عندما تنتهي السياسة وتصير الكنيست مصيدة!

بقلم: مرزوق الحلبي

عندما تنتهي السياسة وتصير الكنيست مصيدة!
نُشر · قراءة 3 دقائق

لا أحسد عضو الكنيست العربي على الأجواء المشحونة التي يضطرّ للعمل وسطها، كان ذلك داخل الكنيست أو خارجها. فالأجواء العنصرية تستدعي أحيانا أن تبصق في وجهها أو التفوّه بكلام ما كنتَ تحلم أن تقوله. فعندما تحوّلك العنصرية إلى موضوعًا لها فلا يهمّ كم أنت من الثقافة أو من النُبل أو المعرفة أو الوطنية ـ في هذه الحالة ستجعلك "ضئيلا" و"قبيحا" لأنها ستجرّك إلى ملعبها المُريح وهو ملعب ضيّق وسخ وكريه لا بطولة فيه.

لقد وصلت الحالة السياسية البرلمانية وسواها إلى نقطة صار لزاما فيها على العربي هنا ـ كان حزبا أو حركة أو فردا ـ أن يحسم خياراته من جديد. فالبقاء في الكنيست يتحوّل، كما اليوم، إلى صورة عبثية ـ ليس بسبب أعضاء الكنيست العرب بل بسبب عنصرية النُخب اليهودية وعسف الحكومة وعدوانيتها. وهي صورة تكرّرت كثيرا في السنوات الأخيرة. وهي ناتجة في الأساس من الصدام بين إرادة الأغلبية اليهودية أن يُرحلونا عن البرلمان ـ تيمّنا بترحيلنا عن هذا الحيز أو مقدّمة له، وبين رغبتنا في الحضور وإثبات الوجود كناس ورواية لناس وصوت ووجوه وعنفوان وتاريخ وحقوق. 

هذا الصِدام رأيناه اليوم وأمس وقبلها مرات كثيرة. يُحاول النواب العرب أن يحضروا في مكان يسعى لتغييبهم ليس قبل أن يُهينهم ويذلّهم كما نرى في الكنيست أو الحيز الإعلامي العبري! وهذه حالات تُستفزّ فيها المشاعر وتُشحن إلى أعلى درجة من غليان، والرجل الرجل مَنّامَن يستطيع الحفاظ على انضباطه وصورته النبيلة!

في إحدى المرات قال لي المرحوم إميل حبيبي، وكان أشغل منصب عضو كنيست لعشرين سنة، أنه يُشفق على أعضاء الكنيست العرب (في التسعينيات) بسبب من قلة أدب ووقاحة زملائهم اليهود والتعامل الرسمي المُهين معهم. وأضاف أنهم حتى "في عزّها وحْماها" لم يتعرّضوا لمثل هذه الوقاحة والصلف.

أقوال الراحل حبيبي تعكس تغيرات عميقة في حالة التواجد العربي في الكنيست. وقد قيلت قبل أن تستفحل الأمور على شكل سياسات واضحة وصريحة قولا وفعلا للتخلّص من العربي المتواجد على مقاعد الكنيست مثل رفع نسبة الحسم، حظر حركات، تعديل قانون أساس الكنيست، وخطاب عنصري تحريضي يومي وتعديلات تشريعية غايتها منع التداول على الحُكم بشراكة عربية.

هذه تغيرات استراتيجية ينبغي التفكير فيها استراتيجيا يعني ليس بأدوات الحزب والحركة المستفيدين من التواجد هناك ولا بمفاهيم المرحلة السابقة حين كانت الغالبية اليهودية في الكنيست تعرف الحياء أو الأصول أو تؤمن بضرورة الحفاظ على مساحة ما من الدمقراطية أمام نفسها وأمام العالم. ولأن لا شيء من هذا بقي، وإذا بقي منه شيء، فهو ضحية كالنائب العربي تماما، يُمكن إهانته وإذلاله وتصويره كفائض غير مرغوب أو "زائدة دودية".فما جدوى البقاء هناك في شروط كهذه ـ سؤال يطنّ بقوة ونابع من مسؤولية وطنية وإنسانية كاملة وواعية!

أمر آخر ينبغي أخذه بالاعتبار هو تلك القُدرة غير المحدودة للنُخب الإسرائيلية على استغلال الحضور العربي في الكنيست لغرض إثبات وجود دمقراطية إسرائيلية. وإلا كيف يكون العرب حاضرين هناك وبمواقف كهذه؟ بمواقف لا يستطيع أي عربي أن يطرحها من على منبر برلماني في دولة عربية أيا كانت؟ بمعنى أن هذا الوجود، صار كما صار، حجّة على النائب العربي نفسه وعلينا من بعده. وهذا ليس خطاب عنصري وإنما الواقع الإسرائيلي المتحوّل بشكل يستعدي العرب كلّيا كانوا "معتدلين" أو "متطرفين" أو "إسلاميين" أو "قوميين" أو "جبهويين" يؤمنون بالشراكة العربية ـ اليهودية. طالما اعتمد العربي خطاب هويته وروايته فهو غير مرغوب فيه. الحالة الوحيدة المقبولة في الكنيست هو غيابه المعنوي والرمزي والفعلي ـ أنظر كيف تعامل زعيم حزب العمل الجديد مع النائب العربي زهير بهلول؟ إنه حضور بغير معنى أو غائب المعنى أو حضور المعنى مشوّها ومعتدى عليه!

تطبيق إذاعة الشمس

حمّل تطبيق إذاعة الشمس

استمع للبث، تابع الأخبار، واحصل على إشعارات لحظية.

إذاعة الشمس على تلغرام

تابع آخر الأخبار لحظة بلحظة

أخبار عاجلة · تقارير حصرية · مباشر

انضم للقناة

فإذا أرادت القيادات العربية هنا استعادة الكرامة والمعنى، وإذا أرادت أن تُمكّن شعبها وتُعفيه من مشاهد الإذلال والإخضاع عليها أن تدرس خيار ترك البرلمان الإسرائيلي. وترك البرلمان لا يعني ترك الساحة ولا الحيز العام ولا النضال ولا تعني التخلّي عن مبدأ النضال العربي ـ اليهودي، بل هي فرصة لتطوير الأدوات النضالية واستعادة زمام المبادرة والفعل السياسي في ملعب مناهض للعنصرية وبديل لها. وعلينا أن نعترف أن الكنيست كبرلمان انحدرت إلى حالة من العدمية بسبب من حضور القوة وغياب السياسة وليس في السياق العربي وحده!

وأرجو ألا يناقشني أحد من زاوية أنه لا يزال عضو الكنيست العربي قادرا على تحصيل فرع بريد لهذه البلدة أو تلك، مثل هذه الأمور تستطيع مبادرة محلية لمجموعة مواطنين أن تقوم بها أو جمعية خدماتية أو حقوقية متخصّصة.

يتم استخدام المواد المنشورة على موقع الشمس وفقًا لأحكام المادة 27أ من قانون حقوق التأليف والنشر لعام 2007.
في حال كنت تعتقد أن استخدام أي مادة منشورة على الموقع ينتهك حقوقك بصفتك صاحب حقوق الطبع والنشر، يمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: info@ashams.com، وطلب وقف استخدام المادة.
يرجى عند التواصل تزويدنا بالاسم الكامل، ورقم الهاتف، وإرفاق صورة عن الشاشة (Screenshot) ورابط الصفحة ذات الصلة على موقع الشمس.
شكرًا لتعاونكم.

آخر الأخبار

  1. الجيش الإسرائيلي يطلق قنابل الغاز.. حرائق تندلع في جبل المشارف بالعيساوية محليات ·
  2. ترامب: الحرب ستنتهي قريبًا وإيران لن تمتلك سلاحًا نوويًا عالمي ·
  3. القدس: اعتقال رجل بشبهة قتل فاطمة الرجبي والعثور على جثة مجهولة محليات ·
  4. إسرائيل تعلن إغلاق معبر كرم أبو سالم الأحد والاثنين بسبب عيد الغفران اسرائيلي ·
  5. بقرار صارم وثورة تجديد.. زيدان يدشن حقبته مع فرنسا بـ 5 وجوه جديدة ويمنع "عرض الأزياء" رياضة ·
  6. القيادة الأمريكية: تغيير مسار 105 سفن تجارية منذ استئناف الحصار البحري على إيران عالمي ·
  7. رافينيا يعتلي العرش وملاحقة مدريدية.. ترتيب هدافي الدوري الإسباني قبل الجولة السابعة رياضة ·
  8. هالاند يغرد على القمة.. ترتيب هدافي الدوري الإنجليزي قبل صدام الجولة الخامسة رياضة ·
  9. الجيش اللبناني: قوة إسرائيلية اقتربت من نقطة عسكرية في ديرميماس وألقت قنابل صوتية عربي ·
  10. صدمة ميركاتو برشلونة تدفع ألفاريز لقرار مصيري ضد وكيل أعماله رياضة ·
كل الأخبار ←
مقالات ربما فاتتك
من سؤال عن ديانتها إلى إغلاق المدرسة.. معلمة عربية تروي ما حدث في أور عكيفا لماذا يهاجر الأطباء العرب من إسرائيل؟ جريمة ثلاثية مروعة: العثور على ثلاثة شبان من جلجولية داخل سيارة محترقة مجد الكروم تنتفض: المئات يتصدون لمحاولات الاستيطان