لكن المناسبة التي كان يفترض أن تمنح نتنياهو والليكود مساحة للحديث عن القائمة والانتخابات، سرعان ما طغى عليها تحقيق نشرته صحيفة "هآرتس"، أعاد ملف 7 أكتوبر إلى الواجهة وطرح سؤالًا شديد الحساسية بالنسبة إلى رئيس الحكومة: ماذا كان يعرف نتنياهو قبل الهجوم، وماذا فعل بالمعلومات التي وصلت إليه؟
جاء ذلك في اليوم نفسه الذي نشرت فيه "هآرتس" تحقيقًا قالت فيه إن رئيس الإمارات محمد بن زايد حذر نتنياهو، قبل نحو عشرة أيام من هجوم 7 أكتوبر، من أن رئيس حركة حماس في غزة يحيى السنوار كان يستعد لعملية كبيرة.
وبحسب التحقيق، استمرت المحادثة المزعومة نحو 45 دقيقة، وحذّر بن زايد خلالها من عملية قد تؤدي إلى سفك دماء واضطراب إقليمي والإضرار باتفاقيات أبراهام. وقالت الصحيفة إن نتنياهو تعامل مع التحذير بهدوء، وإنه اعتقد أن التهديد الأكبر قد يأتي من الضفة الغربية، فيما لم تُنقل المعلومات، وفق الرواية المنشورة، إلى كبار المسؤولين في المنظومة الأمنية.
لكن مكتب نتنياهو نفى بشكل قاطع حصول المكالمة أو تلقي رئيس الحكومة تحذيرًا إماراتيًا مباشرًا، فيما قالت الإمارات إنها لا تعلق على التقارير الإعلامية أو التكهنات المتعلقة بمحادثات قادة الدول، وأكدت في المقابل وجود قنوات مفتوحة لتبادل المعلومات بين الجانبين.
وهكذا، تحولت المناسبة الانتخابية التي كان نتنياهو يستعد من خلالها لتقديم قائمته إلى مناسبة يطغى عليها سؤال آخر تمامًا: هل كانت هناك معلومات وتحذيرات بشأن هجوم وشيك قبل 7 أكتوبر، ومن كان يعرف بها داخل القيادة الإسرائيلية؟
تحقيق هآرتس يعيد ملف التحذيرات إلى الواجهة
أهمية التحقيق بالنسبة إلى نتنياهو لا تكمن فقط في الادعاء بوجود مكالمة مع الرئيس الإماراتي، وإنما في أنه يعيد فتح ملف التحذيرات التي سبقت هجوم 7 أكتوبر، بعد مرور نحو ثلاث سنوات على الهجوم.
ووفق الرواية التي نشرتها "هآرتس"، فإن التحذير الإماراتي لم يكن منفصلًا عن معلومات أخرى سبقت الهجوم، وقال التحقيق إن معلومات مرتبطة بتحركات السنوار وصلت إلى الجانب الإماراتي، قبل أن تنتقل إلى جهاز الأمن الإسرائيلي "الشاباك"، في حين تحدثت الرواية أيضًا عن توصيات باتخاذ إجراءات دفاعية في غزة والضفة الغربية.
وبحسب التحقيق، قرأ الجانب الإماراتي رسالة من السنوار تحدث فيها عن "مفاجأة كبيرة" و"زلزال" باعتبارها إشارة إلى عملية عسكرية واسعة، وهو ما دفع بن زايد إلى إثارة الأمر مباشرة مع نتنياهو.
وتقول الرواية المنشورة إن نتنياهو طمأن الرئيس الإماراتي إلى استعداد إسرائيل لمواجهة أي تطور، لكنه رجّح أن يكون مصدر الخطر من الضفة الغربية، ولم ينقل تفاصيل التحذير إلى كبار المسؤولين الأمنيين.
هذه الرواية ينفيها نتنياهو بالكامل، لكن دخولها إلى المعركة الانتخابية أعاد النقاش إلى السؤال الذي ظل حاضرًا منذ هجوم 7 أكتوبر: هل وصلت إلى القيادة السياسية الإسرائيلية قبل الهجوم إشارات وتحذيرات كان يمكن التعامل معها بصورة مختلفة؟
وهنا تكمن حساسية القضية بالنسبة إلى نتنياهو، لأنها لا تتعلق فقط بإخفاق الأجهزة الأمنية في توقع الهجوم، وإنما تمس صورته السياسية باعتباره رئيس حكومة بنى جزءًا أساسيًا من شرعيته على الخبرة الأمنية والقدرة على التعامل مع التهديدات قبل وقوعها.
المعارضة تحوّل التحقيق إلى قضية انتخابية
لم تنتظر المعارضة الإسرائيلية طويلًا للتعامل مع التحقيق باعتباره قضية انتخابية.
فقد أصدر غادي أيزنكوت، ونفتالي بينيت، وأفيغدور ليبرمان، ويائير غولان بيانًا مشتركًا طالبوا فيه بتحقيق فوري وشامل في المعلومات الواردة في التحقيق، وطرحوا سلسلة من الأسئلة حول ما كان يعرفه نتنياهو، ومتى عرفه، ولماذا لم تُنقل المعلومات إلى الأجهزة الأمنية، وما الإجراءات التي اتخذت بناء عليها.
أيزنكوت، الذي يخوض الانتخابات بوصفه أحد أبرز منافسي نتنياهو، اتهم رئيس الحكومة بتجاهل تحذيرات سبقت الهجوم، فيما قال بينيت إن نتنياهو يتحمل مسؤولية شخصية ومباشرة عن أحداث 7 أكتوبر. أما غولان فاتهمه بمعرفة التحذيرات وتجاهلها وتحميل المسؤولية للآخرين.
وبذلك، تحاول المعارضة نقل مركز النقاش من المسؤولية العامة عن الإخفاق الأمني إلى مسؤولية نتنياهو الشخصية: ماذا عرف؟ ومتى عرف؟ وهل اتخذ الإجراءات التي كان يفترض أن يتخذها؟
كما تعهدت قوى المعارضة بأن تكون إقامة لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر من أولوياتها في حال تمكنت من تشكيل الحكومة المقبلة، في مقابل استمرار حكومة نتنياهو في رفض إنشاء لجنة تحقيق من هذا النوع.
نتنياهو يرد: لا مكالمة.. وهذه حملة انتخابية
في المقابل، لم يكتف نتنياهو بنفي الرواية، بل نقل المواجهة إلى مستوى سياسي وقانوني.
وقال إن مراجعة أجراها مكتبه ومجلس الأمن القومي والسكرتارية العسكرية لسجلات اتصالاته لم تجد أي أثر لمكالمة مع بن زايد خلال الفترة التي سبقت 7 أكتوبر، معتبرًا أن مثل هذا الاتصال كان سيترك سجلًا موثقًا.
وفي اليوم التالي لنشر التحقيق، أعلن نتنياهو أنه وجّه محاميه لرفع دعوى تشهير ضد "هآرتس" والصحافي شلومي إلدار وآخرين، واصفًا ما نشر بأنه "افتراء" و"اختلاق" ذي دوافع سياسية.
لكن نتنياهو لم يكتفِ بمهاجمة الصحيفة، إذ اتجه خطابه إلى اتهام جهات سياسية وفلسطينية بالوقوف خلف ما وصفه بالحملة الانتخابية ضده.
وفي بيان نشره، اتهم المسؤول الفلسطيني السابق محمد دحلان بالوقوف وراء التقرير، وربط بينه وبين الإمارات والمعارضة الإسرائيلية، كما طالب الليكود بفتح تحقيق جنائي بحق إلدار وروت يوفال و"هآرتس" ويائير غولان وحزب "الديمقراطيين"، بزعم محاولة التأثير في الانتخابات بالتعاون مع جهات أجنبية.
هذه الاتهامات لم تُدعّم، حتى الآن، بأدلة علنية تثبت وجود هذا التنسيق، فيما رفض ممثلو دحلان الاتهامات الموجهة إليه.
وبذلك، يحاول نتنياهو تغيير محور القضية: بدل أن يبقى النقاش محصورًا في سؤال ما إذا كان قد تلقى تحذيرًا قبل 7 أكتوبر وكيف تعامل معه، يدفع باتجاه نقاش آخر حول دوافع التحقيق والجهات التي تقف خلفه وتوقيته قبل الانتخابات.
من أزمة أمنية إلى معركة على الرواية
المواجهة الحالية لا تدور فقط حول واقعة اتصال يُنفى وجوده أو يُصرّ معدو التحقيق على أنه حدث، وإنما حول الرواية التي ستترسخ لدى الناخب الإسرائيلي بشأن مسؤولية القيادة السياسية عن أحداث 7 أكتوبر.
فنتنياهو يحاول تثبيت رواية تقول إن المسؤولية الأساسية تقع على الأجهزة الأمنية والعسكرية التي أخفقت في رصد التهديد والاستعداد له، بينما تسعى المعارضة إلى إعادة المسؤولية إلى المستوى السياسي، والتأكيد على أن رئيس الحكومة لا يستطيع فصل نفسه عن القرارات التي سبقت الهجوم.
وتزداد أهمية هذا الصراع على الرواية مع اقتراب موعد الانتخابات، خصوصًا أن التحقيق جاء في وقت يخوض فيه نتنياهو معركة سياسية صعبة، ويواجه منافسة من قادة سابقين في الجيش والأجهزة الأمنية، بينهم أيزنكوت وبينيت، ممن يستطيعون تقديم أنفسهم للناخبين باعتبارهم أصحاب خبرة مباشرة في ملفات الأمن والاستخبارات.
ماذا يعني ذلك لنتنياهو والليكود؟
يدخل نتنياهو الانتخابات وهو لا يواجه منافسة على عدد المقاعد فحسب، وإنما معركة على صورته السياسية نفسها.
فإذا بقيت الحملة الانتخابية متمحورة حول الحرب والأمن وإيران والتهديدات الإقليمية، يستطيع نتنياهو العودة إلى موقعه التقليدي باعتباره السياسي الأكثر خبرة في إدارة الملفات الأمنية والدولية، وهي صورة طالما اعتمد عليها في مخاطبة قاعدته الانتخابية.
أما إذا انتقل النقاش إلى مسؤوليته الشخصية عن الإخفاق الذي سبق 7 أكتوبر، فقد تصبح المعركة أكثر صعوبة بالنسبة إليه، خصوصًا إذا نجحت المعارضة في تحويل ملف التحذيرات إلى قضية مستمرة لا تتوقف عند حدود تحقيق صحافي واحد.
في المقابل، لا يعني ظهور التحقيق تلقائيًا أن الليكود سيدفع ثمنًا انتخابيًا مباشرًا، فنتنياهو ينفي الرواية بالكامل، ويقدمها لأنصاره باعتبارها جزءًا من حملة سياسية وإعلامية ضده، كما أن قاعدته الانتخابية تنظر أصلًا بعين الشك إلى الانتقادات الصادرة عن وسائل الإعلام والمعارضة.
لكن نقطة التحول المحتملة تكمن في ما قد يحدث لاحقًا، فإذا ظهرت وثائق أو شهادات أو معلومات إضافية تدعم وجود تحذيرات وصلت إلى نتنياهو أو إلى مستويات عليا في القيادة الإسرائيلية، فقد يصبح من الصعب على الليكود إبقاء القضية في إطار "تقرير صحافي كاذب".
أما إذا بقيت القضية محصورة في رواية "هآرتس" من جهة، والنفي القاطع من نتنياهو من جهة أخرى، فمن المرجح أن تستمر باعتبارها جزءًا من المعركة على الرواية السياسية، لا باعتبارها حقيقة محسومة.
وفي الحالتين، تكون "هآرتس" قد نجحت بالفعل في تغيير موضوع اليوم الانتخابي لنتنياهو: فبدل أن يكون الحديث عن قائمة الليكود واستعداد الحزب للانتخابات، عاد 7 أكتوبر إلى مركز الحملة، وعاد معه السؤال الذي يلاحق رئيس الحكومة منذ الهجوم: ماذا كان يعرف قبل وقوع الكارثة، وماذا فعل بما عرفه؟
يتم الاستخدام المواد وفقًا للمادة 27 أ من قانون حقوق التأليف والنشر 2007، وإن كنت تعتقد أنه تم انتهاك حقك، بصفتك مالكًا لهذه الحقوق في المواد التي تظهر على الموقع، فيمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني على العنوان التالي: info@ashams.com والطلب بالتوقف عن استخدام المواد، مع ذكر اسمك الكامل ورقم هاتفك وإرفاق تصوير للشاشة ورابط للصفحة ذات الصلة على موقع الشمس. وشكرًا!