزنه، يغلفه ويسلمه للزبون هو عامل ايراني. قلت: لكنك تقبض الثمن، ما الفرق؟ جوابه كان ان متطلبات الحياة والربح واعاشة العائلة ، لا تتيسر بدون ذلك لأن اكثرية الزبائن أجانب والايرانيون الفقراء لا يقصدون هذه المحلات وهو ليس المسؤول عن عقائد الناس وأطعمتها المفضلة. اعجبني جوابه.. والأهم ان محله لا يفرغ من الأجانب ، لدرجة اننا ننتظر بالدور ربع ساعة على الأقل احيانا لنستطيع دفع الحساب . المضحك ان بعض العمال الايرانيين طلبوا ان نشتري لهم الجعة لأنها لا تباع في احيائهم ويخافون من دخول المحلات التي تبيع الخمر لأنها محرمة شرعا عليهم فلبينا طلباتهم.. وبذلك نحمل وزر خطيئتهم يوم الحساب!! فيما بعد لاحظت ان معظم محلات شارع "زند الكبير" أصحابها من اليهود ونجمة داوود تزين مداخل محلاتهم. لم اشاهد ان الموضوع يغضب ابناء ايران المسلمين. هل هو خوف من نظام القمع والاستبداد؟ لا اعرف.. رغم ان اليهود يتظاهرون بدينهم علنا، بينما البهائيين وطوائف اخرى يخفون انتمائهم الديني.. ونحن أيضا لم نعترف بان فرقتنا من السنة والمسيحيين.. اتذكر جيدا اننا حذرنا قبل سفرنا الى ايران من هذه الاشكاليات وفي مكتب الشركة في طهران ايضا حذرنا مدير الشركة من كشف انتماءنا الديني. اذن هل كانت ايران على فوهة انفجار بركاني ديني اجتماعي اقتصادي؟؟ الملاحظة التي اود تسجيلها ان صورة الشاه تكاد تكون على كل حائط او صورة العائلة المالكة، او صور عديدة، حب غير عادي يجري التعبير عنه بالصور المنتشرة في كل قرنة وشارع وحائط، فيما بعد لاحظت ان مساكين ايران يحملون ايضا صورة الشاه داخل بطاقاتهم الشخصية... حب عاصف غير عادي للشاه والشهبانو والعائلة المالكة. استنتجت تلقائيا ان الشاه يعيش على حساب زمن انتهى، وان نهايته مسالة وقت غير طويل. كومة قش بانتظار عود كبريت واحد. هذا ما قلته لمهندس الشركة وشريك في شركة يوسف برودني التي ننفذ العمل لحسابها، اسمه بيني براف وهو اليوم مقاول كبير مستقل في منطقة حيفا. عارضني بان الشاه بنى نظاما امنيا قويا، وانه عبر تجربة سياسية ليست سهلة، اذ في اواسط الستينات (1953) انتخبت حكومة وطنية برئاسة محمد مصدق. الذي شكل خطرا على استمرار نظام الشاه وبدأ حملة تأميم للنفط .. نظمت مؤامرة ضد مصدق وحكومته باشتراك الولايات المتحدة، نفذوا عام 1953 انقلابا على حكومة محمد مصدق وبعدها فرض الشاه سلطته المطلقة على ايران . قال بيني براف ان الشاه والغرب تعلموا درسا هاما منذ عام 1953 ، لن يسمحوا لأي قوة ان تطيح بحكم الشاه، اضاف: بدا الشاه ببناء ايران صناعية متطورة، بنى جيشا ضخما مسلحا بافضل ترسانة اسلحة ، مما يجعل ايران دولة عظمي عسكريا واقتصاديا بما تملكه من نفط وقريبا من صناعات متطورة وان ايران بدات تبني مفاعلها النووي الأول في مدينة بشير بدعم المانيا الغربية. قلت ان النقاش معقد، لي رؤيتي المبنية على معرفتي السياسة العامة وعلى مشاهداتي واحساسي مما يعانيه الشعب الايراني، ان ايران اليوم تفتقد لالاف الايرانيين المثقفين والعلماء الذي يهاجرون او يهربون من نظام دولتهم الاستبدادي. ما لاحظته هو الخوف والرعب وليس الحب. الشاه كان يبطش بقسوة بكل معارض. السجون ملأى، المحاكمات صورية.. هناك تسجيلات تباع بالتهريب لخطب رجال دين من الخارج يدعون للثورة ( لم اكن قد سمعت باسم الخميني) ، انما عن المعارضة الدينية المتحالفة مع الليبراليين واليساريين والوطنيين الايرانيين، كذلك اعرف ان حزب تودة الشيوعي هو حزب محظور ويعمل بالسر للإطاحة بنظام الشاه واثناء دراستي في موسكو( 1968 – 1970) التقينا مع قيادات من الحزب الشيوعي الايراني (تودة) الذين حدثونا عن التحضير لانتفاضة بمشاركة اوساط واسعة من المجتمع الايراني بما فيهم رجال الدين. تحليلي أضحكه وقال تعال نتراهن على 200 دولار ان الشاه سيصمد على الأقل حتى ننهي مشروعنا.. ترددت.. ولكني قبلت الرهان . بعد سنة واشهر قليلة، اشتعلت الثورة، عدت للبلاد، بطريقة سأرويها في اطار هذا النص لما تحمله من غرابة ومغامرة اذ كانت المظاهرات قد سيطرت على الشوارع بدون توقف ليلا ونهارا واحاق الخطر بكل الأجانب.. اشتغلت سنة كاملة او اكثر قليلا في ايران ، بعدها قررت ان افتح مكتبة خاصة في الناصرة وان انهي عملي في مهنة الحدادة. العودة الى ايران افتتحت المكتبة مع شريك، في عام 1979 وصل للمكتبة يوسف برودني وهو صاحب العمل الذي اشتغلت معه في ايران، طلب مني ان اعود لايران لتنفيذ مشروع بناء صهاريج انتجت تحت اشرافي حين كنت في شيراز، ارسلت الى مدينة بوشير لجمعها، كما علمت ان الصهاريج هي للمياه المقطرة القادمة من اسرائيل لمصنع البلاستيك. قال لي ان العمال ومديرهم لا يتقدمون بالعمل وتواجههم مشاكل في التركيب. .. وانه مستعد ان يدفع لي الأجرة التي اراها مناسبة، وان العمل يتطلب مني شهرا واحدا لا غير. بعد ذلك يواصل العمال الأعمال السهلة المتبقية لانجاز المشروع. بعد المشاروة مع شريكي قررت ان البي دعوة برودني. وصلت طهران، اخذت طائرة الى مدينة بوشير وهي مدينة ساحلية تقع على الخليج العربي ( او الفارسي كما يصر الايرانيون) ويمكن من شاطئ بوشير ان نرى سواحل الكويت. بقرب الموقع الذي اقيمت فيه الصهاريج انشأنا نقطة استقبال بعمق البحر لاستقبال السفن وتفريغ حمولتها في الصهاريج. ما لم افهمه ان شيراز حيث بني المصنع تبعد 5 ساعات سفر على الأقل عن شيراز ،قسم كبير من الطريق ترابي وجبلي ، كم سيارة شحن يحتاجون لنقل المياه المقطرة لشيراز؟ ما المشكلة في بناء محطة تقطير للمياه قرب المصنع في شيراز؟ لم افكر كثيرا في الموضوع، نفذت العمل المطلوب، كانت مظاهرات الاحتجاج الشعبية في ايران قد هبت، لم تكن بالقوة التي وصلتها حين كنت في بوشير، كنت اتابع الأخبار وارى ان المظاهرات لا تتوقف ، بل تتسع، تماما كما جرى في ميدان التحرير في القاهرة قبل الاطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك. تلقيت اتصالا من الشركة ان انهي عملي واعود فورا للبلاد وان وزارة الخارجية الاسرائيلية حذرت الاسرائيليين في ايران بضرورة مغادرة ايران فورا. تذكروا هذه الملاحظة: قبل الحديث عن مغامرة مغادرة ايران اود ان اشير الى انه بجانب الصهاريج العملاقة التي انجزناها بنسبة 80% في بوشير وعلى مسافة اقل من كيلومترين كان الألمان يبنون الفرن الذري الايراني الأول "مفاعل بوشير النووي"، وساعود للموضوع!! اخذت اغراضي القليلة من المنزل ، اتجهت لأحجز مكانا في الطائرة الى طهران، قالوا لي ان المطار مغلق حتى اشعار آخر. هنا بدا القلق يساورني. السفر بالسيارة ليس سهلا.. سافرت مرتين خلال عملي من شيراز الى بوشير ( مسافة 185 كيلومتر لكل اتجاه) لتعبئة بالونات الأكسجين لانه لا يوجد مصنع في شيراز، يوجد مصنع في اصفهان التي تبعد ايضا 350 كيلومتر عن شيراز. كان املي ان اصل شيراز وآخذ طائرة من هناك الى طهران. خوفا من ان اواجه نقصا بالوقود في الطريق، أخذت معي ثلاثة تنكات سعة 25 لتر كل تنكة، عباتها بالبنزين وانطلقت، كنت امر على محطات الوقود لملء خزان السيارة،وهذا ساعدني كثيرا، لأن الوقود كان شبه معدوم في الطريق من شيراز الى اصفهان. في شيراز ايضا كان الطيران الداخلي معطلا. واصلت الى اصفهان التي لم اكن فيها سابقا معتمدا على اشارات الطرق، في الخروج من شيراز شاهدت رجلا ايرانيا انيقا ينتظر واسطة نقل. سالته عن الطريق الأفضل الى أصفهان، سألته بسبب رغبتي ان يرافقني شخص من أهل البلاد. لحسن حظي سالني اذا كان باماكني ان اقله الى أصفهان وسيدفع لي ما اريد. قلت له ان يصعد لأن رفقته معي هي أفضل أجرة. تبين انه موظف حكومي من اصفهان، علق في شيراز بدون مواصلات ، المظاهرات شلت حركة المواصلات تماما الا من معه سيارة خاصة. تفاهمنا بالانكليزية والفارسية والاشارات... تبين ان اشارات الطريق لا تكفي ولا تساعد، ولولاه لضللت الطريق. وصلنا اصفهان التي يمكن ان نقول انها وقود الثورة ضد الشاه، لم يتخلى عني ودعاني للطعام في منزله، كنت جائعا حقا اذ لم نجد مطعما مفتوحا في الطريق. رغم اني كنت قد استحضرت على فستق حلبي ولوز وجوز وبعض الموز وزجاجات مياه. بعد ان تناولت الطعام سالته ان يرسم لي كيفية وصولي الى طهران، لأن المطار في اصفهان معطل ايضا كما قال قريب له. قال شيئا لم افهمه ، تحدثا طويلا بشبه همس مع بعضهما، ثم قال لي ان قريبه سيرافقني الى طهران. شعرت براحة كبيرة وشكرته، قال ان لقريبه اقارب او عائلة تخصه في طهران وانه يريد الاطمئنان عليهم وسيقيم عندهم حتى تهدا الأحوال. قلت له اني سأعطيه السيارة عندما اصل المطار. شعرت انه سر جدا. بكل الأحول لن استطيع ان احمل السيارة معي الى اسرائيل. المسافة لطهران من اصفهان هي 340 كيلومتر. المشكلة التي واجهناها قلة الوقود ، لحسن الحظ وجدنا محطة وقود تبيع بسعر مرتفع استغلالا للفوضى ولنقص الوقود في دولة النفط العظيمة، الأمر لم يعني لي شيئا، كنت مستعدا ان ادفع عشرة اضعاف السعر. المال للشركة ومعي مبلغ كبير حصلت عليه للصرف من الشركة صاحبة الورشة لدفع اجدور العمال والمصاريف المختلفة، حافظت على الأموال معي وكنت قد حولت معظم المبلغ الى الدولار الأمريكي عندما غادرت بوشير، متوقعا ان اواجه مصاعب لا حل لها الا بالمال. وصلت طهران ، كانت طرقا كثيرة مغلقة بسبب المظاهرات، الشاب الذي معي ساعدني بشكل كبير داخل طهران الغارقة بالفوضى ..اوصلني للمطار الذي كان شبه خال، اخافني الوضع ، لم اكن املك اي بديل آخر الا الانتظار. اعطيته مفاتيح السيارة وكاد يقبل يدي لهذه الهدية الثمينة ، بشكل عام قطعت مسافة تقارب ال 900 كيلومتر،عدا التجول في الطرق داخل شيراز واصفهان وخاصة طهران التي استغرقني أكثر من ساعة ونصف للوصول الى مطارها الدولي بسبب الشوارع المغلقة بالمظاهرات. فهمت ان الشاه غادر ايران.. ولم اكن متأكدا من الخبر لأني لم افهم جيدا اللغة الفارسية. المطار مخيف بسبب الفراغ الكبير .. عدد قليل من المسافرين، حاولت ان احصل على تذكرة الى اي اتجاه ممكن، كنت اريد مغادرة ايران، لم يكن الأمر ميسرا. القلق بدا يساورني بل وشيء من الخوف..مضت الساعات متوترة وانا انتظر امكانية الحصول على تذكرة لأخرج من ايران لأي دولة كانت. اعتقد اني قصيت أكثر من 30 ساعة من التوتر والقلق والابتعاد عن العمال الايرانيين في المطار.. فجأة وجدته امامي شاب قوي البنية، في الثلاثين من عمره أو أكثر قليلا .. سالني بالعبرية: اين حقيبتك؟ شعرت بالتثلج يسري في جسمي. هل هو الرعب... او المفاجأة غير المتوقعة ان أسمع العبرية في مطار شبه معطل؟ تلعثمت، ربما خوفا ، او عدم تصديق، "اسرع ورائي" أمرني عندنا رأى تلعثمي. حملت حقيبتي وسرت مسرعا وراءه، في الخارج كانت حافلة ملأى بيهود اسرائيليين وربما يهود ايرانيين أيضا، صعدت للحافلة وانا شبه غائب عن فهم ما يجري حولي. تحركت الحافلة ودخلت الى مدرج المطار من بوابة جانبية، ما اقصه الآن اشبه بحلم غريب، أحيانا انا لا اصدق نفسي. وقفت الحافة امام طائرة "اير فرانس"، صدر امر من شخص آخر : اصعدوا للطائرة. بحثت عن تذاكري، دفعني شخص بكتفي وقال : لا ضرورة، اصعد للطائرة. لأول مرة اصعد لطائرة بدون تفتيش. دخلنا مع حقائبنا، بعد ربع ساعة كانت الطائرة تحلق في سماء طهران.. بالطريق الى مطار اللد. ما اشغلني كيف عرفني ذلك الشاب ، ومن اين له اني أحمل الجنسية الاسرائيلية؟ قبل أشهر قليلة قرأت تقريرا نشرته صحيفة "يسرائيل هيوم" عن كيفية اخراج الاسرائيليين من ايران مع يهود ايرانيين ، بعد خروج الشاه وعودة الخميني الى ايران ، كيف جرى تجميعهم في منازل معينة، ثم نقلهم للمطار ، اعترف اني وجدت نفسي في ذلك التقرير. المفاعل النووي، وصهاريج المياه المقطرة عندما نشات قضية تخصيب ايران لليورانيوم، او القنبلة النووية الايرانية، عدت بذاكرتي الى بوشير والصهاريج الكبيرة التي بنيناها. هل هي حقا لمصنع البلاستيك في شيراز؟ لماذا بنيت بلصق المفاعل النووي الذي كان يبنيه الألمان ، ثم واصل الروس بنائه بعد ان اوقف العمل به بعد الثورة الخمينية لمدة تزيد عن 20 سنة؟ ما هي ضرورة المياه المقطرة؟ ولماذا بلصق المفاعل النووي؟ يستخدم الماء المقطر في عدة مجالات علمية، هندسية، مخبرية، وصناعية. للماء المقطر استخدامات كثيرة ، يستخدم في الآلات والمشغلات الصناعية وذلك لعدم احتوائه على الشوائب مثل المعادن والأملاح ، إذ تسبب الأملاح ترسبات في الأدوات والأجهزة مما يؤدي إلى تلفها. هل لهذا علاقة باليورانيوم او المفعالات النووية؟ في خبر عن كوريا الشمالية قرأت ما يلي: يتوقع البعض أن تكون كوريا الشمالية قد طورت من قبل تكنولوجيا عالية لبناء مفاعل يعمل بالماء الخفيف ( الماء الخفيف هو الماء المقطر) وحاولت انتاج مواد نووية من خلال تخصيب اليورانيوم . السؤال الذي لا اجد اجابة عليه، هل شاركت اسرائيل بالبرنامج النووي لشاه ايران؟ اذن هل الصهاريج في بوشير للمياه المقطرة القادمة من اسرائيل هي لمصنع شيراز، وهل لها علاقة بالمفاعل النووي في بوشير؟ وهل يستعمل الماء المقطر لتبريد اليورانيوم؟ اترك الاجابات للخبراء. nabiloudeh@gmail.com

02.12.2013

لا ربيع عربي بدون عصر نهضة عربي

لا ربيع عربي بدون عصر نهضة عربي

مجتمعاتنا العربية تفتقد لأول شروط الحداثة : تحرير ارادة الانسان العربي أولا، نشر الديمقراطية وحق التعددية الثقافية ، الدينية والسياسية . ما يقلق ان الربيع العربي يُخطف من قوى ترفض التنوير وترفض كل المفاهيم الديمقراطية والتعددية الفكرية والثقافية.

مجتمعاتنا العربية تفتقد لأول شروط الحداثة : تحرير ارادة الانسان العربي أولا، نشر الديمقراطية وحق التعددية الثقافية ، الدينية والسياسية . ما يقلق ان الربيع العربي يُخطف من قوى ترفض التنوير وترفض كل المفاهيم الديمقراطية والتعددية الفكرية والثقافية.

07.11.2013

يوميات نصراوي: نجمة داوود لحماية قفا الولد

يوميات نصراوي: نجمة داوود لحماية قفا الولد

عرفته منذ كنت شبلا في منظمة الأشبال الشيوعية في الناصرة ، كان يميل الى الضخامة وشديد السمرة. خصص له مسؤولي الحركة زاوية خاصة في النادي ، أقام فيها مقصفا بسيطا للمشروبات الخفيفة الباردة والساخنة، الى جانب بعض الساندويشات السريعة التحضير. . وكنا نسمي زاويته "المطبخ"!! لنتفق ان اسمه كان "ابو سكر" انا غير معني بكشف اسمه الحقيقي لأسباب عديدة أهمها انه كشخص هو غير مهم اليوم ولم يكن مهما اثناء حياته، حكايته اضحت من سجلات تُذكر بسخرية ضمن حلقات صغيرة عاشت تلك الأيام العاصفة. فجأة اختفى ابو سكر من زاويته في النادي ، "المطبخ" كما كنا نسميها. حل مكانة عضو شاب من الحركة. للوهلة الأولى لم يعن لي الأمر شيئا. ردا على ما سمعناه من الأعضاء الكبار حول ذم "ابو سكر" وغضب أعضاء النادي منه، استفسرنا من مرشدتنا عما حدث. أخبرتنا عابسة : انه عميل للمخابرات. لم نكن بجيل قادر على فهم معنى "عميل للمخابرات". زادتنا المرشدة شرحا بقولها: يعني جاسوس!! هذه الإضافة صعبت علينا الفهم أكثر. شعرنا اننا امام طلاسم لن نفهمها ونحن بالكاد تجاوزنا العقد الأول من عمرنا. عميل مخابرات؟ جاسوس ؟ كلمات جديدة تخترق عالمنا لا تعني لنا شيئا. تواصلت تساؤلاتنا برغبة تصر على الفهم. اضافت المرشدة تفسيرات أخرى، قالت : كان "ابو سكر" ينقل للسلطة وشرطتها اسماء اعضاء الحركة وما يقولون في اجتماعاتهم، وبسببه اعتقلت الشرطة عددا من رفاقنا وسجنوا. المسألة بدت أكثر وضوحا. فهمنا انه فساد للشرطة. اضافت المرشدة: انه عدو للشعب الذي نحن من ابنائه وحركتنا تتولى الدفاع عن مطالبه وحقوقه وهو خان حركتنا. ربما لم نستوعب وقتها المعاني الكاملة، ولكن الحدث كان نافذتنا التي اطللنا منها على واقعنا الاجتماعي والسياسي . بدأنا نفهم اننا ننتمي الى تنظيم لا تحبه الشرطة وتلاحق اعضائه. نحن ايضا اعضاء في هذا التنظيم ولا نشعر بأن الشرطة تلاحقنا؟ قالت المرشدة اننا أصغر من الجيل الذي يجعل الشرطة تلاحقنا وتعتقلنا وتسجننا، عندما نصبح شبابا سيكون الامتحان الصعب لنا، من يصمد يواصل نضاله من أجل الشعب ومن يسقط يصبح جاسوسا للشرطة مثل "ابو سكر". بالطبع لا نريد ان نكون نموذجا مماثلا ل "أبو سكر". هكذا بدأت طريقي في السياسة.. وكانت بداية تشكل وعيي ومفاهيمي الأولية السياسية والاجتماعية. مضت الأيام ، صرت قائدا في الشبيبة الشيوعية، ثم اوفدت للدراسة في معهد العلوم الاجتماعية في موسكو ( الاتحاد السوفييتي) المشهور باسم "المعهد الشيوعي الدولي". عدت للعمل السياسي والصحفي والتثقيفي. صار "ابو سكر" من الماضي المنسي. . ولكن حدث ما اعاد "ابو سكر" لذاكرتي ، وأيقظ ذكريات بداية تفتح وعيي ومفاهيمي السياسية. ضمن نشاطي الصحفي كعضو هيئة تحرير مجلة "الغد" للشبيبة الشيوعية، كلفت بمهمة اجراء تحقيق حول معلومات عن مضايقات وتجاوزات جنسية لطالبات قام بها مدير احدى المدارس.. دخلت المدرسة واذا امامي يقف شخصا يسد طريقي بجسمه الضخم. وجهه كان مألوفا لي، لم استصعب معرفته فورا، "ابو سكر" نفسه الذي لم اصادفه منذ عقد ونصف العقد السنين ..كان اكثر سمنة، اكثر شراسة في نظراته مما عرفته من ايام عضويتي في حركة الأشبال.. هل يشعر ان له ظهرا قويا الآن؟ لم افهم ما هو دوره في المدرسة؟ لماذا يسد علي الطريق لغرف الادارة؟ توقعت ان يكون حارسا، ثم تبين لي انه صاحب "كيوسك" وينفذ "مهمات خاصة". صرخ بوجهي بدون مقدمات: ممنوع الدخول !! قلت له اول جملة خطرت في ذهني: "ابو سكر" نفسه؟ صرخ : أخرج!! سألته: باي صفة تكلمني؟ وأضفت: اذكرك من نادي الشبيبة الشيوعية، هل تريد ان أشرح للطلاب ما اعرفه عن سبب طردك من الحزب الشيوعي؟! كان معي عدد من رفاقي، تجمع حولنا أيضا عدد من رفاقنا الطلاب. أسمعوا "ابو سكر" كلمات لا تفسر على وجهين. يبدو انه فهم ان "الغلبة" الى جانبي، انسحب وهو يهدد باستدعاء الشرطة. المدير رفض ان يقابلني كما هو متوقع وطلب مني ان اغادر المدرسة فورا والا قدم شكوى للشرطة. لم يكن أي تبرير لبقائي. خرجت. مساء وصلني اتصال من معلم طلب عدم كشف اسمه، التقيته في منزل قريب لي وصديق شخصي له وهو الذي اعطاه رقم تلفوني. سرد في لقائي معه تفاصيل مذهلة عن تصرفات لا تليق بشخص يعمل في التربية وكان يحمل العديد من الاعترافات المسجلة، أو "الشهادات الشخصية" لطالبات حول تصرفات المدير معهن. لو حدث هذا اليوم لزج به في السجن لسنوات طويلة. فيما بعد نشرت التحقيق بدون اسماء وبأسلوب السرد القصصي حتى لا اعرض الطالبات لأي ضرر، الى جانب معلومات اخرى ليست أقل شأنا عن معلم نقد الماركسية ب 35 بندا في دوسية (ملف) مدنيات اعدها لتعليم الطلاب ،اظهر فيها غبائه الشديد اذ فسر الديالكتيك بالميتافيزياء بخربشة قلم.. وكل ما نقضه من الماركسية لا علاقة له بالماركسية. كانت كوميديا تليق بمسرح التهريج وليس التعليم. المدير "عُزل" فيما بعد بترفيعه الى منصب اعلى!! المعلم، ناقد الفكر الماركسي، صار نائبا للمدير رغم انه كان معلما مؤقتا وفاشلا، ثبت ورفع. الطلاب قاطعوا "ابو سكر" بعد ان وصلتهم افعاله وعمالته للمخابرات، فأغلق الكيوسك بعد فترة لم تطل واختفى من الصورة مرة أخرى!! المعلم ناقد الماركسية تلقى اجوبة قاطعة من طلابه بعد ان شاركوا بسلسلة محاضرات توضيحية عن ماركسية ماركس و"ماركسية" المعلم. **** بعد أكثر من ثلاثة عقود من لقائي الثاني والأخير مع "ابو سكر" سمعت عنه قصة لم استطع الا ان اسجلها.. التقيت مع صديق من ايام الدراسة الابتدائية وايام نشاطنا في الشبيبة الشيوعية، تجددت علاقتنا قبل فترة وجيزة، اي بعد تباعد استمر أكثر من أربعة عقود. ذكرنا بالصدفة في احاديثنا المتبادلة ذكرياتنا عن "أبو سكر" اياه ، حدثت صديقي عن لقائي الثاني مع "ابو سكر" اثناء عملي في مجلة "الغد" الشبابية الشيوعية قبل اربعين عاما. قال صديقي بحماسة لم اتوقعها: سأحدثك حكاية عن "ابو سكر" لا يعرفها الان من الأحياء غيري.. اذ كنت اعمل في مكتب محام في الناصرة وبالصدفة حضرت محاكمة لا تنسى. أنصت له: كانت تجري في فترة الحكم العسكري احتفالات تفرض على سكان الناصرة خاصة وعرب اسرائيل عامة، ان يظهروا فرحهم بعيد استقلال اسرائيل والويل للموظف او المعلم الذي يقاطع الاحتفال. كان "ابو سكر" قد طرد من الحزب الشيوعي بعد فضح عمالته للمخابرات. قبل الاحتفالات بعيد الاستقلال، كانت تعلق أعلام الدولة في المدارس والمكاتب الرسمية والشوارع وكأن المواطنين العرب يتحرقون شوقا للاحتفال باستقلال يشكل ذكرى ليوم نكبتهم القومية. ما كان يحدث ان بعض الاعلام تختفي تسرق او تلوث او تمزق ، على اثر ذلك تنشط الشرطة بحملة اعتقالات تطول اساسا الشيوعيين، رغم انهم ابعد الناس عن مثل هذه التصرفات، لكنهم أعضاء الحزب الوحيد الذي يقف ضد السلطة وممارساتها ، أعضائه هم الأسهل للاعتقال والاتهام بما تراه الشرطة مقبولا عليها، كان هذا جزءا من سياسة قمع القوة السياسية التي تتجرا على نقد السلطة والتحريض عليها والتصدي لمشاريعها.. ما هي علاقة "ابو سكر" بهذه الأحداث؟ بعد طرده وبهدلته بين الناس، صار اسمه أشبه بالشتيمة، الكثيرون قاطعوه، بات منبوذا ومعزولا. كانت سرقة الأعلام بكثرة غريبة. دائما يعتقل رفاق الحزب... ليومين ثلاثة ايام، حين لا تجد الشرطة اثباتا عمليا يربطهم بسرقة الأعلام او تلويثها يطلق سراحهم. كان اقتراب عيد الاستقلال يعني اقتراب اعتقال رفاق الحزب بسبب سرقة الأعلام الذي صار روتينا معروفا ، أجزم ان الشرطة متأكدة ان من تعتقلهم لا علاقة لهم بالسرقة، لكنها اوامر الحكم العسكري التعسفية، فهو جهاز السلطة الذي فرضته دولة اسرائيل ، بعد نكبة 1948، ليتحكم بحياة العرب في اسرائيل ( الغي عام 1965)!! حدثت مفاجأة كشفت من كان يسرق الأعلام ولكن بعد فترة طويلة ، بعد ان صار الحكم العسكري من ذكريات الماضي ..وبعد ان تكاثرت الأحزاب العربية مثل فطريات الصيف .. وانتهى عصر القمع البوليسي والارهاب السلطوي بشكله المباشر القديم. انكشفت تفاصيل قصص سرقة الأعلام في رحلة مدرسية الى طبريا، شارك فيها احد اولاد "ابو سكر". على شاطئ البحيرة، نزع الأولاد ملابسهم لينزلوا البحيرة بكلاسين السباحة وكان ابن "ابو سكر" بينهم والشاطئ مليء بمصطافين يهود وكل بحاله. نزل ابن "ابو سكر" الى البحيرة بكلسون سباحة مفصل من علم للدولة ونجمة داوود الزرقاء ، التي تتوسط العلم عادة، برزت كاملة امام عضوه التناسلي. في البداية ضحك الأولاد والمعلمون... المسكين لم يفهم ما يدعوهم للضحك . فهو ينزل البحيرة بكلسون سباحة أبيض ازرق. شيئا فشيئا انتبه بعض اليهود على الشاطئ الى الكلسون الغريب والنجمة الزرقاء التي تتوسط العضو التناسلي للولد العربي. شاع الخبر بين اليهود على الشاطئ وتجمعوا باحتجاج وغضب معتبرين الأمر اهانة لعلم الدولة. شعر المعلمون بالخوف وامروا الولد بالخروج وقلع كلسون السباحة فورا. لكن الوضع تأزم مع حضور سيارة شرطة. وقف الولد المسكين عاجزا عن الفهم والتفسير، اخذت الشرطة اسمه واسم ابيه واسماء المعلمين وامرتهم بمغادرة الشاطئ فورا، خوفا من رد فعل بعض المتطرفين اليهود، طبعا صودر كلسون السباحة كدليل على الجريمة. اعتقلت الشرطة في نفس الليلة "ابو سكر" وحققت معه . اعترف ان لديه كمية اعلام ، لم يجد رواية للتغطية على وجود الكثير من اعلام الدولة في بيته ولماذا ابنه يرتدي كلسون سباحة ونجمة الدولة امام عضوه التناسلي مهينا بذلك مشاعر المواطنين اليهود وشعار الدولة؟! بعد ضغط الشرطة وتهديدها، اضطر ابو سكر للاعتراف انه "خبأ" بعض الأعلام ليعاقب الشيوعيين الذين فضحوه، وانه هو ابن الحكومة لم يقصد سرقة الأعلام بل يعتبره علم دولته الحبيبة ،أقسم أغلظ الايمان ان قصده كان ان تعاقب الشرطة اعداء الدولة. اعترف ايضا ان وضعه الاقتصادي الصعب اضطر ام الأولاد، بأمر منه وليس بقصد منها، ان تفصل لهم ملابس داخلية من الأعلام ، ان تعد بعض أغطية المخدات وشراشف للأسرة ، لأنه يرى بذلك شرفا له وليس اهانة لعلم دولته!! وتسائل : ما قيمة العلم ان يظل مطويا في الخزائن بلا استعمال؟ سرقة الأعلام أصبحت من الماضي الذي لا مجال لمحاسبته عليه اليوم بسبب قدم الحادث، لكن اهانة علم الدولة بتفصيل كلسون سباحة ونجمة الدولة امام العضو التناسلي لولد عربي ، هذا غير محمول حتى لو كان "ابو سكر" ابن هرتسل نفسه!! قدم للمحاكمة بسبب اهانته رموز الدولة بتحويلها الى غيارات داخلية وكلاسين سباحة وأغطية مخدات وشراشف وغير ذلك من الاستعمالات المنزلية. كان في الناصرة قاضيا تأسره الحكايات النادرة والقضايا الغريبة التي تصل للمحكمة. كان تبريرا مضحكا لقضية غير سياسية، قادر ان يخرج المتهم بريئا، الحكايات العديدة عن ذلك القاضي صارت جزءا من تراث المدينة. ظهر المتهم "ابو سكر" بعد أن اخبر المحققين بكل ما ارتكبه من تجاوزات لم يعد مجالا لمحاكمته عليها بفعل التقادم. لكن النيابة اوردت الحكاية من الفها الى يائها، لتصل الى تلخيص التلخيص حول النجمة التي توسطت عضو الولد التناسلي ، الأمر الذي سبب غضبا يهوديا ولولا سرعة تصرف الشرطة لوقع ما لا تحمد عقباه.. التهمة اثارت ضحك القاضي بل قهقهته لدرجة دمعت عيناها. المتهم اصر ان الزوجة بريئة لأنها نفذت اوامره. القاضي لم يكتف بما روته النيابة ، اراد ان يستمع للقصة من الفها الى يائها من "ابو سكر". نادرة من هذا الشكل لا تقع كل يوم بين يديه. روى "ابو سكر" بتردد في البداية، ثم بحماس عندما لحظ ان القاضي يتمتع بالحكاية، كيف سرق الأعلام لينتقم من الشيوعيين . ضحك الحضور فأخرسهم القاضي الذي لم يكف عن الابتسام وامساك ضحكته من الانفلات. ثم قص ضيق ذات اليد وطلبه من ام الأولاد ان تستغل الأعلام لما فيه خير الأولاد والبيت. انتقامه من الشيوعيون انجز على اكمل وجه.. وانتهى الأمر بالتقادم. كانت المحكمة مسرحية كوميدية من الدرجة الأولى. سأله القاضي : الا تعرف ان وضع نجمة داوود ، رمز الدولة، امام عضو ابنك التناسلي ( نطقه بالعامية)يعتبر اهانة للعلم والدولة التي تظن انك تخدمها ؟ رد "ابو سكر": يا سيدي القاضي ، الولد أخطأ ولبس المايوه معكوسا، كان يجب ان تكون النجمة على قفاه، ليس لإهانة رمز دولتنا، الله يقويها، انما لحماية قفا ابني من المنحرفين، عندما يرون النجمة على قفاه .. سيرتدعوا خوفا من الدولة .. ولكنه أخطأ ولبسه معكوسا، والله ستر الولد !! انفجر القاضي بالضحك .. وضجت قاعة المحكمة بضحك الحضور الصاخب، حتى ممثل النيابة اليهودي ضحك ودمعت عيناه بعد ان ترجمت له اقوال المتهم. قرر القاضي ادانة "ابو سكر" بالسجن لشهرين مع وقف التنفيذ لسنة كاملة!! اي خرج مثل الشعرة من العجينة، لأنه لا مجال لتكرار سرقة الأعلام من جديد.

عرفته منذ كنت شبلا في منظمة الأشبال الشيوعية في الناصرة ، كان يميل الى الضخامة وشديد السمرة. خصص له مسؤولي الحركة زاوية خاصة في النادي ، أقام فيها مقصفا بسيطا للمشروبات الخفيفة الباردة والساخنة، الى جانب بعض الساندويشات السريعة التحضير. . وكنا نسمي زاويته "المطبخ"!! لنتفق ان اسمه كان "ابو سكر" انا غير معني بكشف اسمه الحقيقي لأسباب عديدة أهمها انه كشخص هو غير مهم اليوم ولم يكن مهما اثناء حياته، حكايته اضحت من سجلات تُذكر بسخرية ضمن حلقات صغيرة عاشت تلك الأيام العاصفة. فجأة اختفى ابو سكر من زاويته في النادي ، "المطبخ" كما كنا نسميها. حل مكانة عضو شاب من الحركة. للوهلة الأولى لم يعن لي الأمر شيئا. ردا على ما سمعناه من الأعضاء الكبار حول ذم "ابو سكر" وغضب أعضاء النادي منه، استفسرنا من مرشدتنا عما حدث. أخبرتنا عابسة : انه عميل للمخابرات. لم نكن بجيل قادر على فهم معنى "عميل للمخابرات". زادتنا المرشدة شرحا بقولها: يعني جاسوس!! هذه الإضافة صعبت علينا الفهم أكثر. شعرنا اننا امام طلاسم لن نفهمها ونحن بالكاد تجاوزنا العقد الأول من عمرنا. عميل مخابرات؟ جاسوس ؟ كلمات جديدة تخترق عالمنا لا تعني لنا شيئا. تواصلت تساؤلاتنا برغبة تصر على الفهم. اضافت المرشدة تفسيرات أخرى، قالت : كان "ابو سكر" ينقل للسلطة وشرطتها اسماء اعضاء الحركة وما يقولون في اجتماعاتهم، وبسببه اعتقلت الشرطة عددا من رفاقنا وسجنوا. المسألة بدت أكثر وضوحا. فهمنا انه فساد للشرطة. اضافت المرشدة: انه عدو للشعب الذي نحن من ابنائه وحركتنا تتولى الدفاع عن مطالبه وحقوقه وهو خان حركتنا. ربما لم نستوعب وقتها المعاني الكاملة، ولكن الحدث كان نافذتنا التي اطللنا منها على واقعنا الاجتماعي والسياسي . بدأنا نفهم اننا ننتمي الى تنظيم لا تحبه الشرطة وتلاحق اعضائه. نحن ايضا اعضاء في هذا التنظيم ولا نشعر بأن الشرطة تلاحقنا؟ قالت المرشدة اننا أصغر من الجيل الذي يجعل الشرطة تلاحقنا وتعتقلنا وتسجننا، عندما نصبح شبابا سيكون الامتحان الصعب لنا، من يصمد يواصل نضاله من أجل الشعب ومن يسقط يصبح جاسوسا للشرطة مثل "ابو سكر". بالطبع لا نريد ان نكون نموذجا مماثلا ل "أبو سكر". هكذا بدأت طريقي في السياسة.. وكانت بداية تشكل وعيي ومفاهيمي الأولية السياسية والاجتماعية. مضت الأيام ، صرت قائدا في الشبيبة الشيوعية، ثم اوفدت للدراسة في معهد العلوم الاجتماعية في موسكو ( الاتحاد السوفييتي) المشهور باسم "المعهد الشيوعي الدولي". عدت للعمل السياسي والصحفي والتثقيفي. صار "ابو سكر" من الماضي المنسي. . ولكن حدث ما اعاد "ابو سكر" لذاكرتي ، وأيقظ ذكريات بداية تفتح وعيي ومفاهيمي السياسية. ضمن نشاطي الصحفي كعضو هيئة تحرير مجلة "الغد" للشبيبة الشيوعية، كلفت بمهمة اجراء تحقيق حول معلومات عن مضايقات وتجاوزات جنسية لطالبات قام بها مدير احدى المدارس.. دخلت المدرسة واذا امامي يقف شخصا يسد طريقي بجسمه الضخم. وجهه كان مألوفا لي، لم استصعب معرفته فورا، "ابو سكر" نفسه الذي لم اصادفه منذ عقد ونصف العقد السنين ..كان اكثر سمنة، اكثر شراسة في نظراته مما عرفته من ايام عضويتي في حركة الأشبال.. هل يشعر ان له ظهرا قويا الآن؟ لم افهم ما هو دوره في المدرسة؟ لماذا يسد علي الطريق لغرف الادارة؟ توقعت ان يكون حارسا، ثم تبين لي انه صاحب "كيوسك" وينفذ "مهمات خاصة". صرخ بوجهي بدون مقدمات: ممنوع الدخول !! قلت له اول جملة خطرت في ذهني: "ابو سكر" نفسه؟ صرخ : أخرج!! سألته: باي صفة تكلمني؟ وأضفت: اذكرك من نادي الشبيبة الشيوعية، هل تريد ان أشرح للطلاب ما اعرفه عن سبب طردك من الحزب الشيوعي؟! كان معي عدد من رفاقي، تجمع حولنا أيضا عدد من رفاقنا الطلاب. أسمعوا "ابو سكر" كلمات لا تفسر على وجهين. يبدو انه فهم ان "الغلبة" الى جانبي، انسحب وهو يهدد باستدعاء الشرطة. المدير رفض ان يقابلني كما هو متوقع وطلب مني ان اغادر المدرسة فورا والا قدم شكوى للشرطة. لم يكن أي تبرير لبقائي. خرجت. مساء وصلني اتصال من معلم طلب عدم كشف اسمه، التقيته في منزل قريب لي وصديق شخصي له وهو الذي اعطاه رقم تلفوني. سرد في لقائي معه تفاصيل مذهلة عن تصرفات لا تليق بشخص يعمل في التربية وكان يحمل العديد من الاعترافات المسجلة، أو "الشهادات الشخصية" لطالبات حول تصرفات المدير معهن. لو حدث هذا اليوم لزج به في السجن لسنوات طويلة. فيما بعد نشرت التحقيق بدون اسماء وبأسلوب السرد القصصي حتى لا اعرض الطالبات لأي ضرر، الى جانب معلومات اخرى ليست أقل شأنا عن معلم نقد الماركسية ب 35 بندا في دوسية (ملف) مدنيات اعدها لتعليم الطلاب ،اظهر فيها غبائه الشديد اذ فسر الديالكتيك بالميتافيزياء بخربشة قلم.. وكل ما نقضه من الماركسية لا علاقة له بالماركسية. كانت كوميديا تليق بمسرح التهريج وليس التعليم. المدير "عُزل" فيما بعد بترفيعه الى منصب اعلى!! المعلم، ناقد الفكر الماركسي، صار نائبا للمدير رغم انه كان معلما مؤقتا وفاشلا، ثبت ورفع. الطلاب قاطعوا "ابو سكر" بعد ان وصلتهم افعاله وعمالته للمخابرات، فأغلق الكيوسك بعد فترة لم تطل واختفى من الصورة مرة أخرى!! المعلم ناقد الماركسية تلقى اجوبة قاطعة من طلابه بعد ان شاركوا بسلسلة محاضرات توضيحية عن ماركسية ماركس و"ماركسية" المعلم. **** بعد أكثر من ثلاثة عقود من لقائي الثاني والأخير مع "ابو سكر" سمعت عنه قصة لم استطع الا ان اسجلها.. التقيت مع صديق من ايام الدراسة الابتدائية وايام نشاطنا في الشبيبة الشيوعية، تجددت علاقتنا قبل فترة وجيزة، اي بعد تباعد استمر أكثر من أربعة عقود. ذكرنا بالصدفة في احاديثنا المتبادلة ذكرياتنا عن "أبو سكر" اياه ، حدثت صديقي عن لقائي الثاني مع "ابو سكر" اثناء عملي في مجلة "الغد" الشبابية الشيوعية قبل اربعين عاما. قال صديقي بحماسة لم اتوقعها: سأحدثك حكاية عن "ابو سكر" لا يعرفها الان من الأحياء غيري.. اذ كنت اعمل في مكتب محام في الناصرة وبالصدفة حضرت محاكمة لا تنسى. أنصت له: كانت تجري في فترة الحكم العسكري احتفالات تفرض على سكان الناصرة خاصة وعرب اسرائيل عامة، ان يظهروا فرحهم بعيد استقلال اسرائيل والويل للموظف او المعلم الذي يقاطع الاحتفال. كان "ابو سكر" قد طرد من الحزب الشيوعي بعد فضح عمالته للمخابرات. قبل الاحتفالات بعيد الاستقلال، كانت تعلق أعلام الدولة في المدارس والمكاتب الرسمية والشوارع وكأن المواطنين العرب يتحرقون شوقا للاحتفال باستقلال يشكل ذكرى ليوم نكبتهم القومية. ما كان يحدث ان بعض الاعلام تختفي تسرق او تلوث او تمزق ، على اثر ذلك تنشط الشرطة بحملة اعتقالات تطول اساسا الشيوعيين، رغم انهم ابعد الناس عن مثل هذه التصرفات، لكنهم أعضاء الحزب الوحيد الذي يقف ضد السلطة وممارساتها ، أعضائه هم الأسهل للاعتقال والاتهام بما تراه الشرطة مقبولا عليها، كان هذا جزءا من سياسة قمع القوة السياسية التي تتجرا على نقد السلطة والتحريض عليها والتصدي لمشاريعها.. ما هي علاقة "ابو سكر" بهذه الأحداث؟ بعد طرده وبهدلته بين الناس، صار اسمه أشبه بالشتيمة، الكثيرون قاطعوه، بات منبوذا ومعزولا. كانت سرقة الأعلام بكثرة غريبة. دائما يعتقل رفاق الحزب... ليومين ثلاثة ايام، حين لا تجد الشرطة اثباتا عمليا يربطهم بسرقة الأعلام او تلويثها يطلق سراحهم. كان اقتراب عيد الاستقلال يعني اقتراب اعتقال رفاق الحزب بسبب سرقة الأعلام الذي صار روتينا معروفا ، أجزم ان الشرطة متأكدة ان من تعتقلهم لا علاقة لهم بالسرقة، لكنها اوامر الحكم العسكري التعسفية، فهو جهاز السلطة الذي فرضته دولة اسرائيل ، بعد نكبة 1948، ليتحكم بحياة العرب في اسرائيل ( الغي عام 1965)!! حدثت مفاجأة كشفت من كان يسرق الأعلام ولكن بعد فترة طويلة ، بعد ان صار الحكم العسكري من ذكريات الماضي ..وبعد ان تكاثرت الأحزاب العربية مثل فطريات الصيف .. وانتهى عصر القمع البوليسي والارهاب السلطوي بشكله المباشر القديم. انكشفت تفاصيل قصص سرقة الأعلام في رحلة مدرسية الى طبريا، شارك فيها احد اولاد "ابو سكر". على شاطئ البحيرة، نزع الأولاد ملابسهم لينزلوا البحيرة بكلاسين السباحة وكان ابن "ابو سكر" بينهم والشاطئ مليء بمصطافين يهود وكل بحاله. نزل ابن "ابو سكر" الى البحيرة بكلسون سباحة مفصل من علم للدولة ونجمة داوود الزرقاء ، التي تتوسط العلم عادة، برزت كاملة امام عضوه التناسلي. في البداية ضحك الأولاد والمعلمون... المسكين لم يفهم ما يدعوهم للضحك . فهو ينزل البحيرة بكلسون سباحة أبيض ازرق. شيئا فشيئا انتبه بعض اليهود على الشاطئ الى الكلسون الغريب والنجمة الزرقاء التي تتوسط العضو التناسلي للولد العربي. شاع الخبر بين اليهود على الشاطئ وتجمعوا باحتجاج وغضب معتبرين الأمر اهانة لعلم الدولة. شعر المعلمون بالخوف وامروا الولد بالخروج وقلع كلسون السباحة فورا. لكن الوضع تأزم مع حضور سيارة شرطة. وقف الولد المسكين عاجزا عن الفهم والتفسير، اخذت الشرطة اسمه واسم ابيه واسماء المعلمين وامرتهم بمغادرة الشاطئ فورا، خوفا من رد فعل بعض المتطرفين اليهود، طبعا صودر كلسون السباحة كدليل على الجريمة. اعتقلت الشرطة في نفس الليلة "ابو سكر" وحققت معه . اعترف ان لديه كمية اعلام ، لم يجد رواية للتغطية على وجود الكثير من اعلام الدولة في بيته ولماذا ابنه يرتدي كلسون سباحة ونجمة الدولة امام عضوه التناسلي مهينا بذلك مشاعر المواطنين اليهود وشعار الدولة؟! بعد ضغط الشرطة وتهديدها، اضطر ابو سكر للاعتراف انه "خبأ" بعض الأعلام ليعاقب الشيوعيين الذين فضحوه، وانه هو ابن الحكومة لم يقصد سرقة الأعلام بل يعتبره علم دولته الحبيبة ،أقسم أغلظ الايمان ان قصده كان ان تعاقب الشرطة اعداء الدولة. اعترف ايضا ان وضعه الاقتصادي الصعب اضطر ام الأولاد، بأمر منه وليس بقصد منها، ان تفصل لهم ملابس داخلية من الأعلام ، ان تعد بعض أغطية المخدات وشراشف للأسرة ، لأنه يرى بذلك شرفا له وليس اهانة لعلم دولته!! وتسائل : ما قيمة العلم ان يظل مطويا في الخزائن بلا استعمال؟ سرقة الأعلام أصبحت من الماضي الذي لا مجال لمحاسبته عليه اليوم بسبب قدم الحادث، لكن اهانة علم الدولة بتفصيل كلسون سباحة ونجمة الدولة امام العضو التناسلي لولد عربي ، هذا غير محمول حتى لو كان "ابو سكر" ابن هرتسل نفسه!! قدم للمحاكمة بسبب اهانته رموز الدولة بتحويلها الى غيارات داخلية وكلاسين سباحة وأغطية مخدات وشراشف وغير ذلك من الاستعمالات المنزلية. كان في الناصرة قاضيا تأسره الحكايات النادرة والقضايا الغريبة التي تصل للمحكمة. كان تبريرا مضحكا لقضية غير سياسية، قادر ان يخرج المتهم بريئا، الحكايات العديدة عن ذلك القاضي صارت جزءا من تراث المدينة. ظهر المتهم "ابو سكر" بعد أن اخبر المحققين بكل ما ارتكبه من تجاوزات لم يعد مجالا لمحاكمته عليها بفعل التقادم. لكن النيابة اوردت الحكاية من الفها الى يائها، لتصل الى تلخيص التلخيص حول النجمة التي توسطت عضو الولد التناسلي ، الأمر الذي سبب غضبا يهوديا ولولا سرعة تصرف الشرطة لوقع ما لا تحمد عقباه.. التهمة اثارت ضحك القاضي بل قهقهته لدرجة دمعت عيناها. المتهم اصر ان الزوجة بريئة لأنها نفذت اوامره. القاضي لم يكتف بما روته النيابة ، اراد ان يستمع للقصة من الفها الى يائها من "ابو سكر". نادرة من هذا الشكل لا تقع كل يوم بين يديه. روى "ابو سكر" بتردد في البداية، ثم بحماس عندما لحظ ان القاضي يتمتع بالحكاية، كيف سرق الأعلام لينتقم من الشيوعيين . ضحك الحضور فأخرسهم القاضي الذي لم يكف عن الابتسام وامساك ضحكته من الانفلات. ثم قص ضيق ذات اليد وطلبه من ام الأولاد ان تستغل الأعلام لما فيه خير الأولاد والبيت. انتقامه من الشيوعيون انجز على اكمل وجه.. وانتهى الأمر بالتقادم. كانت المحكمة مسرحية كوميدية من الدرجة الأولى. سأله القاضي : الا تعرف ان وضع نجمة داوود ، رمز الدولة، امام عضو ابنك التناسلي ( نطقه بالعامية)يعتبر اهانة للعلم والدولة التي تظن انك تخدمها ؟ رد "ابو سكر": يا سيدي القاضي ، الولد أخطأ ولبس المايوه معكوسا، كان يجب ان تكون النجمة على قفاه، ليس لإهانة رمز دولتنا، الله يقويها، انما لحماية قفا ابني من المنحرفين، عندما يرون النجمة على قفاه .. سيرتدعوا خوفا من الدولة .. ولكنه أخطأ ولبسه معكوسا، والله ستر الولد !! انفجر القاضي بالضحك .. وضجت قاعة المحكمة بضحك الحضور الصاخب، حتى ممثل النيابة اليهودي ضحك ودمعت عيناه بعد ان ترجمت له اقوال المتهم. قرر القاضي ادانة "ابو سكر" بالسجن لشهرين مع وقف التنفيذ لسنة كاملة!! اي خرج مثل الشعرة من العجينة، لأنه لا مجال لتكرار سرقة الأعلام من جديد.

25.09.2013

الدرجـــــــــات

الدرجـــــــــات

- " ليرحمنا الله جميعا، خسارتك يا رافع .. وحياة والدك انزلني قرب الدرج.. آه هنا .. يلعن الموت وايامه، ما تشوف الا الخير يا ابني . كم ادفع لك ؟.. الحمدلله على كل شيء. تفضل يا ابني ,, يرحم الله امواتك . ما عاد قد ما مضى ، اين كنا واين اصبحنا ؟ المرض يهد الحيل .. انها مشيئته ، يختار من يشاء .. ولا نطلب الا رحمته . لماذا الباب يستعصي على الفتح ؟ .. آه ، ما عاد في اليد حيل ، يخلف غليك ويسلم ايديك .. وان شاء الله ما تشوف يوم اسود . هالبلاد من يوم ما تشرد اهلها ما عاد فيها خير .. أيوة .. راح الشباب وما عاد في البدن حيل .. ارحمنا يا رب .. ارحمنا وخلصنا .. وارفق بحالنا " نزلت من سيارة الاجرة ووقفت تتأمل الدرج الممتد امامها الى الاعلى ، بشيء من الحيرة والاسى .

- " ليرحمنا الله جميعا، خسارتك يا رافع .. وحياة والدك انزلني قرب الدرج.. آه هنا .. يلعن الموت وايامه، ما تشوف الا الخير يا ابني . كم ادفع لك ؟.. الحمدلله على كل شيء. تفضل يا ابني ,, يرحم الله امواتك . ما عاد قد ما مضى ، اين كنا واين اصبحنا ؟ المرض يهد الحيل .. انها مشيئته ، يختار من يشاء .. ولا نطلب الا رحمته . لماذا الباب يستعصي على الفتح ؟ .. آه ، ما عاد في اليد حيل ، يخلف غليك ويسلم ايديك .. وان شاء الله ما تشوف يوم اسود . هالبلاد من يوم ما تشرد اهلها ما عاد فيها خير .. أيوة .. راح الشباب وما عاد في البدن حيل .. ارحمنا يا رب .. ارحمنا وخلصنا .. وارفق بحالنا " نزلت من سيارة الاجرة ووقفت تتأمل الدرج الممتد امامها الى الاعلى ، بشيء من الحيرة والاسى .

16.09.2013

يوميات نصراوي: وداعا موسكو

يوميات نصراوي: وداعا موسكو

ملاحظة: في نهاية كانون ثاني1970 ، كنت اعالج في احد مستشفيات موسكو بسبب تعرضي للسعات البعوض وهو مستشفى معروف بانه الأرقى في موسكو ويسميه البعض "مستشفى اللجنة المركزية" اذ كان لكبار المسؤوليين وضيوفهم من الأحزاب الشيوعية او من الدول الصديقة. وانا كنت ضمن الضيوف (رغم اني تحت صيغة طالب) الذين يدرسون بالمدرسة الشيوعية الدولية ( معهد العلوم الاجتماعية باسمها الرسمي) وكنا نتلقى معاشات كبيرة جدا ، تتجاوز معاش طبيب مختص. بالطبع كنت اتحدث بشكل لا باس به باللغة الروسية.. وصل للمستشفي عضو وفد مصري رفيع المستوى، كان يعاني من اوجاع قاسية في معدته. طُلب مني ان اساعد في الترجمة أثناء فحصه. فيما بعد جلست معه جلسات طويلة ـ كنت متعطشا لأفهم واقع مصر من مصدر رسمي، تحدث بصراحة وفوجئ بان العرب الفلسطينيين في اسرائيل لديهم القدرة على الصمود.. تصفح مجلة "الجديد" وصحيفة "الاتحاد" بإعجاب كبير واخذ بعض النسخ. فهمت منه خبرا سريا بان جمال عبد لناصر متواجد الآن في زيارة لموسكو، اذ ذكر بالصدفة انه وصل مع سيادة الرئيس عبد الناصر في زيارة عمل هامة، قلت ان الصحافة الروسية التي اتصفحها يوميا لم تعلن عن زيارة لعبد الناصر الى موسكو..؟ وعبد الناصر بالنسبة للسوفييت ليس مجرد رئيس دولة، بل شريك دولي استراتيجي من الدرجة الأولى ، فكيف لا يرحب به كما في المرات السابقة بشكل حماسي وتغطية اعلامية تشمل كل وسائل الاعلام السوفييتية؟ سألت:هل هي زيارة سرية لترتيبات لها اهمية سياسية وعسكرية بكل ما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط؟ انتبه الى نفسه، وشعرت بانه ارتبك بشدة، حاول تضليلي بانه وصل مع وفد لإعداد زيارة للرئيس ناصر.. لم يقنعني. تبين لي فيما بعد ان عبد الناصر جاء يطلب صواريخ "سام 3" المضادة للطائرات وفرق روسية لتدريب المصريين، كنا في اواخر شهر يناير 1970، وعندما فهم اني تمسكت بالخبر عن وجود عبد الناصر في موسكو رجاني ان احافظ على سرية الخبر.. حتى لا اضر به. عدت الى بلادي ومدينتي الناصرة في حزيران او تموز 1970. واستلمت قيادة فرع الناصرة للشبيبة الشيوعية. ليلة 28.9.1970 طرق بابا بيتنا جار لنا أصله من لاجئي مجدل غزة التي هدمت وشرد كل اهلها، وصل الناصرة مع عائلته الكبيرة بعد النكبة اذ كان معتقلا في المعتقلات الاسرائيلية، اسمه صبحي بلال، قرع باب بيتنا بشدة وكان يبكي مثل طفل صغير.. فتحنا له الباب وهو يشهق بالبكاء وبصعوبة قال ان "جمال عبد الناصر مات". رغم ان ناصر بطش بالشيوعيين .. الا ان الشيوعيون كانوا على قناعة من طهارة عبد الناصر ومصداقيته الكبيرة ، وبعد النكسة بدأ التقارب الكبير بينهم وبينه. في الصباح الباكر بدأت الاتصالات لترتيب جنازة رمزية للزعيم الراحل في مدينة الناصرة، انتشر شباب منظمة الشبيبة الشيوعية في المدينة يدعون للمشاركة في جنازة عبد الناصر، كانت دعوتنا مجرد تذكير بالوقت لآن الجاهزية كانت كبيرة وموت عبد الناصر ترك صدمة وحزنا كبيرين لا سابق لهما في مجتمعنا. كانت الناصرة تبكي، دموع الرجال تسيل بلا خجل، كنا نعزي بعضنا البعض بمصاب لا نعرف كيف نعبره وحيرتنا من المستقبل بدون عبد الناصر تثقل على قلوبنا.. سالت دموعا كثيرة بشعور اننا نفقد الأمل الكبير والحلم الوطني الذي تعلقنا به. خطابات عبد الناصر كانت تتحول الى تجمعات كبيرة حول اجهزة الراديو.. كنت فتى ناشئ، ما زلت أذكر كيف كانت تتوقف الأشغال في سوق الناصرة ويتجمع اصحاب المحلات التجارية والحرفيين حيث توجد أجهزة راديو في بعض المحلات، يقفون صامتين للاستماع الى خطاب الرئيس!! لم يكن عبد الناصر رئيس مصر بل رئيس كل العرب. في الليلة التي سبقت خروج جنازة عبد الناصر اعتقلت بتهمة الدعوة الى مظاهرة غير مرخصة. اعتقل معي عددا كبيرا من اعضاء التنظيم ومن رفاق الحزب ومن ناس بسطاء بكوا ناصر وقالوا كلمات لم تقع جيدا على اذان المخابرات الاسرائيلية فزجوهم معنا في السجن. احدهم ( يعمل حلاقا ولم يشارك بكل حياته باي نشاط سياسي) اطلق اسم خالد على ابنه البكر، فصار يعرف باسم "ابو خالد"، وقف خطيبا امام مظاهرة عفوية لفتيان صغار داروا في شوارع الناصرة يهتفون "ناصر.. ناصر" خطب بهم بحماسة ودموعه تملأ وجهه :"اذا مات ابو خالد ، فانا ابو خالد حيا ، سيروا وفقكم الله، ابو خالد سيظل خالدا في قلوبنا لا يموت". فاعتقلته الشرطة. التقيت به في سجن الجلمة، أضحكنا بحكايته، ثم اطربنا باغاني عبد الوهاب.. رغم انه يكسر باللحن.. وكان معنا عضو من الشبيبة الشيوعية يستعد للسفر الى بلغاريا لدراسة الموسيقى، فكان يقاطعه ليصحح له المقام الغنائي، فطلبنا منه ان يصمت ويتركنا نطرب ولتسقط كل المقامات الموسيقية !! هذه حكاية ليلة اعتقالي.. التي سبقت يوم جنازة الزعيم العربي جمال عبد الناصر في مدينة الناصرة !! بعد صياغتها اكتشفت انها قصة فنية كاملة، ادخلتني في حيرة، نشرتها كقصة، لكنها تسجيل دقيق لليلة اعتقالي!! الاعتقال – قصة: نبيل عودة الباب يقرع بشدة، افتحوا ابواب الداهرية ليدخل الأباليس آو هي غادة حسناء جاءتني لأتغطى بها بدل اللحاف؟ أين اللحاف؟ عادة سيئة ان أقذف به كل ليلة على الأرض. لا اريد ان اتحرك لأجذبه بالرغم من ان نسمة هواء باردة تجعلني اتكور على نفسي كالقنفد. من يقرع الباب بإصرار وقح ؟ ما اروع النوم حين تحتويك فكرة بان ما تتغطى به ليس لحافا وانما حسناء. ليقرع الباب وليصحو غيري، انا لن أقوم، قلت لها قبل ان تغادر بي الطائرة موسكو باني اشعر ان قدمي تسوقاني للسجن. قالت ببراءة ودهشة، وهي تضم ذراعي الى صدرها الدافئ وسط نهديها: - لكن لماذا... هل انت شرير؟! النهدان ينقلان لي ، عبر ذراعي.. خفقات قلبها الواجفة المذهولة، لا تفهم ولن تفهم. القرع أصبح في دماغي، رأسها يغطس وسط صدري، اضغط وجهها بيدي واتنشق عبيرها الأخاذ، قلت بتسليم: - أكيد شرير! اخذت راسها بين ذراعي، وذاب الفضاء الفاصل بين شفاعنا، مددت ساقي بقوة واردت ان اتغطى جيدا. قرع متواصل شديد. لن أقوم... افتح ؟ الجنة مغلقة!! أحلامي هي الجنة والقرع هو جهنم، فكيف استجيب؟! - متى ستعود الي؟ - تعالي معي.. - لا اعرف لغتكم. - انا اعرفها. تلاقى القطبان فحدثت ارتجاجات صدرية، النعومة تتحدى القرع.لن أقوم. - ابق معي؟ - يا ليت. - انت لا تحبني.. - يروق لي ان اراك سعيدة - لا تهرب من الجواب - اكون حزينا ان خطف الدهر ابتسامتك - انت لا تحبني. - اكون سعيدا بوجودك الدائم معي. - لماذا لا تقول لي الحقيقة؟ - لأنك تعرفينها!! غرقت في مد من قبلاتها.. وعندما جاء الجزر... كان القرع يتواصل بشدة. هل انا نائم؟ نحن غارقان في مقعد مظلل بالأشجار والليل والنسيم، ونهر موسكو يعكس النجوم بوضوح وبجانبي التعاسة المنتظرة. قلت لها: - اعترفي بحبنا.. - انت تستطع ان تسيطر على قلب المرأة ... ومدت يدها، انفرجت اصابعها بحركة تشنجية، ثم ضمت قبضتها بقوة وأضافت: - هكذا.. - لكني لم اخدعك..؟ - من يعلم؟ - انت! - انا اعطيتك كل شيء. - هذا يحز في نفسي. - جميع الرجال من نوع واحد - لم اكن استطيع ان ارفض. - انا كنت أستطع - ولكني استطع ان اسيطر على قلب المرأة هكذا؟ وقلدت حركتها واضفت: - عندها آخذ ما اريد - انت وحش شرير. - لذلك انا ذاهب الى السجن. رطبت دموعها المالحة شفتي، افتح، قرع شديد ينرفزني.. منذ شهرين لم يذوبنا العناق، لم تذوبنا القبل، لم نغب عن الوعي في انشودة الخلق، منذ شهرين والاف الأميال تفصل بيننا، اعصابي تتوتر من الطرق، لكني جائع للنوم، للدفء والأحلام. لا شيء حولي، لملمت نفسي شاعرا ببعض البرد حتى كادت ساقي تلامسان راسي.القرع شديد، من يقرع؟ ها هي بوجهها المشرق الذي يحمل مسحة حزن. امس بكت عندما خسرت عذريتها، اليوم تعطيها مسحة الحزن التي تظلل جمالها رونقا ذا فاعلية شديدة. وصلت الي وتأبطت ذراعي. لم تقل أي حرف، سرنا في اتجاه غير معروف، لا اعرف ماذا اقول لها، اشعر بارتباك شديد، ضميري يعذبني، هل أخطأت؟! طلبت مني الا اهتك عذريتها، لكن اللذة لا تعرف حدودا، استسلمت ، وها هي اليوم حزينة، مستسلمة لعشقها وعاشقها. وصلنا الى حديقة غوركي، يسميها الروس "حديقة العشاق"، جلسنا. لففت ذراعي حول كتفيها، استسلمت والقت راسها فوق كتفي لحظات وسالت دموعها بغزارة. ازداد ارتباكي، يجب ان اقول شيئا، قلت: - اني اتعذب قالت من خلال دموعها وهي تحيط خصري بذراعيها: - ليتني لم اتعرف عليك؟ - كفي الدمع. - لم يتبق لي شيء غيره. - وانا .. هل تنازلت عني؟! - ستعود الى وطنك.. وتكون لك واحدة غيري. القرع شديد، احاول ان استوعب مصدره، فأرى وجهها ، فاهتف: - أحبك. بحلقت بي بعيناها الدامعتين بدهشة ويداها تضغطان ذراعي: - نعم أحبك.. - لا اصدق.. دموعها تثيرني .. وشفتاها؟ لم اكن استطع ان اقاوم: - أحبك قلتها بقوة وضممتها الى صدري، اخذت شفتيها بين أسناني، استسلمت لحظة، ثم ابعدتني عنها بقوة: - سيرانا الناس. كانت ابتسامة حزينة تعتلي شفتيها. - حبنا أقوى من الناس أخذت تجفف دموعها، كنت أشعر بحزن شديد وبذنب لا يغتفر. كثيرا ما حاولت ان تجرني لأقول لها احبك. لم ارد ان اعترف بحبي.. انا لا استطع ان اكون لها، لكن يجب ان تكوني سعيدة يا حسنائي. انتزعت منك الشيء الذي ثمن له، فلأعطيك بدلا منه كلمات، صادقة ام كاذبة؟ ما الفرق؟ الست سعيدة بها؟ أحبك.. أحبك.. أحبك... اخذت اردد هذه الكلمة .. أخرجتني ابتسامتها التي اشرقت كشمس الفجر من حزني واضطرابي، واصلت الترديد بنشوة، ، رغم الضجة التي لا اعرف كيف تتسرب لنشوتي: - أحبك .. أحبك .. أحبك .. وضعت اصابعها فوق شفتي وقال بمرح حزين: - احد الأمثال الروسية يقول ان الحب هو مجنونان اللذان يصنعان الثالث. - لكنا لم نصنع الثالث بعد؟ - انا وأنت اثنان.. - والثالث؟ - دعك منه فلن يكون. - احبك احبك احبك.. - هذه هي حصتي منك. - لماذا انت حزينة؟ - بل انا سعيدة - لن اخطئ معك مرة أخرى. - فات الأوان لم يعد مجال للخطأ - لا افهم - هل تحبني؟ - ألم تقتنعي بعد؟ - اذن فانا كلي لك. - انت رائعة. - لقد اعطيتك كل شيء..اعصابي .. عقلي .. جسدي.. - هذا هو الحب الحقيقي .. انت اغلى شيء عندي. لماذا هذه الضجة؟ ولماذا في هذا الوقت بالذات؟ - ما اعطيتك اياه لا استطع ان استرده، وانت تستطع ان تسترد كل شيء.انا قدمت اقصى ما تستطع فتاة ان تقدمه وأنت لم تقدم سوى حبك. - من الممكن ان تصبحي فيلسوفة؟ - الرجل يلقي بجراثيمه في كل مكان والمرأة تتلقى فقط. - عدم مساواة جدير بالدراسة، لكن بالمقابل قدمت حبي؟ - شكرا سأحتفظ به في احشائي. - سنصبح ثلاثة؟ - سنبقى اثنين مجنونين. - ولكن... - انا اريدك الآن.. - كما اردتك انا امس؟ - بل كما اردتني دائما ومن اول يوم. - وهل انت لم تريديني مطلقا؟ - الآن زال الحاجز. - أنا المذنب. القرع على الباب ينرفزني. يجذني من اجمل ايامي. سراب يشملني.أين انا؟ لما الضجيج؟ حبيبتي تتوهج قربي.. رائعة كما اعهدها، دفنت راسي في صدرها هربا من الضجيج، أحطتها بذراعي، قبلتها في اعلى عنقها، احتمت من شفتي بصدري، رغم الضجيج وصلني صوتها الحزين - متى ستسافر؟ - بقت سنة وآخذك معي؟ - هنا وطني. - وهناك انا ؟ - انت لست وطني. - سأعطيك أكثر... - كل شيء يفنى - هذا مشترك لنا - ما عدا الوطن. - انت عنيدة. هزتني قرعة في قمة الشدة، عدت الى نفسي، الآن أميز قرعا حقيقيا على باب البيت، ترى من يقرع البواب في منتصف الليل؟ هل أقوم؟ أمس عندما قمنا بالمظاهرة تنبأت بالاعتقال. طريقة بوليسية كلاسيكية دمقراطية .هل تكون الشرطة؟ لا احد غيرها يستعمل الدمقراطية لإقلاق راحة الناس في الليل. قرع متواصل مرفق بكلمات عصبية، يروق لي ان اتحدى. لن أقوم، حنين جارف لاستعادة الذكريات الالقرع. قرع وقرع وقرع. النوم يشدني بقوة مغناطيسية تفوق قوة شد القرع . يسرني ان أجرب الاعتقال. لا شك اني متوهم، هل يعقل ان اعتقل على عمل لم أفعله بعد؟ التظاهر حق قانوني ولم تكن من اشكاليات مع الشرطة؟؟ هنا ديمقراطية.. هنا... صوت يصرخ بالعبرية: - تفتاح مشطراه... _ (اي افتح .. الشرطة) قرعت اذني تلك الكلمتان العبريتان. يبدو اني غارق في حلم اسرائيلي. هل يجوز ان تصل السخافة الى حد اعتقالي؟ أشعر بحركة خارج غرفتي. جزء من الحلم أم احد افراد عائلتي قد سحبهم الضجيج والقرع من نومه؟ لآنام وازيد مقلقي راحتي نرفزة. فجأة ملأ الضوء غرفتي. والدي يهزني... شيء من التثلج يسري في اطرافي. اريد ان انام، ان استعيد ذكريات الانفتاح العاطفي، ذكريات الدخول للرجولة بمعانيها وأبعادها المختلفة، لا اروع ولا أجمل من ذكريات عهد جديد انفتح في الأفق. وجهها المشرق يلوح لي.. هزة عنيفة جعلتني استعيد الواقع. لن اقوم قبل الهزة العاشرة. التثلج يذوب ويتحول الى تحد. التحدي يطرد النوم. الشرطة تنتظر وانا لن اقوم قبل ان يطول بهم الانتظار، قرعوا طويلا ما شاء لهم القرع، لينتظروا ما شاء لي وما راق لي ان اماطل. أحاول ان اعود لفتاتي، ابحث عنها في وعيي وفي لا وعيي، اناديها بصمت واصرار.. انتظر طيفها.. ابتسامتها. عطرها.. يعتريني القلق الغريب.. هزة جديدة .. هل هي العاشرة؟ او ربما العشرون؟ اذن لأفتح عيني بمشيئة الأب والابن والروح القدس والديمقراطية وشرطة اسرائيل !! nabiloudeh@gmail.com

ملاحظة: في نهاية كانون ثاني1970 ، كنت اعالج في احد مستشفيات موسكو بسبب تعرضي للسعات البعوض وهو مستشفى معروف بانه الأرقى في موسكو ويسميه البعض "مستشفى اللجنة المركزية" اذ كان لكبار المسؤوليين وضيوفهم من الأحزاب الشيوعية او من الدول الصديقة. وانا كنت ضمن الضيوف (رغم اني تحت صيغة طالب) الذين يدرسون بالمدرسة الشيوعية الدولية ( معهد العلوم الاجتماعية باسمها الرسمي) وكنا نتلقى معاشات كبيرة جدا ، تتجاوز معاش طبيب مختص. بالطبع كنت اتحدث بشكل لا باس به باللغة الروسية.. وصل للمستشفي عضو وفد مصري رفيع المستوى، كان يعاني من اوجاع قاسية في معدته. طُلب مني ان اساعد في الترجمة أثناء فحصه. فيما بعد جلست معه جلسات طويلة ـ كنت متعطشا لأفهم واقع مصر من مصدر رسمي، تحدث بصراحة وفوجئ بان العرب الفلسطينيين في اسرائيل لديهم القدرة على الصمود.. تصفح مجلة "الجديد" وصحيفة "الاتحاد" بإعجاب كبير واخذ بعض النسخ. فهمت منه خبرا سريا بان جمال عبد لناصر متواجد الآن في زيارة لموسكو، اذ ذكر بالصدفة انه وصل مع سيادة الرئيس عبد الناصر في زيارة عمل هامة، قلت ان الصحافة الروسية التي اتصفحها يوميا لم تعلن عن زيارة لعبد الناصر الى موسكو..؟ وعبد الناصر بالنسبة للسوفييت ليس مجرد رئيس دولة، بل شريك دولي استراتيجي من الدرجة الأولى ، فكيف لا يرحب به كما في المرات السابقة بشكل حماسي وتغطية اعلامية تشمل كل وسائل الاعلام السوفييتية؟ سألت:هل هي زيارة سرية لترتيبات لها اهمية سياسية وعسكرية بكل ما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط؟ انتبه الى نفسه، وشعرت بانه ارتبك بشدة، حاول تضليلي بانه وصل مع وفد لإعداد زيارة للرئيس ناصر.. لم يقنعني. تبين لي فيما بعد ان عبد الناصر جاء يطلب صواريخ "سام 3" المضادة للطائرات وفرق روسية لتدريب المصريين، كنا في اواخر شهر يناير 1970، وعندما فهم اني تمسكت بالخبر عن وجود عبد الناصر في موسكو رجاني ان احافظ على سرية الخبر.. حتى لا اضر به. عدت الى بلادي ومدينتي الناصرة في حزيران او تموز 1970. واستلمت قيادة فرع الناصرة للشبيبة الشيوعية. ليلة 28.9.1970 طرق بابا بيتنا جار لنا أصله من لاجئي مجدل غزة التي هدمت وشرد كل اهلها، وصل الناصرة مع عائلته الكبيرة بعد النكبة اذ كان معتقلا في المعتقلات الاسرائيلية، اسمه صبحي بلال، قرع باب بيتنا بشدة وكان يبكي مثل طفل صغير.. فتحنا له الباب وهو يشهق بالبكاء وبصعوبة قال ان "جمال عبد الناصر مات". رغم ان ناصر بطش بالشيوعيين .. الا ان الشيوعيون كانوا على قناعة من طهارة عبد الناصر ومصداقيته الكبيرة ، وبعد النكسة بدأ التقارب الكبير بينهم وبينه. في الصباح الباكر بدأت الاتصالات لترتيب جنازة رمزية للزعيم الراحل في مدينة الناصرة، انتشر شباب منظمة الشبيبة الشيوعية في المدينة يدعون للمشاركة في جنازة عبد الناصر، كانت دعوتنا مجرد تذكير بالوقت لآن الجاهزية كانت كبيرة وموت عبد الناصر ترك صدمة وحزنا كبيرين لا سابق لهما في مجتمعنا. كانت الناصرة تبكي، دموع الرجال تسيل بلا خجل، كنا نعزي بعضنا البعض بمصاب لا نعرف كيف نعبره وحيرتنا من المستقبل بدون عبد الناصر تثقل على قلوبنا.. سالت دموعا كثيرة بشعور اننا نفقد الأمل الكبير والحلم الوطني الذي تعلقنا به. خطابات عبد الناصر كانت تتحول الى تجمعات كبيرة حول اجهزة الراديو.. كنت فتى ناشئ، ما زلت أذكر كيف كانت تتوقف الأشغال في سوق الناصرة ويتجمع اصحاب المحلات التجارية والحرفيين حيث توجد أجهزة راديو في بعض المحلات، يقفون صامتين للاستماع الى خطاب الرئيس!! لم يكن عبد الناصر رئيس مصر بل رئيس كل العرب. في الليلة التي سبقت خروج جنازة عبد الناصر اعتقلت بتهمة الدعوة الى مظاهرة غير مرخصة. اعتقل معي عددا كبيرا من اعضاء التنظيم ومن رفاق الحزب ومن ناس بسطاء بكوا ناصر وقالوا كلمات لم تقع جيدا على اذان المخابرات الاسرائيلية فزجوهم معنا في السجن. احدهم ( يعمل حلاقا ولم يشارك بكل حياته باي نشاط سياسي) اطلق اسم خالد على ابنه البكر، فصار يعرف باسم "ابو خالد"، وقف خطيبا امام مظاهرة عفوية لفتيان صغار داروا في شوارع الناصرة يهتفون "ناصر.. ناصر" خطب بهم بحماسة ودموعه تملأ وجهه :"اذا مات ابو خالد ، فانا ابو خالد حيا ، سيروا وفقكم الله، ابو خالد سيظل خالدا في قلوبنا لا يموت". فاعتقلته الشرطة. التقيت به في سجن الجلمة، أضحكنا بحكايته، ثم اطربنا باغاني عبد الوهاب.. رغم انه يكسر باللحن.. وكان معنا عضو من الشبيبة الشيوعية يستعد للسفر الى بلغاريا لدراسة الموسيقى، فكان يقاطعه ليصحح له المقام الغنائي، فطلبنا منه ان يصمت ويتركنا نطرب ولتسقط كل المقامات الموسيقية !! هذه حكاية ليلة اعتقالي.. التي سبقت يوم جنازة الزعيم العربي جمال عبد الناصر في مدينة الناصرة !! بعد صياغتها اكتشفت انها قصة فنية كاملة، ادخلتني في حيرة، نشرتها كقصة، لكنها تسجيل دقيق لليلة اعتقالي!! الاعتقال – قصة: نبيل عودة الباب يقرع بشدة، افتحوا ابواب الداهرية ليدخل الأباليس آو هي غادة حسناء جاءتني لأتغطى بها بدل اللحاف؟ أين اللحاف؟ عادة سيئة ان أقذف به كل ليلة على الأرض. لا اريد ان اتحرك لأجذبه بالرغم من ان نسمة هواء باردة تجعلني اتكور على نفسي كالقنفد. من يقرع الباب بإصرار وقح ؟ ما اروع النوم حين تحتويك فكرة بان ما تتغطى به ليس لحافا وانما حسناء. ليقرع الباب وليصحو غيري، انا لن أقوم، قلت لها قبل ان تغادر بي الطائرة موسكو باني اشعر ان قدمي تسوقاني للسجن. قالت ببراءة ودهشة، وهي تضم ذراعي الى صدرها الدافئ وسط نهديها: - لكن لماذا... هل انت شرير؟! النهدان ينقلان لي ، عبر ذراعي.. خفقات قلبها الواجفة المذهولة، لا تفهم ولن تفهم. القرع أصبح في دماغي، رأسها يغطس وسط صدري، اضغط وجهها بيدي واتنشق عبيرها الأخاذ، قلت بتسليم: - أكيد شرير! اخذت راسها بين ذراعي، وذاب الفضاء الفاصل بين شفاعنا، مددت ساقي بقوة واردت ان اتغطى جيدا. قرع متواصل شديد. لن أقوم... افتح ؟ الجنة مغلقة!! أحلامي هي الجنة والقرع هو جهنم، فكيف استجيب؟! - متى ستعود الي؟ - تعالي معي.. - لا اعرف لغتكم. - انا اعرفها. تلاقى القطبان فحدثت ارتجاجات صدرية، النعومة تتحدى القرع.لن أقوم. - ابق معي؟ - يا ليت. - انت لا تحبني.. - يروق لي ان اراك سعيدة - لا تهرب من الجواب - اكون حزينا ان خطف الدهر ابتسامتك - انت لا تحبني. - اكون سعيدا بوجودك الدائم معي. - لماذا لا تقول لي الحقيقة؟ - لأنك تعرفينها!! غرقت في مد من قبلاتها.. وعندما جاء الجزر... كان القرع يتواصل بشدة. هل انا نائم؟ نحن غارقان في مقعد مظلل بالأشجار والليل والنسيم، ونهر موسكو يعكس النجوم بوضوح وبجانبي التعاسة المنتظرة. قلت لها: - اعترفي بحبنا.. - انت تستطع ان تسيطر على قلب المرأة ... ومدت يدها، انفرجت اصابعها بحركة تشنجية، ثم ضمت قبضتها بقوة وأضافت: - هكذا.. - لكني لم اخدعك..؟ - من يعلم؟ - انت! - انا اعطيتك كل شيء. - هذا يحز في نفسي. - جميع الرجال من نوع واحد - لم اكن استطيع ان ارفض. - انا كنت أستطع - ولكني استطع ان اسيطر على قلب المرأة هكذا؟ وقلدت حركتها واضفت: - عندها آخذ ما اريد - انت وحش شرير. - لذلك انا ذاهب الى السجن. رطبت دموعها المالحة شفتي، افتح، قرع شديد ينرفزني.. منذ شهرين لم يذوبنا العناق، لم تذوبنا القبل، لم نغب عن الوعي في انشودة الخلق، منذ شهرين والاف الأميال تفصل بيننا، اعصابي تتوتر من الطرق، لكني جائع للنوم، للدفء والأحلام. لا شيء حولي، لملمت نفسي شاعرا ببعض البرد حتى كادت ساقي تلامسان راسي.القرع شديد، من يقرع؟ ها هي بوجهها المشرق الذي يحمل مسحة حزن. امس بكت عندما خسرت عذريتها، اليوم تعطيها مسحة الحزن التي تظلل جمالها رونقا ذا فاعلية شديدة. وصلت الي وتأبطت ذراعي. لم تقل أي حرف، سرنا في اتجاه غير معروف، لا اعرف ماذا اقول لها، اشعر بارتباك شديد، ضميري يعذبني، هل أخطأت؟! طلبت مني الا اهتك عذريتها، لكن اللذة لا تعرف حدودا، استسلمت ، وها هي اليوم حزينة، مستسلمة لعشقها وعاشقها. وصلنا الى حديقة غوركي، يسميها الروس "حديقة العشاق"، جلسنا. لففت ذراعي حول كتفيها، استسلمت والقت راسها فوق كتفي لحظات وسالت دموعها بغزارة. ازداد ارتباكي، يجب ان اقول شيئا، قلت: - اني اتعذب قالت من خلال دموعها وهي تحيط خصري بذراعيها: - ليتني لم اتعرف عليك؟ - كفي الدمع. - لم يتبق لي شيء غيره. - وانا .. هل تنازلت عني؟! - ستعود الى وطنك.. وتكون لك واحدة غيري. القرع شديد، احاول ان استوعب مصدره، فأرى وجهها ، فاهتف: - أحبك. بحلقت بي بعيناها الدامعتين بدهشة ويداها تضغطان ذراعي: - نعم أحبك.. - لا اصدق.. دموعها تثيرني .. وشفتاها؟ لم اكن استطع ان اقاوم: - أحبك قلتها بقوة وضممتها الى صدري، اخذت شفتيها بين أسناني، استسلمت لحظة، ثم ابعدتني عنها بقوة: - سيرانا الناس. كانت ابتسامة حزينة تعتلي شفتيها. - حبنا أقوى من الناس أخذت تجفف دموعها، كنت أشعر بحزن شديد وبذنب لا يغتفر. كثيرا ما حاولت ان تجرني لأقول لها احبك. لم ارد ان اعترف بحبي.. انا لا استطع ان اكون لها، لكن يجب ان تكوني سعيدة يا حسنائي. انتزعت منك الشيء الذي ثمن له، فلأعطيك بدلا منه كلمات، صادقة ام كاذبة؟ ما الفرق؟ الست سعيدة بها؟ أحبك.. أحبك.. أحبك... اخذت اردد هذه الكلمة .. أخرجتني ابتسامتها التي اشرقت كشمس الفجر من حزني واضطرابي، واصلت الترديد بنشوة، ، رغم الضجة التي لا اعرف كيف تتسرب لنشوتي: - أحبك .. أحبك .. أحبك .. وضعت اصابعها فوق شفتي وقال بمرح حزين: - احد الأمثال الروسية يقول ان الحب هو مجنونان اللذان يصنعان الثالث. - لكنا لم نصنع الثالث بعد؟ - انا وأنت اثنان.. - والثالث؟ - دعك منه فلن يكون. - احبك احبك احبك.. - هذه هي حصتي منك. - لماذا انت حزينة؟ - بل انا سعيدة - لن اخطئ معك مرة أخرى. - فات الأوان لم يعد مجال للخطأ - لا افهم - هل تحبني؟ - ألم تقتنعي بعد؟ - اذن فانا كلي لك. - انت رائعة. - لقد اعطيتك كل شيء..اعصابي .. عقلي .. جسدي.. - هذا هو الحب الحقيقي .. انت اغلى شيء عندي. لماذا هذه الضجة؟ ولماذا في هذا الوقت بالذات؟ - ما اعطيتك اياه لا استطع ان استرده، وانت تستطع ان تسترد كل شيء.انا قدمت اقصى ما تستطع فتاة ان تقدمه وأنت لم تقدم سوى حبك. - من الممكن ان تصبحي فيلسوفة؟ - الرجل يلقي بجراثيمه في كل مكان والمرأة تتلقى فقط. - عدم مساواة جدير بالدراسة، لكن بالمقابل قدمت حبي؟ - شكرا سأحتفظ به في احشائي. - سنصبح ثلاثة؟ - سنبقى اثنين مجنونين. - ولكن... - انا اريدك الآن.. - كما اردتك انا امس؟ - بل كما اردتني دائما ومن اول يوم. - وهل انت لم تريديني مطلقا؟ - الآن زال الحاجز. - أنا المذنب. القرع على الباب ينرفزني. يجذني من اجمل ايامي. سراب يشملني.أين انا؟ لما الضجيج؟ حبيبتي تتوهج قربي.. رائعة كما اعهدها، دفنت راسي في صدرها هربا من الضجيج، أحطتها بذراعي، قبلتها في اعلى عنقها، احتمت من شفتي بصدري، رغم الضجيج وصلني صوتها الحزين - متى ستسافر؟ - بقت سنة وآخذك معي؟ - هنا وطني. - وهناك انا ؟ - انت لست وطني. - سأعطيك أكثر... - كل شيء يفنى - هذا مشترك لنا - ما عدا الوطن. - انت عنيدة. هزتني قرعة في قمة الشدة، عدت الى نفسي، الآن أميز قرعا حقيقيا على باب البيت، ترى من يقرع البواب في منتصف الليل؟ هل أقوم؟ أمس عندما قمنا بالمظاهرة تنبأت بالاعتقال. طريقة بوليسية كلاسيكية دمقراطية .هل تكون الشرطة؟ لا احد غيرها يستعمل الدمقراطية لإقلاق راحة الناس في الليل. قرع متواصل مرفق بكلمات عصبية، يروق لي ان اتحدى. لن أقوم، حنين جارف لاستعادة الذكريات الالقرع. قرع وقرع وقرع. النوم يشدني بقوة مغناطيسية تفوق قوة شد القرع . يسرني ان أجرب الاعتقال. لا شك اني متوهم، هل يعقل ان اعتقل على عمل لم أفعله بعد؟ التظاهر حق قانوني ولم تكن من اشكاليات مع الشرطة؟؟ هنا ديمقراطية.. هنا... صوت يصرخ بالعبرية: - تفتاح مشطراه... _ (اي افتح .. الشرطة) قرعت اذني تلك الكلمتان العبريتان. يبدو اني غارق في حلم اسرائيلي. هل يجوز ان تصل السخافة الى حد اعتقالي؟ أشعر بحركة خارج غرفتي. جزء من الحلم أم احد افراد عائلتي قد سحبهم الضجيج والقرع من نومه؟ لآنام وازيد مقلقي راحتي نرفزة. فجأة ملأ الضوء غرفتي. والدي يهزني... شيء من التثلج يسري في اطرافي. اريد ان انام، ان استعيد ذكريات الانفتاح العاطفي، ذكريات الدخول للرجولة بمعانيها وأبعادها المختلفة، لا اروع ولا أجمل من ذكريات عهد جديد انفتح في الأفق. وجهها المشرق يلوح لي.. هزة عنيفة جعلتني استعيد الواقع. لن اقوم قبل الهزة العاشرة. التثلج يذوب ويتحول الى تحد. التحدي يطرد النوم. الشرطة تنتظر وانا لن اقوم قبل ان يطول بهم الانتظار، قرعوا طويلا ما شاء لهم القرع، لينتظروا ما شاء لي وما راق لي ان اماطل. أحاول ان اعود لفتاتي، ابحث عنها في وعيي وفي لا وعيي، اناديها بصمت واصرار.. انتظر طيفها.. ابتسامتها. عطرها.. يعتريني القلق الغريب.. هزة جديدة .. هل هي العاشرة؟ او ربما العشرون؟ اذن لأفتح عيني بمشيئة الأب والابن والروح القدس والديمقراطية وشرطة اسرائيل !! nabiloudeh@gmail.com

03.09.2013

عملاء مخابرات يهود تزوجوا نساء فلسطينيات بهدف مراقبة المجتمع الفلسطيني في إسرائيل

عملاء مخابرات يهود تزوجوا نساء فلسطينيات بهدف مراقبة المجتمع الفلسطيني في إسرائيل

تفاصيل قضية مشينة .. تفجرها دورية إسرائيلية جديدة عن الواقع المأساوي والرهيب الذي واجهه الشعب الفلسطيني عامة والعرب الفلسطينيين داخل إسرائيل ضمنهم لم ينكشف بعد بكل بشاعته، هناك وثائق لم يكشف عنها، رغم مرور الفترة الزمنية القانونية (50 سنة) للحفاظ على سريتها. بدل كشفها جددت سريتها قبل فترة وجيزة بأمر من رئيس الحكومة نتنياهو، مما يشير إلى رعبهم من سجلاتهم ومن تاريخهم، الذي يتعلق عشية إقامة دولة يهودية في فلسطين وما تلا ذلك خلال العقدين الأولين .

تفاصيل قضية مشينة .. تفجرها دورية إسرائيلية جديدة عن الواقع المأساوي والرهيب الذي واجهه الشعب الفلسطيني عامة والعرب الفلسطينيين داخل إسرائيل ضمنهم لم ينكشف بعد بكل بشاعته، هناك وثائق لم يكشف عنها، رغم مرور الفترة الزمنية القانونية (50 سنة) للحفاظ على سريتها. بدل كشفها جددت سريتها قبل فترة وجيزة بأمر من رئيس الحكومة نتنياهو، مما يشير إلى رعبهم من سجلاتهم ومن تاريخهم، الذي يتعلق عشية إقامة دولة يهودية في فلسطين وما تلا ذلك خلال العقدين الأولين .

28.08.2013

كتاب تاريخ الناصرة – مسيرة عبر العصور. مسح موسوعي شامل لمدينة الناصرة

كتاب تاريخ الناصرة – مسيرة عبر العصور. مسح موسوعي شامل لمدينة الناصرة

كتاب "تاريخ الناصرة" للاديبة والباحثة نهى زعرب قعوار من مدينة الناصرة يعتبر بحثاً واسعاً وشاملاً حول تاريخ الناصرة، ومسيرتها عبر العصور، وهو من أوسع وأضخم الأبحاث التي صدرت عن تاريخ مدينة الناصرة بحاضرها وماضيها، وهو يحوي كافة المعلومات المطلوبة عن الناصرة، منذ كانت وحتى يومنا هذا. البحث /المجلد، صدر في اواخر العام (2000) ويشمل على (680) صفحة من الحجم الكبير، وهو جهد كبير كرسته نهى قعوار، عبر سنوات طويلة من البحث والاطلاع والتجميع لمعلومات نادرة عن كل ما يتعلق بتاريخ الناصرة، وقد افتتحت بحثها القيم بقصيدة من تاليفها عن الناصرة (الباحثة معروفة كشاعرة ايضا) بدل مقدمة، تقول في قصيدتها: يا بلدة قبلما التاريخ حل بها روح الاله تجلى في روابيها وتهدي الباحثة نهى قعوار كتابها / مجلدها لكل محب للناصرة، والى اهل الناصرة الذين صمدوا كالحصن الجاثم والشامخ فوق تلالها وجبالها، محافظين على ما تبقى من ترابها المقدس، وعلى كل قطرة ماء ذرفتها عين العذراء مريم وشرب منها سكان الناصرة قديما وحديثا، كما شرب منها سكان المعمورة قاطبة . كذلك تهدي كتابها الى كل مغترب من الناصرة،والى كل عربي واجنبي يهتم بتاريخ هذه البلدة التاريخية العريقة المقدسة، والى كل نبتة صبر مغروسة وصامدة على ارض هذا البلد الطيب المعطاء. وفي التمهيد تعترف نهى قعوار بصعوبة المهمة التي قامت بها لقلة المصادر والموارد المكتوبة عن الناصرة وعن تاريخها الحافل والشامل على مدى عقود التاريخ القديم والحديث. يعتبر هذا العمل من اهم الاعمال التوثيقية عن تاريخ الناصرة، وهو مزين بصور تاريخية عديدة، وتنهي نهى قعوار بحثها الضخم بقصيدة اخرى من تاليفها ،تغنى على وزن "دلعونا" تقول في مطلعها: "بلدي يا ناصرة بلد البشارة، بلد المحبة بلد الحضارة، تاريخ الاديان من هالمغارة، ارفعي راسك حتى يشوفونا" كذلك ارفقت نهاية بحثها بمجموعة كبيرة من الامثال المتداولة بين اهالي الناصرة، وقد استعانت في وضع مؤلفها بما يقارب السبعين مرجعاً وبحثاً. ولاعطاء فكرة عن هذا الكتاب الهام لا بد من الاشارة الى فصوله. قسمت الباحثة كتابها الى عشرين بحثا او فصلا ،بداتها كما هو متوقع باسم مدينة الناصرة، موقعها، مناخها وجبالها. وفي الفصل الثاني تعالج مساكن الناصرة واحياءها واسواقها والصناعات والحياة التجارية وعدد السكان الخ... في الفصل الثالث تطل على الناصرة في بطون التاريخ، وفي عهد المسيح، ومواقعها التاريخية والسياحية ،ومكانتها في الكتاب المقدس وفي اقوال المؤرخين. اما في الفصل الرابع فكتبت عن عين العذراء اشهر مواقع الناصرة اطلاقا، وكتبت عن مصادر المياه، وينابيع الناصرة، والامطار وصلاة الغيث، التي تعتبر من التقاليد الفولكلورية التي بدأت تختفي. في الفصل الخامس تقدم معلومات عن المدارس والتعليم في الناصرة قديماً وحديثاً، وعن الاناشيد المدرسية حتى عام 1948. وفي الفصل السادس تستعرض المعالم الاثرية في الناصرة، مثل الحمام التركي، المسكوبية (التي كانت مدرسة روسية مشهورة تخرج منها الكثير من رجال الفكر والمشهورين على صعيد العالم العربي والعالم اجمع مثل ميخائيل نعيمة وكلثوم عودة وغيرهم) كما تكلمت عن مدرسة شنلر الالمانية المهنية التي تخرج منها الكثير من المهنيين في الناصرة والقضاء. وكتبت عن دير ابو اليتامى السلزيان، وتيراسانطة التي هي اليوم مدرسة ثانوية ذات مستوى عال. اما في الفصل السابع فتدخل الى عالم الازياء والحلي، وعادات الزواج والاحزان والولادة والمشاكل لدى اهل الناصرة". تعالج في الفصل الثامن، موضوع الاراضي في الناصرة، والاغاني النصراوية على الارض ومرج ابن عامر "قطعن النصراويات مرج ابن عامر" وقرى القضاء وتسجل قائمة بأسماء القرى وسكانها ومساحتها. من الفصل التاسع حتى الفصل الثاني عشر، تستعرض كنائس الناصرة وقيمتها التاريخية والاثرية، والعهود الصليبية فيها، وسجل عن أملاك وأوقاف الطوائف العربية المسيحية وغيرها من المسائل المثيرة للاهتمام، والتي تشمل معلومات بعضها غاب عنا او لا نعرف عنه شيئا. في الفصل الثالث عشر تقدم عرضاً للمقدسات الاسلامية في الناصرة، والجوامع والمقامات الدينية المشهورة بالناصرة. أما في الفصل الرابع عشر، فكتبت عن فنادق الناصرة، بدءاً من الخانات المشهورة تاريخياً وصولاً للكازانوفا. في الفصل الخامس عشر تتحدث عن بلدية الناصرة وتقدم سجلاً بأسماء رؤساء البلدية فيها. وتنهي الفصل بالحديث عن مشروع الناصرة 2000 الذي نفذته بلدية الناصرة الحالية. وتعود في الفصل السادس عشر لاعماق التاريخ، لتقدم لنا بحثاً وافياً عن أصل أهل الناصرة، وأصل العرب المسيحيين، والمبنى الديني والطائفي في الناصرة، وعائلات الناصرة القديمة. في الفصل السابع عشر، تستعرض نهى قعوار تاريخ مستشفيات الناصرة، والخدمات الانسانية التي قدمتها في فترة غياب أي خدمات طبية حكومية وصولاً لأيامنا، واستمراراً لهذا الدور وللتطوير المتواصل للمستشفيات وتحويلها الى مراكز طبية ذات مستوى عال لا يقل عن مستوى المستشفيات الاسرائيلية الاخرى، رغم الضائقة المالية، وتهرب السلطات المسؤولة من التزاماتها المالية. في الفصل الثامن عشر، تتحدث عن العهود التي مرت على الناصرة، وخاصة في فترة الصليبيين والمماليك والعهد العثماني. وفصل خاص عن عهد ظاهر العمر، وصولاً للانتداب البريطاني وللحركات السياسية التي قامت، وبالاساس عصبة التحرر الوطني (تنظيم شيوعي) ثم احتلال اليهود والتغييرات التي جرت على الناصرة بعد إقامة دولة اسرائيل ومشاريع التهويد والمصادرة للأرض وإقامة المستعمرات على أراضي الناصرة والمنطقة وخاصة نتسيرت عيليت. في الفصل التاسع عشر، تعود لبطون التاريخ القديم، لتبين ان الجليل كان موطنا للانسان القديم، ومركزا للبشارة والتعاليم المسيحية، وتقدم جدولاً بالذين سكنوا الارض المقدسة، وصلة العرب بالعبرانيين، وغيرها من القضايا التي تتحدث عن عصر العبرانيين، واصل سكان فلسطين، واسباب ادعاء اليهود بان فلسطين ارض اجدادهم، وصولاً للفتح العربي لفلسطين. وفي الفصل الاخير، العشرين تتحدث عن اعلام الفكر والعلم والادب. وعن شخصيات ادبية عاشت على ارض الناصرة قديماً وحديثاً، وتواريخ مهمة في حياة الفلسطينيين. ما استعرضته نهى زعرب قعوار، هو نقطة من بحر هذا البحث، أكثر الأبحاث اكتمالاً وتجميعاً للمعارف والمعلومات عن الناصرة. وهو بلا شك مرجع ضروري، لكل من يريد ان يعرف عن الناصرة وتاريخها وحضارتها وواقعها الحديث.

كتاب "تاريخ الناصرة" للاديبة والباحثة نهى زعرب قعوار من مدينة الناصرة يعتبر بحثاً واسعاً وشاملاً حول تاريخ الناصرة، ومسيرتها عبر العصور، وهو من أوسع وأضخم الأبحاث التي صدرت عن تاريخ مدينة الناصرة بحاضرها وماضيها، وهو يحوي كافة المعلومات المطلوبة عن الناصرة، منذ كانت وحتى يومنا هذا. البحث /المجلد، صدر في اواخر العام (2000) ويشمل على (680) صفحة من الحجم الكبير، وهو جهد كبير كرسته نهى قعوار، عبر سنوات طويلة من البحث والاطلاع والتجميع لمعلومات نادرة عن كل ما يتعلق بتاريخ الناصرة، وقد افتتحت بحثها القيم بقصيدة من تاليفها عن الناصرة (الباحثة معروفة كشاعرة ايضا) بدل مقدمة، تقول في قصيدتها: يا بلدة قبلما التاريخ حل بها روح الاله تجلى في روابيها وتهدي الباحثة نهى قعوار كتابها / مجلدها لكل محب للناصرة، والى اهل الناصرة الذين صمدوا كالحصن الجاثم والشامخ فوق تلالها وجبالها، محافظين على ما تبقى من ترابها المقدس، وعلى كل قطرة ماء ذرفتها عين العذراء مريم وشرب منها سكان الناصرة قديما وحديثا، كما شرب منها سكان المعمورة قاطبة . كذلك تهدي كتابها الى كل مغترب من الناصرة،والى كل عربي واجنبي يهتم بتاريخ هذه البلدة التاريخية العريقة المقدسة، والى كل نبتة صبر مغروسة وصامدة على ارض هذا البلد الطيب المعطاء. وفي التمهيد تعترف نهى قعوار بصعوبة المهمة التي قامت بها لقلة المصادر والموارد المكتوبة عن الناصرة وعن تاريخها الحافل والشامل على مدى عقود التاريخ القديم والحديث. يعتبر هذا العمل من اهم الاعمال التوثيقية عن تاريخ الناصرة، وهو مزين بصور تاريخية عديدة، وتنهي نهى قعوار بحثها الضخم بقصيدة اخرى من تاليفها ،تغنى على وزن "دلعونا" تقول في مطلعها: "بلدي يا ناصرة بلد البشارة، بلد المحبة بلد الحضارة، تاريخ الاديان من هالمغارة، ارفعي راسك حتى يشوفونا" كذلك ارفقت نهاية بحثها بمجموعة كبيرة من الامثال المتداولة بين اهالي الناصرة، وقد استعانت في وضع مؤلفها بما يقارب السبعين مرجعاً وبحثاً. ولاعطاء فكرة عن هذا الكتاب الهام لا بد من الاشارة الى فصوله. قسمت الباحثة كتابها الى عشرين بحثا او فصلا ،بداتها كما هو متوقع باسم مدينة الناصرة، موقعها، مناخها وجبالها. وفي الفصل الثاني تعالج مساكن الناصرة واحياءها واسواقها والصناعات والحياة التجارية وعدد السكان الخ... في الفصل الثالث تطل على الناصرة في بطون التاريخ، وفي عهد المسيح، ومواقعها التاريخية والسياحية ،ومكانتها في الكتاب المقدس وفي اقوال المؤرخين. اما في الفصل الرابع فكتبت عن عين العذراء اشهر مواقع الناصرة اطلاقا، وكتبت عن مصادر المياه، وينابيع الناصرة، والامطار وصلاة الغيث، التي تعتبر من التقاليد الفولكلورية التي بدأت تختفي. في الفصل الخامس تقدم معلومات عن المدارس والتعليم في الناصرة قديماً وحديثاً، وعن الاناشيد المدرسية حتى عام 1948. وفي الفصل السادس تستعرض المعالم الاثرية في الناصرة، مثل الحمام التركي، المسكوبية (التي كانت مدرسة روسية مشهورة تخرج منها الكثير من رجال الفكر والمشهورين على صعيد العالم العربي والعالم اجمع مثل ميخائيل نعيمة وكلثوم عودة وغيرهم) كما تكلمت عن مدرسة شنلر الالمانية المهنية التي تخرج منها الكثير من المهنيين في الناصرة والقضاء. وكتبت عن دير ابو اليتامى السلزيان، وتيراسانطة التي هي اليوم مدرسة ثانوية ذات مستوى عال. اما في الفصل السابع فتدخل الى عالم الازياء والحلي، وعادات الزواج والاحزان والولادة والمشاكل لدى اهل الناصرة". تعالج في الفصل الثامن، موضوع الاراضي في الناصرة، والاغاني النصراوية على الارض ومرج ابن عامر "قطعن النصراويات مرج ابن عامر" وقرى القضاء وتسجل قائمة بأسماء القرى وسكانها ومساحتها. من الفصل التاسع حتى الفصل الثاني عشر، تستعرض كنائس الناصرة وقيمتها التاريخية والاثرية، والعهود الصليبية فيها، وسجل عن أملاك وأوقاف الطوائف العربية المسيحية وغيرها من المسائل المثيرة للاهتمام، والتي تشمل معلومات بعضها غاب عنا او لا نعرف عنه شيئا. في الفصل الثالث عشر تقدم عرضاً للمقدسات الاسلامية في الناصرة، والجوامع والمقامات الدينية المشهورة بالناصرة. أما في الفصل الرابع عشر، فكتبت عن فنادق الناصرة، بدءاً من الخانات المشهورة تاريخياً وصولاً للكازانوفا. في الفصل الخامس عشر تتحدث عن بلدية الناصرة وتقدم سجلاً بأسماء رؤساء البلدية فيها. وتنهي الفصل بالحديث عن مشروع الناصرة 2000 الذي نفذته بلدية الناصرة الحالية. وتعود في الفصل السادس عشر لاعماق التاريخ، لتقدم لنا بحثاً وافياً عن أصل أهل الناصرة، وأصل العرب المسيحيين، والمبنى الديني والطائفي في الناصرة، وعائلات الناصرة القديمة. في الفصل السابع عشر، تستعرض نهى قعوار تاريخ مستشفيات الناصرة، والخدمات الانسانية التي قدمتها في فترة غياب أي خدمات طبية حكومية وصولاً لأيامنا، واستمراراً لهذا الدور وللتطوير المتواصل للمستشفيات وتحويلها الى مراكز طبية ذات مستوى عال لا يقل عن مستوى المستشفيات الاسرائيلية الاخرى، رغم الضائقة المالية، وتهرب السلطات المسؤولة من التزاماتها المالية. في الفصل الثامن عشر، تتحدث عن العهود التي مرت على الناصرة، وخاصة في فترة الصليبيين والمماليك والعهد العثماني. وفصل خاص عن عهد ظاهر العمر، وصولاً للانتداب البريطاني وللحركات السياسية التي قامت، وبالاساس عصبة التحرر الوطني (تنظيم شيوعي) ثم احتلال اليهود والتغييرات التي جرت على الناصرة بعد إقامة دولة اسرائيل ومشاريع التهويد والمصادرة للأرض وإقامة المستعمرات على أراضي الناصرة والمنطقة وخاصة نتسيرت عيليت. في الفصل التاسع عشر، تعود لبطون التاريخ القديم، لتبين ان الجليل كان موطنا للانسان القديم، ومركزا للبشارة والتعاليم المسيحية، وتقدم جدولاً بالذين سكنوا الارض المقدسة، وصلة العرب بالعبرانيين، وغيرها من القضايا التي تتحدث عن عصر العبرانيين، واصل سكان فلسطين، واسباب ادعاء اليهود بان فلسطين ارض اجدادهم، وصولاً للفتح العربي لفلسطين. وفي الفصل الاخير، العشرين تتحدث عن اعلام الفكر والعلم والادب. وعن شخصيات ادبية عاشت على ارض الناصرة قديماً وحديثاً، وتواريخ مهمة في حياة الفلسطينيين. ما استعرضته نهى زعرب قعوار، هو نقطة من بحر هذا البحث، أكثر الأبحاث اكتمالاً وتجميعاً للمعارف والمعلومات عن الناصرة. وهو بلا شك مرجع ضروري، لكل من يريد ان يعرف عن الناصرة وتاريخها وحضارتها وواقعها الحديث.

12.08.2013