شهدت مدينة القدس، الخميس، أحداثًا مثيرة للجدل، حيث اقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير باحات المسجد الأقصى، ملوحًا بالعلم الإسرائيلي وهو يؤدي حركات أشبه بالرقص، وذلك بالتزامن مع اعتداءات نفذها مستوطنون في البلدة القديمة "احتفالًا" بذكرى السيطرة على المدينة. وفي خطوة غير مسبوقة منذ حرب الأيام الستة، تستعد الحكومة الإسرائيلية للمصادقة على قرار يقضي بمصادرة أراضٍ في شارع السلسلة بالبلدة القديمة وتهجير سكانه المسلمين.
تفاصيل الاقتحام
أفادت مصادر محلية أن بن غفير دخل باحات المسجد الأقصى وسط إجراءات أمنية مشددة، وظهر وهو يلوح بالعلم الإسرائيلي أمام الحشود، في مشهد أثار غضبًا واسعًا بين الفلسطينيين الذين اعتبروا هذه الخطوة استفزازًا مباشرًا لمشاعرهم الدينية والوطنية، وتزامن ذلك مع اعتداءات نفذها مستوطنون في البلدة القديمة، حيث جابوا الشوارع مرددين شعارات احتفالية.
قيود صارمة على دخول المصلين
منذ ساعات الفجر الأولى، منعت الشرطة الإسرائيلية الرجال دون سن الستين والنساء دون الخمسين من دخول المسجد الأقصى، كما احتجزت الهويات عند البوابات وأخضعت المصلين لتفتيشات دقيقة.
وأفادت شهادات مقدسية أن قوات الشرطة اعتدت على عدد من المصلين بالدفع والضرب، وأجبرت موظفي الأوقاف وطلاب المدرسة الشرعية على البقاء داخل المصليات المغلقة فقط، ما أدى إلى تقليص أعداد المتواجدين في الساحات إلى نحو 150 شخصًا، مقابل دخول أكثر من 200 مستوطن خلال الساعة الأولى من الاقتحام.
اقتحامات جماعية ومسيرة الأعلام
أعلنت دائرة الأوقاف الإسلامية أن 620 مستوطنًا و78 طالبًا يهوديًا اقتحموا ساحات المسجد الأقصى صباح اليوم، تحت حماية مشددة من الشرطة الإسرائيلية، حيث نفذوا جولات داخل الباحات وأدوا طقوسًا تلمودية.
وفي الوقت ذاته، انطلقت "مسيرة الأعلام" في البلدة القديمة، حيث جاب مئات المستوطنين الأسواق والأحياء مرددين الأغاني والرقصات، احتفالًا بما يعتبرونه ذكرى "توحيد القدس"، والتي تتزامن هذا العام مع الذكرى الـ78 للنكبة الفلسطينية.
كما أصدرت السلطات بلاغات لتجار البلدة القديمة ومحيطها، طالبتهم فيها بإغلاق محالهم التجارية عند الساعة الثانية عشرة ظهرًا، تزامنًا مع مرور المسيرة، وسط انتشار مكثف للشرطة وإغلاق عدد من الطرقات الرئيسية في القدس الشرقية.
مساعٍ لفرض واقع جديد في الأقصى
تشير معطيات ميدانية إلى وجود محاولات لفرض واقع جديد داخل المسجد الأقصى، من خلال تكثيف الاقتحامات في أوقات متعددة من اليوم، بما في ذلك طرح فكرة اقتحامات مسائية أو حتى اقتحام يوم الجمعة، وهو ما لم يحدث منذ سنوات طويلة.
وفي هذا السياق، قال الباحث في شؤون القدس زياد ابحيص إن هناك ثلاثة أهداف تسعى إليها السلطات الإسرائيلية: تثبيت الاقتحامات المعتادة يوم الخميس بالتزامن مع مسيرة الأعلام، محاولة فرض اقتحامات مسائية كأمر واقع جديد، والسعي نحو اقتحام يوم الجمعة لأول مرة، وهو ما يشكل تصعيدًا غير مسبوق.
اعتداء المستوطنين في حارة النصارى
شهدت البلدة القديمة في القدس حادثة اعتداء جديدة، حيث أقدمت مجموعة من المستوطنين على مهاجمة أهالي حارة النصارى، ما أدى إلى حالة من التوتر والذعر بين السكان، وهذا الاعتداء يأتي في سياق متكرر من أعمال العنف التي تستهدف الأهالي الفلسطينيين في المدينة، ويعكس تصاعد الانتهاكات بحقهم في مناطقهم التاريخية.
ردود فعل السكان
أعرب سكان البلدة القديمة عن رفضهم القاطع لقرار المصادرة، معتبرين أنه يندرج ضمن سياسة تهجير ممنهجة تستهدف الوجود الفلسطيني في القدس، وأكد عدد منهم أن التعويضات المالية لا تعوض عن فقدان منازلهم وأرضهم، مشددين على أن هذه الخطوة تمثل تهديدًا مباشرًا لهويتهم التاريخية والدينية.
طالع أيضًا: بن غفير يقتحم سخنين في جولة استفزازية أثارت غضب الأهالي
أجواء ميدانية
شهدت البلدة القديمة حالة من التوتر الشديد، حيث انتشرت القوات الإسرائيلية بكثافة لتأمين مسيرة المستوطنين واقتحام بن غفير للأقصى، وأفادت مصادر محلية أن مواجهات محدودة اندلعت بين الأهالي والقوات، وسط مخاوف من تصاعد الأحداث خلال الأيام المقبلة.
في بيان مقتضب، قالت مصادر فلسطينية: "إن قرار مصادرة أراضي شارع السلسلة يمثل سابقة خطيرة تهدد الوجود الفلسطيني في البلدة القديمة، ويأتي في سياق محاولات مستمرة لتغيير معالم المدينة وفرض واقع جديد بالقوة."
وتسلط هذه التطورات الضوء على خطورة المرحلة الراهنة في القدس، حيث تتداخل الاقتحامات الاستفزازية مع قرارات حكومية تهدف إلى السيطرة على أراضٍ ومنازل فلسطينية، ومع اقتراب موعد المصادقة على قرار مصادرة شارع السلسلة، يبقى الوضع مفتوحًا على احتمالات تصعيد جديدة، في ظل رفض شعبي واسع لهذه الإجراءات.
وأكدت المصادر الفلسطينية في ختام بيانها أن "القدس ستبقى مدينة عربية إسلامية، وأن محاولات التغيير القسري لن تنجح في محو هوية سكانها الأصليين"، داعية المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل لوقف هذه السياسات وحماية الحقوق التاريخية والدينية للفلسطينيين.
الموقف الفلسطيني والدعوات للتصدي
من جانبها، اعتبرت حركة حماس أن تصاعد الاقتحامات والإجراءات الإسرائيلية في القدس يأتي ضمن سياسة تهدف إلى التضييق على المقدسيين والمرابطين، وإفراغ المسجد الأقصى من رواده، تمهيدًا لفرض مزيد من السيطرة عليه.
ودعت الحركة إلى تعزيز التواجد في المسجد الأقصى والرباط فيه، والتصدي لما وصفته بمخططات المستوطنين، كما طالبت الأمة العربية والإسلامية بإسناد القدس والمسجد الأقصى بمختلف الوسائل.