اقتراب انسحاب “يونيفيل” من جنوب لبنان يثير مخاوف من فراغ أمني وسط ضياع البدائل

تتزايد المخاوف في لبنان من تداعيات انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “يونيفيل” نهاية عام 2026، في ظل غياب تصور واضح بشأن الجهة التي ستتولى مهام مراقبة الوضع الميداني في الجنوب وتوثيق الخروقات، بالتزامن مع استمرار الهجمات الإسرائيلية والاحتلال العسكري لمناطق لبنانية.

shutterstock
shutterstock
نُشر · قراءة 4 دقائق

ويأتي ذلك وسط تحذيرات رسمية وسياسية من أن انسحاب القوة الأممية دون ترتيبات بديلة قد يترك فراغًا أمنيًا في المناطق الحدودية، في وقت تواجه فيه الدولة اللبنانية تحديات تتعلق بقدرات الجيش وإمكاناته في مراقبة الحدود والتعامل مع التطورات الميدانية.

وكان مجلس الأمن الدولي قد قرر في آب/أغسطس 2025 تمديد ولاية “يونيفيل” للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2026، على أن تبدأ القوة بعد ذلك انسحابًا تدريجيًا وآمنًا خلال عام 2027.

وفي مواجهة هذا الاستحقاق، برزت دعوات لبنانية إلى إيجاد صيغة دولية تضمن استمرار مراقبة الأوضاع في الجنوب، فيما لا تزال طبيعة البديل المحتمل وصلاحياته وآليات عمله غير واضحة.

تحذيرات من فراغ أمني في الجنوب

وحذّر الرئيس اللبناني جوزاف عون من أن انتهاء مهمة “يونيفيل” دون توفير بديل دولي قد يؤدي إلى فراغ أمني في جنوب البلاد، فيما شدد رئيس الحكومة نواف سلام على أهمية استمرار الحضور الدولي للقيام بالمهام التي تضطلع بها القوة الأممية.

وتعمل “يونيفيل” في جنوب لبنان منذ عام 1978، وتوسعت مهامها عقب حرب تموز/يوليو 2006، لتشمل مراقبة وقف الأعمال العدائية، ومساعدة الجيش اللبناني على الانتشار في المنطقة، والإبلاغ عن الخروقات، وتسهيل التنسيق بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي.

ويثير انتهاء هذه المهمة تساؤلات بشأن مستقبل آليات التحقق من التطورات الميدانية، خصوصًا في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية وصعوبة التوصل إلى ترتيبات تضمن استقرار المناطق الحدودية.

خلافات دولية حول مستقبل القوة الأممية

وقال النائب اللبناني عبد الرحمن البزري إن لبنان، ولا سيما المناطق الجنوبية، يواجه مرحلة دقيقة مع اقتراب موعد انتهاء ولاية “يونيفيل”، مشيرًا إلى وجود توجه أميركي، بحسب تقديره، لعدم تمديد المهمة مجددًا، رغم تحركات أوروبية وعربية وإقليمية بحثًا عن صيغة بديلة.

وأوضح البزري أن أحد الخيارات المطروحة يتمثل في إنشاء قوة دولية جديدة بالتفاهم مع الدولة اللبنانية، لكنه أشار إلى أن نجاح هذا الخيار يرتبط بتحديد مهام القوة وصلاحياتها وقواعد الاشتباك، إضافة إلى طبيعة علاقتها بالجيش اللبناني والأطراف المعنية.

وأضاف أن التوصل إلى ترتيبات قابلة للتطبيق يتطلب توافقًا لبنانيًا ودعمًا دوليًا، لافتًا إلى أن مستقبل الاتصالات والترتيبات الأمنية بين لبنان وإسرائيل لا يزال يواجه عقبات.

وأشار إلى أن المسار القائم، الذي يتضمن اتصالات مباشرة وغير مباشرة برعاية أميركية، لم يحقق حتى الآن نتائج ملموسة في ملفات أساسية، بينها الانسحاب الإسرائيلي من مناطق إضافية في جنوب لبنان.

استمرار الهجمات الإسرائيلية يزيد المخاوف

وتتزايد هذه المخاوف في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان، وما خلفته من خسائر بشرية ونزوح واسع، وفق الأرقام الواردة عن السلطات اللبنانية.

وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، أسفرت الهجمات منذ 2 آذار/مارس الماضي عن أكثر من 4300 قتيل و12 ألفًا و400 مصاب، فيما تجاوز عدد النازحين مليون شخص.

وفي 26 حزيران/يونيو الماضي، وقّع لبنان وإسرائيل “صيغة إطار” برعاية أميركية، تتضمن انسحابًا إسرائيليًا تدريجيًا من الأراضي اللبنانية وانتشار الجيش اللبناني فيها، إلى جانب ترتيبات تتعلق بسلاح حزب الله.

لكن استمرار الهجمات الإسرائيلية وبقاء قوات إسرائيلية في مناطق لبنانية، بعضها منذ سنوات وأخرى منذ العمليات العسكرية الأخيرة، يضعان علامات استفهام حول قدرة الترتيبات القائمة على ضمان الاستقرار بعد انسحاب القوة الأممية.

الجيش اللبناني أمام تحديات ميدانية

وأكد البزري أهمية استمرار وجود “يونيفيل” في المستقبل المنظور، معتبرًا أن بقاءها يشكل ضمانة للحفاظ على الاستقرار عند الحدود اللبنانية، رغم الملاحظات المتعلقة بأدائها وقدرتها على تنفيذ مهامها.

وأشار إلى أن نوابًا لبنانيين طالبوا السلطة التنفيذية بالعمل على تمديد مهمة القوة، غير أن القرار النهائي يبقى بيد مجلس الأمن الدولي، حيث تمتلك خمس دول حق النقض.

وفي الوقت نفسه، شدد البزري على ثقته بقدرات الجيش اللبناني ورغبته في الدفاع عن الأراضي اللبنانية، لكنه لفت إلى محدودية إمكاناته التقنية مقارنة بما يمكن أن توفره قوى دولية.

وأضاف أن مسؤولية الدولة في الجنوب لا تقتصر على الجوانب الأمنية والعسكرية، بل تشمل أيضًا تعزيز حضور المؤسسات الرسمية وتوفير الخدمات الأساسية، بما فيها البنية التحتية والصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية.

البلدات الحدودية تطالب بخطة انتقالية واضحة

ولا تقتصر المخاوف من انتهاء مهمة “يونيفيل” على المستوى السياسي والعسكري، بل تمتد إلى البلديات والبلدات الحدودية التي تواجه تداعيات الهجمات الإسرائيلية بصورة مباشرة.

وقال رئيس بلدية مجدل زون، يوسف شحيمي، إن انسحاب القوة الأممية يطرح تساؤلات بشأن الجهة التي ستتولى مراقبة الوضع الأمني وتوثيق الخروقات، محذرًا من أن غياب ترتيبات واضحة قد يفاقم حالة عدم الاستقرار في المنطقة.

وأوضح أن البلدة ومحيطها شهدا غارات وتدميرًا للمنازل، مشددًا على أن الأولوية بالنسبة إلى البلدات الحدودية تتمثل في ضمان عدم حدوث فراغ أمني بعد انسحاب القوة الدولية.

ودعا شحيمي الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي إلى وضع خطة انتقالية تحدد الجهات المسؤولة عن متابعة التطورات الميدانية ومراقبة الخروقات الإسرائيلية، إلى جانب توفير ضمانات لحماية الأراضي والمياه والأجواء اللبنانية.

حمّلوا تطبيق الشمس الأخبار والبث المباشر بين يديكم App Store Google Play
تابعوا الشمس على تلغرام أخبار عاجلة · تقارير حصرية · بث مباشر انضم للقناة

كما شدد على ضرورة توفير الظروف التي تسمح بعودة السكان إلى بلداتهم ومنازلهم، مؤكدًا أن الاكتفاء بالتعبير عن المخاوف لا يكفي، وأن المرحلة المقبلة تتطلب إجراءات عملية واضحة.

تحذيرات من غياب التوثيق الدولي

من جهته، حذّر مدير مركز الدراسات الاستراتيجية، العميد نضال زهوي، من تداعيات أمنية وعسكرية وقانونية محتملة لانتهاء مهمة “يونيفيل”، في حال عدم وجود جهة دولية تتولى مراقبة ما يجري في الجنوب.

وقال إن غياب القوة الأممية قد يقلص فرص التحقق المستقل من الانتهاكات وتوثيقها، الأمر الذي قد يؤثر في متابعة التطورات الميدانية مستقبلًا.

واعتبر زهوي أن الجيش اللبناني يواجه، في ظل إمكاناته الحالية، صعوبات في تولي جميع المهام التي تنفذها القوة الدولية، سواء على مستوى مراقبة المنطقة أو التعامل مع الاعتداءات.

وأشار إلى أن أي بعثة دولية بديلة، بما فيها البعثة الأوروبية المقترحة، تحتاج إلى تفويض واضح وترتيبات تضمن قدرتها على العمل والتنسيق مع المؤسسات اللبنانية.

كما لفت إلى أن الخلافات الدولية، بما فيها التنافس بين الولايات المتحدة من جهة والصين وروسيا من جهة أخرى، قد تعقّد التوافق على خيارات إضافية.

وتحدث زهوي عن مقترحات سابقة لنشر قوات عربية وأخرى تركية في جنوب لبنان، لكنه قال إن هذه الخيارات لم تستمر في التداول بعد رفض إسرائيل لها، بحسب تقديره.

بعثة أوروبية جديدة دون حسم مصير “يونيفيل”

وفي 12 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، أعلن الاتحاد الأوروبي إنشاء بعثة لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، في خطوة تستهدف تعزيز قدرات المؤسسات الأمنية اللبنانية في ظل التحديات التي تواجهها البلاد.

لكن هذه الخطوة لا تعني بالضرورة أن البعثة الأوروبية ستتولى مهام “يونيفيل” بعد انتهاء ولايتها، إذ لا تزال هناك أسئلة بشأن طبيعة التفويض والصلاحيات وآليات مراقبة الخروقات والتنسيق مع الجيش اللبناني.

وبين اقتراب موعد الانسحاب الأممي واستمرار التوتر على الحدود، يبقى مستقبل الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان مرتبطًا بمدى قدرة الأطراف المعنية على الاتفاق على آلية واضحة تمنع حدوث فراغ ميداني، وتضمن استمرار مراقبة التطورات وحماية الاستقرار في المنطقة.

اقرأ/ي أيضًااعتقال 21 مقاولًا وضابطًا إسرائيليًا بشبهة الاحتيال وسرقة ملايين الشواكل خلال الحرب على غزة



حقوق النشر وسياسة الاستخدام

يتم استخدام المواد المنشورة على موقع الشمس وفقًا لأحكام المادة 27أ من قانون حقوق التأليف والنشر لعام 2007.

في حال كنت تعتقد أن استخدام أي مادة منشورة على الموقع ينتهك حقوقك بصفتك صاحب حقوق الطبع والنشر، يمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: info@ashams.com، وطلب وقف استخدام المادة.

يرجى عند التواصل تزويدنا بالاسم الكامل، ورقم الهاتف، وإرفاق صورة عن الشاشة (Screenshot) ورابط الصفحة ذات الصلة على موقع الشمس.

شكرًا لتعاونكم.

اقرأ أيضًا عرض الكل ←