من يحدد النبرة... ومن يصوغ الواقع؟
shutterstock
أثار تسريب تفاصيل المكالمة الهاتفية بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، والتي أقرّ ترامب بجزء منها علنًا، عاصفة من التعليقات والتحليلات داخل إسرائيل.
وانشغل المعلقون والخبراء بمحاولة الإجابة عن أسئلة بدت للوهلة الأولى جوهرية: من يقود المشهد فعليًا؟ هل فرض ترامب إرادته على نتنياهو؟
وهل فقد رئيس الحكومة الإسرائيلية هامش المناورة الذي طالما تفاخر به أمام الداخل والخارج؟
غير أن النقاش العام انزلق سريعًا إلى متابعة نبرة المكالمة وأسلوبها، وتجاهل السؤال الأكثر أهمية: ماذا تغيّر فعليًا في السياسات والوقائع على الأرض؟
اختبار الوقائع لا الكلمات
فحتى لو افترضنا أن ترامب مارس ضغوطًا استثنائية على نتنياهو، وحتى لو كانت المكالمة محرجة أو مهينة سياسيًا بالنسبة لرئيس الحكومة الإسرائيلية، فإن الوقائع تشير إلى أن جوهر السياسات لم يتبدل. فما زال نتنياهو هو من يرسم الخطوط العريضة للمشهد الميداني، وما زالت الحقائق التي يسعى إلى تكريسها تتقدم بثبات أكبر من أي ضجيج إعلامي يرافق الخلافات الشخصية أو السياسية.
ينبغي التذكير بأن ترامب لا يتحرك انطلاقًا من رؤية سياسية شاملة للشرق الأوسط، بقدر ما يتحرك وفق مزيج من المصالح الأميركية والحسابات الشخصية. فهو معني بإغلاق الملفات المفتوحة مع إيران، والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة، وتحقيق إنجازات سريعة يمكن تقديمها للرأي العام الأميركي بوصفها نجاحات سياسية، كما فعل في ملف الرهائن الاسرائيلين. وهي أهداف مفهومة من منظور الإدارة الأميركية، لكنها لا ترقى بالضرورة إلى مستوى مشروع سياسي متكامل يعالج جذور الأزمات في المنطقة.
سوابق التوتر بين واشنطن وتل أبيب
وليس جديدًا على العلاقات الأميركية الإسرائيلية أن تشهد توترات وصدامات بين الرؤساء الأميركيين ورؤساء الحكومات في إسرائيل. فقد اصطدم جون كينيدي بدافيد بن غوريون حول البرنامج النووي الإسرائيلي، وخاض جيمي كارتر مواجهات سياسية صعبة مع مناحيم بيغن خلال مفاوضات الانسحاب من سيناء، وواجه جورج بوش الأب إسحق شامير بشأن مؤتمر مدريد للسلام، كما دخل باراك أوباما في خلافات عميقة مع نتنياهو حول الاتفاق النووي الإيراني. لكن الفارق هذه المرة أن ما يجري لا يبدو صدامًا استراتيجيًا حول مستقبل المنطقة، بل خلافًا تكتيكيًا لا ينعكس حتى الآن على السياسات الفعلية في الساحتين اللبنانية والفلسطينية.
لا حلول في لبنان
في جنوب لبنان، لا تلوح في الأفق أي خطة سياسية متماسكة يمكن أن تؤسس لتسوية طويلة الأمد. فلا يوجد تصور واضح لانسحاب إسرائيلي كامل، ولا برنامج دولي جدي لإعادة الإعمار، ولا آلية فعالة لتعزيز قدرات الدولة اللبنانية ومؤسساتها، ولا شبكة أمان اقتصادية تتيح للحكومة اللبنانية استعادة الاستقرار. ما يهم إدارة ترامب في هذه المرحلة هو الحفاظ على الهدوء ومنع التصعيد، خصوصًا في بيروت وضاحيتها الجنوبية. لكن الهدوء، حتى لو تحقق، لا يعني بالضرورة معالجة أسباب الصراع، بل قد يكون مجرد محطة مؤقتة على طريق حرب استنزاف طويلة.
غزة واليوم التالي الغامض
أما في الساحة الفلسطينية، فالصورة ليست أكثر وضوحًا. فبعد إنجاز ملف الرهائن، لا يبدو أن واشنطن تبدي اهتمامًا حقيقيًا بدفع مشروع سياسي شامل لليوم التالي في غزة. فالقضايا الأساسية ما زالت معلقة: من سيدير القطاع؟ كيف ستتم إعادة إعماره؟ وما هو الأفق السياسي للعلاقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين؟
الخطط موجودة على الورق، والعناوين الكبرى تُطرح في المؤتمرات والبيانات، لكن الواقع ما زال أسير الجمود. إسرائيل تواصل الحديث عن نزع سلاح حماس، فيما تتهم حماس نتنياهو بالسعي إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية على القطاع وتشجيع الهجرة منه، بينما تلتزم واشنطن الصمت حيال جوهر الخلاف. وفي الضفة الغربية تتواصل اعتداءات المستوطنين بشكل شبه يومي، من إحراق للممتلكات واعتداء على السكان وتخريب للمزروعات، من دون أن يترجم الموقف الأميركي إلى ضغط سياسي حقيقي يفرض تغييرًا في المسار.
بين الإحراج والنفوذ
قد يكون نتنياهو في موقف محرج أمام ترامب، وربما تلقى توبيخًا غير مألوف في لغة العلاقات بين الحلفاء. لكن عند اختبار النتائج، تبقى الحقيقة أكثر بساطة مما توحي به العناوين: السياسة التي تشكل الواقع اليومي في لبنان وغزة والضفة الغربية هي، في المقام الأول، سياسة نتنياهو.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما الذي قيل في تلك المكالمة الهاتفية، بل ما الذي سيحدث بعد أي اتفاق محتمل أو وقف لإطلاق النار، وربما بعد الانتخابات المقبلة أيضًا.
إذا خرج نتنياهو منتصرًا من الاستحقاق الانتخابي القادم، فسيكون ذلك دليلًا إضافيًا على أن الخلافات العلنية مع رئيس أميركي، مهما بدت حادة، لا تضعف مكانته السياسية بالضرورة، بل قد تعزز صورته لدى جزء من جمهوره. أما إذا خسر، فستنتقل الأنظار إلى خليفته: هل سيكون مستعدًا لتبني رؤية مختلفة تسعى إلى تسويات سياسية وإقليمية حقيقية، أم أنه سيواصل النهج ذاته القائم على إدارة الصراع بدل السعي إلى حله؟
قد يكون ترامب هو من يحدد النبرة، وقد يكون هو من يرفع صوته أو يوبخ أو يحرج رئيس الحكومة الإسرائيلية. لكن عندما يتعلق الأمر بصناعة الوقائع ورسم ملامح المشهد على الأرض، فإن نتنياهو ما زال يمتلك تأثيرًا أكبر بكثير مما توحي به العناوين المثيرة أو التسريبات العابرة.
هذه النسخة أقرب إلى أسلوب مقالات الرأي المنشورة في الصحف الكبرى، وأكثر تماسكًا من حيث البناء الحجاجي والانتقال بين الفقرات، مع خاتمة أقوى تربط بين "النبرة" التي يصنعها ترامب و"الواقع" الذي يصوغه نتنياهو.
اتفاق جديد يمنح آلاف العاملين في "سوبر باص" تعويضات عن فترة الحرب
نشرة إخبارية خاصة مباشرة لبريدك الإلكتروني يوميا
استلم اشعارات وأخبار حصرية ومقالات مميزة من إذاعة الشمس