تتجاوز التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وتحديدًا اندلاع الحرب على إيران، والتهديد بتحولها إلى حرب إقليمية، الخرائط العسكرية لتلامس صميم الحياة الاقتصادية اليومية لملايين البشر حول العالم.
مع تصاعد حدة الصراع، يعود شبح "تضخم الحرب" ليطرق أبواب الاقتصادات الكبرى، وتتزايد المخاوف من انزلاق الاقتصاد العالمي إلى سيناريو "الركود التضخمي" (Stagflation) الذي يجمع بين التضخم المرتفع وتباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع البطالة.
لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن تأثير الحرب ينتقل بسرعة من خرائط الميدان إلى خرائط الأسعار في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. ويُعد محور الخطر الأبرز هو صدمة الطاقة، وتحديدًا اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يُعرف بأنه "أضيق عنق" في تجارة الطاقة العالمية.
صدمة الطاقة ومضيق هرمز: قلب الخطر
يمر عبر مضيق هرمز قرابة 20 إلى 25% من تجارة النفط المنقولة بحرًا يوميًا. إن أي تعطيل لحركة الملاحة أو تحويله إلى منطقة عالية المخاطر لا يقتصر ضغطه على أسعار النفط الخام فحسب، بل يمتد إلى الغاز الطبيعي المسال، مما يجعل آسيا وأوروبا أكثر هشاشة أمام الصدمة.
- قفزة أسعار النفط: يحذر المحللون من أن استمرار الحرب وتوسع نطاقها قد يدفع سعر النفط الخام إلى تجاوز 110 دولارات للبرميل الواحد، لا سيما إذا أدى إغلاق المضيق بالكامل إلى انخفاض الإمدادات بنسبة 20%
- التضخم المستورد: تؤدي هذه القفزة في أسعار الطاقة إلى زيادة أجور الشحن ورسوم المخاطر والتأخيرات في التسليم، ما يوسع الدائرة إلى ما يُعرف بـ"التضخم المستورد".
- اضطراب سلاسل الإمداد: تتعطل سلاسل إمداد واسعة تمتد لتشمل الأدوية، والإلكترونيات، والمواد الخام، ومشتقات النفط، مع تكدس السفن في انتظار ممرات آمنة.

التضخم والركود التضخمي في الاقتصاد الأمريكي
تُعد الولايات المتحدة في مقدمة الاقتصادات التي تضغط عليها هذه الصدمة، إن ارتفاع أسعار الطاقة يُترجم مباشرة إلى ضغوط تضخمية جديدة.
- تأثير النفط على التضخم: تشير التقديرات إلى أن كل زيادة بنحو 10 دولارات في سعر النفط قد تضيف حوالي 15 سنتًا لغالون البنزين عند المضخة، وترفع التضخم بنحو 0.1 نقطة مائوية في الولايات المتحدة، مع تضخم أكبر إذا استمرت الأسعار مرتفعة.
- تهديد التيسير النقدي: تاريخيًا، تُعد صدمات الطاقة من أسرع العوامل القادرة على إعادة إشعال التضخم، سواء بشكل مباشر أو عبر التأثير في توقعات المستهلكين والشركات. هذا الأمر يمثل خطرًا جسيمًا على خطط البنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، التي كانت تأمل في خفض أسعار الفائدة بعد فترة من التشديد النقدي.
- الركود التضخمي: إذا استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع، فإن ذلك سيشكل ضغطًا كبيرًا على التضخم، وفي الوقت نفسه سيؤدي ارتفاع الفائدة المصاحب لمكافحته إلى تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، مما يزيد من احتمالية انزلاق الاقتصاد الأمريكي، ومن ثم العالمي، إلى حالة الركود التضخمي (Stagflation).
ضغوط سوق العمل: ارتفاع البطالة يفاقم معضلة الركود التضخمي
في خضم هذه المخاطر التضخمية الخارجية، ظهرت إشارات مقلقة من سوق العمل الأمريكي في فبراير 2026، مما زاد من تعقيد مهمة صانعي السياسة النقدية. فقد أظهر التقرير الأخير خسارة الاقتصاد الأمريكي لـ 92000 وظيفة، وهو رقم جاء أقل بكثير من توقعات السوق ويشير إلى تباطؤ حقيقي في التوظيف. ونتيجة لذلك، ارتفع معدل البطالة إلى 4.4%، وهو أعلى بقليل من المتوقع.
وبالرغم من أن جزءًا من هذه الخسارة يُعزى إلى إضرابات عمالية مؤقتة في قطاع الرعاية الصحية، إلا أن البيانات كشفت عن ضعف مستمر في قطاعات أخرى مثل التصنيع والإنشاءات.
هذه الإشارات لضعف سوق العمل (وهو جانب "الركود" في المعادلة) عادةً ما تدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى التفكير في تخفيف السياسة النقدية لدعم النمو. ومع ذلك، فإن تزامن هذا الضعف مع صدمة تضخمية خارجية قوية ناجمة عن ارتفاع أسعار النفط (وهو جانب "التضخم")، يخلق معضلة "الركود التضخمي" (Stagflation) الصعبة.
فالاحتياطي الفيدرالي يجد نفسه محاصرًا بين هدف دعم التوظيف الذي تقتضيه بيانات فبراير، وضرورة مكافحة التضخم المستورد الذي تفرضه التوترات الجيوسياسية. هذا المزيج من تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار يجعل من الصعب تبرير خفض أسعار الفائدة في الوقت الراهن.
الضغط على السلع الغذائية العالمية (القمح وغيره)
لا يقتصر التأثير على الطاقة وحدها، بل يمتد إلى سلة الغذاء العالمية.
- الأسمدة وتكاليف الإنتاج: تمر حوالي ثلث صادرات العالم من الأسمدة عبر مضيق هرمز. إن ارتفاع أسعار الغاز (كمكون أساسي في إنتاج الأسمدة) واضطراب الملاحة يؤديان إلى ارتفاع تكاليف الأسمدة والمواد الصناعية المرتبطة بالطاقة.
- تأثير غير مباشر على القمح: يترجم ارتفاع تكاليف الأسمدة والنقل والشحن (المرتبط بارتفاع النفط) مباشرة إلى ارتفاع في تكاليف الإنتاج الزراعي. هذا يضع ضغوطًا تصاعدية على أسعار السلع الغذائية الأساسية، بما في ذلك القمح وغيره من الحبوب والزيوت النباتية، مما يفاقم من أزمة تكلفة المعيشة عالميًا، خاصة في الدول الفقيرة والمستوردة للغذاء.
التأثير على الاقتصاد العالمي ككل
تتجاوز الأزمة حدود الدول المشاركة لتشمل الاقتصاد العالمي بأكمله:
- أوروبا: تُعد من أكبر المتضررين نظرًا لاعتمادها الكبير على الطاقة المستوردة، فقد شهدت أسواقها في الماضي القريب قفزات حادة في أسعار الغاز والكهرباء، متأثرة بالحرب الأوكرانية، والآن ارتفعت أكثر تأثرًا بالحرب على إيران.
- آسيا: تتأثر الدول الآسيوية الكبرى، مثل الصين واليابان والهند، لكونها مشترية رئيسية للطاقة من المنطقة.
- الأسواق الناشئة: من المرجح أن تعاني الأسواق الناشئة من خسائر مع استمرار حالة الخوف والترقب، واحتمال تأجيل أو إلغاء تخفيضات الفائدة عالميًا، مما يزيد من صعوبة الاقتراض وتدفقات رؤوس الأموال.
- الأسواق المالية: تشهد الأسواق المالية العالمية تقلبات حادة، و موجة بيع في الأسهم والسندات، ولجوء المستثمرين إلى الدولار الأمريكي كملاذ آمن، مع تعديل توقعات خفض أسعار الفائدة.
تُشكل الحرب على إيران أخطر تحدٍ اقتصادي منذ سنوات، فصدمة الطاقة التي يسببها اضطراب مضيق هرمز تهدد بإعادة إشعال التضخم عالميًا، هذه الضغوط التضخمية، مقرونة بالحاجة إلى سياسات نقدية حذرة، ترفع بشكل كبير من مخاطر الركود التضخمي في دول العالم، وخاصة في الولايات المتحدة، مما يهدد بتآكل القوة الشرائية وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي ككل.
إن الإدارة الفعالة لهذه الأزمة تتطلب أدوات سوقية وسياسية حاسمة لامتصاص الصدمة وتجنب عواقبها الوخيمة على استقرار الاقتصاد العالمي.
إلا أنّ الإدارة الأمريكية الحالية لا تبدي أية إشارات أنّها تعمل على وقف هذا الإنزلاق، بل بالعكس، لا يزال أقطابها يصرّحون ليل نهار أنّ الحرب على إيران مستمرة، وأنّها لن تتوقف، الأمر الذي يعني أنّ أسعار النفط سوف تستمر في الصعود، ومعها التضخم العالمي.