القرابين والبوق والسجود.. ماذا تعني الطقوس اليهودية في الأقصى؟
لم تعد المشاهد المرتبطة بالأعياد اليهودية في المسجد الأقصى ومحيطه تقتصر على زيارة مجموعات من اليهود للموقع، إذ شهدت الأشهر الأخيرة توثيق ممارسات دينية أكثر علنية، بينها السجود الكامل، والنفخ في البوق "الشوفار"، وإدخال كتب صلاة، إلى جانب محاولات مرتبطة بالقرابين، بالتزامن مع تحركات سياسية وقضائية تطالب بتوسيع نطاق الدخول والعبادة اليهودية في الموقع.
·صور لاقتحامات الأقصى- المصدر: صفحة محافظة القدس على فيسبوك
نُشر
· قراءة 5 دقائق
شارك المقال
في سبتمبر 2026، تزامنت هذه التطورات مع موسم رأس السنة اليهودية، إذ شهد محيط باب الرحمة للأسبوع الثالث على التوالي طقوسًا يهودية ونفخًا في الشوفار قرب مقابر المسلمين، فيما زارت مجموعات يهودية الموقع تحت حماية الشرطة، وتحدثت تقارير إسرائيلية عن السماح بالصلاة اليهودية بصورة أكثر وضوحًا خلال الأشهر الأخيرة.
وفي الوقت نفسه، انتقل أحد المطالب المتعلقة بالموقع من مستوى الممارسة الميدانية إلى المجال السياسي والقضائي، مع حملة للمطالبة بفتح الموقع أمام اليهود أيام السبت، ومؤتمر شارك فيه وزير الاتصالات شلومو كرعي وعضو الكنيست عميت هاليفي، قبل تقديم التماس إلى المحكمة العليا في سبتمبر بهذا الخصوص.
فماذا تعني هذه الطقوس أصلًا؟ ولماذا تصبح حساسة عندما تُمارس في الأقصى؟ وهل نحن أمام ممارسات دينية منفصلة، أم أمام تغير تدريجي في طبيعة الحضور والعبادة في الموقع؟
القرابين.. محاولة لإحياء طقوس مرتبطة بالهيكل
القرابين الحيوانية جزء من تقاليد العبادة اليهودية القديمة المرتبطة بالهيكل، لكن الحديث اليوم لا يتعلق بممارسة دينية يهودية عامة داخل المسجد الأقصى، وإنما بمحاولات قامت بها مجموعات ناشطة في ملف الهيكل لإحياء بعض هذه الطقوس أو إدخال عناصر منها إلى الموقع.
وخلال عام 2026، ظهرت محاولات موثقة بهذا الخصوص. ففي مارس، حذرت محافظة القدس من محاولات لإدخال حيوانات إلى البلدة القديمة بهدف استخدامها في طقوس مرتبطة بالقرابين، وفي الأول من مايو حاولت مجموعة إدخال حيوان حي عبر باب حطة إلى المسجد، إلا أن حراس الأقصى أغلقوا البوابة ومنعوا دخول المجموعة والحيوان.
وفي مايو أيضًا، أوقفت الشرطة 13 شخصًا على خلفية محاولة إدخال خبز إلى الموقع ضمن طقس مرتبط بعيد الأسابيع، وهو ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية باعتباره محاولة لإحياء عنصر من طقوس القربان.
وهنا يجب التمييز بين هذه الوقائع وبين اليهودية كدين، فوجود تقاليد تاريخية للقرابين لا يعني أن جميع اليهود يدعون إلى إحيائها في الأقصى، كما أن بعض التيارات الدينية اليهودية تعارض أصلًا دخول اليهود إلى الموقع لأسباب دينية.
وتنبع حساسية القرابين من ارتباطها لدى بعض جماعات الهيكل بإحياء عبادة الهيكل القديم، ولذلك لا تُقرأ محاولات إدخالها إلى الأقصى باعتبارها طقسًا منفصلًا عن المكان، بل باعتبارها محاولة لإدخال ممارسة مرتبطة تاريخيًا بالهيكل إلى موقع يُعده المسلمون مسجدًا ومكان عبادة.
الشوفار.. لماذا يصبح البوق قضية عندما يُستخدم في الأقصى؟
الشوفار هو بوق مصنوع عادة من قرن حيوان، ويحتل مكانة أساسية في الطقوس اليهودية، خصوصًا خلال رأس السنة اليهودية، ويرتبط بالتوبة والتذكير الديني والاستعداد الروحي.
لذلك فإن استخدام الشوفار ليس ممارسة مستحدثة ولا يحمل بحد ذاته معنى سياسيًا، لكن السياق يتغير عندما يُستخدم في محيط الأقصى أو داخله، بسبب الترتيبات الدينية والأمنية والسياسية المرتبطة بالموقع.
وفي 11 سبتمبر، قالت محافظة القدس إن عشرات اليهود أدوا طقوسًا دينية ونفخوا في الشوفار في مقبرة باب الرحمة المحاذية للسور الشرقي للأقصى، وذلك للأسبوع الثالث على التوالي، بالتزامن مع اقتراب رأس السنة اليهودية. وقالت المحافظة إن هذه الطقوس تأتي في وقت تتزايد فيه مطالب جماعات مرتبطة بملف الهيكل بإقامة طقوس دينية داخل الأقصى خلال الأعياد.
وبذلك، لا تكمن أهمية الشوفار في طبيعته كأداة دينية، وإنما في انتقال استخدامه إلى محيط موقع ديني متنازع على ترتيبات العبادة فيه، وتكرار استخدامه بصورة علنية.
السجود.. طقس ديني قديم لكن مكانه هو القضية
ما يوصف أحيانًا إعلاميًا بـ"السجود الملحمي" هو السجود الكامل، أي أن الشخص لا يكتفي بالانحناء، بل يضع جسده على الأرض في وضعية سجود كاملة.
وهذه الممارسة ليست اختراعًا حديثًا، إذ توجد في بعض التقاليد والصلوات اليهودية القديمة، خصوصًا في طقوس مرتبطة بيوم الغفران، لكن أداءها في الأقصى يضعها في سياق مختلف.
وفي أغسطس 2026، نشرت وسائل إعلام إسرائيلية صورًا ليهود يصلون في الموقع باستخدام كتب صلاة، وظهرت أمام بعض المصلين أقمشة تستخدم أثناء السجود، في مؤشر على ممارسة السجود الكامل ضمن الصلاة. كما تحدثت تقارير عن السماح بإدخال كتب الصلاة إلى الموقع في تلك المناسبة.
لكن هذا السلوك لا يحظى بإجماع داخل المؤسسة الدينية اليهودية نفسها. ففي يونيو 2026، أصدر الحاخام الأكبر لإسرائيل، كلمان مئير بير، تحذيرًا دينيًا مطولًا قال فيه إن دخول جبل الهيكل والسجود فيه محظوران بشدة، مؤكدًا موقفًا دينيًا تاريخيًا للحاخامات الرئيسيين الرافض لدخول اليهود إلى الموقع أصلًا.
وهذا التفصيل مهم، لأنه يوضح أن الموقف من دخول الموقع وممارسة الصلاة والسجود فيه ليس موحدًا داخل المجتمع الديني اليهودي.
من الزيارة إلى الصلاة.. أين يبدأ التغيير؟
النقطة الأكثر حساسية لا تتعلق بأي طقس منفرد، بل بالفرق بين الزيارة وبين العبادة.
الموقف الإسرائيلي الرسمي المعلن هو أن الوضع القائم في الموقع لم يتغير. فقد أكدت رئاسة الحكومة الإسرائيلية في يوليو 2024 أن سياسة الحفاظ على الوضع القائم في جبل الهيكل "لم تتغير ولن تتغير". كما تذكر وثائق حكومية إسرائيلية أن المسلمين يصلون في الموقع، بينما يُسمح لغير المسلمين بالزيارة، مع استمرار القيود على إقامة الطقوس الدينية غير الإسلامية فيه.
لكن في المقابل، توثق تقارير إسرائيلية خلال 2026 مشاهد صلاة يهودية أكثر علنية. ففي أغسطس أفادت تقارير بالسماح بإدخال كتب الصلاة إلى الموقع، بينما ظهر في يوليو مشهد صلاة يهودية علنية خلال زيارة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير للمكان في مناسبة دينية يهودية.
وبالتالي، فإن جوهر الخلاف لا يتعلق فقط بما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية تعلن رسميًا تغيير الوضع القائم، بل بما إذا كانت الممارسة على الأرض تشهد تغيرات تدريجية رغم بقاء الإعلان الرسمي على حاله.
لماذا أصبح يوم السبت جزءًا من المعادلة؟
التطور الأحدث لا يتعلق فقط بالصلاة أو الطقوس، وإنما بجدول الدخول نفسه.
ففي 27 أغسطس، شارك مسؤولون إسرائيليون، بينهم شلومو كرعي وعميت هاليفي، في مؤتمر دعا إلى فتح الموقع أمام اليهود أيام السبت، ثم قُدم في سبتمبر التماس إلى المحكمة العليا للمطالبة بتغيير السياسة الحالية التي تمنع الدخول اليهودي في ذلك اليوم.
وتنقل هذه الخطوة النقاش من سؤال "هل يستطيع شخص أن يصلي أو يسجد؟" إلى سؤال أوسع يتعلق بمواعيد الدخول ومن يحق له دخول الموقع وتحت أي قواعد.
وينظر مؤيدو فتح الموقع أيام السبت إلى المسألة من زاوية حرية الوصول والعبادة لليهود، فيما تعتبر جهات فلسطينية وأردنية أن تغيير قواعد الدخول قد يمس الوضع التاريخي والقائم في المسجد الأقصى.
ولهذا أصبح الخلاف مرتبطًا بمسار سياسي وقضائي، وليس فقط بممارسات فردية داخل الموقع.
باب الرحمة.. من طقوس موسمية إلى نقطة متكررة؟
هناك تطور آخر يستحق الانتباه، وهو تكرار الطقوس في محيط باب الرحمة.
فبحسب محافظة القدس، تكررت خلال الأسابيع الأخيرة الطقوس اليهودية والنفخ في الشوفار عند مقبرة باب الرحمة، وقالت إن بعض الجماعات المرتبطة بملف الهيكل تسعى إلى تحويل المنطقة إلى نقطة صلاة يهودية ثابتة.
تطبيق إذاعة الشمس
حمّل تطبيق إذاعة الشمس
استمع للبث، تابع الأخبار، واحصل على إشعارات لحظية.
وهذه النقطة توسع السؤال من "ماذا يحدث داخل الأقصى؟" إلى "ماذا يحدث حول أسواره ومداخله؟"، خصوصًا إذا أصبحت الممارسات المتكررة جزءًا ثابتًا من المشهد خلال الأعياد والمناسبات الدينية.
لكن الحديث عن تحويل المنطقة إلى موقع صلاة دائم يبقى، في هذه المرحلة، موقفًا أو تحذيرًا صادرًا عن محافظة القدس، ولا يعني أن إنشاء موقع صلاة دائم قد تقرر بالفعل.
الموقف الأردني.. لماذا يتجاوز الأمر حدود القدس؟
الأردن ينظر إلى القضية من زاوية أخرى أيضًا، إذ يرتبط ملف المقدسات الإسلامية في القدس بالدور التاريخي للوصاية الهاشمية وبإدارة أوقاف القدس.
وفي بيان وزاري عربي وإسلامي صدر في أغسطس، جرى التأكيد على أن مساحة الأقصى البالغة 144 دونمًا مكان عبادة للمسلمين، وأن إدارة أوقاف القدس التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية هي الجهة المختصة بإدارة شؤونه وتنظيم الدخول إليه، كما حذر البيان من محاولات تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم وفرض تقسيم زماني ومكاني.
وبالتالي، فإن أي انتقال من الزيارة إلى الصلاة، أو من الصلاة الفردية إلى طقوس منظمة، أو من الممارسات الميدانية إلى تغيير قواعد الدخول، لا يُنظر إليه في الأردن باعتباره تفصيلًا دينيًا فقط، بل باعتباره مسألة تمس ترتيبات أوسع مرتبطة بالقدس والعلاقات الأردنية الإسرائيلية والاستقرار الإقليمي.
أين تكمن القضية فعلًا؟
القضية التي تحذر منها الجهات الفلسطينية والأردنية لا تتعلق بقدرة طقس واحد، مثل الشوفار أو السجود، على تغيير الوضع القائم بمفرده، وإنما باحتمال تراكم الممارسات.
زيارة، ثم صلاة، ثم سجود كامل، ثم إدخال كتب دينية، ثم طقوس عند الأسوار، ثم مطالب بفتح أيام إضافية، ثم انتقال المطالب إلى القضاء والسياسة؛ كل ذلك يفتح نقاشًا مختلفًا عن السؤال الأصلي المتعلق بالسماح بالزيارة.
وفي المقابل، لا يمكن الجزم بأن هذه الخطوات تشكل خطة واحدة موحدة أو أنها ستؤدي حتمًا إلى تغيير رسمي في ترتيبات الموقع، فالمواقف الإسرائيلية الرسمية ما زالت تؤكد الحفاظ على الوضع القائم، كما أن هناك خلافًا دينيًا يهوديًا واضحًا حول أصل دخول الموقع والصلاة فيه.
القرابين والشوفار والسجود الكامل ليست طقوسًا جديدة في اليهودية، لكن ظهورها أو محاولات ممارستها في الأقصى ومحيطه خلال 2026 تضعها في سياق مختلف، لأن المكان نفسه يخضع لترتيبات دينية وتاريخية وقانونية شديدة الحساسية.
القربان يرتبط لدى بعض جماعات الهيكل بإحياء شعائر مرتبطة بالهيكل القديم، والشوفار شعيرة أساسية في رأس السنة اليهودية، والسجود الكامل ممارسة دينية قديمة، لكن دخول هذه الطقوس إلى مساحة الأقصى أو محيطه يفتح سؤالًا أكبر من معنى كل طقس منفرد: هل تبقى هذه الممارسات استثناءات فردية وموسمية، أم تتحول مع تكرارها وتوسع المطالب السياسية والقضائية إلى جزء ثابت من المشهد في المسجد الأقصى ومحيطه؟
هذا السؤال هو جوهر الخلاف الحالي، خصوصًا مع انتقال النقاش في سبتمبر 2026 من الميدان إلى السياسة والقضاء، ومع تمسك الحكومة الإسرائيلية رسميًا بأن الوضع القائم لم يتغير، مقابل تحذيرات فلسطينية وأردنية من أن تراكم الممارسات على الأرض قد يؤدي إلى تغييره تدريجيًا.
يتم استخدام المواد المنشورة على موقع الشمس وفقًا لأحكام المادة 27أ من قانون حقوق التأليف والنشر لعام 2007.
في حال كنت تعتقد أن استخدام أي مادة منشورة على الموقع ينتهك حقوقك بصفتك صاحب حقوق الطبع والنشر، يمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: info@ashams.com، وطلب وقف استخدام المادة.
يرجى عند التواصل تزويدنا بالاسم الكامل، ورقم الهاتف، وإرفاق صورة عن الشاشة (Screenshot) ورابط الصفحة ذات الصلة على موقع الشمس.
شكرًا لتعاونكم.