تصاعد التوتر في الخليج يدفع النفط للصعود ويضغط على الدولار وسط ترقب الأسواق
shutterstock - النفط
ارتفعت أسعار النفط العالمية، اليوم الأربعاء، مواصلة مكاسبها للجلسة الثانية على التوالي، في ظل تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، الأمر الذي عزز المخاوف من اضطرابات قد تطال إمدادات الطاقة العالمية، خاصة مع تنامي الحديث عن تأثير التطورات الميدانية على حركة الملاحة في مضيق هرمز، وفي المقابل، تعرض الدولار الأميركي لضغوط بعد صدور بيانات تضخم جاءت أقل من توقعات الأسواق، ما عزز رهانات المستثمرين على تراجع احتمالات تشديد السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة.
ويجمع محللون على أن الأسواق العالمية باتت تتحرك بين عاملين رئيسيين؛ الأول يتمثل في المخاطر الجيوسياسية التي تدفع أسعار النفط إلى الارتفاع، والثاني يتعلق بالبيانات الاقتصادية الأميركية التي تؤثر بشكل مباشر على أداء الدولار وتوقعات أسعار الفائدة.
النفط يواصل الارتفاع مع تصاعد الأزمة
شهدت أسواق الطاقة ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار الخام، مدفوعة بتزايد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة بين واشنطن وطهران، وما قد يترتب على ذلك من اضطرابات في تدفقات النفط من منطقة الخليج.
وسجل خام برنت ارتفاعًا بنسبة 1.72% ليصل إلى 86.19 دولارًا للبرميل، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 1.4% ليسجل 80.40 دولارًا للبرميل، بعدما أنهى الخامان تعاملات الجلسة السابقة عند أعلى مستوياتهما منذ نحو شهر.
ويرى متعاملون في أسواق الطاقة أن هذه المكاسب تعكس حالة القلق المتزايدة بشأن مستقبل الإمدادات العالمية، خصوصًا مع استمرار التوترات في واحدة من أهم المناطق المنتجة والمصدرة للنفط في العالم.
تطورات عسكرية تزيد المخاوف
وجاءت موجة الصعود في أسعار النفط عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب إعادة فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، بالتزامن مع تنفيذ الجيش الأميركي جولة جديدة من الضربات ضد أهداف إيرانية، قال إنها تستهدف تقليص القدرات المستخدمة في مهاجمة السفن التجارية التي تعبر مضيق هرمز.
وفي المقابل، أعلنت إيران تنفيذ هجمات بطائرات مسيرة استهدفت مواقع أميركية في قاعدة الأزرق بالأردن، كما أعلن الحرس الثوري الإيراني استهداف منشآت عسكرية في البحرين والكويت.
ولم تصدر وزارة الدفاع الأميركية تعليقًا رسميًا بشأن تلك التصريحات، كما لم يتسن التحقق من صحة هذه المزاعم عبر مصادر مستقلة، وهو ما أبقى حالة الغموض مسيطرة على المشهد الأمني في المنطقة.
مضيق هرمز في قلب الأزمة
يزداد اهتمام الأسواق العالمية بمضيق هرمز باعتباره أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة، إذ يمر عبره نحو خمس صادرات العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال.
وأكدت طهران أن المضيق أُغلق مجددًا مع تجدد المواجهات العسكرية، وهو ما أثار مخاوف واسعة بشأن تعطل حركة الشحن وارتفاع تكاليف النقل والتأمين على الناقلات، الأمر الذي قد ينعكس سريعًا على أسعار الوقود والسلع في مختلف الأسواق العالمية.
ويرى خبراء أن أي اضطراب طويل الأمد في هذا الممر البحري ستكون له تداعيات مباشرة على الاقتصاد العالمي، نظرًا لاعتماد العديد من الدول الصناعية والناشئة على الإمدادات القادمة من منطقة الخليج.
توقعات بارتفاع أكبر في أسعار الخام
ويتوقع محللون أن تستمر أسعار النفط في الارتفاع إذا استمرت المواجهة العسكرية أو امتدت لتشمل منشآت إنتاج وتصدير النفط في المنطقة، ويشير خبراء الطاقة إلى أن خام برنت قد يقترب من مستوى 100 دولار للبرميل إذا تعرضت البنية التحتية النفطية لأي أضرار أو استمر تعطل الملاحة في مضيق هرمز لفترة طويلة.
في المقابل، قد تتراجع الأسعار تدريجيًا إذا نجحت الجهود الدبلوماسية في تهدئة الأوضاع وإعادة فتح الممرات البحرية بشكل كامل، وهو ما تترقبه الأسواق خلال الأيام المقبلة.
الدولار يتراجع بعد بيانات التضخم
على الجانب الآخر، شهد الدولار الأميركي تراجعًا أمام عدد من العملات الرئيسية بعد صدور بيانات التضخم الأميركية، التي جاءت أقل من توقعات الأسواق، وأظهرت البيانات تباطؤ معدل التضخم السنوي في الولايات المتحدة إلى 3.5% خلال شهر يونيو، إلى جانب تسجيل أول انخفاض شهري في مؤشر أسعار المستهلكين منذ عام 2020، مدفوعًا بتراجع أسعار الطاقة وبعض السلع الاستهلاكية.
وأدت هذه الأرقام إلى تراجع توقعات المستثمرين بشأن إقدام مجلس الاحتياطي الاتحادي على رفع أسعار الفائدة خلال الفترة القريبة، ما انعكس سلبًا على أداء العملة الأميركية، وسجل الدولار انخفاضًا أمام الين الياباني، بينما حقق كل من اليورو والجنيه الإسترليني مكاسب محدودة، كما واصل الدولاران الأسترالي والنيوزيلندي أداءهما الإيجابي، في حين تراجع مؤشر الدولار الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة من العملات العالمية.
الأسواق بين الجغرافيا السياسية والسياسة النقدية
ويرى اقتصاديون أن الأسواق العالمية تمر بمرحلة معقدة، إذ تتداخل فيها التطورات العسكرية مع المؤشرات الاقتصادية، وهو ما يزيد من حدة التقلبات في أسواق العملات والطاقة، ففي الوقت الذي يدفع فيه ارتفاع أسعار النفط نحو زيادة الضغوط التضخمية عالميًا، فإن تباطؤ التضخم في الولايات المتحدة يمنح صناع السياسة النقدية مساحة أكبر للتريث قبل اتخاذ قرارات جديدة بشأن أسعار الفائدة.
ويؤكد محللون أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة لفترة طويلة قد يعيد الضغوط التضخمية إلى الواجهة، وهو ما قد يدفع البنوك المركزية إلى إعادة تقييم سياساتها النقدية خلال الأشهر المقبلة.
طالع أيضًا: ارتفاع العقود الآجلة للنفط الخام الأمريكي وخام برنت بنسبة 5%
المستثمرون يترقبون المرحلة المقبلة
وتواصل المؤسسات المالية العالمية متابعة تطورات الأزمة في الخليج عن كثب، وسط توقعات بأن تكون الأيام المقبلة حاسمة في تحديد اتجاه الأسواق، ويؤكد خبراء الاستثمار أن أي تصعيد إضافي قد يدفع المستثمرين إلى التوجه نحو الأصول الآمنة مثل الذهب، مع استمرار الضغوط على أسواق الأسهم والعملات، بينما يبقى النفط المستفيد الأكبر من المخاوف المرتبطة بالإمدادات.
تعكس تحركات أسواق النفط والعملات حجم الترابط بين التطورات الجيوسياسية والمؤشرات الاقتصادية، حيث أدى تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى رفع أسعار الخام، في الوقت الذي أسهمت فيه بيانات التضخم الأميركية في إضعاف الدولار، وبين هذين العاملين، تبقى الأسواق العالمية في حالة ترقب، انتظارًا لما ستؤول إليه التطورات العسكرية وقرارات السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.
وأفادت مصادر وخبراء في أسواق الطاقة بأن استمرار التوتر في منطقة الخليج، ولا سيما أي اضطراب في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، قد يؤدي إلى مزيد من الارتفاع في أسعار النفط وتقلبات واسعة في الأسواق المالية، فيما ستظل بيانات التضخم والسياسة النقدية الأميركية عاملًا رئيسيًا في تحديد اتجاه الدولار خلال الفترة المقبلة.
نشرة إخبارية خاصة مباشرة لبريدك الإلكتروني يوميا
استلم اشعارات وأخبار حصرية ومقالات مميزة من إذاعة الشمس