في زمنٍ تتكاثر فيه مشاهد الفقدان، ويصبح خبر الرحيل جزءًا من يومياتنا، تتضاعف خساراتنا. في ظلّ الحرب، لا نفقد الأحبّة فحسب، بل نفقد شهودًا، وأصواتًا، وقطعًا حيّة من ذاكرتنا الجمعية. كلّ رحيلٍ اليوم لا يعني غياب شخصٍ فقط، بل انطفاء رواية، وانقطاع خيطٍ يربطنا بماضينا. ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل الذاكرة الفلسطينية على فراش الموت؟
بعد وفاة واحدٍ من آخر الشهود على قرية الرويس المهجّرة (قضاء عكا) الأسبوع الماضي، الحاج مفلح شقير، المولود هناك سنة 1940، تكون القرية قد فقدت أحد آخر أبنائها الأحياء الذين عاشوا فيها، ووعوا تفاصيل حياتها اليومية، ويتذكرون لحظة التهجير بكل تفاصيلها.
كانوا يتذكرون معالم القرية ومنازلها وعائلاتها، يتذكرون نبعها وأرضها، ووجوه أهلها.
هُجّرت قرية الرويس في 16 تموز 1948، وهُدمت ودُمّرت، ولم يبقَ لنا منها إلا ذاكرة من عاشوا فيها، تلك الذاكرة التي أصبحت اليوم المصدر الأخير لاستعادة صورتها وحفظها. هنا تكمن أهمية توثيق تاريخنا الشفوي.
وقد كنّا في إذاعة الشمس قد وثّقنا ذاكرة الحاج المرحوم مفلح شقير، ابن الرويس، في حلقة خاصة من برنامج "خبرة وعبرة".
لسماع الحلقة مع الراحل مفلح شقير ابن الرويس عبر اثير إذاعة الشمس
من وجعٍ شخصي وُلد المشروع
علاقتي بتوثيق الذاكرة لم تبدأ كمشروعٍ ثقافي فحسب، بل بدأت من وجعٍ شخصي عميق. جدّتي، مواليد عام 1929، كانت من قرية عيلبون في الجليل، القرية التي هُجّرت في 30 تشرين الأول 1948، ووقعت فيها مجزرة راح ضحيتها أربعة عشر شابًا من أبنائها. في تلك الأيام العاصفة، فقدت جدّتي زوجها، الذي كان من ضحايا أحداث عام 1948، ووجدت نفسها في جيل التاسعة عشرة أرملة، تحمل على كتفيها وجع الفقد ومسؤولية الحياة.
خرجت لاجئة إلى لبنان، تتنقّل بين المخيمات، ومعها ابنتان صغيرتان. هناك، في قسوة اللجوء، فقدت إحدى ابنتيها. كانت تحكي لي عن البرد، عن الخوف، عن الجوع، وعن الطريق الطويل بين القرى والحدود. كانت تبكي وهي تروي، كأنها تعيش المشهد من جديد. كانت تكرّر الأسماء، والأماكن، وتفاصيل اللحظات الأولى للتهجير، ومشهد الجثامين، وصوت الرصاص.
حين تموت الذاكرة قبل الجسد
الفقدان لم يتوقف عند حدود الماضي. في آخر سنتين من حياتها، أُصيبت بمرض الزهايمر. جلستُ أمامها سنتين كاملتين. كانت حيّة بجسدها، لكن ذاكرتها كانت تموت أمام عينيّ. حاولت كثيرًا أن أوثّق ما تبقّى من ذاكرتها، أن أستعيد معها ما كانت ترويه لي قبل المرض، أن أذكّرها بالأسماء والأماكن والوجوه… لكن بلا فائدة. كان الأوان قد فات.
هناك أدركت أن الذاكرة لا تنتظر أحدًا. يمكنها أن تختفي ببساطة، وصاحبها ما زال حيًا أمامك. يمكن أن تموت الذاكرة قبل الجسد. وهنا أدركت القيمة الحقيقية للتوثيق: أن نلتقط الشهادة قبل أن يخفت صوتها، وقبل أن تذوب تفاصيلها في صمت النسيان.
سباقٌ مع الزمن
لقد مرّ على النكبة سبعة وسبعون عامًا وأكثر. الذين عايشوها، ووعوا البلاد قبلها، بلغت أعمارهم اليوم أواسط الثمانينيات وما فوق. وهذا يعني أننا في سباقٍ حقيقي مع الزمن.
بعد عشر سنوات من الآن، قد لا نجد أحدًا منهم بيننا. سيرحلون، وسنشيّعهم إلى مثواهم الأخير، ومعهم قد تُدفن ذاكرة كاملة إن لم نكن قد حفظناها.
منذ عام 2017 بدأتُ شخصيًا توثيق ذاكرة المسنين في قريتي عيلبون، وفي القرى المحيطة بنا. وبعد أكثر من تسع سنوات على هذا المشروع، وثّقتُ مئات الشهادات. واليوم، في عام 2026، معظم من وثّقتهم قد رحلوا، لكن ذاكرتهم ما زالت حيّة في أرشيفي، محفوظة بالصوت والصورة، مليئة بالتفاصيل والقصص والحكايات عن قرى هُجّرت، وهُدمت، ومُحيت معالمها.
وبفضل هذا المشروع، استطعت إنقاذ ما أمكن إنقاذه من الذاكرة قبل أن تضيع، واليوم، أنا في مرحلة جمع هذه الشهادات كلّها في كتابٍ واحدٍ ضخم، يضمّ ذاكرة المسنين عن النكبة والعام 1948، كتاب يكون مرجعًا حيًّا للأجيال القادمة، وشهادةً موثّقة بأصوات أصحابها، قبل أن يخفت الصوت الأخير.
الذاكرة أمانة، وإن لم نوثّقها اليوم، فلن نجد من يرويها غدًا.
وإذا كان الفقدان قدرًا، فإن حفظ الذاكرة مسؤولية.