من المفترض أن تكون الرياضة مساحة آمنة للجميع، منصة للمساواة والفرح والتنافس الشريف، بعيداً عن الخلفيات الدينية أو القومية أو السياسية. وفي معظم دول العالم، تُعتبر الرياضة أداة لتقريب الشعوب وبناء الجسور بين الثقافات المختلفة.
لكن في إسرائيل، الصورة مختلفة تماماً، خصوصاً في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد الخطاب العنصري، أصبحت الرياضة، وخاصة كرة القدم الإسرائيلية، مرآة تعكس الواقع الاجتماعي والسياسي المتأزم، لا سيما تجاه اللاعبين العرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر.
السابع من أكتوبر "نقطة تحول"
منذ أحداث 7 أكتوبر، التي اعتُبرت نقطة تحول في المشهد الأمني والسياسي في إسرائيل، تفجّرت موجة جديدة من العنصرية ضد العرب، لم تستثنِ أحداً، حتى الرياضيين الذين لطالما حملوا اسم البلاد في المحافل الدولية.
ما بعد هذا الحدث لم يكن مجرد أزمة أمنية، بل تحول إلى مرحلة مفصلية في نظرة الشارع الإسرائيلي، وعدد من المسؤولين الحكوميين والمؤسسات، تجاه المواطنين العرب، بغض النظر عن مواقفهم السياسية أو التزامهم المهني أو مساهماتهم الرياضية.
تصاعد العنصرية في ملاعب كرة القدم الإسرائيلية
تجلّى هذا التوتر بشكل خاص في ملاعب كرة القدم الإسرائيلية، حيث أصبحت العنصرية ضد اللاعبين العرب ظاهرة يومية تقريباً.
اللاعبون العرب الذين يمثلون المنتخب الإسرائيلي أو الأندية المحلية لم يعودوا بمنأى عن الهجمات اللفظية والتهديدات وحتى المقاطعة. على سبيل المثال، مؤنس دبور، محمد أبو فنة، وضياء سبع، وغيرهم من اللاعبين المعروفين بأدائهم الرياضي المميز، تعرضوا لحملات ممنهجة من الكراهية والشك في “ولائهم” لمجرد تعبيرهم عن مشاعر إنسانية أو حتى لصمتهم في قضايا معينة.
في كثير من الحالات، تم استبعاد بعض اللاعبين مؤقتاً من فرقهم، ليس لأسباب رياضية بل لـ”تهدئة الوضع”، على حد تعبير بعض الأندية. هذا النوع من القرارات يعكس مدى هشاشة الحماية المؤسسية لهؤلاء الرياضيين، ويفتح الباب أمام التحريض والتشهير الشخصي بهم وبعائلاتهم.
“بيتار القدس” نموذج فج للعنصرية المؤسسية
واحدة من أبرز الأمثلة على العنصرية المؤسسية في الرياضة الإسرائيلية، هو جمهور فريق بيتار القدس، المعروف تاريخياً بهتافاته العنصرية ضد العرب. هذا الجمهور لم يتوقف عن ترديد شعارات الكراهية، بل ويجاهر بها في كل مباراة تقريباً، دون أن يواجه أي محاسبة فعلية من الاتحاد الإسرائيلي أو الجهات المعنية.
الخطير في الموضوع أن العنصرية في الملاعب لم تعد تصرفات فردية أو معزولة، بل أصبحت شبه مؤسسية، بتواطؤ واضح من بعض الأندية، والإعلام، بل وحتى السياسيين. يتم تجاهل هذه الانتهاكات بشكل متكرر، مما يجعل اللاعب العربي في موقف ضعيف، ومحاصر بين التمييز الجماهيري، وتخاذل المؤسسات، وخوف الأندية من “الضغط الجماهيري”.
اتحاد أبناء سخنين… فريق عربي ناجح يُعامَل كغريب
رغم نجاحه وتاريخه العريق، يعاني فريق اتحاد أبناء سخنين من نفس النظرة العنصرية. هذا النادي العربي الذي ينافس في الدرجة العليا من الدوري الإسرائيلي، يُعامَل في الإعلام وكأنه “جسم غريب”، لا يُنظر إليه بنفس النظرة التي تُمنح لفرق يهودية. هذا التعامل يُظهر بوضوح أن التمييز في الرياضة الإسرائيلية ليس موجهاً فقط ضد الأفراد، بل يمتد ليشمل الفرق والمؤسسات العربية.
هل يمكن للرياضة أن تكون جسر سلام؟
من المفترض أن تكون الرياضة جسر تواصل وسلام بين المجتمعات المختلفة، لكنها في الحالة الإسرائيلية، تتحول إلى أداة تعمّق الانقسام، عندما لا يتم التصدي بصرامة للعناصر العنصرية. ما نراه اليوم هو انعكاس لفشل متواصل في معالجة ملف التمييز والعنصرية داخل المجتمع الإسرائيلي، وخاصة داخل قطاع الرياضة الذي من المفترض أن يكون قدوة في الانفتاح والمساواة.
لكي تستعيد الرياضة دورها النزيه، لا بد من اتخاذ خطوات عملية وحقيقية تبدأ من الداخل، وتشمل:
• فرض عقوبات حازمة على الهتافات العنصرية، سواء من الجماهير أو اللاعبين أو المسؤولين.
• دعم اللاعبين العرب والفلسطينيين دون شروط أو قيود على خلفياتهم القومية أو السياسية.
• وضع قيود صارمة على جمهور الفرق المعروفة بتحريضها، ومنعهم من نشر الكراهية داخل الملاعب أو عبر منصات التواصل الاجتماعي.
• إعادة بناء الثقة داخل الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم، بحيث يضمن الحماية المتساوية لجميع اللاعبين، ويحاسب كل من يخرق قواعد الاحترام والتسامح.
• إطلاق حملات توعية واسعة داخل الأندية والمدارس والمجتمع حول أهمية التنوع والتعددية في المجتمع الرياضي.
ما بين “الولاء” والانتماء: اللاعب العربي في مفترق طرق
المؤسف أن اللاعبين العرب الذين من المفترض أن يُنظر إليهم كرموز للاندماج والنجاح، يُعامَلون وكأنهم ضيوف مؤقتون أو حتى “خطر داخلي”. وهذا الشعور لا يأتي فقط من الجمهور المتطرف، بل أيضاً من تغطيات الإعلام التي تُسلّط الضوء على “ردة فعل اللاعب العربي” وتضخمها، بدلاً من التركيز على مهاراته وأدائه الرياضي.
في السياق الحالي، من الصعب تصور تغيير جذري، خاصة في ظل سيطرة خطاب اليمين المتطرف على السياسة والإعلام. لكن الضغط المستمر، من الداخل والخارج، قد يؤدي إلى بعض التحسينات التدريجية.
هل هناك أمل؟
رغم الصورة القاتمة، لا يزال هناك أمل في أن تعود الرياضة في إسرائيل إلى مسارها الصحيح، شرط أن يتم الاعتراف أولاً بوجود مشكلة حقيقية في العنصرية ضد العرب في كرة القدم الإسرائيلية. التغيير يبدأ من الاعتراف، ثم بالمحاسبة، وأخيراً ببناء بيئة رياضية عادلة يكون فيها اللاعب العربي شريكاً كاملاً، لا ضيفاً مشكوكاً فيه.