النقاش حول سؤال "من انتصر؟" ليس جديدًا في تاريخ الحروب، لكنه في هذه الجولة يبدو أكثر تعقيدًا والتباسًا من أي وقت مضى. ليس فقط لأن الوقائع على الأرض متشابكة، بل لأن كل طرف لم يعد يكتفي بتفسير النتائج، بل بات يعيد تعريف "الانتصار" نفسه بما يخدم روايته السياسية والإعلامية. وهنا، لا تعود المعركة محصورة في الميدان، بل تمتد إلى ساحة السرديات، حيث يصبح تعريف النصر بحد ذاته جزءًا من الصراع.
من جهة، يقدّم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نموذجًا للانتصار قائمًا على القوة المجردة. في هذه الرواية، يكفي الحديث عن تدمير قدرات الخصم، وشلّ بنيته العسكرية، وإعادة فرض الهيبة الأمريكية في المنطقة. لا يحتاج "النصر" هنا إلى صورة مكتملة أو أدلة تفصيلية، بل يكفي أن يُعلن. هذا الأسلوب، الذي يجمع بين الشعبوية والاستعراض، يركّز على الأثر النفسي أكثر من الدقة الواقعية، خصوصًا في ملفات حساسة مثل توازن الردع أو أمن الممرات البحرية. والانتصار، وفق هذا المنطق، ليس ما حدث فعلًا، بل ما يمكن إقناع الجمهور بأنه حدث.
في المقابل، يقدّم بنيامين نتنياهو رواية أكثر "تقنية" وتنظيمًا. هنا، يُقاس النصر بمدى تحجيم قدرات الخصوم: ضرب حماس، وإضعاف حزب الله، واستهداف العمق الإيراني. تبدو هذه المقاربة أكثر تماسكًا من حيث المعايير، لكنها تصطدم بسؤال جوهري لا يمكن تجاوزه: هل تم فعلًا إنهاء التهديد، أم مجرد تأجيله؟ فالتاريخ القريب في المنطقة يُظهر أن تقليص القدرات لا يعني بالضرورة إنهاء الصراع، بل قد يكون تمهيدًا لجولة أكثر تعقيدًا.
أما إيران، فتسلك مسارًا مختلفًا تمامًا في تعريف الانتصار. فهي لا تدّعي تفوقًا عسكريًا تقليديًا، بل تطرح "الصمود" كإنجاز بحد ذاته. في خطابها، يُعدّ مجرد القدرة على مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، والاستمرار بعد الضربات، انتصارًا. بل إن طهران تحاول تحويل هذا "الصمود" إلى رصيد سياسي، عبر الانخراط في مفاوضات من موقع من لم يُهزم، لا من موقع من يبحث عن مخرج.
تصوير السكان في ايران
وهكذا، تتقاطع هذه الروايات الثلاث عند نقطة واحدة: لا أحد يعترف بالخسارة، والجميع يعيد تعريف النصر بما يتناسب مع موقعه. لكن، إذا ابتعدنا قليلًا عن هذه السرديات، ونظرنا إلى المشهد بعين تحليلية باردة، سنجد أن ما يُسمّى "انتصارًا" لا يتجاوز في جوهره حالة من التوازن الهش، أو ما يمكن وصفه بـ"تعادل استراتيجي". لا طرف استطاع فرض واقع نهائي، ولا طرف نجح في قلب موازين القوة بشكل حاسم. إنها معركة بلا خاتمة واضحة، تُدار نتائجها في الإعلام بقدر ما تُدار على الأرض.
غير أن اختزال النقاش في ميزان القوة وحده يُغفل البعد الأعمق لمفهوم الانتصار. فالانتصار، في جوهره، ليس مجرد تفوق عسكري أو سياسي لحظي، بل هو قدرة على تحويل نتائج الحرب إلى واقع أفضل للناس الذين عاشوها. هذا المعيار البسيط، الذي يبدو بديهيًا، كان حاضرًا بقوة في تجارب تاريخية كبرى، مثل ما حدث بعد الحرب العالمية الثانية، حين لم يكن النصر مجرد هزيمة للخصم، بل بداية لمسار إعادة بناء شامل أعاد للإنسان كرامته وأمله.
لكن هذا المعيار يبدو اليوم موضع شك. فلا يمكن الجزم كيف سيخرج المواطن في إيران من هذه المواجهة، ولا إن كان سيدخل فعلًا في مسار أكثر استقرارًا. وكذلك الحال في دول الخليج وحتى في إسرائيل حيث يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستُترجم هذه المواجهة إلى أمن مستدام، أم إلى قلق مؤجّل بانتظار جولة جديدة؟
غير أن الصورة تصبح أكثر قسوة حين نصل إلى الحالة الفلسطينية. هنا، لا يعود سؤال "من انتصر؟" مجرد نقاش نظري، بل يتحول إلى سؤال وجودي. في قطاع غزة، حيث لا تزال الحرب تترك آثارها الثقيلة، وفي الضفة الغربية، حيث يتصاعد التوتر يومًا بعد يوم، يبدو أن الفلسطيني لا يملك رفاهية الانخراط في جدل الانتصار والهزيمة. السؤال الحقيقي بالنسبة له أبسط وأكثر إيلامًا: هل تغيّر شيء في واقعه نحو الأفضل؟
حتى الآن، تميل الإجابة إلى السلب. لا أفق سياسيًا واضحًا، ولا تحركًا دوليًا جديًا يعيد القضية إلى مركز الاهتمام. وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة: في حروب سابقة، مثل حرب الخليج الأولى، أفضت التحولات الإقليمية إلى مسارات سياسية، كمؤتمر مدريد، فتحت الباب أمام مفاوضات لاحقة. أما اليوم، فيبدو أن إعادة تشكيل المنطقة تجري دون حضور فلسطيني فعلي.
في هذا السياق، تفقد كل روايات "الانتصار" معناها بالنسبة للفلسطيني. فالمسألة لم تعد تتعلق بمن ربح ومن خسر، بل بمن كان حاضرًا أصلًا على طاولة القرار. وإذا كان الآخرون يتنازعون على "نصر رمزي" أو "تعادل استراتيجي"، فإن الخلاصة الفلسطينية تبدو مختلفة تمامًا: ليست المشكلة أننا لم ننتصر، بل أننا لم نكن في موقع يسمح لنا بخوض معركة الانتصار من الأساس.
وهنا تكمن الهزيمة الحقيقية. ليست هزيمة عسكرية، بل هزيمة سياسية عميقة، عنوانها الغياب عن لحظة إعادة تشكيل الإقليم. في عالم تُعاد فيه صياغة موازين القوى بسرعة، لا يكون الخاسر فقط من يُهزم في الميدان، بل من يُستبعد من رسم المستقبل.