الأقصى في موسم الأعياد اليهودية.. لماذا تتصاعد الاقتحامات والتحذيرات ودعوات شد الرحال؟

لم يعد تصاعد الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى في أغسطس، وسبتمبر 2026 يُقرأ باعتباره سلسلة من الأحداث المنفصلة، فالمشهد في القدس يتجه نحو موسم أكثر حساسية، يتزامن فيه تصاعد حضور المستوطنين في المسجد مع أعياد ومناسبات يهودية ترتبط، في جزء من الخطاب الديني اليهودي، بذكرى "الهيكلين القديمين وبفكرة جبل الهيكل".

صورة لأحد اقتحامات المسجد الأقصى- المصدر: صفحة محافظة القدس على فيسبوك
صورة لأحد اقتحامات المسجد الأقصى- المصدر: صفحة محافظة القدس على فيسبوك
نُشر تحديث · قراءة 5 دقائق

خلال أغسطس الماضي، وثقت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية 26 اقتحاماً للمسجد الأقصى، فيما وثقت جهات رصد أخرى 21 اقتحاماً للمستوطنين خلال الشهر، مع دخول أكثر من خمسة آلاف مستوطن، ما يعكس اختلافاً في منهجية احتساب الاقتحامات، لكنه يؤكد في الحالتين استمرار التصعيد.

ومع بداية سبتمبر، انتقل التحذير من الاقتحامات اليومية إلى التحذير من "موسم" كامل، بعدما بدأت الاستعدادات للأعياد اليهودية التي تمتد من رأس السنة العبرية في 12 و13 سبتمبر، مروراً بيوم الغفران في 21 سبتمبر، ثم عيد العرش من 26 سبتمبر حتى 2 أكتوبر، وصولاً إلى ختمة التوراة في 3 نوفمبر.

لماذا الأعياد تحديداً؟

المسجد الأقصى، يحتل مكانة مركزية في التصور الديني اليهودي باعتباره الموقع المرتبط بـ "الهيكلين الأول والثاني"، اللذين تقول الرواية اليهودية إنهما كانا قائمين في الموقع قبل تدميرهما.

وتكتسب بعض المناسبات اليهودية، خصوصاً تلك المرتبطة بذكرى خراب الهيكل أو بالمواسم التوراتية، أهمية خاصة لدى جماعات الهيكل التي تدفع باتجاه تعزيز الوجود اليهودي داخل الحرم القدسي، وصولاً لدى بعض هذه الجماعات إلى المطالبة بإقامة الهيكل الثالث.

لكن من المهم هنا عدم تقديم جميع اليهود أو جميع التيارات الدينية اليهودية باعتبارها جزءاً من هذه الأجندة، فالصراع الحالي يرتبط بصورة أساسية بجماعات ناشطة في مشروع "الهيكل" وبتيارات قومية دينية متشددة ترى في الصعود إلى جبل الهيكل وإقامة الطقوس اليهودية داخله خطوة دينية وسياسية، وهنا تحديداً تكمن حساسية موسم الأعياد.

فالأعياد توفر لهذه الجماعات مناسبات دينية ورمزية لحشد أعداد أكبر من الزائرين، وتحويل الزيارة من مجرد دخول إلى الموقع إلى ممارسة طقوسية علنية، وهو ما تعتبره الجهات الفلسطينية والأردنية محاولة لتغيير طبيعة العلاقة القائمة داخل المسجد.

من الزيارة إلى الصلاة والطقوس

منذ سنوات، كان الخلاف يدور حول دخول اليهود إلى باحات المسجد الأقصى، بينما يقوم الوضع القائم الذي استقر بعد عام 1967 على السماح لغير المسلمين بالزيارة، مع اقتصار الصلاة في الموقع على المسلمين.

لكن خلال السنوات الأخيرة ظهرت مؤشرات على انتقال الجدل إلى مستوى آخر: ليس فقط من يدخل المسجد، وإنما ماذا يفعل داخله.

وتقول مصادر عربية ودولية إن الوضع القائم يتعرض لضغوط متزايدة، خصوصاً مع محاولات شخصيات من اليمين الإسرائيلي المتطرف تكريس الصلاة والطقوس اليهودية داخل الموقع.

وفي يوليو الماضي، اقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير المسجد، وتحدث عن تقدم في ما وصفه بالصلاة اليهودية في جبل الهيكل، في خطوة أثارت إدانات فلسطينية وأردنية.

وفي أواخر أغسطس، عاد بن غفير إلى المسجد في سياق تحركات مرتبطة بجماعات "الهيكل"، فيما تحدثت تقارير عن أداء طقوس وصلوات يهودية داخل الموقع، وسط مخاوف من أن تتحول الممارسات التي كانت تتم بصورة محدودة أو سرية إلى أمر أكثر علنية وانتظاماً.

وهذا التحول هو أحد أسباب ارتفاع مستوى التحذيرات الفلسطينية قبيل الأعياد.

فالمخاوف لا تتعلق فقط بزيادة عدد المقتحمين، بل بأن تتحول الزيادة العددية إلى تغيير نوعي: توسيع أوقات الاقتحام، تكريس الصلاة، إدخال طقوس دينية، تغيير طبيعة المسارات داخل المسجد، أو فرض ترتيبات جديدة على المصلين المسلمين.

لماذا "شد الرحال" الآن؟

في المقابل، تأتي الدعوات الفلسطينية والمقدسية إلى شد الرحال والرباط في الأقصى كاستجابة مباشرة لهذه المخاوف، والفكرة الأساسية وراء هذه الدعوات هي أن الحضور الفلسطيني الكثيف داخل المسجد يشكل عاملاً لمنع تفريغه من المصلين المسلمين خلال الفترات التي يُتوقع أن تشهد اقتحامات واسعة.

وقد دعت محافظة القدس في سبتمبر الفلسطينيين في القدس والداخل إلى تكثيف الحضور والصلاة والرباط في المسجد خلال موسم الأعياد، بالتزامن مع التحذير من توسيع الاقتحامات أو فرض طقوس جديدة أو تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم.

وبالتالي فإن شد الرحال ليس دعوة مرتبطة بعيد يهودي من الناحية الدينية الإسلامية، وإنما هو تحرك فلسطيني مرتبط بتوقيت سياسي وميداني محدد: عندما ترتفع احتمالات الاقتحام أو محاولة فرض وقائع جديدة، ترتفع الدعوات إلى زيادة الحضور الفلسطيني.

لماذا تتكرر التحذيرات كل عام؟

لأن تجربة السنوات الماضية جعلت موسم الأعياد محطة متوقعة للتصعيد.

لكن الجديد في 2026 هو أن التحذيرات تأتي في بيئة أكثر توتراً من السابق، بعد سلسلة من الوقائع التي دفعت الجدل من مسألة "الزيارة" إلى مسألة "الصلاة والطقوس".

وتشير بعض التحليلات إلى أن الضغط من جانب اليمين المتطرف لا يقتصر على الاقتحام بوصفه نشاطاً رمزياً، وإنما يرتبط بصراع أوسع حول مستقبل إدارة الموقع وقواعد الدخول والصلاة فيه، ويُنظر إلى استمرار هذه الممارسات باعتباره تحدياً مباشراً للوضع القائم الذي يمنح المسلمين حق الصلاة في الحرم، فيما يُسمح لليهود بالزيارة وفق ترتيبات محددة.

وهنا يصبح كل عيد فرصة لاختبار الحدود.

هل يمكن زيادة أعداد المقتحمين؟

هل يمكن أداء طقوس بصورة أكثر علنية؟

هل يمكن الصلاة من دون أن تتدخل الشرطة؟

هل يمكن توسيع المساحة التي تتحرك فيها مجموعات المستوطنين؟

كل خطوة من هذه الخطوات قد تبدو محدودة في يوم واحد، لكنها تصبح ذات دلالة مختلفة إذا تكررت وتحولت إلى ممارسة اعتيادية.

وهذا تحديداً ما يجعل مصطلح "فرض أمر واقع" حاضراً بقوة في الخطاب الفلسطيني حول الأقصى.

الأرقام تكشف اتجاهاً، لكنها لا تشرح وحدها ما يجري

بحسب محافظة القدس، تجاوز عدد المستوطنين الذين اقتحموا المسجد الأقصى منذ بداية عام 2026 وحتى نهاية أغسطس 40 ألفاً و661 مستوطناً، في وقت سجلت المحافظة 15 قرار إبعاد عن المسجد خلال الأسبوع الأول من أيلول، ليصل عدد قرارات الإبعاد منذ بداية العام إلى نحو 800 قرار.

هذه الأرقام لا تعني أن كل اقتحام مرتبط مباشرة بعيد يهودي، لكنها توضح أن النشاط داخل الأقصى أصبح أكثر انتظاماً، وأن فترة الأعياد تأتي فوق مسار قائم أصلاً، ولا تبدأه من الصفر.

ومع حلول رأس السنة العبرية في 12 و13 سبتمبر، ظهرت بالفعل دعوات إسرائيلية لتنظيم اقتحامات واسعة، بينما شهد المسجد دخول مئات المستوطنين بحماية الشرطة، في مؤشر على أن التحذيرات التي سبقت العيد لم تكن مجرد توقعات نظرية.

وفي 14 أغسطس، تحدثت تقارير عن اقتحام نحو 480 مستوطناً للمسجد في ثاني أيام رأس السنة، مع استمرار الدعوات الفلسطينية إلى الحضور في الأقصى.

وفي 15 أغسطس استمرت الاقتحامات، إذ أفادت وكالة الأنباء الفلسطينية بدخول مستوطنين إلى المسجد بحماية قوات الاحتلال، بالتزامن مع استمرار قرارات الإبعاد بحق مقدسيين.

تطبيق إذاعة الشمس

حمّل تطبيق إذاعة الشمس

استمع للبث، تابع الأخبار، واحصل على إشعارات لحظية.

إذاعة الشمس على تلغرام

تابع آخر الأخبار لحظة بلحظة

أخبار عاجلة · تقارير حصرية · مباشر

انضم للقناة

البعد السياسي: الأقصى في قلب المنافسة الإسرائيلية

هناك عامل آخر لا يمكن تجاهله: السياسة الإسرائيلية الداخلية.

فإسرائيل تتجه إلى انتخابات في أكتوبر القادم، فيما يحاول اليمين الإسرائيلي الحفاظ على نفوذه وتوسيع قاعدته، وقد سبق أن أشارت محافظة القدس إلى مخاوف من توظيف المسجد الأقصى والقدس في المنافسة السياسية والانتخابية، بما قد يحول المكان إلى ساحة للمزايدة بين القوى اليمينية.

وهنا يصبح الأقصى أكثر من موقع ديني.

بالنسبة إلى التيار الديني القومي المتطرف، فإن إظهار السيطرة على المكان يحمل رسالة انتخابية وأيديولوجية في الوقت نفسه: إسرائيل تملك السيادة، والوجود اليهودي في جبل الهيكل يجب أن يصبح أكثر وضوحاً.

وبالنسبة إلى الفلسطينيين، فإن الحضور في المسجد يصبح بدوره وسيلة للدفاع عن الوضع القائم ومنع تحويل الإجراءات الاستثنائية إلى قواعد دائمة.

وبين هذين المسارين، تتحول الأعياد إلى نقاط اختبار متكررة.

ماذا يعني ذلك في المرحلة المقبلة؟

الموسم الحالي لم ينتهِ بعد.

فرأس السنة العبرية كان المحطة الأولى، بينما لا تزال أمام المسجد محطات أكثر حساسية، أبرزها يوم الغفران في 21 سبتمبر، ثم عيد العرش الذي يمتد من 26 سبتمبر حتى 2 أكتوبر، ثم ختمة التوراة في 3 نوفمبر.

وهذا يعني أن الدعوات إلى شد الرحال والتحذيرات من الاقتحامات لن تتوقف مع انتهاء رأس السنة، بل يُتوقع أن تستمر مع انتقال موسم الأعياد من محطة إلى أخرى.

السؤال الأساسي هنا ليس فقط: كم مستوطناً سيدخل الأقصى في كل عيد؟

السؤال الأعمق هو: هل تتحول الممارسات التي كانت تُعد خرقاً أو تجاوزاً للوضع القائم إلى واقع متكرر يصعب التراجع عنه؟

فالخلاف حول الأقصى لم يعد يدور فقط حول أعداد الزائرين، وإنما حول قواعد الوجود داخل المكان: من يدخل، ومتى يدخل، وأين يتحرك، وهل يصلي، وهل يسمح له بأداء طقوس دينية، ومن يحدد هذه القواعد.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم سبب تصاعد التحذيرات الفلسطينية، ولماذا تتحول الدعوات إلى شد الرحال إلى عنوان متكرر مع كل موسم أعياد.

إنها في جوهرها مواجهة على قواعد المكان بقدر ما هي مواجهة على المكان نفسه.

وكلما انتقلت ممارسة كانت استثنائية إلى ممارسة متكررة، تصبح المخاوف من تغيير الوضع القائم أكبر، ويصبح الحضور الفلسطيني في المسجد، من وجهة نظر الداعين إليه، جزءاً من معركة الحفاظ على الواقع القائم ومنع تغييره تدريجياً.

وبذلك يدخل الأقصى موسم الأعياد هذا العام وسط معادلة شديدة الحساسية: جماعات إسرائيلية ترى في الأعياد فرصة لتكثيف الحضور والطقوس، وفلسطينيون يرون في الفترة نفسها مرحلة تستوجب زيادة الحضور والصلاة، بينما تقف الشرطة الإسرائيلية في موقع التحكم بالدخول والحركة داخل الموقع.

وهذه المعادلة هي التي تجعل كل عيد يهودي اختباراً جديداً لما تبقى من قواعد الوضع القائم، وليس مجرد مناسبة دينية عابرة.

اقرأ/ي أيضًا37 مليون شيكل لليكود.. كم جمعت الأحزاب استعدادًا للانتخابات؟



يتم استخدام المواد المنشورة على موقع الشمس وفقًا لأحكام المادة 27أ من قانون حقوق التأليف والنشر لعام 2007.
في حال كنت تعتقد أن استخدام أي مادة منشورة على الموقع ينتهك حقوقك بصفتك صاحب حقوق الطبع والنشر، يمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: info@ashams.com، وطلب وقف استخدام المادة.
يرجى عند التواصل تزويدنا بالاسم الكامل، ورقم الهاتف، وإرفاق صورة عن الشاشة (Screenshot) ورابط الصفحة ذات الصلة على موقع الشمس.
شكرًا لتعاونكم.

آخر الأخبار

  1. التضخم عند 1.5%.. لماذا أصبحت بعض نفقات السفر والسكن أكثر كلفة؟ اقتصاد ·
  2. نتنياهو وكاتس يعلنان استهداف قائد لواء رفح في حماس اسرائيلي ·
  3. لقاء سري في ألمانيا يجمع زامير وقادة جيوش عربية.. ماذا جرى في الاجتماع؟ عالمي ·
  4. عوتسما يهوديت تطلب شطب ترشح سامي أبو شحادة للكنيست انتخابات الكنيست 2026 ·
  5. أهالي يواجهون بؤرة استيطانية في مجد الكروم محليات ·
  6. عون: الجيش اللبناني يقوم بواجباته وبري يحذر من تداعيات استمرار الحرب عربي ·
  7. 37 مليون شيكل لليكود.. كم جمعت الأحزاب استعدادًا للانتخابات؟ اقتصاد ·
  8. صراع المونديال يشتعل.. المغرب يجدد تمسكه باستضافة نهائي كأس العالم 2030 رياضة ·
  9. روبيو يجدد التزام واشنطن بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي عالمي ·
  10. بقرار غير قابل للاستئناف.. حرمان التعاون من جماهيره مباراتين وتغريمه 100 ألف ريال رياضة ·
كل الأخبار ←
مقالات ربما فاتتك
من سؤال عن ديانتها إلى إغلاق المدرسة.. معلمة عربية تروي ما حدث في أور عكيفا مقتل الشابين نور الحلو ونور نفافعة جراء تعرضهما لجريمة إطلاق نار مزدوجة في الناصرة لماذا يهاجر الأطباء العرب من إسرائيل؟ نائلة عواد: على أصحاب النفوذ المتهمين بالتحرش تحمل المسؤولية الأخلاقية والابتعاد عن مواقع التنافس