رأسمالية الكوارث في غزة: هكذا تحتكر شركات إسرائيلية كبرى السوق وتخنق المزارع الصغير

Shutterstock AI-Generated Image

Shutterstock AI-Generated Image

"اقتصاد الظل" بغزة: كيف تستغل شركات إسرائيلية كبرى الحرب لاحتكار السوق وخنق المنافسة؟ إليكم تفاصيل "رأسمالية الكوارث" والأسعار الخيالية.


في علم الاقتصاد السياسي، هناك مصطلح يُعرف بـ "رأسمالية الكوارث"، وهو المصطلح الذي يبدو اليوم التفسير الأدق لما يحدث في قطاع غزة.


بينما تتركز أنظار العالم على غرف العمليات العسكرية وخرائط التحركات الميدانية، تجري في الخفاء عملية "إعادة ضبط" اقتصادية كبرى لم يشهدها قطاع غزة من قبل. بالنسبة للمراقب العادي، غزة هي ساحة صراع, أما بالنسبة لطبقة معينة من "مهندسي الاقتصاد" والانتهازيين، فهي اليوم تمثل "أرض الفرص غير المحدودة".


نحن بصدد معاينة حية للمصطلح الذي صاغته الأدبيات الاقتصادية السياسية بـ "رأسمالية الكوارث". هذا المفهوم لا يشير فقط إلى استغلال الأزمات، بل إلى إعادة تشكيل الواقع المالي في مناطق النزاع بطريقة تخدم مصالح ضيقة ومراكز قوى جديدة. إن ما يحدث اليوم ليس مجرد "تبادل تجاري اضطراري"، بل هو عملية هندسة مالية متعمدة تعيد صياغة النفوذ في المنطقة بأكملها.


اقتصاد الظل والتهريب المنظم


في الأسواق المستقرة، يُعتبر "التحكيم" أو المراجحة وسيلة مشروعة للربح من فروقات الأسعار. أما في غزة، فقد تحول هذا المفهوم إلى سلاح في يد "اقتصاد الظل". ما نراه اليوم ليس مجرد تبادل تجاري عابر للحدود، بل هو محاكاة دقيقة لنماذج الأسواق السوداء التي تنمو كالفطر في مناطق النزاع، حيث تختفي أخلاقيات المهنة لصالح "اقتصاديات الدقائق الأخيرة".


لنتأمل هذه المفارقة: عندما يرتفع سعر كيلوغرام السكر ليصل إلى ثلاثة أضعاف سعر "ملح الليمون" لمجرد تشابههما الشكلي، فنحن لا نتحدث عن قوى العرض والطلب. نحن نتحدث عن "ثغرات تقنية" في منظومة الرقابة، يتم استغلالها من قبل مهربين بارعين في تحويل البيروقراطية إلى منجم ذهب. هذه الفجوة السعرية ليست مجرد رقم, إنها دليل إدانة على عمق الانفصال بين التصريحات الأمنية الرسمية وبين ما يجري فعلياً داخل حاويات الشاحنات التي تعبر معبر كرم أبو سالم.


إن "اقتصاد الدقائق الأخيرة" هذا يعمل وفق قاعدة بسيطة ومرعبة: كلما زاد الاحتياج الإنساني، زادت سرعة دوران ماكينة الأرباح. في هذا المشهد، يتحول الجوع من مأساة إلى "وقود محرك" لنموذج عمل يعتاش على الندرة المفتعلة. 


حيتان المال في مواجهة المزارع الصغير


إذا أردت تدمير سوق ما، فلا تحتاج إلى قنبلة؛ يكفي أن تمنح بيروقراطياً قلماً وورقة. هذا هو الدرس المستفاد من التوجه الأخير لمديرية الجمارك الإسرائيلية، التي قررت "خصخصة" المعاناة في غزة عبر آلية إقصاء مذهلة في وقاحتها. بقرار إداري واحد، تم حصر تراخيص التوريد للشركات التي يتجاوز حجم مبيعاتها السنوية 300 مليون شيكل.


هذا ليس "إجراءً تنظيمياً" لتبسيط اللوجستيات؛ إنه "كارتل" اقتصادي برعاية الدولة. فمن خلال وضع حواجز دخول تعجيزية، قامت الحكومة فعلياً بطرد صغار المزارعين والتجار, أولئك الذين قضوا أربعة عقود في بناء جسور تجارية متينة ومعرفة عميقة بتضاريس القطاع, لتفتح الباب على مصراعيه أمام "بارونات" جدد. هؤلاء الوافدون لا تربطهم بغزة علاقة تجارية أو إنسانية؛ هم مجرد أرقام في ميزانيات عمومية، يرون في المساعدات الإنسانية "سلعة استراتيجية" ذات هوامش ربح مضمونة.


العمل الخيري واجهة للاحتكار


هناك جرس إنذار يدوي الآن، وصداه يتجاوز حدود الحسابات البنكية ليصل إلى صلب الأمن القومي والاستقرار الإقليمي. إن ظهور أسماء لـ "أوليغارش" من أصول شرق أوروبية، يسعون للتسلل إلى المشهد الاقتصادي في غزة عبر بوابة "الجمعيات الخيرية" المريبة، ليس مجرد صدفة تجارية. نحن نشهد ولادة طبقة جديدة من المتربحين الذين يرون في غزة "أرضاً مشاعاً" اقتصادية، لا صاحب لها ولا قانون يحميها.


هذا المشهد يعيدنا، وبصورة مرعبة، إلى نموذج روسيا في التسعينيات. في تلك الحقبة، وفي غمرة الفوضى التاريخية التي تلت انهيار الاتحاد السوفيتي، انقضت قلة من المغامرين الماليين على موارد الدولة وفرصها في غياب الرقابة. واليوم، يتكرر السيناريو في غزة: الاستيلاء على الموارد والفرص في لحظات الفوضى التاريخية، وتحت غطاء "الإنسانية" الزائف.


الخطر هنا يكمن في "مأسسة" الفوضى. هؤلاء الأوليغارش لا يبحثون عن بناء اقتصاد مستدام أو خلق فرص عمل، بل يبحثون عن السيطرة على "عنق الزجاجة". إنهم يستثمرون في "الاحتياج" بحد ذاته. عندما تتحول المساعدات الإغاثية إلى واجهة لعمليات احتكارية كبرى، فإننا لا نتحدث عن فساد عابر، بل عن "هندسة اجتماعية-اقتصادية" تهدف إلى خلق طبقة تابعة تدين بالولاء لمن يتحكم في لقمة عيشها.


إن غياب الشفافية في منح هذه الكيانات موطئ قدم في القطاع يثير تساؤلات مشروعة حول من يسهل هذه الصفقات. ففي عالم "وول ستريت"، القاعدة الذهبية هي: "اتبع المال". وفي حالة غزة، يبدو أن المال يقودنا نحو تحالفات مشبوهة ترى في الأنقاض مجرد "أصول" رخيصة يجب الاستحواذ عليها قبل أن يصحو العالم من صدمة الحرب.


غياب الرؤية يفتح أبواب مصر


هناك قاعدة ذهبية في علم الفيزياء كما في علم الاقتصاد: "الطبيعة لا تقبل الفراغ". وإذا استمر صُنّاع القرار في القدس في اعتقادهم أن بإمكانهم حبس اقتصاد كامل داخل زجاجة احتكارية، فهم لا يفهمون كيف تعمل الأسواق. إن السياسات الحالية التي تمنح "البارونات" حق الفيتو على لقمة عيش الغزيين، بينما يُمنع المزارع الإسرائيلي من إدخال خضرواته أو مواشيه، ليست مجرد سوء إدارة؛ إنها انتحار استراتيجي بطيء.


المزارع الذي يرى بضاعته تتلف على المعابر بسبب "شروط الحجم" التعجيزية يحذر من حقيقة بديهية: السوق سيجد مخرجاً دائماً. إذا لم تكن إسرائيل قادرة"أو راغبة" في تنظيم منظومة تجارية عادلة وشفافة تضمن حقوق الصغار قبل الكبار، فإن البدائل لن تنتظر طويلاً. الحدود المصرية ليست مجرد خطوط على الخارطة، بل هي شريان اقتصادي جاهز للنبض بالكامل.


أخلاقيات التجارة في زمن الحرب


إن تحويل قطاع غزة إلى "أرض للفرص غير المحدودة" لنخبة من كبار المستثمرين والمستفيدين، بينما يرزح المواطن البسيط تحت وطأة الجوع، ليس مجرد سقطة أخلاقية مدوية؛ إنه عطب بنيوي في المنطق الاقتصادي الذي تدعي الدولة حمايته. عندما تتحول معاناة البشر إلى "أصل مالي" للمضاربة بين المهربين وحيتان المال، فإننا نفقد ليس فقط البوصلة الإنسانية، بل والجدوى الاستراتيجية لأي استقرار مستقبلي.

يتم الاستخدام المواد وفقًا للمادة 27 أ من قانون حقوق التأليف والنشر 2007، وإن كنت تعتقد أنه تم انتهاك حقك، بصفتك مالكًا لهذه الحقوق في المواد التي تظهر على الموقع، فيمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني على العنوان التالي: info@ashams.com والطلب بالتوقف عن استخدام المواد، مع ذكر اسمك الكامل ورقم هاتفك وإرفاق تصوير للشاشة ورابط للصفحة ذات الصلة على موقع الشمس. وشكرًا!

phone Icon

احصل على تطبيق اذاعة الشمس وكن على
إطلاع دائم بالأخبار أولاً بأول

Download on the App Store Get it on Google Play