حين تتنازل الدولة عن احتكار القوة!
في علم السياسة، ثمة فكرة أساسية تُعدّ من مسلّمات النظرية الحديثة للدولة. تقول هذه الفكرة إنّ الدولة هي الكيان الوحيد الذي يملك الحقَّ المشروع في استخدام القوة داخل حدودها.
في علم السياسة، ثمة فكرة أساسية تُعدّ من مسلّمات النظرية الحديثة للدولة. تقول هذه الفكرة إنّ الدولة هي الكيان الوحيد الذي يملك الحقَّ المشروع في استخدام القوة داخل حدودها.
صاغها عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر منذ أكثر من قرن، وباتت ركيزةً أساسية في فهم الدولة الحديثة. لكن ماذا يحدث حين تتخلى الدولة طوعًا عن هذا الاحتكار؟ وماذا يحدث حين لا تتخلى عنه فحسب، بل تنقله إلى مجموعات خارج إطارها الرسمي؟
ما يجري في الضفة الغربية، وتحديدًا في قرية قصرة جنوب نابلس خلال الأيام الأخيرة، ليس مجرد حادثة أمنية أو خبرًا عابرًا. إنه نموذج حي لما يحدث حين تتآكل حصرية الدولة في تفعيل القوة، وحين تُهدى هذه الحصرية إلى مجموعات مسلحة تعمل خارج منطق القانون والمساءلة.
منذ أيام، يحاصر مستوطنون مسلحون منازل فلسطينية في قرية قصرة، ويمنعون أصحابها من الخروج أو الدخول، ويقطعون عنهم الكهرباء، ويمنعون وصول الطعام. داخل أحد هذه المنازل، رجل وزوجته وطفلتان - إحداهما في الثانية من عمرها والأخرى في الرابعة.
في الوقت ذاته، يتواجد الجيش الإسرائيلي في المكان. وهنا تكمن اللحظة الفارقة: ظهر جنود إسرائيليون في صور ومقاطع فيديو وهم يصلّون مع المستوطنين في "الهيكل" الذي أقاموه، ثم غادروا دون أن يُجلوا المستوطنين، دون أن يفكّوا الحصار، دون أن يحموا الأسرة المحاصرة. ولم يصدر الجيش الإسرائيلي في حينه أي تعليق.
هذا ليس تقصيرًا. هذا اختيار.
حين نتحدث عن تآكل احتكار الدولة للقوة، نفترض عادة أن الدولة تضعف وتنسحب، فيملأ الفراغَ آخرون. لكن ما يجري في الضفة الغربية أكثر تعقيدًا وأشد خطورة: الدولة لا تغيب، بل تُعيد توزيع القوة. الجيش موجود، والشرطة موجودة، والإدارة المدنية موجودة - لكنها تختار من تحمي ومن تترك للذئاب.
هذا النموذج من التآكل الانتقائي لاحتكار القوة يُنتج شيئًا أشد خطرًا من الفوضى الكاملة: إنه ينتج نظامًا مزدوجًا، حيث يطبّق "القانون" على فئة ويُعلَّق على أخرىوهذا بذاته يثبت أنّ الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية هو احتلال ابارتهايدي الجوهر، بحيث يؤسس لمنظومة قانونية للمستوطنين تختلف عن تلك الموجهة ضد الفلسطينيين.
المستوطن المسلح يحاصر أسرةً فلسطينية لأيام، ويبني هيكلًا استيطانيًا على مشارف قرية، ويحرق مسجدًا - والجيش يصلّي معه. هذا ليس غيابًا للسلطة. هذا وضع اختارت فيه الدولة إلى جانب أي طرف هي تقف.
النظرية السياسية تُحذّر من هذا المسار لأسباب عميقة. حين تتخلى الدولة عن احتكارها للقوة لصالح مجموعات خارج إطارها، تحدث تحولات بنيوية خطيرة:
ما يجري في قصرة ليس وضعًا تعيش فيه قرية واحدة في الضفة الغربية حالة استثنائية. هو نقطة في نمط. في يوليو الماضي وحده، نفّذ المستوطنون أكثر من ألفين ومائتين وخمسين اعتداء ضد الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم.
استمع للبث، تابع الأخبار، واحصل على إشعارات لحظية.
في السنوات الثلاث الأخيرة، أُقيمت أكثر من مائة وثمانين بؤرة استيطانية جديدة. وفي كل مرة، الصورة ذاتها: مستوطنون مسلحون، وجيش لا يفعل شيئًا، او أنّه يفعل ولكن ضد الطرف المعتدى عليه، وضحية تُحاصَر داخل منزلها.
مصطلح "الفوضى" لا يصف هذا بدقة. الفوضى تعني غياب النظام.
ما يجري هو نظام آخر يُبنى - نظام يقوم على قوة بلا مساءلة، وضحايا بلا حماية، ودولة تختار شركاءها من خارج القانون.
حين تتخلى دولة عن احتكارها للقوة وتُسلّمه لمليشيات، لا يخسر الضحايا فقط. تخسر الدولة ذاتها جزءًا من طبيعتها. تتحول من مؤسسة تحكم إلى أداة يستخدمها من يملكون القوة الفعلية.
المحاصرون الفلسطينيون في بيوتهم في قصرة، ليسوا مجرد ضحايا عنف فردي، إنما هو اختبار لسؤال جوهري: هل ثمة دولة هنا؟ أم أننا نشهد تآكلًا هادئًا لأحد أهم المبادئ التي قامت عليها الدولة الحديثة - مبدأ أن القوة يجب أن تخضع للقانون، لا أن تحكمه؟
الجواب الذي يُعطيه المشهد في قصرة لا يُبشّر بالخير.
من سؤال عن ديانتها إلى إغلاق المدرسة.. معلمة عربية تروي ما حدث في أور عكيفا
لماذا يهاجر الأطباء العرب من إسرائيل؟
علاء الريماوي يطلق حملة "مسامحة الدَّين".. 7 ملايين شيقل تم التنازل عنها حتى الآن
نشرة إخبارية خاصة مباشرة لبريدك الإلكتروني يوميا
استلم اشعارات وأخبار حصرية ومقالات مميزة من إذاعة الشمس
إعدادات إمكانية الوصول