في تطور دراماتيكي يُعد الأخطر في تاريخ الصراع الإقليمي الحديث، أعلنت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية فجر الأحد مقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، آية الله علي خامنئي، إثر هجوم جوي مشترك نفذته الولايات المتحدة وإسرائيل واستهدف مجمع إقامته في العاصمة طهران، منهية بذلك حقبة سياسية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود شكلت ملامح إيران والمنطقة بأسرها.
وأكدت وكالة تسنيم الإيرانية شبه الرسمية أن خامنئي، البالغ من العمر 86 عامًا، قُتل خلال الضربة التي نُفذت صباح السبت 28 فبراير، ووصفت الحادثة بأنها استشهاد قائد الثورة الإسلامية في عدوان أمريكي صهيوني مشترك، مشيرة إلى مقتل عدد من أفراد عائلته، بينهم ابنته وزوجها وحفيده، في الهجوم ذاته.
من هو خامنئي؟
لا يُنظر إلى مقتل خامنئي باعتباره مجرد استهداف لشخصية سياسية، بل كضربة مباشرة لبنية النظام الإيراني نفسه، إذ شكّل الرجل منذ عام 1989 مركز الثقل الحقيقي في الجمهورية الإسلامية، والقائد الأعلى للقوات المسلحة، وصاحب الكلمة الفصل في السياسات الدفاعية والخارجية والنووية.
تولى خامنئي منصب المرشد الأعلى عقب وفاة مؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله روح الله الخميني، في مرحلة كانت إيران تخرج فيها من حرب مدمرة مع العراق، وتعاني عزلة دولية خانقة.
على خلاف سلفه الذي مثّل الزخم الثوري والفكري، برز خامنئي باعتباره مهندس الدولة الأمنية والعسكرية التي صاغت استراتيجية إيران الإقليمية لعقود.
ويرى محللون أن تجربته خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي لعبت دورًا حاسمًا في تشكيل رؤيته السياسية، حيث رسخت لديه قناعة عميقة بأن إيران تواجه تهديدًا دائمًا من الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، وهو ما انعكس في تبني سياسة دفاعية هجومية قائمة على الردع وتوسيع النفوذ خارج الحدود.
بناء منظومة القوة الإيرانية
خلال حكمه الطويل، أشرف خامنئي على تحويل الحرس الثوري الإيراني من تشكيل شبه عسكري إلى مؤسسة متعددة الأدوار تمتلك نفوذًا عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا واسعًا، وأصبحت العمود الفقري لاستراتيجية إيران الإقليمية.
كما تبنى مفهوم اقتصاد المقاومة، الذي هدف إلى تقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز الاكتفاء الذاتي في مواجهة العقوبات الغربية المتصاعدة.
ورغم الانتقادات الداخلية التي اتهمت سياساته بإعاقة الإصلاح الاقتصادي والانفتاح السياسي، ظل خامنئي متمسكًا برؤية تقوم على أولوية الأمن والاستقرار على حساب التغيير السريع.
ويقول خبراء في الشأن الإيراني إن خامنئي لم يكن مجرد قائد ديني، بل زعيم دولة خرج من تجربة حرب قاسية مقتنعًا بأن بقاء النظام مرهون بالجاهزية العسكرية والتماسك الأيديولوجي.
طالع أيضا: الشرق الأوسط على حافة الانفجار.. إيران تعلن الحداد وتتوعد بالانتقام
اختبارات صعبة هلال حكم خامنئي
شهدت سنوات حكم خامنئي اختبارات صعبة، أبرزها احتجاجات عام 2009 التي اندلعت عقب الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل، حيث واجهت السلطات المتظاهرين بحملة قمع واسعة أثارت انتقادات دولية حادة.
كما عادت موجات الاحتجاج إلى الواجهة في السنوات الأخيرة، خاصة عام 2022 على خلفية قضايا تتعلق بحقوق المرأة والحريات الاجتماعية، ما كشف عن فجوة متزايدة بين المؤسسة الحاكمة وشرائح واسعة من المجتمع الإيراني، خصوصًا الشباب.
ورغم هذه التحديات، تمكن خامنئي من الحفاظ على تماسك النظام عبر شبكة مؤسسات أمنية ودينية وسياسية متشابكة عززت سلطته المطلقة داخل الدولة.
من طالب حوزة إلى قائد دولة
وُلد علي خامنئي عام 1939 في مدينة مشهد شمال شرق إيران لأسرة دينية من أصول أذربيجانية.
تلقى تعليمه الديني مبكرًا، وتتلمذ في الحوزات العلمية في مشهد وقم والنجف، حيث تأثر بأفكار آية الله الخميني الذي قاد لاحقًا الثورة الإسلامية ضد حكم الشاه محمد رضا بهلوي.
انخرط خامنئي في النشاط المعارض للنظام الملكي، وتعرض للاعتقال والنفي عدة مرات من قبل جهاز السافاك الأمني.
وبعد انتصار الثورة عام 1979، صعد سريعًا داخل هرم السلطة، فتولى مناصب حساسة بينها وزارة الدفاع وإمامة صلاة الجمعة في طهران.
وفي عام 1981، نجا من محاولة اغتيال أدت إلى إصابته بشلل دائم في ذراعه اليمنى، قبل أن يُنتخب لاحقًا رئيسًا لإيران، ليصبح أول رجل دين يشغل هذا المنصب.و
انتقال السلطة.. السؤال الأكبر
رحيل خامنئي يضع الجمهورية الإسلامية أمام أخطر اختبار سياسي منذ تأسيسها، إذ يفتح ملف خلافة المرشد الأعلى في ظروف إقليمية شديدة التوتر، وسط مخاوف من صراع داخلي بين مراكز القوى السياسية والعسكرية والدينية.
ويُتوقع أن يلعب مجلس خبراء القيادة دورًا حاسمًا في اختيار خليفة له، غير أن طبيعة الضربة العسكرية والظروف الأمنية المحيطة قد تؤدي إلى مرحلة انتقالية مضطربة، خاصة مع احتمالات الرد الإيراني على الهجوم.
شرق أوسط على حافة تحول تاريخي
يمثل اغتيال خامنئي نقطة تحول مفصلية تتجاوز إيران نفسها، إذ قد يعيد تشكيل توازنات الردع والتحالفات الإقليمية، ويزيد احتمالات التصعيد العسكري الواسع.
فالرجل الذي قاد إيران لأكثر من ثلاثة عقود لم يكن مجرد زعيم سياسي، بل رمزًا لمرحلة كاملة من الصراع بين مشروع الثورة الإسلامية والنظام الدولي الذي اعتبرته طهران معاديًا لها.
ومع غيابه المفاجئ، تدخل إيران والمنطقة مرحلة مفتوحة على سيناريوهات متعددة، تتراوح بين إعادة ترتيب داخلية للنظام، أو تصعيد إقليمي قد يغير وجه الشرق الأوسط لسنوات قادمة.
ولمتابعة كل ما يخص "عرب 48" يُمكنك متابعة قناتنا الإخبارية على تلجرام