يعيش بنيامين نتنياهو اليوم واحدة من أكثر لحظات مسيرته السياسية ارتباكًا وتراجعًا. فبعد أن بنى خطابه على وعود كبرى تتعلق بقدرة إسرائيل على "القضاء على إيران" أو تحجيم نفوذها، وجد نفسه أمام واقع مغاير تمامًا، وشارع إسرائيلي غاضب لا يفهم لماذا زُجّ بالبلاد في حرب لم يكن لها أي أفق حقيقي للانتصار. ومع انكشاف حدود القوة التي ادّعى امتلاكها، بدأ يبحث عن مخارج سياسية تعفيه من المحاسبة، وتمنحه فرصة للهروب إلى الأمام عبر افتعال أزمات جديدة أو التلاعب بسقف التوقعات الأمنية.
على مدى سنوات، حاول نتنياهو ترسيخ صورة القائد الذي يمتطي "الوحش الأمريكي" ويوجه قوته لخدمة المصالح الاستراتيجية لإسرائيل. قدّم نفسه باعتباره اللاعب الوحيد القادر على التحكم بالقرار الأمريكي، وعلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يتناسب مع مشروعه التوسعي. لكن نتائج الحرب الأخيرة كشفت هشاشة هذه السردية، وعرّت الفجوة بين الخطاب والواقع.
الهجوم المفاجئ على لبنان بعد ساعات فقط من وقف إطلاق النار مع إيران كان مثالًا صارخًا على هذا التخبط. خطوة فسّرها كثيرون بأنها محاولة لإعادة إشعال الحرب، وإبقاء الرأي العام الإسرائيلي في حالة تعبئة تمنع التفكير في الفشل الاستراتيجي. ولم تمضِ 24 ساعة على المجزرة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في بيروت، والتي ذهب ضحيتها مئات المدنيين، حتى بدأ نتنياهو يلمّح إلى استعداده للدخول في اتفاق سلام مع لبنان، وجرى لقاء أول بين سفيري الدولتين في واشنطن. هذا التناقض بين الفعل والرسالة السياسية يعكس أزمة قيادة لا تعرف سوى المناورة الإعلامية، حتى على حساب الدماء.
وتصاعدت الانتقادات داخل إسرائيل بشكل لافت. زعيم المعارضة يائير لابيد قال بعد وقف النار مع إيران إن ما حدث "كارثة سياسية غير مسبوقة"، مشيرًا إلى أن إسرائيل "دفعت أثمانًا استراتيجية هائلة دون أن تكون حتى جزءًا من صياغة القرارات المصيرية". وفي تصريح آخر، اتهم لابيد الحكومة بأنها "تدار بالغرور وانعدام التخطيط". أما نفتالي بينيت، فاعتبر أن الحكومة "باعت الجمهور أوهامًا"، وأن نتائج الحرب أظهرت أن خصوم إسرائيل خرجوا أكثر قوة. كذلك قال يائير غولان إن نتنياهو "ضلّل الجمهور"، وإن الحرب لم تحقق أي هدف يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني أو قدرات الصواريخ.
هذه الانتقادات لا تأتي من معسكر واحد، بل تمتد من اليسار إلى يمين الوسط واليمين القومي، ما يعكس حجم الشرخ داخل المجتمع السياسي الإسرائيلي. ومع تراجع نتنياهو في استطلاعات الرأي بعد الحرب، يبدو أن الجمهور بدأ يدرك أن القيادة الحالية تجر البلاد من أزمة إلى أخرى دون رؤية واضحة، وأن الخطاب الأمني الذي استخدم لتبرير كل إخفاق لم يعد قادراً على إخفاء الفشل.
نتنياهو اليوم أمام لحظة سياسية حاسمة. فإما أن يواجه المحاسبة التي يحاول الهروب منها منذ سنوات، أو يستمر في إنتاج أزمات جديدة تمنحه وقتًا إضافيًا في السلطة، ولو على حساب استقرار المنطقة ومستقبل إسرائيل نفسها. لكن المؤشرات الحالية، من تراجع شعبيته إلى تصاعد النقد الداخلي، توحي بأن مرحلة ما بعد الحرب قد تكون بداية النهاية لزمن المناورة الذي طال أكثر مما ينبغي.