لم تكن المظاهرة التي شهدتها تل أبيب حدثًا عابرًا، ولا يمكن التعامل معها كصورة عابرة في أرشيف الاحتجاجات. كانت خطوة مهمة، وصرخة حقيقية ضد الجريمة والعنف، وخرج إليها آلاف الناس بدافع الخوف، والغضب، والوجع. هذا بحد ذاته لا يُنتقص منه، ولا يجوز التقليل من قيمته.
لكن أهمية المظاهرة لا تعني أنها فوق النقد.. والنقد، حين يكون مسؤولًا وصادقًا، لا يُضعف الفعل الاحتجاجي، بل يمنحه فرصة للتصويب والاستمرار.
دعوة محقّة… وحضور واسع
الدعوة للمشاركة في المظاهرة انطلقت من حاجة حقيقية في الشارع العربي، من شعور جماعي بأن العنف لم يعد حادثًا طارئًا، بل واقعًا يوميًا يهدد البيوت والأطفال والذاكرة. الحضور كان لافتًا، والناس الذين تركوا بيوتهم ووقفوا لساعات فعلوا ذلك بدافع صادق، دون حسابات سياسية أو مصلحية هؤلاء ليسوا المشكلة ولم يكونوا يومًا.
لحظة الوجع… حين يتكلم الألم
أكثر اللحظات تأثيرًا كانت كلمات الأهالي الثكلى، وعلى رأسهم أم فراس.
لم يكن حديثها خطابًا، بل شهادة. لم يكن موقفًا سياسيًا، بل وجعًا عاريًا، لا يحتاج تزيينًا ولا شعارات. في تلك اللحظة، سقطت كل اللغات المصطنعة، وبقي الألم وحده حاضرًا.
هذا النوع من الكلام لا يُناقش، ولا يُوظّف، ولا يُختصر هو جوهر القضية، وليس تفصيلًا فيها.
خطابات شكر… في مكانٍ لا يحتمل المجاملات
في المقابل، بدت غالبية الخطابات التي أُلقيت على المنصة بعيدة عن هذا الجوهر.
خطابات شكر للقيادات، شكر للمشاركة “اليهودية”، وشكر للحضور، وكأننا في حفل بروتوكولي لا في مظاهرة احتجاج.
أنا لم أخرج إلى الشارع لأشكر أحدًا، لم أخرج لأمنح شرعية، ولا لأوزّع الامتنان.. خرجت لأن أوصل صوتي، وغضبي، ووجعي.
المظاهرة ليست مساحة للمجاملات، بل منصة للمساءلة، وليس من المنطقي أن يتحول المنبر من صرخة ضد الجريمة إلى خطاب امتنان للقيادة أو إشادة بحضور الآخر، بينما دمنا لم يجفّ بعد.

تصوير قمر مناصرة
“الوسط العربي”… تسمية ليست بريئة
أحد أكثر الأمور المقلقة كان تكرار توصيفنا كـ “الوسط العربي”، هذه ليست مسألة لغوية عابرة، بل توصيف سياسي بامتياز.
كلمة “وسط” تعني الهامش، تعني موقعًا بينيًّا، غير مكتمل، غير مُعرّف بذاته، نحن لسنا “وسطًا”، نحن مجتمع، مجتمع له تاريخ، وهوية، وبنية اجتماعية، وذاكرة جماعية، وصراع واضح.
تسميتنا “وسطًا” تُفرغنا من هذا كله، وتحوّلنا إلى شريحة، أو حالة، أو ملف إداري.. لهذا، كلمة مجتمع ليست تفصيلًا لغويًا، بل موقفًا، هي اعتراف بوجودنا، لا تلطيفًا لصورتنا.
خطابات بلا عنوان
إلى جانب ذلك، غاب العنوان السياسي الواضح.
تحوّل الخطاب إلى شعارات عامة مثل: “الأمان”، “نبذ العنف”، “التعايش”، دون تسمية السبب الجذري لما نعيشه: الاحتلال، السياسات، وبنية العنف المفروضة علينا.
الأخطر من ذلك، أن هذا النوع من الخطاب ينسجم بسهولة مع روايات مريحة للسلطة، بدل أن يكون مواجهة مباشرة معها.
حين نُفرغ كلماتنا من هويتنا، نمنح الآخرين فرصة إعادة تعريفنا بالنيابة عنا.
حين يصبح النقد تهمة
حين يصبح النقد تهمة تتحول أي محاولة لطرح هذه الملاحظات إلى سيلٍ من الاتهامات الجاهزة: لماذا تنتقدون؟ لماذا لا تكتفون بالشكر؟ أليس المهم أننا خرجنا؟ وكأن النقد دعوة للتراجع، أو خيانة للدم، أو تقليل من شأن الناس. وهذا فهم خاطئ وخطير. فالنقد ليس دعوة للتوقف، بل هو حجر الأساس للاستمرار.
المشكلة ليست في الناس، الناس الذين خرجوا إلى الشارع لم يخطئوا، والذين صرخوا وبكوا وحملوا صور أحبّتهم لم يخطئوا. المشكلة ليست في الألم، بل في طريقة توجيهه، وفي اللغة التي تمثّله. حين يتحول الخطاب إلى مجاملة، وحين يُستبدل الوضوح بالشكر، نكون قد خسرنا البوصلة، حتى لو امتلأت الساحات.
المظاهرة خطوة، لكنها ليست نهاية الطريق. الحضور وحده لا يكفي، والامتلاء بالساحات لا يعوّض فراغ الخطاب.
السؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا خرجنا؟ بل كيف خرجنا؟ بأي لغة تحدثنا؟ ولمن وُجّه خطابنا؟
نحن بحاجة إلى احتجاجات تقول بوضوح: نحن مجتمع، لا “وسط”. نحن أصحاب وجع، لا جمهور شكر. ونحن نخرج لنُسمِع صوتنا، لا لنصفّق. فالمظاهرة ليست المشكلة… فقدان البوصلة هو المشكلة.