في العقود القادمة، لن يكون الصراع الدولي محصورًا في الجغرافيا أو السلاح، بل في "الزمن الطاقي": من سينتقل أسرع من الوقود الأحفوري إلى الطاقة البديلة، ومن سيبقى رهينة النفط والغاز لفترة أطول.
في هذا السياق، تبرز مفارقة لافتة: الصين، بحسب معظم التقديرات، تتجه إلى فطام شبه كامل عن الطاقة الأحفورية بحلول منتصف القرن الحالي، بينما الولايات المتحدة، حتى لو بدأت الفطام الجدي اليوم، فلن تبلغ مرحلة مشابهة إلا نحو منتصف القرن المقبل. هذه الفجوة الزمنية تعيد رسم خريطة المصالح، وتفسّر كثيرًا من التحركات الأميركية، ومن بينها ما جرى مؤخرًا في فنزويلا.
النفط كعنصر حاسم في مرحلة الانتقال
رغم الخطاب الأميركي المتزايد عن الطاقة النظيفة، تبقى الحقيقة أن الاقتصاد الأميركي ما زال يعتمد بشكل كبير على النفط، ليس فقط للاستهلاك الداخلي، بل لإدارة النظام العالمي القائم على الدولار. النفط هنا ليس مجرد مصدر طاقة، بل "أداة نفوذ": من يسيطر على تدفقه وتسعيره، يملك ورقة ضغط سياسية واقتصادية عالمية.
في المقابل، الصين تنظر إلى النفط كمرحلة انتقالية لا بد منها، لكنها تعمل على تقليص مدتها إلى الحد الأدنى. استثمارات ضخمة في الطاقة الشمسية، والنووية، والسيارات الكهربائية، وسلاسل توريد المعادن النادرة، تجعل بكين أقل حساسية لصدمات الطاقة المستقبلية، وأكثر استعدادًا لعالم ما بعد النفط.
فنزويلا: كنز نفطي في لحظة حرجة
هنا تدخل فنزويلا إلى المشهد. فهي تملك "أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم"، يفوق احتياطي السعودية نفسها. لكن هذا النفط الثقيل بقي، لسنوات، خارج المعادلة الفعّالة بسبب العقوبات الأميركية، وسوء الإدارة، وانهيار البنية التحتية.
العملية العسكرية التي انتهت باختطاف الرئيس نيكولاس مادورو لا يمكن فصلها عن هذا السياق الطاقي. فهي لا تتعلق فقط بتغيير نظام سياسي، بل بإعادة فتح ملف النفط الفنزويلي في لحظة عالمية حساسة:
- أسواق الطاقة مضطربة
- الانتقال الطاقي غير مكتمل
- المنافسة مع الصين في أوجها
السيطرة السياسية أو غير المباشرة على فنزويلا تعني، نظريًا، إعادة ضخ ملايين البراميل إلى السوق، لكن بشروط أميركية.
ماذا قد تجني الولايات المتحدة؟
الفائدة الأولى المحتملة هي "تعزيز أمن الطاقة الأميركي والغربي". نفط فنزويلا يمكن أن يعوّض جزئيًا عن مصادر أخرى غير مستقرة، وأن يخفف من تأثير أزمات الشرق الأوسط أو روسيا.
الفائدة الثانية تتعلق بالصراع مع الصين. خلال السنوات الماضية، تحولت بكين إلى أحد الشركاء الأساسيين لفنزويلا، سواء عبر القروض أو الاستثمار أو شراء النفط بأسعار مخفّضة. إخراج فنزويلا من المدار الصيني يعني تقليص قدرة بكين على تأمين مصادر طاقة رخيصة خلال مرحلة انتقالها الطاقي.

Shutterstock
أما الفائدة الثالثة، فهي مالية - نقدية: إعادة إدماج النفط الفنزويلي في السوق الخاضعة للدولار تعني دعم موقع العملة الأميركية في تجارة الطاقة، في وقت تحاول فيه الصين وروسيا الدفع نحو تسويات بعملات بديلة.
لكن… هل المكسب مضمون؟
رغم ذلك، ليست الصورة وردية بالكامل لواشنطن. النفط الفنزويلي ثقيل ومكلف، ويتطلب استثمارات ضخمة لإعادة تأهيله. كما أن السيطرة السياسية لا تعني تلقائيًا سيطرة اقتصادية مستقرة، خصوصًا في بلد يعاني انقسامًا داخليًا عميقًا واحتمالات اضطراب طويلة الأمد.
ثم إن العالم نفسه يتغير. كل استثمار ضخم في النفط اليوم هو رهان على مصدر طاقة يتراجع وزنه الاستراتيجي على المدى البعيد. الولايات المتحدة، بعكس الصين، تجد نفسها مضطرة لإدارة "تناقض زمني": تحتاج النفط الآن، لكنها تعرف أنه عبء مستقبلي.
الصراع الحقيقي: من يربح الزمن؟
في جوهره، الصراع على فنزويلا ليس فقط صراعًا على النفط، بل على "من يملك ترف الخروج من النفط أولًا".
الصين تريد نفطًا مؤقتًا بأقل كلفة ممكنة، لتبني عالم ما بعده.
الولايات المتحدة تريد نفطًا لتثبيت نظام عالمي قائم، وهي تعرف أن الخروج منه سيكون أبطأ وأكثر كلفة.
اختطاف مادورو قد يكون فصلًا دراميًا في هذا الصراع، لكنه ليس نهايته. فالنفط الفنزويلي قد يمنح واشنطن متنفسًا استراتيجيًا… لكنه لا يضمن لها الفوز في سباق الطاقة الطويل، حيث يبدو أن المعركة الحاسمة لن تُحسم بالسيطرة على الحقول، بل بالسيطرة على المستقبل نفسه.