لكن قبل أن نسارع إلى جلد المدارس والمعلمين والطلاب، ربما علينا أن نسأل سؤالًا أكثر جرأة: هل المشكلة في الجيل الجديد فقط، أم أيضًا في المسطرة التي نقيسه بها؟
في الحقيقة، اختبارات PISA قد لا تزال مهمة. فالقراءة، والرياضيات، والعلوم ليست مهارات من الماضي، بل البنية التحتية للعقل، بالأمس واليوم وغدًا. ومن لا يستطيع فهم نص، أو تحليل رقم، أو التمييز بين الدليل والادعاء، لن ينقذه ChatGPT. لكن الخطأ يبدأ عندما تتحول نتائج PISA من مؤشر تشخيصي إلى تعريف شامل لجودة التعليم وجاهزية الإنسان للمستقبل.
اليوم، نحن نعيش اقتصادًا تتغير فيه قيمة المعرفة نفسها. الطالب اليوم يستطيع خلال ثوانٍ الوصول إلى معلومة كانت تحتاج قبل عشرين عامًا ساعات في مكتبة، ويمكنه استخدام الذكاء الاصطناعي لحل معادلة، وكتابة برنامج، وترجمة نص، وتحليل بيانات أو اقتراح نموذج عمل. لذلك لم يعد السؤال التربوي الأهم: ماذا تعرف؟ بل: ماذا تستطيع أن تفعل بما تعرف؟ وهل تعرف ماذا تسأل؟ وهل تستطيع اكتشاف أن الإجابة التي قدمتها الآلة خاطئة أصلًا؟
هنا تصبح المفارقة أكثر وضوحًا: أن نُعِدّ أبناءنا لاقتصاد يقوده الذكاء الاصطناعي، ثم نقيس جاهزيتهم للمستقبل أساسًا بأدوات صُممت في عصر اقتصادي مختلف، يشبه إلى حد ما اختبار طيّاري الطائرات في مهارتهم بقيادة عربات الخيول.
والمسألة ليست تربوية فقط، بل ماكرو - اقتصادية بامتياز. رأس المال البشري في العقد المقبل لن يُقاس بعدد الشهادات أو كمية المعلومات المحفوظة، بل بقدرة الاقتصاد على إنتاج أشخاص يحلّون المشكلات، ويبتكرون، ويتعلمون بسرعة، ويتعاملون مع التكنولوجيا كرافعة للإنتاجية. الدول التي تفشل في ذلك قد تجد نفسها أمام بطالة هيكلية، وفجوات أجور أوسع، وإنتاجية متراجعة، حتى لو وزعت الحواسيب وأدخلت الذكاء الاصطناعي إلى كل صف.
لذلك، فإنّ البديل ليس إلغاء PISA، بل تجاوز احتكارها لتعريف النجاح. نحن نحتاج إلى منظومة قياس جديدة تختبر إلى جانب القراءة والرياضيات والعلوم: التفكير النقدي، وحل المشكلات المفتوحة، والإبداع، والفضول، والمبادرة، والتعاون، والثقافة المالية والرقمية، والقدرة على بناء مشروع، وتحويل فكرة إلى منتج، والأهم: العمل مع الذكاء الاصطناعي دون تسليم العقل له.
والمثير أن OECD نفسها بدأت تتحرك بهذا الاتجاه؛ فقد أضاف PISA 2025 مجال "التعلّم في العالم الرقمي"، الذي يقيس بناء المعرفة وحل المشكلات باستخدام الأدوات الحاسوبية، فيما سيشمل PISA 2029 مجالًا خاصاً بمحو أمية الإعلام والذكاء الاصطناعي.
لذلك ربما لا ينهار PISA كبرج بيزا فعلًا، لكنه يميل تحت ثقل عالم يتغير أسرع من أدوات قياسه.
والسؤال الذي يجب أن يشغل وزارات التربية والاقتصاد معًا ليس: كيف نرفع ترتيبنا في الاختبار القادم؟ بل، أي إنسان نريد أن نُخرّجه إلى اقتصاد 2040؟ إنسان يحفظ الإجابة؟ أم إنسان يعرف كيف يفكر، ويشك، ويسأل، ويبتكر، وينتج، ويقود الآلة بدلًا من أن تقوده؟
لذلك فإنّ المطلوب اليوم ليس الدفاع عن أدوات الأمس أو تبرير قصورها، بل الجرأة على إعادة تصميم التعليم والقياس معًا، ووضع حلول ومؤشرات جديدة تلائم احتياجات العصر، وتُعدّ أجيالًا قادرة لا فقط على اجتياز الاختبارات، بل على صناعة المعرفة، وخلق القيمة، وقيادة اقتصاد المستقبل.
يتم الاستخدام المواد وفقًا للمادة 27 أ من قانون حقوق التأليف والنشر 2007، وإن كنت تعتقد أنه تم انتهاك حقك، بصفتك مالكًا لهذه الحقوق في المواد التي تظهر على الموقع، فيمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني على العنوان التالي: info@ashams.com والطلب بالتوقف عن استخدام المواد، مع ذكر اسمك الكامل ورقم هاتفك وإرفاق تصوير للشاشة ورابط للصفحة ذات الصلة على موقع الشمس. وشكرًا!