ما الذي يجعل مباراة كرة قدم تتحول إلى أزمة دبلوماسية رياضية؟ وهل يمكن للهتاف من المدرجات أن يهز الثقة بين بلدين يتشاركان تاريخًا طويلًا من العلاقات والأخوة؟ هذه الأسئلة طفت إلى السطح بعد المواجهة المثيرة للجدل بين العراق وفلسطين، التي أُقيمت في عمان ضمن التصفيات الآسيوية المؤهلة لكأس العالم 2026.
في خضم التصفيات الآسيوية المؤهلة إلى كأس العالم 2026، برزت أزمة جديدة في كرة القدم العربية، لكنها هذه المرة لم تكن فنية، بل جماهيرية وسياسية، حملت معها تساؤلات عميقة حول البيئة الرياضية في المنطقة، ومدى قدرة الاتحادات على ضبط الإيقاع الجماهيري عندما تشتعل المشاعر الوطنية.
في 26 مارس 2025، وفي استاد عمان الدولي، جرت مباراة بين منتخبي العراق وفلسطين ضمن الجولة التاسعة من التصفيات. المباراة انتهت بفوز فلسطين 2-1، لكنها بدأت في مدرجات الجمهور، لا على أرض الملعب.
ماذا حدث في عمان؟
بعد مرور دقائق من انطلاق المباراة، رُصدت هتافات من بعض الجماهير الأردنية الحاضرة ضد المنتخب العراقي. الفيديوهات التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي أظهرت هتافات تحمل طابعًا سياسيًا وطائفيًا، ما اعتُبر إهانة مباشرة للمنتخب العراقي ولاعبيه. رغم أن المباراة كانت بين العراق وفلسطين، إلا أن أجواء اللقاء تأثرت بشكل مباشر بالحضور الجماهيري الأردني، الذي شكّل الأغلبية نظرًا لإقامة اللقاء في العاصمة عمان.
الاتحاد العراقي لم يتأخر في الرد، فأصدر بيانًا رسميًا قال فيه: "تعرض منتخبنا الوطني إلى هتافات سياسية وعنصرية تحريضية داخل ملعب المباراة، وشهدت المواجهة تهديدًا واضحًا على السلامة البدنية والنفسية للاعبينا ومشجعينا".
وعلى ضوء ذلك، رفع الاتحاد العراقي شكوى رسمية إلى الاتحادين الآسيوي والدولي لكرة القدم، مطالبًا بنقل مباراته القادمة أمام منتخب الأردن المقررة في عمان، إلى ملعب محايد، أو إقامتها دون جمهور"لحماية المنتخب العراقي" مشددًا على أن الظروف الأمنية والنفسية لم تعد مهيأة لخوض اللقاء في الأراضي الأردنية.
وأوضح الاتحاد العراقي في الشكوى أنه "بعد انطلاق المباراة بدقائق صدرت الهتافات السياسية والعنصرية فضلا عن التهديدات التي تعرض لها منتخب العراق ومشجعوه من قبل الجمهور الحاضر".
وأضاف أن تلك الأجواء أدت إلى "خلق بيئة عدائية داخل أرض الملعب وأثرت سلبا على روح اللعب النظيف والاحترام المتبادل بين اللاعبين والجمهور".
على الجانب الآخر، وفي محاولة لاحتواء الغضب جاء الرد من الاتحاد الأردني الذي سارع إلى إصدار بيان رسمي أكد فيه أسفه الشديد لما تم تداوله من فيديوهات توحي بوجود هتافات مسيئة، لكنه أوضح أن هذه الفيديوهات مفبركة ولا تمثل جماهير الأردن أو قيمها، واعتبرها محاولات تهدف الى اثارة الفتنة والتعصب والكراهية بين البلدين، وطالب الجمهور الأردني بعدم الانجرار وراء هذه المحاولات.
الاتحاد في بيانه أوضح العلاقة المتينة على مر السنين بين العراق والاردن: "يود الاتحاد التذكير بأن الروابط التاريخية المشتركة التي تجمع بين الشعبين الأردني والعراقي أكبر وأعمق من أن تخدشها فئة مضللة من الجماهير لا تمثل القيم الرياضية في ملاعب كرة القدم، ونستذكر هنا ما قام به صاحب السمو الملكي الأمير علي بن الحسين رئيس الاتحاد الأردني لكرة القدم، من جهود كبيرة لرفع الحظر عن الملاعب العراقية، من خلال خوض أولى المباريات الدولية على ملعب جذع النخلة في البصرة والتي جمعت منتخبنا الوطني مع أسود الرافدين عام 2017، وما هذه الجهود والمواقف إلا استلهام للموقف الأردني الرسمي والوطني تجاه العراق، وطنًا، وحكومة، وشعبًا."
البيان الرسمي من الاتحاد الاردني لم يتضمن أي اعتراف رسمي بحدوث تقصير تنظيمي، ولم يُعلن عن فتح تحقيق أو اتخاذ إجراءات لفحص الموقف بعمق اكبر، الامر الذي اعتبره بعض العراقيون تسطيحًا للأزمة، ومحاولة لتهدئة الموقف دون الغوص في جوهر المشكلة.
منصات التواصل والعنوان العام: غضب عراقي ودفاع أردني!
وسائل التواصل الاجتماعي كانت ميدانًا ثانيًا للأزمة. في العراق، تصدّرت هاشتاجات مثل "#نقل_المباراة" و"#كرامة_المنتخب"، الترند، وانهالت التعليقات التي اعتبرت ما حدث اهانة وطنية لا تُغتفر! فيما دعا بعضهم إلى مقاطعة المباراة في حال أُقيمت في الأردن.
في المقابل، ظهر هاتشتاج #الأردن_والعراق_شعب_واحد في الجانب الأردني، مع محاولات للدفاع عن صورة الجماهير الأردنية والتأكيد على أن الفيديوهات مفبركة ولا تمت بصلة لمباراة العراق وفلسطين.
لكن رغم المحاولات لخفض التوتر، استمر تراشق التهم بين الجماهير، وانتقلت المعركة من المستطيل الأخضر إلى الفضاء الرقمي.
العراق يطلب نقل المباراة الى أرض محايدة!
مباراة العراق والأردن، المنتظرة ضمن الجولة العاشرة، ليست مباراة عادية. فالعراق يحتل المركز الثالث في مجموعته برصيد ( 12 نقطة) خلف الأردن (13 نقطة)، ما يعني أن هذه المواجهة ستكون حاسمة لأي من المنتخبين يريد العبور إلى المرحلة النهائية من التصفيات والتأهل بشكل مباشر من المركز الثاني.
التاريخ لا يخلو من التوتر الرياضي. إحصاءات تاريخ مواجهات العراق والأردن تشير إلى أفضلية كبيرة يتمتع بها منتخب أسود الرافدين على حساب النشامى.
المنتخبان التقيا 52 مرة، فاز العراق في 28، مقابل 11 انتصار للأردن، وتعادلا في 13. في المباريات الرسمية، كان العراق غالبًا هو الطرف الأقوى، وهو ما يُعزز من حساسية اللقاء القادم.
وفي ظل هذه الازمة، تساؤلات عن صمت الاتحاد الآسيوي وهو ما يزيد الوضع تعقيدًا، حتى لحظة كتابة هذا المقال، لم يُصدر الاتحاد أي بيان أو موقف حيال ما جرى، سواء بشأن شكوى العراق، أو الفيديوهات المنتشرة!
ليُطرح السؤال حول السبب وراء صمت الاتحاد الآسيوي، وعدم فتحه تحقيقًا بعد تقديم شكوى رسمية من قبل الاتحاد العراقي!
الجواب المُحتمل لهذا التساؤل هو ان الاتحاد الآسيوي والفيفا يستندان إلى تقرير مراقب المباراة، ومراقب المباراة لم يسجل في بيانه أي شيء يدين الاردن وجماهيره! أما فيما يخص طلب نقل المباراة الى مكان محايد، شخصيًا لا أراه يتحقق على أرض الواقع، فكرة القدم لطالما عاشت حالة غليان بين جماهير الخصوم! وبما يتعلق بزرع الفتن وتراشق التهم على منصات التواصل الاجتماعي فهذا شأن لا يُعتبر رياضيًّا ولا يُنظر إليه بعين الجديّة على الأقل من قبل الاتحادين.
الخلاصة: نقاء كروي منقوص!
في الختام، ما بين صمت الاتحاد الآسيوي وتبادل البيانات الرسمية، وغليان السوشيال ميديا، تظل الحقيقة أن كرة القدم فقدت جزءًا من نقائها في هذه الجولة من التصفيات. الجمهور العربي، الذي لطالما حلم بكأس العالم، وجد نفسه أمام مشهد يُذكّره بأن السياسة والطائفية قد تتسلل إلى المدرجات وتفسد كل شيء حتى لو كان الطرفان عربًا!
وإن كانت الرياضة انعكاسٌ للمجتمعات، فإن ما حدث بين العراق والأردن ينبغي أن يُقرأ بعناية، لا بغضب. ما حدث ليس أزمة مؤقتة، بل اختبار لقدرتنا كدول واتحادات ومجتمعات على صون القيم الرياضية في وجه الانفعالات السياسية والجماهيرية والحمائلية!