26 عامًا على الانتفاضة الثانية: كيف بدأت، وكيف غيّرت المنطقة؟

في 28 سبتمبر 2000، دخل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مرحلة جديدة، بعدما زار زعيم حزب الليكود آنذاك أرييل شارون المسجد الأقصى وسط انتشار أمني واسع، لتندلع في اليوم التالي مواجهات واحتجاجات امتدت سريعًا من القدس إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، ثم إلى مناطق أخرى، وتتحول خلال أشهر من احتجاجات شعبية واسعة إلى مواجهة مسلحة طويلة تركت آثارًا عميقة على الفلسطينيين والإسرائيليين وعلى مسار المفاوضات نفسه.

حاجز عسكري والجدار الفاصل في الضفة الغربية بالقرب من بلدة أبو ديس
 المصدر: ويكيميديا كومنز / تصوير: Justin McIntosh (CC BY 2.0)
حاجز عسكري والجدار الفاصل في الضفة الغربية بالقرب من بلدة أبو ديس المصدر: ويكيميديا كومنز / تصوير: Justin McIntosh (CC BY 2.0)
نُشر · قراءة 4 دقائق

بعد 26 عامًا، لا تُستعاد الانتفاضة الثانية باعتبارها سلسلة من الأحداث العسكرية فقط، بل كمرحلة غيّرت شكل الحياة السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وأعادت رسم العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ودفعت باتجاه تحولات ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم.

قبل الشرارة.. سنوات من خيبة الأمل

لم تبدأ القصة في 28 سبتمبر وحده، فقد جاءت الانتفاضة بعد سنوات من عملية سياسية بدأت بمؤتمر مدريد عام 1991 ثم اتفاق أوسلو عام 1993، وسط آمال بإمكانية الوصول إلى تسوية دائمة.

لكن السنوات التي سبقت الانتفاضة شهدت خلافات متزايدة حول قضايا أساسية، بينها القدس، والحدود، والمستوطنات، واللاجئين، والأمن، ومستقبل الأراضي الفلسطينية.

وفي يوليو 2000، انتهت قمة كامب ديفيد بين ياسر عرفات وإيهود باراك من دون اتفاق نهائي، وازدادت بعدها حالة انعدام الثقة بين الجانبين، فيما بقيت قضايا الحل النهائي من دون تسوية.

تقرير لجنة تقصي الحقائق التي ترأسها جورج ميتشل عام 2001 رفض اختزال أسباب العنف في حدث واحد، وأشار إلى أن جذور الأزمة تمتد إلى خيبة الأمل من مسار السلام، واختلاف توقعات الطرفين بشأن أوسلو، وتبادل الاتهامات بخرق الالتزامات، إضافة إلى تصاعد الغضب والخوف وانعدام الثقة.

28 سبتمبر.. اللحظة التي أشعلت الشارع

في ذلك اليوم، زار شارون باحة المسجد الأقصى برفقة أكثر من ألف شرطي، في خطوة اعتبرها الفلسطينيون استفزازية، وفي اليوم التالي، اندلعت مواجهات في القدس، وسرعان ما انتقلت الاحتجاجات إلى مناطق واسعة من الضفة الغربية وقطاع غزة.

وخلال الأيام الأولى، تصاعد عدد القتلى والجرحى بسرعة، وأصدر مجلس الأمن الدولي في 7 أكتوبر 2000 القرار 1322، معربًا عن قلقه من سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، ومعظمهم فلسطينيون، ودعا إلى وقف العنف والتحقيق في الأحداث.

لكن الشرارة تحولت سريعًا إلى موجة أوسع بكثير من الاحتجاجات، ومع استمرار سقوط القتلى وتزايد التوتر، بدأت المواجهة تنتقل من المظاهرات إلى العمل المسلح.

من الانتفاضة الشعبية إلى المواجهة المسلحة

خلال الأشهر الأولى، كانت الانتفاضة مزيجًا من المظاهرات والإضرابات والمواجهات الشعبية، لكن طبيعتها تغيرت تدريجيًا.

فدخلت الفصائل الفلسطينية المسلحة بصورة أكبر في المواجهة، وبدأت هجمات مسلحة وعمليات تفجير استهدفت إسرائيليين، بينها عمليات انتحارية استهدفت مدنيين.

وفي المقابل، صعّدت إسرائيل عملياتها العسكرية، وبدأت عمليات اعتقال واغتيال وهدم ومداهمات، إلى جانب استخدام القوة العسكرية في مناطق فلسطينية مأهولة.

وثقت هيومن رايتس ووتش خلال السنوات الأولى من الانتفاضة سلسلة من الهجمات التي استهدفت مدنيين إسرائيليين، واعتبرت التفجيرات الانتحارية التي تستهدف المدنيين انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، كما وثقت في الوقت نفسه انتهاكات وعمليات عسكرية إسرائيلية ضد الفلسطينيين.

وهكذا تحولت الانتفاضة إلى دائرة متصاعدة من العنف، كل جولة فيها كانت تغذي الجولة التالية، بينما تراجعت مساحة الاحتجاج المدني لصالح المواجهة المسلحة والعمليات العسكرية.

الداخل الفلسطيني.. أكتوبر 2000

لم تبق آثار الانتفاضة محصورة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

في أكتوبر 2000، خرج آلاف المواطنين العرب في إسرائيل إلى الشوارع احتجاجًا على الأحداث في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وشهدت عدة بلدات عربية مظاهرات واحتجاجات واسعة.

بين 1 و8 أكتوبر، قُتل 13 شابًا فلسطينيًا برصاص الشرطة الإسرائيلية، 12 منهم مواطنون في إسرائيل وواحد من سكان غزة، إضافة إلى إصابة المئات، وفق معطيات عدالة.

وشكلت هذه الأحداث نقطة تحول في العلاقة بين المواطنين العرب ومؤسسات الدولة، وأدت إلى تشكيل لجنة تحقيق رسمية عُرفت باسم "لجنة أور"، التي بحثت أسباب الأحداث وطريقة تعامل الشرطة معها.

وبذلك أصبحت الانتفاضة بالنسبة إلى المجتمع العربي في إسرائيل أيضًا تجربة مرتبطة بالاحتجاج والهوية والعلاقة مع الدولة، وليس مجرد حدث يجري في الأراضي الفلسطينية.

عام 2002.. ذروة المواجهة

وصلت الانتفاضة إلى واحدة من أكثر مراحلها دموية عام 2002، ففي مارس من ذلك العام، شهدت إسرائيل سلسلة من الهجمات، كان أبرزها هجوم فندق في نتانيا في 27 مارس، الذي قُتل فيه 28 شخصًا وأصيب 140 آخرون، وفق تقرير للأمين العام للأمم المتحدة.

وفي اليوم التالي، بدأت إسرائيل عملية عسكرية واسعة عُرفت باسم "السور الواقي"، شملت دخول مدن فلسطينية رئيسية في الضفة الغربية، بينها رام الله وطولكرم وقلقيلية وبيت لحم وجنين ونابلس.

وفي نابلس وجنين وقعت معارك عنيفة، وفرضت قيود واسعة على الحركة، وتضررت البنية التحتية والمنازل والمرافق المدنية.

وفي مخيم جنين، تحدث تقرير الأمم المتحدة عن مقتل ما لا يقل عن 52 فلسطينيًا، بينهم عدد من المدنيين، و23 جنديًا إسرائيليًا، بينما أشار التقرير نفسه إلى أن تقديرات فلسطينية أولية تحدثت عن مئات القتلى ولم تثبتها الأدلة التي ظهرت لاحقًا.

الاغتيالات والاعتقالات والحصار

خلال سنوات الانتفاضة، توسعت إسرائيل في سياسة استهداف قيادات ونشطاء فلسطينيين، بالتوازي مع الاعتقالات الواسعة.

كما فرضت إغلاقات وحواجز وقيودًا على الحركة، ما انعكس على الحياة اليومية، وعلى وصول الفلسطينيين إلى أماكن العمل والتعليم والمستشفيات، وعلى حركة التجارة بين المدن والقرى.

وبحلول منتصف عام 2002، كانت الأمم المتحدة قد سجلت مقتل 441 إسرائيليًا و1539 فلسطينيًا منذ بداية الانتفاضة، مع استمرار ارتفاع الأعداد لاحقًا.

الجدار.. أثر يتجاوز الأمن

خلال الانتفاضة بدأت إسرائيل أيضًا بناء الجدار الفاصل في الضفة الغربية، وقدمت الحكومة الإسرائيلية المشروع باعتباره إجراءً أمنيًا للحد من الهجمات.

لكن مسار الجدار أصبح قضية سياسية وإنسانية وقانونية بحد ذاته، بسبب مروره في مناطق مختلفة من الضفة الغربية وتأثيره على حركة الفلسطينيين ووصولهم إلى الأراضي الزراعية والمدارس والخدمات.

حمّلوا تطبيق الشمس الأخبار والبث المباشر بين يديكم App Store Google Play
تابعوا الشمس على تلغرام أخبار عاجلة · تقارير حصرية · بث مباشر انضم للقناة

وبحلول عام 2004، كانت منظمات حقوقية دولية توثق تأثير الجدار على الوصول إلى العمل والتعليم والصحة والمياه والحياة الأسرية، إلى جانب ارتباط مساره بقضايا المستوطنات والأراضي.

وهكذا لم تعد الانتفاضة مجرد مواجهة بين قوات وفصائل، بل أصبحت عاملًا في إعادة تشكيل الجغرافيا والحركة اليومية داخل الضفة الغربية.

السياسة تغيّرت أيضًا

أعادت الانتفاضة ترتيب المشهد السياسي لدى الطرفين، ففي إسرائيل، عززت سنوات العنف مركزية الملف الأمني في السياسة، وصعدت شخصيات وأحزاب على أساس مواقفها الأمنية، بينما تغيرت صورة أرييل شارون داخل السياسة الإسرائيلية خلال سنوات الانتفاضة.

ففي الجانب الفلسطيني، أدت سنوات المواجهة والحصار إلى إضعاف السلطة الفلسطينية ومؤسساتها، فيما تعزز حضور الفصائل المسلحة، وخصوصًا حماس والجهاد الإسلامي وكتائب شهداء الأقصى وغيرها.

وفي الوقت نفسه، تراجعت الثقة بمسار أوسلو، وأصبح الوصول إلى تسوية سياسية أكثر صعوبة.

هل انتهت الانتفاضة في يوم واحد؟

لا يوجد يوم واحد يمكن اعتباره نهاية قاطعة للانتفاضة الثانية، لكن عام 2005 شكل نقطة تحول رئيسية، ففي فبراير 2005، اجتمع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون في قمة شرم الشيخ، وأعلنا وقف أعمال العنف بين الجانبين، في محاولة لفتح مرحلة جديدة.

وجاء ذلك بعد سنوات من المواجهة التي خلفت آلاف القتلى والجرحى، ثم تراجعت حدة الانتفاضة تدريجيًا، بالتزامن مع تحولات سياسية وأمنية كبيرة، بينها الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة في العام نفسه.

لكن انخفاض مستوى العنف لم يعنِ عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل سبتمبر 2000.

26 عامًا.. ماذا بقي من الانتفاضة؟

وفق بيانات بيتسيلم، بلغ عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا على يد القوات الإسرائيلية في الفترة من 29 سبتمبر 2000 حتى سبتمبر 2010 أكثر من 6370، فيما قُتل 1083 إسرائيليًا خلال الفترة نفسها.

لكن الأرقام لا تختصر إرث الانتفاضة، فقد تركت السنوات الأولى من الألفية الجديدة آثارًا على شكل المدن والطرق والحواجز، وعلى الاقتصاد الفلسطيني، وعلى العلاقة بين المجتمع العربي ومؤسسات الدولة، وعلى السياسة الإسرائيلية والفلسطينية، وعلى نظرة جيل كامل إلى فكرة المفاوضات والسلام.

كما أصبحت بعض أحداث تلك السنوات علامات فارقة في الذاكرة الفلسطينية والإسرائيلية، من مشاهد الأيام الأولى في الأقصى، إلى محمد الدرة، وأحداث أكتوبر 2000، واجتياح جنين ونابلس، والحصار، والاغتيالات، والعمليات التي استهدفت المدنيين.

اقرأ/ي أيضًاناي البرغوثي تغني مع الأوركسترا العربية الوطنية في إسطنبول
حقوق النشر وسياسة الاستخدام

يتم استخدام المواد المنشورة على موقع الشمس وفقًا لأحكام المادة 27أ من قانون حقوق التأليف والنشر لعام 2007.

في حال كنت تعتقد أن استخدام أي مادة منشورة على الموقع ينتهك حقوقك بصفتك صاحب حقوق الطبع والنشر، يمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: info@ashams.com، وطلب وقف استخدام المادة.

يرجى عند التواصل تزويدنا بالاسم الكامل، ورقم الهاتف، وإرفاق صورة عن الشاشة (Screenshot) ورابط الصفحة ذات الصلة على موقع الشمس.

شكرًا لتعاونكم.

اقرأ أيضًا عرض الكل ←