واشنطن تصعّد ضد المحكمة الجنائية الدولية بعقوبات جديدة ونتنياهو يشيد بخطوات ترامب
shutterstock
فرضت الولايات المتحدة عقوبات جديدة على رئيسة المحكمة الجنائية الدولية، توموكو أكاني، وعلى أحد كبار مسؤوليها، في خطوة تمثل تصعيدًا جديدًا في المواجهة بين إدارة الرئيس دونالد ترامب والمحكمة التي تتخذ من لاهاي مقرًا لها، على خلفية التحقيقات التي تجريها بشأن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، ومن بينها الإجراءات المرتبطة بمذكرة توقيف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وأعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن العقوبات تستهدف أكاني والمسؤول السنغالي عبد الله سيي، في إطار ما تصفه واشنطن بمحاولة حماية مواطنيها وحلفائها من إجراءات قضائية ترى الإدارة الأميركية أنها تتجاوز صلاحيات المحكمة، بينما ردت المحكمة بالتنديد بالخطوة، معتبرة أنها تمس سيادة القانون والنظام القضائي الدولي.
عقوبات أميركية جديدة ضد قيادات المحكمة
جاء القرار الأميركي في 18 أغسطس/آب 2026، ليضيف رئيسة المحكمة الجنائية الدولية إلى قائمة المسؤولين المستهدفين بالعقوبات الأميركية، إلى جانب كبير المحامين في المحكمة عبد الله سيي، وذلك في أحدث حلقة من سلسلة الإجراءات التي تتخذها إدارة ترامب ضد المحكمة.
وبموجب العقوبات، تُفرض قيود مالية على الأشخاص المستهدفين، تشمل تجميد أي أصول أو مصالح مالية لهم تقع ضمن الولاية الأميركية، إضافة إلى منع التعاملات المالية المرتبطة بالنظام المالي الأميركي، في إطار آلية العقوبات التي تستخدمها واشنطن ضد مسؤولين تعتبرهم متورطين في أنشطة تتعارض مع سياستها الخارجية.
وتأتي الخطوة الجديدة بعد إجراءات أميركية سابقة استهدفت عددًا من قضاة ومدعي المحكمة الجنائية الدولية، في وقت كثفت فيه إدارة ترامب تحركها السياسي والدبلوماسي ضد المحكمة، مطالبة الدول الأعضاء بإعادة النظر في علاقتها بها.
واشنطن تتهم المحكمة بتجاوز صلاحياتها
وبررت الإدارة الأميركية العقوبات باعتبار أن المحكمة تحاول ممارسة اختصاص قضائي على مسؤولين من دول لم توافق على الخضوع لولايتها، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتان ليستا طرفين في نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة.
وكانت إدارة ترامب قد أعلنت في فبراير/شباط 2025 أمرًا تنفيذيًا بفرض عقوبات على أشخاص مرتبطين بتحقيقات المحكمة التي تستهدف مواطنين أميركيين أو حلفاء للولايات المتحدة، مشيرة إلى أن المحكمة تجاوزت حدود اختصاصها وأصدرت مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين.
وتعتبر واشنطن أن الإجراءات التي اتخذتها المحكمة بحق مسؤولين من دول غير أعضاء فيها تمثل مساسًا بسيادة الدول واختصاصاتها القضائية، فيما ترى المحكمة وداعمون لها أن ولايتها تستند إلى قواعد القانون الدولي والاختصاصات المنصوص عليها في نظام روما الأساسي.
المحكمة الجنائية: العقوبات تقوض سيادة القانون
في المقابل، رفضت المحكمة الجنائية الدولية الإجراءات الأميركية الجديدة، مؤكدة أن استهداف مسؤوليها بالعقوبات يمثل ضغطًا على مؤسسة قضائية دولية مستقلة.
وقالت المحكمة إن الإجراءات الأميركية الجديدة "تقوّض سيادة القانون"، في موقف يعكس تصاعد الخلاف بين الطرفين بشأن حدود الاختصاص القضائي للمحكمة وقدرتها على التحقيق في قضايا تتعلق بدول غير أعضاء فيها.
وتخشى أوساط مؤيدة للمحكمة من أن يؤدي استمرار العقوبات والضغوط السياسية والمالية إلى التأثير في قدرتها على أداء مهامها، خصوصًا في ظل اعتمادها على التعاون الدولي لتنفيذ قراراتها ومتابعة القضايا التي تنظر فيها.
وفي السياق ذاته، أعربت دول حليفة للولايات المتحدة عن اعتراضها على الخطوة، إذ انتقدت اليابان، التي تنتمي إليها رئيسة المحكمة، العقوبات المفروضة على أكاني، وأكدت استمرار دعمها لمهمة المحكمة في التعامل مع الجرائم الدولية الخطيرة. كما أعربت هولندا، التي تستضيف مقر المحكمة، عن رفضها للإجراءات الأميركية.
مذكرات التوقيف بحق نتنياهو في صلب الخلاف
يرتبط جانب أساسي من المواجهة الأميركية مع المحكمة بالقرار الذي أصدرته في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بإصدار مذكرة توقيف بحق بنيامين نتنياهو، إلى جانب وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت.
وتتعلق مذكرة التوقيف باتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، من بينها اتهامات تتعلق باستخدام التجويع كأسلوب من أساليب الحرب وتوجيه هجمات ضد السكان المدنيين، وفق ما تذكره المحكمة في ملف القضية الخاص بنتنياهو.
ورفضت إسرائيل والولايات المتحدة اختصاص المحكمة في هذه القضية، بينما واصلت المحكمة تمسكها بإجراءاتها القضائية، وهو ما جعل الملف أحد أبرز نقاط التوتر بين لاهاي وواشنطن.
وتقول إدارة ترامب إن المحكمة تجاوزت صلاحياتها عندما تحركت ضد مسؤولين من دول لم تقبل اختصاصها، بينما يؤكد أنصار المحكمة أن استقلال القضاء الدولي يجب ألا يخضع للضغوط السياسية أو العقوبات الاقتصادية.
نتنياهو يرحب بالإجراءات الأميركية
من جانبه، أشاد نتنياهو بالتحرك الأميركي ضد المحكمة، معتبرًا أن إدارة ترامب تتخذ خطوات مهمة في مواجهة ما وصفه بالتجاوزات غير المشروعة للمحكمة ومسؤوليها.
ويأتي موقف نتنياهو في ظل المواجهة المستمرة بين حكومته والمحكمة الجنائية الدولية منذ إصدار مذكرة التوقيف بحقه، والتي جعلته أحد أبرز المسؤولين الذين تلاحقهم إجراءات المحكمة.
ويعتبر نتنياهو أن المحكمة تتعامل مع إسرائيل ومسؤوليها بطريقة منحازة، بينما ترى المحكمة أن إجراءاتها تستند إلى اختصاصها القانوني والتحقيقات التي تجريها في القضايا المحالة إليها.
تصعيد يتجاوز قضية نتنياهو
ولا تقتصر الخلافات بين الولايات المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية على ملف نتنياهو وحده، إذ سبق للمحكمة أن نظرت في ملفات تتعلق بادعاءات ارتكاب جرائم دولية في مناطق أخرى، بما في ذلك قضايا مرتبطة بالولايات المتحدة.
وترى إدارة ترامب أن المحكمة تمثل تهديدًا للمصالح الأميركية عندما تسعى إلى التحقيق مع مواطنين أميركيين أو مسؤولين من دول حليفة لواشنطن، بينما تعتبر المحكمة أن طبيعة الجرائم التي تحقق فيها تتطلب وجود آليات قضائية دولية عندما تتوافر الشروط القانونية اللازمة لذلك.
وتشير هذه المواجهة إلى خلاف أوسع حول مستقبل العدالة الجنائية الدولية وحدود صلاحيات المؤسسات القضائية الدولية، خاصة في القضايا التي تتداخل فيها الاعتبارات القانونية مع المصالح السياسية للدول الكبرى.
تحركات دبلوماسية للضغط على المحكمة
وبالتزامن مع العقوبات، كثفت إدارة ترامب تحركاتها السياسية بهدف تقليص نفوذ المحكمة، إذ أعلن روبيو في وقت سابق عن حملة دبلوماسية تستهدف مواجهة ما تعتبره واشنطن تهديدًا لسيادتها الوطنية، مع مساعٍ لإقناع دول أعضاء بإعادة النظر في عضويتها بالمحكمة.
وتضع هذه التحركات المحكمة أمام تحديات متعددة، لا تقتصر على العقوبات المفروضة على مسؤوليها، بل تمتد إلى قدرتها على الحفاظ على شبكة التعاون الدولي التي تعتمد عليها في تنفيذ قراراتها ومواصلة التحقيقات.
وفي المقابل، تؤكد المحكمة أنها ستواصل القيام بمهامها وفق نظام روما الأساسي، في وقت تواجه فيه ضغوطًا متزايدة من الولايات المتحدة بشأن القضايا التي تشمل مواطنين ومسؤولين من دول غير منضمة إلى المحكمة.
مواجهة مفتوحة بين واشنطن ولاهاي
وتكشف العقوبات الأميركية الأخيرة عن انتقال الخلاف مع المحكمة الجنائية الدولية إلى مستوى أكثر حدة، بعدما باتت شخصيات بارزة في المؤسسة القضائية نفسها هدفًا مباشرًا لإجراءات مالية وسياسية من جانب واشنطن.
وبينما تؤكد الولايات المتحدة أن تحركها يأتي دفاعًا عن سيادتها وسيادة الدول التي تدعمها، ترى المحكمة أن العقوبات تشكل ضغطًا على استقلال القضاء الدولي وتقويضًا لمبدأ المساءلة عن الجرائم الخطيرة.
ومن المنتظر أن يظل ملف مذكرة توقيف نتنياهو أحد المحاور الرئيسية لهذا الصراع، خصوصًا مع استمرار تمسك المحكمة بإجراءاتها القانونية، مقابل استمرار واشنطن في رفض اختصاصها على المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين.
وفي ختام التصعيد، تلخص مواقف الطرفين حجم الهوة بينهما؛ فواشنطن تصف المحكمة بأنها مؤسسة تجاوزت حدود اختصاصها، بينما تؤكد المحكمة أن العقوبات المفروضة على مسؤوليها تهدد سيادة القانون. وفي ظل استمرار هذه المواجهة، تبدو قضية نتنياهو أكثر من مجرد ملف قضائي، إذ تحولت إلى نقطة مركزية في نقاش دولي أوسع حول استقلال القضاء، وحدود السيادة الوطنية، ومستقبل منظومة العدالة الجنائية الدولية.
نشرة إخبارية خاصة مباشرة لبريدك الإلكتروني يوميا
استلم اشعارات وأخبار حصرية ومقالات مميزة من إذاعة الشمس