كفرقرع تودع محمود غاوي.. كيف تحول صالون حلاقة إلى مسرح لجريمة بلا تفسير؟

كفرقرع تودع محمود غاوي.. كيف تحول صالون حلاقة إلى مسرح لجريمة بلا تفسير؟

ما زال الغضب يسيطر على مدينة كفرقرع، بعد أن قُتل الشاب محمود غاوي، مساء الاثنين، إثر تعرضه لإطلاق نار داخل صالون الحلاقة الخاص به في شارع "ابن خلدون"، بعدما اقتحم مجهول المكان وأطلق النار عليه مباشرة، في جريمة هزت المدينة وأثارت حالة من الغضب والتوتر في محيط موقع الجريمة، وسط احتكاك بين الأهالي وقوات الشرطة التي تواجدت في المكان.



::
::


وكان محمود غاوي معروفا بنشاطه الاجتماعي في المدينة، إذ بادر في أكثر من مناسبة إلى تنظيم حملات حلاقة مجانية للعائلات المتعففة ولطلاب المدارس قبيل افتتاح العام الدراسي، ما جعل خبر مقتله صدمة واسعة داخل كفرقرع وخارجها، خاصة أنه وُصف من قبل أبناء بلدته بأنه “شاب خلوق، مهذب، ومحترم، ولا علاقة له بأي عالم إجرامي”.



وفي مداخلة هاتفية ضمن برنامج "يوم جديد"، قال نائب رئيس بلدية كفرقرع، نزيه مصاروة، إن ما يجري في المجتمع العربي بات يشبه “حالة حرب حقيقية”، مضيفا أن “حتى في الحروب لا يسقط هذا العدد من القتلى كما يحدث عندنا”، مشددا على أنه “لا يوجد أي مبرر في العالم يشرعن قتل إنسان، فدم الإنسان غالٍ جدا”.



"المجرمون يتحركون بحرية دون رادع"



وأشار مصاروة إلى غياب أي معطيات حول خلفية الجريمة أو هوية المنفذين، مؤكدا أن الشرطة لم تقدم حتى الآن أي معلومات تذكر، ومعبرا عن فقدان الثقة بقدرتها على فك رموز هذه الجرائم، إذ أوضح أن “نسبة فك جرائم القتل في المجتمع العربي أقل من 10%، وهي نسبة مخيفة ومرعبة”، لافتا إلى أن مئات المجرمين “يتحركون بحرية داخل مجتمعنا دون أي حساب أو رادع”.



ونفى مصاروة وجود أي مؤشرات سابقة على تهديد الشاب محمود غاوي، مؤكدا أن الحديث يدور عن شاب “نظيف السجل، حسن السيرة، ولا علاقة له بأي أعمال إجرامية”، مضيفا أن حالة الاعتياد على الجرائم باتت خطرا بحد ذاتها، محذرا من الوصول إلى مرحلة “التأقلم مع القتل وكأنه أمر طبيعي”.



حادث أليم يعيد ذكرى مؤلمة



وبنبرة شخصية مؤلمة، ربط مصاروة الجريمة بوجعه الخاص، مشيرا إلى أن توقيت مقتل محمود أعاد إليه ذكرى مقتل ابنه قبل خمس سنوات، في التوقيت ذاته تقريبا، مؤكدا أن “الجرح يُفتح من جديد، والألم يعود من جديد”، في ظل غياب العدالة وعدم محاسبة الجناة حتى اليوم.



وانتقد مصاروة الاكتفاء ببيانات الشجب والاستنكار، معتبرا أنها “لم تعد تسمن ولا تغني من جوع”، مشددا على أن المظاهرات الشكلية وحدها لا تكفي، ما لم تُتخذ قرارات شجاعة وجماعية على مستوى القيادات والسلطات المحلية، محذرا من أن المجتمع العربي “يغرق في بحر من الدماء”، في وقت تستمر فيه الأرقام بالتصاعد دون أي مؤشرات على تغيير حقيقي في النهج المتبع.



عم والد الضحية ينفي أي تهديدات سابقة



وفي سياق متصل، كانت لنا مداخلة أخرى مع جميل عبد الرحمن غاوي (أبو مالك)، عم والد المغدور، والذي نفى وجود أي تهديدات أو ضغوط سابقة تعرض لها محمود أو العائلة، مؤكدا أن الأسرة معروفة بسلميتها داخل كفر قرع، وقال إن “الخبر وصلنا فجأة، بلا أي مقدمات، دخلوا عليه وأطلقوا النار وخرجوا كأنهم ذاهبون لقضاء أمر عادي، ونحن لا أعداء لنا ولا أي خلاف مع أحد”.



::
::



وشدد أبو مالك على أن العائلة لم تتلق في الفترة الأخيرة أي إشارات قد تفسر ما جرى، مضيفا أن “محمود لم يكن مهددا، ولم يكن عليه أي مشاكل، لا من قريب ولا من بعيد، وكل من يعرفه يشهد أنه شاب مسالم ولا علاقة له بأي عالم إجرامي”.



من كان محمود غاوي داخل مجتمعه؟



وأشار عم والد المغدور إلى أن محمود، البالغ من العمر 23 عاما، كان يعمل حلاقا منذ صغره، بعد أن افتتح له والده صالون الحلاقة، موضحا أنه لم يكن مجرد صاحب مهنة، بل شابا معطاء خدم أبناء بلدته دون مقابل في كثير من الأحيان. وقال إن محمود “كان ينشر على مجموعات واتساب ومواقع التواصل أن من لا يملك ثمن الحلاقة فليأتِ، وسأخدمه مجانا لوجه الله”، إلى جانب مبادراته لحلاقة طلاب المدارس والعائلات المتعففة.



وأكد أن الشاب كان في بداية بناء حياته، يسعى للرزق بجهده اليومي، قبل أن يُقتل داخل مكان عمله، في مشهد وصفه بأنه “غير إنساني ولا يمكن تبريره بأي شكل”.



ماذا عن تعامل الشرطة والتحقيق في الجريمة؟



وفيما يتعلق بتعامل الشرطة، عبّر أبو مالك عن استياء العائلة من غياب التواصل الرسمي، مشيرا إلى أن الشرطة حضرت إلى المكان ثم غادرت دون تقديم أي معلومات، مؤكدا أنه “لم يتم إبلاغنا بأي تفاصيل، ولم يسمحوا لنا حتى برؤيته أو الاقتراب من المكان”.



وأعرب عن فقدان العائلة الثقة بإمكانية الوصول إلى الجناة، قائلا إن “من لم يصلوا إلى قتلة الجرائم السابقة، لن يصلوا إلى قتلة محمود، وبنسبة مئة بالمئة لن تكون هناك نتيجة”، في إشارة إلى تراكم ملفات القتل دون محاسبة.



جنازة مؤجلة ووجع يتراكم



ولا تزال العائلة، حتى لحظة إعداد الخبر، بانتظار تسلم جثمان الشاب محمود غاوي، في ظل غياب موعد واضح للجنازة، بحسب ما أفاد به عم والد المغدور، الذي أكد أن حالة من الإرباك تسود العائلة في ظل عدم تلقي أي تحديثات رسمية.



جار الضحية يروي: كيف كان محمود شابا خلوقا وملتزما؟



من جانبه، وصف الشيخ عبد الكريم مصري، جار المغدور، محمود بأنه شاب “لم نعرف عنه إلا كل خير”، مؤكدا أن خبر مقتله ترك وجعا عميقا في نفوس كل من عرفه، وقال إن “الناس نامت على ألم واستيقظت على ألم، لأن الحديث يدور عن شاب راقٍ، مهذب، يتعامل بلطف مع كل من حوله”.



::
::



وأشار الشيخ مصري إلى أن محمود كان معروفا بالتزامه الديني وأخلاقه الحسنة، لافتا إلى لقاء جمعهما قبل أيام قليلة من مقتله، حيث قال له محمود إنه يقرأ سورة البقرة يوميا، مضيفا أن “هذا الشاب كان ملتزما بالصلاة، بسيطا في تعامله، وكل ما عرفناه عنه كان خيرا”.



وأكد أن عائلة غاوي معروفة بسيرتها الطيبة في المدينة، وأن والد محمود يعمل لتأمين لقمة العيش لأبنائه، فيما اختار محمود تعلم مهنة الحلاقة لمساندة والده وتحمل مسؤولية بيته، مضيفا أن “هذه عائلة عاشت سنوات طويلة بهدوء واحترام، دون مشاكل أو خلافات”.



لماذا يصعب إيجاد أي تفسير للجريمة؟



وشدد جار المغدور على أنه لا يوجد أي مبرر أو تفسير لما حدث، موضحا أنه “حتى لو حاول البعض البحث عن ذرائع، فلا شيء يبرر سفك دم إنسان، ومهما كانت الخلافات لا يمكن أن تتحول إلى رصاص”.



وأضاف أن محمود لم يكن معروفا بأي مشاكل أو نزاعات، قائلا إنه “شخصيا لا أعلم عن هذا الشاب أي أمر، ولو بسيط، يمكن أن يفسر ما جرى، ولذلك الألم أكبر، لأننا أمام قتل بلا سبب مفهوم”.



مبادرات إنسانية انتهت بالرصاص



وتحدث الشيخ مصري عن الجانب الإنساني في حياة محمود، مشيرا إلى مبادراته الاجتماعية، خاصة تجاه طلاب المدارس والعائلات غير القادرة، حيث أعلن في فترة سابقة استعداده لحلاقة أي طالب لا يملك ثمن الأجرة مجانا، “لوجه الله”، بحسب تعبيره.



وأوضح أن هذه المبادرات جعلت صدمة مقتله أشد وقعا، قائلا إن “نحن لا نفقد شابا فقط، بل نفقد نموذجا إنسانيا كان يمكن أن يقدم الكثير لمجتمعه”.



دور رجال الإصلاح.. من يوقف شلال الدم؟



ووصف الشيخ مصري ما يجري في المجتمع العربي بأنه “انفلات غير بسيط”، خاصة في ظل تسجيل ستة قتلى منذ بداية العام، ثلاث جرائم منها خلال أقل من 24 ساعة، مؤكدا أن “كل أسرة تُفجع، يُقتل معها مستقبل كامل، بفقدان ابن أو رب عائلة”.



وفيما يتعلق بدور رجال الإصلاح، أقر بأن قدرتهم باتت محدودة، موضحا أن “رجل الإصلاح يستطيع التدخل في الخلافات الاجتماعية، ونحن لا نتأخر عن ذلك ليلا أو نهارا، لكن هناك أشياء خارجة عن إرادتنا، تتعلق بالسلاح والجريمة المنظمة”.



هل فقد المجتمع قدرته على حماية نفسه؟



وحمل الشيخ مصري المؤسسة مسؤولية استمرار العنف، قائلا إن “هناك أمورا بيد المؤسسة، ولو أرادت إيقاف هذا الشلال لفعلت، لكنها غير معنية بوقفه”، على حد تعبيره، مع تأكيده في الوقت نفسه أن الأمل لا يزال قائما.



وختم بالقول إن “مجتمعنا مليء بالخير، وعاش سنوات طويلة متحابا، الجار إلى جانب جاره، والأخ إلى جانب أخيه، لكن ما يحدث اليوم يتطلب صحوة حقيقية قبل أن نفقد المزيد من الأرواح”.



وتأتي هذه الجريمة في سياق تصاعد مقلق لأعمال القتل داخل المجتمع العربي، حيث يشير الأهالي إلى أن وتيرتها باتت شبه يومية، وسط شعور متزايد بالعجز والخوف، وتساؤلات مفتوحة حول من يتحمل مسؤولية وقف هذا النزيف المستمر.


يتم الاستخدام المواد وفقًا للمادة 27 أ من قانون حقوق التأليف والنشر 2007، وإن كنت تعتقد أنه تم انتهاك حقك، بصفتك مالكًا لهذه الحقوق في المواد التي تظهر على الموقع، فيمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني على العنوان التالي: info@ashams.com والطلب بالتوقف عن استخدام المواد، مع ذكر اسمك الكامل ورقم هاتفك وإرفاق تصوير للشاشة ورابط للصفحة ذات الصلة على موقع الشمس. وشكرًا!

phone Icon

احصل على تطبيق اذاعة الشمس وكن على
إطلاع دائم بالأخبار أولاً بأول

Download on the App Store Get it on Google Play