تحليل | لماذا تحولت هولندا من حليف وثيق لإسرائيل إلى طرف يضغط عليها بسبب سياساتها؟
رصد تحليل نشره موقع واينت تحولًا متسارعًا في العلاقات الإسرائيلية-الهولندية، التي كانت تُعد من الأكثر قربًا لإسرائيل في أوروبا، مع تبني لاهاي خلال السنوات الأخيرة مواقف وإجراءات أكثر انتقادًا لإسرائيل، وصولًا إلى حظر استيراد وبيع منتجات المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية والجولان، في ظل تأثير الحرب على غزة وتغير المواقف السياسية والرأي العام في هولندا.
تحولت هولندا خلال أقل من ثلاث سنوات من دولة حافظت لعقود على علاقات وثيقة مع إسرائيل إلى واحدة من أبرز الدول الأوروبية التي تدفع باتجاه إجراءات عملية ضد سياساتها في الضفة الغربية، في تحول يرتبط بالحرب على غزة، وتغير الرأي العام الهولندي، وتطور المواقف السياسية داخل لاهاي، إلى جانب تصاعد نفوذ المستوى المهني في وزارة الخارجية الهولندية، وفق تحليل نشره موقع "واينت".
ويبرز أحدث مظاهر هذا التوتر في مرسوم هولندي دخل حيز التنفيذ في 22 سبتمبر، ويحظر استيراد وشراء وبيع والوساطة التجارية للمنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية والجولان، وفق ما تصفه هولندا بـ"المستوطنات غير القانونية"، على أن يستمر القرار لمدة ثلاث سنوات، وقد يؤدي خرقه إلى ملاحقة جنائية.
وجاء القرار الهولندي بشكل منفرد بعدما تعذر التوصل إلى توافق داخل الاتحاد الأوروبي بشأن خطوة مشتركة، إذ تتطلب قرارات السياسة الخارجية الأوروبية دعمًا واسعًا من الدول الأعضاء الـ27، فيما اختارت لاهاي التحرك على المستوى الوطني.
ولا يقتصر القرار على الشركات والمستوردين، إذ تشمل التعليمات الصادرة عن الجمارك الهولندية المنتجات الموجودة في الأمتعة الشخصية للمسافرين، بما في ذلك الهدايا والتذكارات والمنتجات المعدة للاستخدام الشخصي، ما دفع مسافرين إسرائيليين وصلوا إلى مطار سخيبول في أمستردام إلى القول إنهم سُئلوا خلال التفتيش عما إذا كانوا يحملون منتجات مصدرها المستوطنات.
وردت إسرائيل بإجراءات دبلوماسية، إذ أعلن وزير الخارجية جدعون ساعر أن الدبلوماسيين الهولنديين العاملين مع السلطة الفلسطينية في رام الله، والذين يقيم بعضهم فعليًا في إسرائيل، سيُطلب منهم إعادة الوثائق الدبلوماسية التي أصدرتها لهم إسرائيل، على أن تنتهي الحصانات والامتيازات الممنوحة لهم بعد انتهاء الفترة المحددة.
في المقابل، أعرب وزير الخارجية الهولندي توم براندسن عن أسفه للقرار الإسرائيلي، واعتبره غير ضروري، مؤكدًا أن حظر منتجات المستوطنات لا يستهدف إسرائيل، وإنما يأتي، وفق الموقف الهولندي، انطلاقًا من التزام لاهاي بعدم المساهمة في أوضاع تعتبر مخالفة للقانون الدولي.
كما تصاعد الخلاف الدبلوماسي بعد إبلاغ سفير إسرائيل لدى هولندا تسفي فافني بأنه سيُستدعى إلى وزارة الخارجية الهولندية لتوبيخه، على خلفية الإجراءات الإسرائيلية، ولا سيما إلغاء الوثائق الدبلوماسية لأفراد البعثة الهولندية في رام الله، إلى جانب اعتراض هولندا على خطوة إسرائيلية سابقة أبعدت ممثلين هولنديين عن مركز التنسيق الدولي بشأن غزة في كريات غات.
من علاقات وثيقة إلى خلاف متصاعد
كانت هولندا لعقود تُعد من أقرب حلفاء إسرائيل في أوروبا الغربية، إذ قدمت خلال حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 دعمًا لإسرائيل وسمحت باستخدام أراضيها لأغراض الجسر الجوي الأميركي، كما تولت لسنوات تمثيل المصالح الإسرائيلية في موسكو بعد قطع الاتحاد السوفييتي علاقاته مع إسرائيل، واحتفظت حتى عام 1980 بسفارة في القدس.
وخلال فترة تولي مارك روته رئاسة الحكومة الهولندية، التي امتدت 14 عامًا، حافظت العلاقات بين البلدين على مستوى مرتفع، رغم وجود انتقادات هولندية لسياسات إسرائيل.
ويشير التحليل إلى أن التحول في الموقف الهولندي لم يبدأ بعد 7 أكتوبر 2023، إذ رصدت إسرائيل قبل نحو 15 عامًا تنامي توجه أكثر انتقادًا داخل المستوى المهني في وزارة الخارجية الهولندية، فيما بدأت لاهاي تحذير الشركات من النشاط الاقتصادي في المستوطنات.
وبقي لفترة طويلة فارق بين المستوى السياسي الهولندي، الذي حافظ على علاقات وثيقة نسبيًا مع إسرائيل، والمستوى المهني في وزارة الخارجية، الذي أولى أهمية أكبر للقانون الدولي وحقوق الإنسان وقضية المستوطنات، إلا أن هذين التوجهين اقتربا من بعضهما خلال السنوات الأخيرة.
الحرب على غزة غيّرت المشهد
في الأشهر الأولى التي أعقبت أحداث 7 أكتوبر، أظهر الرأي العام الهولندي دعمًا نسبيًا لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2023 قال 68% من المشاركين في استطلاع إن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها، فيما حمّل نحو ثلاثة أرباع المستطلعين حركة حماس المسؤولية الرئيسية عن اندلاع الحرب.
في المقابل، رأى 48% أن الرد العسكري الإسرائيلي لم يكن متناسبًا، ما عكس منذ البداية وجود موقفين متوازيين في المجتمع الهولندي، الاعتراف بتعرض إسرائيل لهجوم وتحميل حماس مسؤولية اندلاع الحرب، إلى جانب انتقادات متزايدة لطريقة إدارة إسرائيل للحرب.
ومع استمرار الحرب، اتجه الرأي العام الهولندي بدرجة أكبر نحو انتقاد إسرائيل، إذ أظهر استطلاع أجرته مؤسسة Ipsos I&O في نيسان/أبريل 2025 أن أكثر من نصف المشاركين يريدون من الحكومة الهولندية اتخاذ موقف أكثر انتقادًا تجاه إسرائيل، مع استمرار غالبية المشاركين في تحميل حماس مسؤولية كبيرة عن تجدد القتال.
وبحسب التحليل، ساهم إلى جانب الحرب في غزة كل من توسيع المستوطنات، ودفع مخطط E1، وتصاعد أحداث عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، في زيادة الضغوط السياسية داخل هولندا لاتخاذ إجراءات تجاه إسرائيل.
خلاف داخل وزارة الخارجية
تطور خلال الحرب أيضًا خلاف داخل المؤسسة الهولندية، إذ شارك موظفون في وزارة الخارجية ودبلوماسيون سابقون في احتجاجات ضد سياسة الحكومة، مطالبين بممارسة ضغط أكبر على إسرائيل.
وكان وزير الخارجية الهولندي السابق كاسبر فيلدكامب من أبرز الشخصيات التي دفعت باتجاه انتقال الموقف من الانتقاد إلى اتخاذ خطوات سياسية، إذ سبق أن شغل منصب سفير هولندا لدى إسرائيل، ودفع الاتحاد الأوروبي إلى بحث ما إذا كانت إسرائيل تنتهك بند حقوق الإنسان في اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.
كما دعم فيلدكامب فرض حظر دخول إلى هولندا على الوزيرين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وطالب بتوسيع الإجراءات ضد إسرائيل، قبل أن يستقيل بعد عدم حصوله على دعم حكومي لفرض عقوبات إضافية.
الحكومة الجديدة
في شباط/فبراير 2026، أدت حكومة الأقلية برئاسة روب ييتن، زعيم حزب D66 الليبرالي التقدمي، اليمين الدستورية، فيما تعتمد حكومته في عدد من الملفات على أحزاب يسارية من خارج الائتلاف.
تابعوا الشمس على تلغرامأخبار عاجلة · تقارير حصرية · بث مباشرانضم للقناة
ويربط التحليل بين التحولات السياسية الداخلية وبين تشدد الموقف تجاه إسرائيل، إذ أظهرت استطلاعات الصيف تقدم حزب "Progressief Nederland"، الذي تأسس من اندماج حزب الخضر وحزب العمل، فيما انتقل إليه جزء من مؤيدي حزب D66، ومن بينهم ناخبون يرون أن سياسة الحكومة ليست يسارية بما يكفي.
وتؤكد المادة أن التوجه السياسي الهولندي لا يعني انتقال المجتمع بأكمله إلى اليسار، إذ لا يزال هناك معسكر يميني كبير، لكن انقسام اليمين، بما في ذلك الخلافات المرتبطة بحزب خيرت فيلدرز، يجعل تشكيل ائتلافات مستقرة أكثر صعوبة، ويزيد اعتماد حكومة الأقلية على أصوات خارج الائتلاف.
لماذا هولندا؟
يربط مسؤولون إسرائيليون التحول في الموقف الهولندي بعوامل سياسية ومؤسساتية، من بينها الأهمية التي توليها هولندا منذ سنوات للقانون الدولي وحقوق الإنسان، إضافة إلى رغبة حكوماتها في لعب دور فاعل على الساحة الدولية.
وتستضيف لاهاي محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، ما يعزز حضور قضايا القانون الدولي في النقاش السياسي والعام داخل البلاد.
كما يشير التحليل إلى تأثير الضغوط الداخلية، في ظل وجود جالية مسلمة كبيرة في هولندا ونشاط قوي للتيار اليساري-التقدمي، الذي جعل الحرب في غزة وما يجري في الضفة الغربية من القضايا الرئيسية في النقاش العام.
في المقابل، ترى الحكومة الهولندية أن إجراءاتها لا تستهدف إسرائيل كدولة، وإنما تأتي ردًا على توسع المستوطنات والعنف في الضفة الغربية، وما تعتبره التزامات عليها بموجب القانون الدولي.
هل تتجه دول أخرى إلى خطوات مماثلة؟
بحسب "واينت"، لا تزال دول أوروبية أخرى أكثر حذرًا من هولندا، إذ شاركت أستراليا في نقاشات بشأن الانضمام إلى خطوات مماثلة، لكنها لم تقرر في هذه المرحلة فرض حظر شامل على استيراد منتجات المستوطنات، بينما لا يوجد توافق داخل الاتحاد الأوروبي بشأن اتخاذ خطوة مشتركة.
وكان وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي ناقشوا في تموز/يوليو خيارات عدة، بينها تراخيص الاستيراد وفرض رسوم جمركية مرتفعة أو حظر كامل للتجارة مع المستوطنات، دون التوصل إلى أغلبية واضحة بشأن أي منها.
وتبقى ألمانيا، بحسب التحليل، عنصرًا أساسيًا في أي تحرك أوروبي مشترك، إذ إن عدم انضمام برلين إلى خطوة واسعة يجعل من الصعب دفع سياسة موحدة للاتحاد الأوروبي، في حين تستطيع هولندا وفرنسا ودول أخرى اتخاذ إجراءات بشكل منفرد.
ويخلص التحليل إلى أن هولندا تمثل حاليًا الحالة الأكثر تقدمًا ضمن اتجاه بدأ يظهر في دول أوروبية أخرى، فيما يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت ستصبح نموذجًا تتبعه دول أخرى أم ستبقى حالة استثنائية.
يتم استخدام المواد المنشورة على موقع الشمس وفقًا لأحكام المادة 27أ من قانون حقوق التأليف والنشر لعام 2007.
في حال كنت تعتقد أن استخدام أي مادة منشورة على الموقع ينتهك حقوقك بصفتك صاحب حقوق الطبع والنشر، يمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: info@ashams.com، وطلب وقف استخدام المادة.
يرجى عند التواصل تزويدنا بالاسم الكامل، ورقم الهاتف، وإرفاق صورة عن الشاشة (Screenshot) ورابط الصفحة ذات الصلة على موقع الشمس.