تواجه بلدة مجد الكروم في الجليل خلال الأيام الأخيرة محاولة لإقامة بؤرة استيطانية في منطقة الروس، الواقعة ضمن نفوذ البلدة، في خطوة أثارت تحركًا شعبيًا واسعًا وتحذيرات من تحول وجود المستوطنين في المنطقة إلى أمر واقع يصعب تغييره لاحقًا.
تقول مصادر محلية إن جزءًا كبيرًا من الأراضي في المنطقة مملوك لأهالي مجد الكروم، فيما تعود أجزاء أخرى إلى جهات تُصنف رسميًا ضمن أراضي الدولة أو إلى “الكيرن كييمت” ودائرة أراضي إسرائيل.
وتكمن حساسية الموقع في أن وجود ملكية خاصة لأبناء البلدة يتداخل مع أراضٍ تُدار أو تُصنف رسميًا بطرق مختلفة، ما يجعل الصراع على الأرض أكثر تعقيدًا من مجرد خلاف على قطعة أرض واحدة.
وخلال الأيام الماضية، تحدثت مصادر محلية عن نصب خيام وإقامة مبانٍ وإيصال خط مياه إلى الموقع، بالتزامن مع وجود مستوطنين فيه.
وأفادت تقارير محلية بأن المجموعة التي وصلت إلى المنطقة مرتبطة بشبيبة التلال، وهي مجموعات استيطانية معروفة بنشاطها في الضفة الغربية، فيما أشارت تقارير أخرى إلى أن بعض القادمين إلى الموقع قدموا من مستوطنة في الضفة.
وهذه التفاصيل ترد في التقارير المحلية، ولا تتوفر حتى الآن أمامنا معطيات رسمية مستقلة تثبت هوية كل الموجودين في الموقع.
من الخيام إلى أمر واقع.. لماذا يخشى الأهالي تكرار نموذج الضفة؟
ما يجعل التطورات في مجد الكروم لافتة ليس فقط إقامة الخيام أو المباني، وإنما الطريقة التي يمكن أن يتحول فيها وجود محدود إلى سيطرة فعلية على مساحة أكبر من الأرض.
هذا النمط ظهر بصورة واضحة في الضفة الغربية خلال السنوات الماضية، إذ لا يبدأ الاستيطان دائمًا بمخطط لبناء مدينة كبيرة، وإنما يمكن أن يبدأ بعدد محدود من الأشخاص، بخيمة أو مبنى متنقل، ثم بإدخال المياه والكهرباء والطرق، وتوسيع نطاق الحركة حول الموقع، وصولًا إلى فرض واقع جديد على الأرض.
وتظهر تحقيقات حديثة حول الاستيطان في الضفة أن البؤر الجديدة يمكن أن تتوسع بسرعة، وأن شبكات استيطانية توفر المباني والبنية التحتية والقدرة اللوجستية اللازمة لإنشاء مواقع جديدة.
وفي تقرير نشرته رويترز هذا الشهر، وثقت الوكالة دور شبكات استيطانية في إقامة بؤر جديدة بالضفة، وربطت ذلك بتوسع السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي وبتهجير فلسطينيين من بعض المناطق.
وهنا تكمن إحدى النقاط الأساسية في فهم ما يحدث في مجد الكروم: ليس من الدقيق القول إن الجليل أصبح قانونيًا جزءًا من منظومة الاستيطان في الضفة الغربية، فالوضع القانوني للمنطقتين مختلف، لكن هناك تشابهًا في الأدوات الميدانية المستخدمة لفرض السيطرة على الأرض.
في الضفة الغربية، يجري الاستيطان في أرض محتلة منذ عام 1967، وقد أكدت الأمم المتحدة مرارًا عدم وجود شرعية قانونية للمستوطنات، كما خلصت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري لعام 2024 إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة وسياسات الاستيطان والضم تتعارض مع القانون الدولي.
أما مجد الكروم، فهي داخل حدود إسرائيل التي أقيمت عام 1948، ولذلك لا يمكن ببساطة نقل الوصف القانوني للاستيطان في الضفة إليها.
لكن الخشية التي يطرحها الأهالي والقوى السياسية المحلية تتعلق بانتقال نموذج السيطرة الاستيطانية نفسه إلى مناطق عربية في الجليل: إنشاء وجود يهودي جديد في منطقة ذات ملكية عربية، ثم تثبيت هذا الوجود وتوسيع نطاقه على حساب قدرة أصحاب الأرض على الوصول إليها واستعمالها.
لماذا يخشى أهالي مجد الكروم على أراضيهم؟
بالنسبة إلى أصحاب الأراضي، القضية لا تتعلق فقط بمن يسكن في الخيام اليوم، وإنما بما يمكن أن يحدث بعد أشهر أو سنوات إذا بقي الوجود الجديد في مكانه.
فالسيطرة على الأرض لا تبدأ بالضرورة بنزع ملكيتها رسميًا، في بعض الحالات، يكفي أن يصبح الوصول إلى الأرض صعبًا أو محفوفًا بالتوتر، أو أن تتغير طبيعة المنطقة المحيطة بها، حتى يتراجع استخدام أصحابها لها بصورة تدريجية.
وهذا ما يفسر تركيز الأهالي على حق الوصول إلى أراضيهم، وعلى اقتراب موسم قطف الزيتون، وقد حذر المجلس المحلي واللجنة الشعبية من أن استمرار الوجود الاستيطاني قد يهدد قدرة أصحاب الأراضي على الوصول إليها، فيما دعا المجلس إلى تنظيم زيارات يومية إلى المنطقة والتحضير لفعاليات احتجاجية ومظاهرة قطرية للمطالبة بإزالة البؤرة.
والتطور الأكثر حساسية وقع يوم الأحد، عندما أفادت تقارير محلية بأن الشرطة منعت أهالي مجد الكروم من الوصول إلى موقع البؤرة، في الوقت الذي كان فيه أفراد من مجموعة شبيبة التلال موجودين في المكان، وفي المقابل، يواصل الأهالي والمجلس المحلي تحركاتهم الميدانية والقانونية للضغط من أجل إزالة البؤرة.
وبذلك، يتحول السؤال من "من يملك الأرض؟" إلى سؤال أكبر: من يستطيع أن يكون حاضرًا عليها ويمارس حقه فيها؟
وهذه النقطة تحديدًا تحمل أهمية كبيرة بالنسبة إلى الفلسطينيين في الداخل، الذين عاشوا لعقود صراعًا على الأرض والمساحة المتاحة للتوسع العمراني.
من يوم الأرض إلى مجد الكروم.. معركة الأرض لم تنتهِ
لا يمكن فصل ما يجري في مجد الكروم عن التاريخ الطويل للصراع على أراضي الجليل.
ففي عام 1976، أدت خطط مصادرة آلاف الدونمات من أراضي المواطنين الفلسطينيين في الجليل إلى اندلاع الاحتجاجات التي أصبحت تُعرف باسم "يوم الأرض"، وتربط مصادر تاريخية بين تلك السياسات وبين مشاريع هدفت إلى إعادة تشكيل التوازن الديموغرافي والجغرافي في الجليل وزيادة الاستيطان اليهودي بين التجمعات العربية.
لكن ما تغير اليوم هو الأدوات
فإلى جانب المصادرة الرسمية والتخطيط الحكومي، برز خلال العقود الأخيرة نموذج آخر يعتمد على خلق وجود استيطاني على الأرض ثم محاولة تثبيته وتوسيعه.
وهذا النموذج أصبح أحد السمات المعروفة للاستيطان في الضفة الغربية، حيث تتحول البؤر الصغيرة في بعض الحالات إلى نقاط انطلاق للسيطرة على مساحات أوسع.
حمّل تطبيق إذاعة الشمس
استمع للبث، تابع الأخبار، واحصل على إشعارات لحظية.
ولهذا يرى مسؤولون وناشطون من الداخل في تطورات مجد الكروم أكثر من حادثة محلية، فقد حذر مرشحون في القائمة المشتركة من أن ما يحدث يمكن أن يكون جزءًا من توجه أوسع لتعزيز الاستيطان اليهودي في الجليل، فيما وصف سياسيون آخرون التطورات بأنها محاولة لتغيير الواقع الديموغرافي في المنطقة، وهذه مواقف سياسية يجب التعامل معها باعتبارها تقييمات وتحذيرات من أصحابها، وليست حقيقة مثبتة بشأن وجود خطة حكومية محددة لنقل استيطان الضفة إلى الجليل.
مجد الكروم ليست وحدها في المعادلة
أهمية ما يحدث تتجاوز حدود البلدة، لأن الأراضي العربية في الجليل ليست مجرد مساحات زراعية منفصلة، وإنما جزء من المجال الذي تعيش فيه البلدات العربية وتعاني أصلًا من محدودية الأراضي المتاحة للتوسع والبناء.
لذلك، فإن إنشاء تجمع استيطاني جديد بالقرب من بلدة عربية يمكن أن تكون له آثار تتجاوز مساحة الموقع نفسه: الضغط على الأراضي الزراعية، التأثير في التوسع العمراني، تغيير المشهد الجغرافي المحيط بالبلدة، وإعادة توزيع السيطرة على الأرض.
ومن هنا يأتي القلق لدى الأهالي من أن تصبح مجد الكروم سابقة يمكن تكرارها في مناطق أخرى، خصوصًا إذا أثبتت البؤرة قدرتها على البقاء رغم الاعتراضات الشعبية والقانونية.
وفي المقابل، أظهرت الأحداث الأخيرة أن القضية أعادت أيضًا تحريك العمل الشعبي داخل البلدة، إذ اعتصم المئات في منطقة الروس، وأقيمت الصلاة في الموقع، ثم تحرك المجلس المحلي واللجنة الشعبية سياسيًا وقانونيًا، فيما زارت وفود من القائمة المشتركة الأراضي المستهدفة برفقة أصحابها ومسؤولي البلدة.
وبهذا المعنى، فإن معركة مجد الكروم الحالية ليست فقط حول بؤرة ظهرت خلال أيام، وإنما حول ما إذا كان يمكن تحويل وجود استيطاني محدود إلى واقع دائم، ومن ثم إعادة رسم علاقة الأهالي بأراضيهم.
والفارق بين نجاح المحاولة وفشلها قد لا يتحدد بعدد الخيام الموجودة اليوم، بل بما سيحدث في الأسابيع والأشهر المقبلة: هل تزال البؤرة، أم تبقى؟ هل يستطيع أصحاب الأراضي الوصول إليها بحرية، أم تصبح الحركة فيها مقيدة؟ وهل تتعامل السلطات معها كوجود مؤقت يجب إزالته، أم تسمح له بالتحول تدريجيًا إلى واقع دائم؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل ما يحدث في الروس يتجاوز حدود مجد الكروم، وتضعه في سياق أوسع من الصراع المستمر على الأرض في الجليل والضفة الغربية، مع اختلاف الظروف القانونية والسياسية بين المنطقتين.
اقرأ/ي أيضًاأهالي مجد الكروم يتصدون لمخطط البؤرة الاستيطانية والشرطة تغلق الطريق
من سؤال عن ديانتها إلى إغلاق المدرسة.. معلمة عربية تروي ما حدث في أور عكيفا
مقتل الشابين نور الحلو ونور نفافعة جراء تعرضهما لجريمة إطلاق نار مزدوجة في الناصرة
علاء الريماوي يطلق حملة "مسامحة الدَّين".. 7 ملايين شيقل تم التنازل عنها حتى الآن
نشرة إخبارية خاصة مباشرة لبريدك الإلكتروني يوميا
استلم اشعارات وأخبار حصرية ومقالات مميزة من إذاعة الشمس