يرى الخبير الاقتصادي الدكتور نصر عبد الكريم، أن مؤتمر دافوس لم يعد مجرد لقاء اقتصادي، بل تحوّل خلال العقود الماضية إلى منصة دولية لرسم تصورات استراتيجية كبرى، يلتقي فيها المال بالسياسة.
وأضاف في مداخلة هاتفية لبرنامج "أول خبر"، على إذاعة الشمس، أن أهمية دافوس تصاعدت بشكل ملحوظ بعد انتهاء الحرب الباردة، حيث أصبح مساحة لمناقشة قضايا عالمية محورية، من بينها التسلح والطاقة والمناخ والعلاقات التجارية، إلى جانب ملفات الصراع الدولي، مؤكدًا أن المؤتمر لا يشكل إطارا لحوارات ثنائية بين الدول، بل ساحة لعرض الرؤى والتوجهات المستقبلية للقوى الكبرى.
وأشار عبد الكريم إلى أن مؤتمر دافوس يُستخدم أساسا لـ"تسميع الأصوات"، ولا سيما أصوات الزعماء المؤثرين، لافتا إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يسعى من خلال هذه المنصات إلى إعادة تشكيل النظام العالمي، بما يشمل محاولات لإيجاد أطر بديلة أو موازية لمؤسسات الأمم المتحدة، وعلى رأسها مجلس الأمن.
واعتبر أن الحديث عن ما يسمى "مجلس السلام" يثير الكثير من علامات الاستفهام، خاصة في ظل وجود شخصيات مثل ترامب ونتنياهو، مشددًا على أن هذه التشكيلات قد تميل إلى تكريس منطق القوة والحرب أكثر من ترسيخ السلام.
الحرب التجارية أولوية
وحول ترتيب الأولويات الاقتصادية الدولية، أكد عبد الكريم أن الحرب التجارية تتصدر المشهد العالمي في المرحلة الحالية، متقدمة على باقي الصراعات، بما فيها النزاعات العسكرية المباشرة. وأضاف أن التوترات التجارية عادت بقوة، سواء بين الولايات المتحدة والصين أو مع أوروبا، في ظل سياسات أميركية قد تفتح الباب أمام نزاعات اقتصادية جديدة.
وبيّن أن ملفات الطاقة، وإيران، والممرات البحرية الحيوية مثل هرمز وباب المندب، تأتي في مراتب متقدمة اقتصاديا، تليها الحرب الروسية الأوكرانية، بينما تراجعت ملفات أخرى على سلم الاهتمام العالمي.
غزة خارج سلم الأولويات
وأكد عبد الكريم أن غزة، رغم المأساة الإنسانية، لا تحتل موقعا متقدما في سلم الأولويات الاقتصادية الدولية، موضحا أن القرار الفعلي في هذا الملف بات بيد الإدارة الأميركية، وليس بيد الأطراف الإقليمية أو الدولية الأخرى.
وأضاف أن الحديث المتكرر عن مؤتمرات للمانحين وإعادة الإعمار لا يمكن أن يتحقق فعليا دون توفر شروط سياسية وأمنية أساسية، في مقدمتها وقف العدوان، وانسحاب الجيش الإسرائيلي، وفتح المعابر، وضمان دخول المعدات ومواد البناء.
مخاوف من فصل سياسي وجغرافي
وحذر عبد الكريم من أن أي حشد مالي لإعادة الإعمار دون رؤية سياسية واضحة قد يؤدي إلى تكريس فصل جغرافي وسياسي بين غزة والضفة الغربية، مشيرا إلى مخاوف حقيقية من أن تتحول الترتيبات الإدارية المؤقتة في القطاع إلى واقع دائم.