حين تتنازل الدولة عن احتكار القوة!
جنود الجيش حول المنزل في قصرة - تصوير شهود عيان (الاستعمال وفق قانون ٢٧أ لقانون حقوق الملكية)
في علم السياسة، ثمة فكرة أساسية تُعدّ من مسلّمات النظرية الحديثة للدولة. تقول هذه الفكرة إنّ الدولة هي الكيان الوحيد الذي يملك الحقَّ المشروع في استخدام القوة داخل حدودها.
قصرة نموذجًا: ماذا يحدث حين تتحول الدولة إلى شريك للمليشيا؟
صاغها عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر منذ أكثر من قرن، وباتت ركيزةً أساسية في فهم الدولة الحديثة. لكن ماذا يحدث حين تتخلى الدولة طوعًا عن هذا الاحتكار؟ وماذا يحدث حين لا تتخلى عنه فحسب، بل تنقله إلى مجموعات خارج إطارها الرسمي؟
ما يجري في الضفة الغربية، وتحديدًا في قرية قصرة جنوب نابلس خلال الأيام الأخيرة، ليس مجرد حادثة أمنية أو خبرًا عابرًا. إنه نموذج حي لما يحدث حين تتآكل حصرية الدولة في تفعيل القوة، وحين تُهدى هذه الحصرية إلى مجموعات مسلحة تعمل خارج منطق القانون والمساءلة.
ما الذي يجري في قصرة؟
منذ أيام، يحاصر مستوطنون مسلحون منازل فلسطينية في قرية قصرة، ويمنعون أصحابها من الخروج أو الدخول، ويقطعون عنهم الكهرباء، ويمنعون وصول الطعام. داخل أحد هذه المنازل، رجل وزوجته وطفلتان - إحداهما في الثانية من عمرها والأخرى في الرابعة.
في الوقت ذاته، يتواجد الجيش الإسرائيلي في المكان. وهنا تكمن اللحظة الفارقة: ظهر جنود إسرائيليون في صور ومقاطع فيديو وهم يصلّون مع المستوطنين في "الهيكل" الذي أقاموه، ثم غادروا دون أن يُجلوا المستوطنين، دون أن يفكّوا الحصار، دون أن يحموا الأسرة المحاصرة. ولم يصدر الجيش الإسرائيلي في حينه أي تعليق.
هذا ليس تقصيرًا. هذا اختيار.
التحول من الغياب إلى الشراكة
حين نتحدث عن تآكل احتكار الدولة للقوة، نفترض عادة أن الدولة تضعف وتنسحب، فيملأ الفراغَ آخرون. لكن ما يجري في الضفة الغربية أكثر تعقيدًا وأشد خطورة: الدولة لا تغيب، بل تُعيد توزيع القوة. الجيش موجود، والشرطة موجودة، والإدارة المدنية موجودة - لكنها تختار من تحمي ومن تترك للذئاب.
هذا النموذج من التآكل الانتقائي لاحتكار القوة يُنتج شيئًا أشد خطرًا من الفوضى الكاملة: إنه ينتج نظامًا مزدوجًا، حيث يطبّق "القانون" على فئة ويُعلَّق على أخرىوهذا بذاته يثبت أنّ الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية هو احتلال ابارتهايدي الجوهر، بحيث يؤسس لمنظومة قانونية للمستوطنين تختلف عن تلك الموجهة ضد الفلسطينيين.
المستوطن المسلح يحاصر أسرةً فلسطينية لأيام، ويبني هيكلًا استيطانيًا على مشارف قرية، ويحرق مسجدًا - والجيش يصلّي معه. هذا ليس غيابًا للسلطة. هذا وضع اختارت فيه الدولة إلى جانب أي طرف هي تقف.
ماذا يحدث حين تنتقل القوة إلى المليشيا؟
النظرية السياسية تُحذّر من هذا المسار لأسباب عميقة. حين تتخلى الدولة عن احتكارها للقوة لصالح مجموعات خارج إطارها، تحدث تحولات بنيوية خطيرة:
- أولًا - انهيار المساءلة. الجندي أو الشرطي يعمل ضمن منظومة من القواعد، ويخضع نظريًا للمحاسبة. المليشيا لا تخضع لأحد. حين يحاصر مستوطنون عائلةً فلسطينية لأيام، لا توجد جهة إدارية أو قضائية فعلية تحاسبهم. النتيجة: تصبح القوة بلا ثمن، ومن لا يدفع ثمنًا لا يتوقف، أو كما قال الأديب والمترجم العباسي الشهير عبد الله بن المقفع، في ترجمته لكتاب "كليلة ودمنة" الذي كتبه الفيلسوف الهندي "بيدبا": من أمن العقاب، أساء الأدب.
- ثانيًا - تقنين العنف خارج الإطار القانوني. حين يُصلّي الجنود مع المستوطنين ثم يغادرون دون تدخل، فهم يُرسلون رسالة واضحة: ما تفعلونه مقبول. هذا التسامح الرسمي يُحوّل العنف الاستثنائي إلى معيار عادي، والاعتداء الفردي إلى سياسة جماعية.
- ثالثًا - تفكك شرعية الدولة ذاتها. الدولة تستمد شرعيتها من وعد الحماية المتساوية لجميع من تحكمهم، حتى أولئك الواقعين تحت احتلالها العسكري. حين تنقض هذا الوعد لفئة بعينها، تفقد في نظر هذه الفئة أي مبرر للامتثال والانتماء. بالنسبة للفلسطيني الذي يرى الجنود يُصلّون مع من يحاصره لا يمكن له أنّ يرى بإسرائيل دولةً "محايدة" يتوجه لها لحل إشكالاته مع "جيرانه من المستوطنين"(!!)، أو أن يعتقد أنّ احتلالها لأرضه شرعي.
- رابعًا - التطبيع التدريجي. أخطر ما في نقل القوة إلى المليشيا هو أنه يسير ببطء. اليوم مستوطنون يحاصرون منزلًا لثلاثة أيام. قبل أسابيع كانوا يحرقون مسجدًا. قبل أشهر كانوا يُغيرون على القرى ليلًا. وفي كل مرة، الجيش حاضر غائب. كل حادثة تُوسّع حدود المقبول، وتُضيّق حدود الممكن.
قصرة ليست قصرة وحدها
ما يجري في قصرة ليس وضعًا تعيش فيه قرية واحدة في الضفة الغربية حالة استثنائية. هو نقطة في نمط. في يوليو الماضي وحده، نفّذ المستوطنون أكثر من ألفين ومائتين وخمسين اعتداء ضد الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم.
في السنوات الثلاث الأخيرة، أُقيمت أكثر من مائة وثمانين بؤرة استيطانية جديدة. وفي كل مرة، الصورة ذاتها: مستوطنون مسلحون، وجيش لا يفعل شيئًا، او أنّه يفعل ولكن ضد الطرف المعتدى عليه، وضحية تُحاصَر داخل منزلها.
مصطلح "الفوضى" لا يصف هذا بدقة. الفوضى تعني غياب النظام.
ما يجري هو نظام آخر يُبنى - نظام يقوم على قوة بلا مساءلة، وضحايا بلا حماية، ودولة تختار شركاءها من خارج القانون.
الخطر الأبعد
حين تتخلى دولة عن احتكارها للقوة وتُسلّمه لمليشيات، لا يخسر الضحايا فقط. تخسر الدولة ذاتها جزءًا من طبيعتها. تتحول من مؤسسة تحكم إلى أداة يستخدمها من يملكون القوة الفعلية.
المحاصرون الفلسطينيون في بيوتهم في قصرة، ليسوا مجرد ضحايا عنف فردي، إنما هو اختبار لسؤال جوهري: هل ثمة دولة هنا؟ أم أننا نشهد تآكلًا هادئًا لأحد أهم المبادئ التي قامت عليها الدولة الحديثة - مبدأ أن القوة يجب أن تخضع للقانون، لا أن تحكمه؟
الجواب الذي يُعطيه المشهد في قصرة لا يُبشّر بالخير.
وفاة الصحفي ومحلل الشؤون الخارجية أورن نهاري عن 71 عامًا
-
عنان خلايلة يصبح رسميًا اغلى لاعب في تاريخ البلاد في صفقة وصلت الى 28 مليون يورو
15.08.2026
-
صبري تايه من الرملة: جئنا إلى أسوتا للعلاج فواجهنا الإهانة والعنصرية.. العلاج حق وليس امتيازًا
11.08.2026
-
شقيق جندي إسرائيلي مصاب يشكك في مهنية طاقم عربي ويتهمه بسوء معاملته في رمبام.. والمستشفى يرد
09.08.2026
نشرة إخبارية خاصة مباشرة لبريدك الإلكتروني يوميا
استلم اشعارات وأخبار حصرية ومقالات مميزة من إذاعة الشمس